“ذا ليفانتين”: الدور الشيطاني لمصر في اقتصاد الحرب بالسودان! – ما الهدف من هذا الطرح؟

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
نشرت “ذا ليفانتين” (The Levantine) – وهي منصة مستقلة للأخبار والتحليلات تركز على منطقة المشرق العربي ومنطقة شرق المتوسط الأوسع، حيث تقدم تغطية وتحليلات تتناول الجوانب السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية في واحدة من أكثر مناطق العالم أهمية وتأثيراً – في 28 أغسطس 2026 مقالاً لـ “كلارا كويل”، وهي مستشار التحرير بالمنصة وكاتبة عمود بها وتقيم في الولايات المتحدة. وجاء المقال تحت عنوان مثير:
Egypt’s Diabolical Stake in Sudan’s War Economy
“الدور الشيطاني لمصر في اقتصاد الحرب بالسودان!”
في واقع الأمر، فإن متن المقال لايعكس مضمون العنوان المثير. فالمقال يتحدث عن تعاون بين الدولة في مصر والجيش السوداني والحكومة السودانية، تعرض الكاتبة من خلاله وكأن مصر تدعم كيانًا إرهابيًا، وليس دولة ذات سيادة، ولها أهمية كبيرة للأمن القومي المصري. يعكس هذا نفس المفهوم الذي يتم الترويج له غربيًا، بأن هناك حربًا أهلية بين”طرفين” في السودان، كلاهما على نفس الدرجة من ممارسة العنف والإرهاب، وليس بين الدولة وميليشيا مسلحة متمردة عن سلطة الدولة، وتسعى لتمزيقها وتفتيت وحدتها، بدعم من قوى خارجية معروفة.
يتماشى ذلك مع الموقف الأمريكي الذي تم الإعلان عنه مؤخرًا من وزارة الخارجية الأمريكية، بأن “القوات المسلحة والدعم السريع لا يمثلان حكمًا شرعيًا بالسودان!“
إن دعم مصر للحكومة السودانية، كان دائمًا من ثوابت الأمن القومي المصري، نظرًا لما تمثله السودان من أهمية بالنسبة لها. لذلك من الطبيعي أن تدعم مصرالحكومة القائمة في السودان، والجيش السوداني، في مواجهة ميليشيا متمردة تسعى لتمزيق البلد، وهو ما يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري، بصرف النظر عن طبيعة الممارسات التجارية القائمة، وتحقيق أرباح من وراء ذلك، فهذا شأن أخر يمكن مناقشته. لكن تناول الموضوع بهذا الشكل يمثل ضغطًا على مصر، وتحريضًا واضحًا ضدها، لدفعها للتخلي عن دعم الحكومة السودانية الشرعية.
إنه مما يثير الدهشة، ويدعو للتساؤل، الحديث عن دور مصر في تجارة الذهب، وربط ذلك بتمويل الحرب الأهلية، مع تجاهل الدور المعروف للإمارات في دعم ميليشيا الدعم السريع وتجارة الذهب التي يقوم بها لتمويل ميليشياته، مما ساهم في استمرار الحرب والتمرد الحادث حتر الأن منذ أكثر من ثلاث سنوات.
تقول كلارا كويل أن مصر تحقق أرباحاً كبيرة من الحرب الأهلية في السودان؛ وتصفها بأنها بمثابة مركز مالي يساهم في تغذية الحرب الأهلية في السودان، وذلك من خلال مشاريع مشتركة تدعمها الدولة المصرية والحكومة السودانية، وسط تحولات استراتيجية في السياسات.
وتتناول كويل بالتحديد الدور الذي تقوم به “الشركة المصرية السودانية” (ESC) باعتبارها نموذجاً لشراكة تجارية على مستوى الدولة، حيث تتيح لمصر الاستفادة من اقتصاد الحرب في السودان دون الانخراط في الصراع. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة إن العقوبات الغربية قد تعمدت تجنب استهداف الكيانات المصرية المشاركة في تلك الأنشطة التجارية، نظراً للدور الدبلوماسي المحوري الذي تلعبه القاهرة في تعزيز الاستقرار الإقليمي وإدارة ملف الهجرة.
وقد جاء المقال على النحو التالي:
قامت مصر – بهدوء وبما يحقق لها مكاسب مالية – بموضعة نفسها في قلب الهيكل المالي الذي يضمن استمرار تمويل الحرب الأهلية في السودان. وتُعد “الشركة المصرية السودانية” ESC – وهي مشروع مشترك يجمع بين وزارة التموين المصرية ووزارة الدفاع المصرية من جانب و”منظومة الصناعات الدفاعية” السودانية من الجانب الآخر – المثال الأبرز على كيفية تمكّن دولة ما من جني عوائد مستمرة من حرب دائرة في بلد مجاور، دون أن تُصنَّف رسمياً كـ “طرف” في ذلك النزاع.
فما تكشف عنه الأرقام لا يشير إلى مجرد نشاط تجاري عَرَضي صادف أن يكون ملامساً لمنطقة صراع، بل إنه يعكس “علاقة تجارية متعمدة مع القوات المسلحة السودانية”؛ علاقة توسعت نطاقاتها بالتزامن مع استمرار أمد الحرب، في حين ساهمت الخيارات السياسية المصرية في تسهيل هذا النمو بدلاً من عرقلته.
