بعد مائة يوم من بداية حرب الأربعين يومًا: بين امتلاك المبادرة الإيرانية ومحدودية الخيارات الأمريكية

تشير جولة التصعيد الأخيرة في المنطقة إلى أن إيران تمضي في ترسيخ مرحلة جديدة من استراتيجيتها الإقليمية والعسكرية، مرحلة تقوم على امتلاك المبادرة وعدم الاكتفاء بردود الفعل. فالتطورات الأخيرة أظهرت أن طهران لم تعد تتحرك فقط وفق منطق الرد على الضربات أو احتواء تداعياتها، بل أصبحت أكثر جرأة واستعدادًا لاتخاذ خطوات استباقية، والمبادرة العسكرية عندما ترى أن الظروف السياسية والعسكرية والميدانية تتيح ذلك.
ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة إذا ما وُضع في سياق ما بعد حرب الأربعين يومًا، التي انتهت بانتقال المواجهة إلى المسار السياسي بعد أن تمكنت إيران من الصمود في وجه الضغوط العسكرية، وأجبرت الولايات المتحدة على العودة إلى طاولة التفاوض. فمن الواضح أن القيادة الإيرانية خرجت من تلك الحرب بجملة من الاستنتاجات والدروس التي انعكست على طريقة إدارتها للصراع وعلى رؤيتها لدورها الإقليمي.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن إيران باتت تنظر إلى نفسها باعتبارها قوة إقليمية لا يقتصر دورها على الدفاع عن أراضيها ومصالحها المباشرة، بل يمتد إلى الدفاع عن شبكة حلفائها وشركائها في المنطقة، باعتبار دورهم الحيوي الذي يؤدونه في إطار المشروع الإيراني الكبير. ومن هذا المنطلق، تبدو طهران أقل قبولًا بسياسات فصل الجبهات عن بعضها البعض، سواء على المستوى السياسي أو العسكري، وأكثر ميلًا إلى ربط مسارات الصراع ضمن إطار استراتيجي موحد.
كما أن التحركات الأخيرة تعكس تطورًا ملحوظًا في طبيعة الدعم الإيراني لحلفائها. ففي السابق كانت إيران تركز بصورة أساسية على تقديم الدعم العسكري والمالي والتقني لحركات المقاومة، مع احتفاظها بمسافة معينة عن الانخراط المباشر في المواجهات دفاعًا عنها. أما اليوم، فتشير المؤشرات إلى استعداد أكبر للمبادرة واتخاذ إجراءات ميدانية مباشرة عندما ترى أن مصالحها ومصالح حلفائها مهددة، وهو تحول يعكس مستوى أعلى من الثقة بالنفس والقدرة على إدارة تبعات التصعيد، وفرض تغييرات على قواعد الإشتباك لم تكن تستطيعها من قبل في ظل سياستها السابقة في “الصبر الاستراتيجي”، والذي ظهر أنه لا يحميها من التهديد والعدوان الشرس .
وفي هذا السياق، يمكن فهم التصعيد الأخير باعتباره رسالة سياسية وعسكرية في آن واحد، مفادها أن إيران لم تعد تقبل بأن تُدار ملفات المنطقة بصورة منفصلة، وأن مصيرها ومصير حلفائها أصبحا، من وجهة نظرها، جزءًا من معادلة واحدة. فإما أن يكون الجميع جزءًا من تسوية سياسية شاملة، أو أن تتحمل الأطراف المعنية تبعات استمرار المواجهة على أكثر من جبهة.
بناءً على ذلك، فإن جولة التصعيد الأخيرة لا يمكن النظر إليها باعتبارها حدثًا عابرًا أو رد فعل ظرفيًا، بل تبدو مؤشرًا على تحول أوسع في العقيدة الاستراتيجية الإيرانية؛ تحول ينتقل بإيران من مرحلة إدارة الصراع عبر الردع وردود الأفعال إلى مرحلة السعي للتأثير المباشر في مسار الأحداث وفرض قواعد اشتباك ومعادلات سياسية وعسكرية جديدة على مستوى الإقليم.
