المقترح التركي للإطار الأمني الرباعي بين تركيا وسوريا والعراق وإيران: الدوافع والفرص والقيود

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
تطرح تركيا في المرحلة الراهنة تصوراً لإنشاء آلية أمنية رباعية تضم كلاً من تركيا وسوريا والعراق وإيران، تحت عنوان الانتقال من مسار “تركيا خالية من الإرهاب” إلى نطاق إقليمي أوسع يمكن وصفه بـ”منطقة خالية من الإرهاب”. وقد كشف وزير الداخلية التركي مصطفى تشيفتشي عن الفكرة في 17 سبتمبر/أيلول 2026، موضحاً أن أنقرة ترى إمكانية تطوير آلية تجمع الدول الأربع، بعد مناقشات سبقتها مع الجانب الإيراني حول مصير امتدادات حزب العمال الكردستاني PKK ، والمخاطر المرتبطة بحزب الحياة الحرة الكردستاني PJAK .
ورغم أن المبادرة لا تزال في مرحلة التصور ولم تتحول بعد إلى مؤسسة أمنية أو اتفاق رسمي، فإن أهميتها لا تكمن فقط في مضمونها العملياتي، بل في توقيتها والسياق الاستراتيجي الذي تتحرك داخله أنقرة. فتركيا باتت تدفع خلال عام 2026 بصورة أكثر وضوحاً باتجاه مفهوم “الملكية الإقليمية” للأمن، أي تقليص اعتماد المنطقة على ترتيبات تفرضها أو تديرها قوى خارجية، وبناء آليات يقودها الفاعلون الإقليميون أنفسهم. وقد عبّر وزير الخارجية هاكان فيدان أكثر من مرة عن هذه الرؤية، معتبراً أن دول المنطقة مطالبة بإدارة قضاياها الأمنية من خلال احترام السيادة ووحدة الأراضي والتعاون ضد الفاعلين المسلحين من غير الدول.
من هذا المنظور، لا يمكن قراءة المقترح الرباعي باعتباره مجرد أداة إضافية في مكافحة PKK، بل بوصفه محاولة تركية لربط ثلاثة تحولات متزامنة: إعادة ترتيب الملف الكردي المسلح في الإقليم، استعادة الدولة السورية لوظيفتها الأمنية، وتراجع جدوى الاعتماد الحصري على القوى الخارجية في إدارة الأمن الإقليمي.
أولاً: الدافع المباشر.. إغلاق المجال الجغرافي أمام التنظيمات العابرة للحدود
تقوم الفكرة التركية على فرضية أمنية أساسية مفادها أن إنهاء النشاط المسلح داخل الأراضي التركية لن يكون كافياً إذا ظلت التنظيمات المرتبطة بـ PKK قادرة على إعادة التموضع في الدول المجاورة.
فعلى مدى عقود، استفاد PKK من الطبيعة الجغرافية المعقدة للمثلث الحدودي التركي-العراقي-الإيراني، ثم من حالة انهيار الدولة السورية بعد عام 2011، لبناء شبكات عسكرية ولوجستية عابرة للحدود. وبذلك تحولت الجغرافيا إلى عنصر أساسي في استدامة قدرته التنظيمية؛ إذ كان الضغط العسكري في دولة معينة يسمح للعناصر بالانسحاب إلى دولة أخرى وإعادة تنظيم صفوفها.
المقترح التركي يسعى إلى قلب هذه المعادلة. فبدلاً من معالجة كل امتداد للتنظيم بصورة منفصلة، تريد أنقرة إنشاء بيئة أمنية مترابطة يصبح الانتقال بين ساحاتها أكثر صعوبة. ولهذا ركزت المباحثات التركية-الإيرانية الأخيرة صراحة على تفكيك امتدادات PKK في مناطق مختلفة وعلى مخاطر PJAK، وهو ما يكشف أن أنقرة لا تنظر إلى الملف كقضية داخلية فقط، بل كشبكة إقليمية يجب التعامل معها ضمن نطاق جغرافي موحد.
وفي حال تحول الإطار إلى آلية عملية، يمكن أن يشمل تبادل المعلومات الاستخبارية، وتشديد مراقبة الحدود، وملاحقة شبكات التمويل والتهريب، ومنع انتقال المقاتلين، وربما تنسيقاً بشأن إعادة دمج أو نزع سلاح بعض العناصر التي تخرج من التنظيمات المسلحة. ومن ثم، فإن القيمة الأساسية للمبادرة بالنسبة إلى تركيا تتمثل في تحويل الحدود من نقاط نفاذ تستفيد منها التنظيمات إلى مساحات ضغط متزامن عليها.