تحول في السياسات سبق تحقيق الأرباح
وتكمن إحدى التفاصيل الأكثر دلالةً على ذلك خارج نطاق ذلك التقرير الذي أعدته صحيفة “العربي الجديد” (The New Arab) اللندنية بحد ذاته؛ ففي شهر مايو 2023 – أي بعد شهر واحد من اندلاع الحرب في السودان – ألغت مصر جميع الرسوم الجمركية والضرائب المفروضة على واردات الذهب، بغض النظر عن بلد المنشأ أو الكمية أو كيفية الحصول على الذهب.
في الحقيقة، لم يكن هذا قراراً إدارياً محايداً تم اتخاذه بمعزل عما يجري في الدولة المجاورة، بل كان سياسةً أزالت العائق المالي الرئيسي أمام تدفقات الذهب غير الموثقة – وهي بالضبط نوع التدفقات التي كانت الحرب على وشك التسبب بها – وذلك في اللحظة ذاتها التي بدأت فيها الحرب بتوليد هذه التدفقات من الأساس.

وقد ارتفعت أحجام واردات مصر من الذهب في السنوات اللاحقة لأسباب تتجاوز بكثير النشاط التجاري للشركة المصرية السودانية ESC؛ إذ ساهم في ذلك نزوح أكثر من مليون ونصف المليون من المواطنين السودانيين إلى مصر، حيث حمل الكثير منهم الذهب عبر الحدود كوسيلة لحفظ قيمة أموالهم وأيضاً كوسيلة للتبادل التجاري. وهكذا، عملت الشركة المصرية السودانية في ظل بيئة سياسات كانت قد تشكلت مسبقاً لاستيعاب هذا التدفق، وذلك قبل توقيع اتفاقيات الذهب الخاصة بالشركة نفسها.
عقوبات تتوقف عند حدود القاهرة
ويُبرز سجل العقوبات هذه الفجوة بشكل أكثر حدة. فعندما اتخذ الاتحاد الأوروبي خطوة في يوليو 2026 لحظر شراء واستيراد ونقل الذهب القادم من السودان – إلى جانب الزئبق والسيانيد المستخدمين في عمليات التعدين الحرفي – برّر هذا الإجراء بتصريحٍ واضح وصريحٍ مفاده أن الذهب قد “أصبح مصدراً رئيسياً للإيرادات التي تغذي “الصراع” في السودان.
وفي غضون أيام، أعلنت المملكة المتحدة عن حزمة عقوبات خاصة بها شملت أحد عشر فرداً وكياناً، بمن فيهم ممولون لقوات الدعم السريع يعملون عبر شركات وهمية تتخذ من دبي مقراً لها، وثلاث شركات تعدين سودانية مملوكة للدولة؛ وقد وصف وزير الخارجية البريطاني الهدف من ذلك بأنه كشف “المستفيدين من شبكات خفية غير قانونية”.
ولم تتضمن أي من القائمتين كياناً مصرياً واحداً، وذلك على الرغم من دور الشركة المصرية السودانية ESC في ذات النشاط التجاري الذي تزعم الحكومتان سعيهما لعرقلته. ولا يُعد هذا الاستبعاد بالضرورة سهواً أو غفلة؛ فمصر شريك استراتيجي لكل من لندن وبروكسل في ملفات الهجرة والاستقرار الإقليمي والدبلوماسية المتعلقة بقطاع غزة، وفرض عقوبات على شركة مصرية مملوكة للدولة ينطوي على تكلفة دبلوماسية تختلف في طبيعتها وحجمها عن فرض عقوبات على تجار يتخذون من دبي مقراً لهم أو على شركات تعدين سودانية لا تربطها بالغرب علاقات استراتيجية مماثلة تستوجب مراعاتها.
فجوة هيكلية في إنفاذ العقوبات
ويشير هذا الأمر إلى خلل هيكلي في تصميم نظام العقوبات الحالي؛ إذ تستهدف تدابير كل من الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة نقطة المنشأ (أي الذهب الخارج من السودان) والوسطاء الأكثر بروزاً، بينما تغفل القنوات المرتبطة بالدول في مراحل لاحقة من سلسلة التوريد. وتُفسّر الملاحظة التي ذكرها “سليمان بالدو”، وهو خبير في مجالات تسوية النزاعات، والإغاثة الطارئة، والتنمية، وحقوق الإنسان في أفريقيا – بأن هذه التجارة تعتمد على المقايضة والعملات المحلية تحديداً لتجنب التعامل بالدولار واليورو – سببَ عجز العقوبات المالية التقليدية عن إحداث أثر ملموس في هذا السياق؛ فآلية تلك العقوبات لم تُصمم أصلاً لتطال أنظمة العملات الدولية.
إن نظام العقوبات الذي يحظر السلعة عند مصدرها ولكنه يعفي الدول السيادية التي تعيد تصديرها في مراحل لاحقة، إنما يتعامل مع مرحلة واحدة من سلسلة غسيل معقدة ومتعددة المراحل وكأنها السلسلة بأكملها. وطالما ظل دور القاهرة يمثل استثناءً غير مُعلن في إجراءات إنفاذ العقوبات هذه، فإن تدفق الذهب السوداني إلى الأسواق الدولية – وما يدرّه من عائدات لأطراف الصراع – سيستمر في إيجاد مسار قانوني عبر تلك الثغرة التي تُركت مفتوحة عن عمد.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