في المقابل، تبدو إسرائيل مدركة لدلالات هذا التحول في السلوك الإيراني، وتسعى إلى كسر المعادلة الجديدة التي تحاول طهران فرضها. بذلك يمكن فهم سبب وتوقيت الضربة الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت، رغم التهديد الإيراني بالرد، وكذلك يمكن فهم الرد الإسرائيلي المباشر على إيران بعد استهداف العمق الإسرائيلي، رغم ما تردد عن طلب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من بنيامين نتنياهو تجنب الرد والتصعيد.
ومع ذلك، فإن محدودية الرد الإسرائيلي قد تكون مؤشرًا على وجود ضغوط أو تفاهمات أمريكية هدفت إلى منع انزلاق المنطقة مجددًا نحو حرب واسعة، في ظل عدم رغبة واشنطن في العودة إلى مواجهة إقليمية شاملة في الوقت الراهن على الأقل، مع عدم استبعاد أن يكون ذلك الموقف مؤقتا نتيجة ظروف وملابسات معينة يترتب عليها لاحقا عودة العمليات العسكرية ضد إيران إذا لم يمكن التوصل لاتفاق يحفظ ماء الوجه الأمريكي على الأقل.
وتبقى الأيام المقبلة حاسمة في تحديد اتجاهات المشهد. فطبيعة السلوك الإسرائيلي وعملياتها العسكرية في العمق اللبناني ستشكل مؤشرًا مهمًا على كيفية قراءة تل أبيب للرسالة الإيرانية. فإذا اتجهت إسرائيل إلى خفض مستوى التصعيد والحد من عملياتها، فقد يكون ذلك دليلًا على استيعابها للمخاطر المترتبة على احتمال تعرضها مجددًا لضربات إيرانية مباشرة، دون غطاء حماية أمريكي كامل. أما إذا واصلت عملياتها العسكرية بوتيرتها الحالية أو صعدتها بصورة أكبر، فإن ذلك سيعني أن إسرائيل لا تزال تراهن على فرض وقائع ميدانية جديدة بغض النظر عن التحذيرات الإيرانية.
ويبقى الموقف الأمريكي العامل الأكثر تأثيرًا في كبح جماح إسرائيل ومنعها من توسيع نطاق عملياتها العسكرية في لبنان، وذلك خشية أن يؤدي التصعيد إلى تدخل إيراني أكبر ومن ثم انزلاق المنطقة مجددًا نحو مواجهة شاملة لا تستطيع أمريكا تحمل تبعاتها في الوقت الراهن. وفي هذا السياق، فإن أي رسائل أمريكية واضحة لإسرائيل تؤكد أن واشنطن لن تشارك في حرب واسعة جديدة ضد إيران خلال المرحلة الراهنة من شأنها أن تدفع تل أبيب إلى ضبط إيقاع عملياتها العسكرية وتجنب التصعيد المفرط.
ويعود ذلك إلى أن إسرائيل تدرك أن خوض مواجهة إقليمية شاملة ضد إيران وحلفائها بمفردها يمثل تحديًا بالغ الصعوبة، وهو ما يفسر سعيها الدائم إلى ضمان الانخراط الأمريكي إلى جانبها في أي مواجهة كبرى. وقد ظهر ذلك بوضوح خلال حرب الأربعين يومًا، حيث وقفت الولايات المتحدة وإسرائيل في خندق واحد خلال المواجهة، ومع ذلك لم يتمكن الطرفان من تحقيق الأهداف الرئيسية التي سعيا إليها عند اندلاع الحرب.
من وجهة نظرنا، فإن استمرار التصعيد الإسرائيلي في لبنان قد يسرّع من احتمالات عودة المواجهة العسكرية على نطاق أوسع، وربما بصورة أشد من الجولات السابقة. وفي مثل هذا السيناريو، تزداد احتمالات انخراط الولايات المتحدة مجددًا في الصراع، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وهو ما قد يُنظر إليه باعتباره نجاحًا إسرائيليًا في دفع واشنطن نحو مواجهة جديدة تخدم الرؤية الإسرائيلية لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية.
وفي هذا الإطار، ترى إسرائيل أن استمرار حالة التوتر والفوضى والصراعات الممتدة في المنطقة قد يفضي إلى إنهاك مختلف القوى الإقليمية واستنزاف قدراتها على المدى الطويل، بما يسمح لتل أبيب بالحفاظ على تفوقها الاستراتيجي والعسكري، وترسيخ موقعها باعتبارها القوة الأكثر تأثيرًا في معادلات الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة.
الموقف الأمريكي والخيارات المتاحة
على الجانب الأمريكي، تشير المؤشرات الحالية، من وجهة نظرنا، إلى أن واشنطن لا ترغب في عودة الحرب خلال الفترة الراهنة. ويعود ذلك إلى مجموعة من الاعتبارات السياسية والاقتصادية، من بينها تزامن المرحلة الحالية مع استضافة الولايات المتحدة لفعاليات دولية كبرى (كأس العالم)، إلى جانب اقتراب الانتخابات النصفية المقرر إجراؤها في نوفمبر المقبل، وهي استحقاقات تجعل الإدارة الأمريكية أكثر حرصًا على تجنب أي تصعيد عسكري واسع قد ينعكس سلبًا على الوضع الاقتصادي الداخلي أو على شعبية الحزب الحاكم.
وبناءً على ذلك، تبدو الولايات المتحدة، في الوقت الحالي، أمام مسارين رئيسيين:
المسار الأول: التوصل إلى اتفاق مع إيران
يقوم هذا المسار على الوصول إلى تفاهم يحقق الحد الأدنى من مطالب الطرفين. فمن جهة، تحصل إيران على مكاسب سياسية واقتصادية وأمنية تراها ضرورية، ومن جهة أخرى تحقق الولايات المتحدة أهدافها المتعلقة بضمان حرية الملاحة وفتح مضيق هرمز وتهدئة أسواق الطاقة وتقليل الضغوط على الاقتصاد العالمي. وفي حال تحقق هذا السيناريو، فإن كثيرًا من الأطراف قد تنظر إلى النتيجة النهائية للحرب باعتبارها نصرا كبيرا لإيران نظرا لتحقق أهداف إيران الاستراتيجية مقارنة بعدم تحقق الأهداف التي سعت إليها واشنطن وتل أبيب عند بداية المواجهة.
المسار الثاني: استمرار الوضع الحالي
يقوم هذا المسار على بقاء حالة الاشتباك المنخفض الحدة دون الوصول إلى حرب شاملة أو اتفاق نهائي. وفي هذه الحالة يستمر الضغط الأمريكي على إيران بأشكاله المختلفة، فيما تواصل طهران استخدام أوراق القوة التي تمتلكها في المنطقة، سواء بشكل مباشر أو عبر حلفائها، مع استمرار احتمالات المناوشات العسكرية المحدودة بين إيران والولايات المتحدة من جهة، وبين إيران وإسرائيل من جهة أخرى.
إلا أن هذا السيناريو يحمل في طياته كلفة مرتفعة على الإقتصاد الأمريكي، وكذلك الاقتصاد العالمي، خاصة فيما يتعلق بأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية. كما أن إطالة أمد هذه الحالة قد تؤدي إلى تراكم عوامل التوتر بصورة تجعل العودة إلى المواجهة العسكرية الواسعة أمرًا أكثر ترجيحًا مع مرور الوقت.
في هذا السياق، قد يكون أحد أهداف واشنطن من تجنب الحرب الشاملة حاليًا هو كسب الوقت وإدارة الأزمة إلى ما بعد الانتخابات النصفية، بما يسمح بإعادة ترتيب الأولويات وتجهيز القدرات السياسية والعسكرية والاقتصادية بصورة أفضل إذا ما تقرر لاحقًا الانتقال إلى مرحلة أكثر تصعيدًا. ولذلك، فإن تأجيل الحرب لا يعني بالضرورة انتهاء احتمالاتها، بل قد يكون مجرد تأجيل لمواجهة أكبر إذا فشلت المسارات السياسية في معالجة أسباب الصراع الأساسية.
هذا هو الاحتمال المرجح لدينا، نظرا لاتساع هوة الخلاف بين الطرفين في جميع الملفات، بما في ذلك الملف اللبناني، ما يمنع من التوصل لاتفاق يرضى عنه الجميع، خاصة بعد خروج إيران أكثر صلابة وجرأة على المواجهة. الأهم هو الإصرار على تحقيق الهدف الأصلي الذي نراه من شن الحرب منذ البداية؛ تحقيق قدر من الفوضى الكبيرة ما قد يؤدي إلى تغيير خرائط المنطقة بكاملها بالشكل الذي يسمح للكيان الصهيوني بفرض هيمنته الكاملة عليها