ثانياً: المبادرة امتداد لرؤية تركية أوسع لـ”الأمن الإقليمي”
لا يمكن فصل المقترح الرباعي عن الخطاب الاستراتيجي الأوسع الذي تتبناه أنقرة خلال الفترة الأخيرة. فقد كرر وزير الخارجية هاكان فيدان مفهوم “البناء الإقليمي للأمن” و”الملكية الإقليمية”، داعياً دول الشرق الأوسط إلى إدارة خلافاتها ومخاطرها من داخل المنطقة بدلاً من استدعاء القوى الكبرى في كل أزمة. وفي خطاباته خلال 2026، ربط فيدان هذه الرؤية باحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، ورفض استخدام الفاعلين المسلحين من غير الدول أدوات للنفوذ، وبناء تعاون أمني واقتصادي بين القوى الإقليمية.
بناء على ذلك، يبدو الإطار الرباعي جزءاً من محاولة تركية أوسع لإنتاج شبكة أمنية مرنة لا تقوم على تحالف موحد أيديولوجياً، وإنما على مجموعات من الدول تتعاون في الملفات التي تجمعها مصالح مباشرة.
وتظهر هذه المقاربة أيضاً في أطر أخرى دعمتها تركيا خلال 2026، سواء في مجال الدفاع المشترك أو في التنسيق الإقليمي الأوسع. وقد تحدث فيدان صراحة عن “هندسة أمنية إقليمية قائمة على الملكية الإقليمية”، معتبراً أن إنشاء ترتيبات دفاعية بين دول المنطقة لا ينبغي أن يُفهم بوصفه تشكيل محاور مغلقة، وإنما وسيلة لتقليل الفراغ الأمني الذي يسمح بتدخلات خارجية أو بظهور أزمات متكررة.
من هنا، لا يبدو المقترح الرباعي مشروعاً منفصلاً، بل نموذجاً مصغراً لطريقة تفكير تركية تحاول تحويل الجوار المباشر إلى نطاق أكثر انتظاماً أمنياً، تكون أنقرة أحد مراكزه الرئيسية.
ثالثاً: لماذا سوريا؟
تمثل سوريا الحلقة الأكثر حساسية في التصور التركي، لأن المشهد السوري كان خلال العقد الماضي المصدر الأكثر مباشرة للتهديدات الأمنية التي تقلق أنقرة.
الهدف التركي لا يقتصر على تقليص وجود تنظيمات تعتبرها امتداداً لـPKK، بل يتصل أيضاً بإعادة بناء الدولة السورية بوصفها الجهة الوحيدة التي تحتكر السلاح والقرار الأمني داخل حدودها. وهذا يتوافق مع الخطاب التركي المتكرر حول ضرورة اندماج التشكيلات المسلحة داخل المؤسسات الرسمية وإنهاء الهياكل العسكرية الموازية للدولة.
إدخال دمشق في الإطار الرباعي يخدم أنقرة على مستويين. الأول عملي، من خلال تحويل الحدود التركية-السورية من منطقة تعتمد تركيا في ضبطها على انتشارها العسكري المباشر إلى حدود يمكن مستقبلاً إدارتها بالتنسيق مع سلطة مركزية سورية. والثاني سياسي، لأن التعاون الأمني الرسمي مع دمشق يمنح تركيا قناة مؤسساتية لمعالجة الملفات التي ظلت لسنوات محل صراع غير مباشر بينها وبين الولايات المتحدة، وفي مقدمتها مستقبل القوى الكردية المسلحة في شمال شرقي سوريا.
كما أن تركيا تنظر إلى استقرار سوريا باعتباره جزءاً من استقرار محيطها لا مجرد ملف منفصل. وقد شدد فيدان مراراً على أن استعادة الأمن والسيادة في سوريا شرط ضروري لإعادة الإعمار وعودة اللاجئين وتثبيت النظام الإقليمي الجديد.
وبالتالي، فإن مشاركة دمشق ليست عنصراً ثانوياً في الآلية، بل هي أحد الشروط الأساسية لنجاح الرؤية التركية.
رابعاً: العراق والتحول من العمليات العسكرية إلى المؤسسية الأمنية
العراق هو الساحة الأكثر رسوخاً تاريخياً بالنسبة إلى النشاط الخارجي لـPKK، ولذلك يحتل موقعاً مركزياً في أي محاولة تركية لإعادة صياغة الأمن الحدودي.
كانت المقاربة التركية في شمال العراق تعتمد لفترات طويلة على العمليات العسكرية المباشرة، وإقامة نقاط عسكرية، والتنسيق بدرجات متفاوتة مع بغداد وأربيل. لكن الاتجاه الجديد يوحي برغبة أنقرة في تحويل هذه العلاقة من سياسة ميدانية أحادية الجانب نسبياً إلى تعاون مؤسسي طويل الأمد مع الدولة العراقية.
إدخال بغداد في آلية رباعية يحقق لتركيا مكسبين. أولهما توسيع شرعية الإجراءات الأمنية ضد التنظيمات المسلحة عبر إشراك الدولة العراقية مباشرة، وثانيهما تحميل بغداد جزءاً أكبر من مسؤولية منع استخدام أراضيها قاعدة لتهديد الدول المجاورة.
كما أن البعد الأمني يتقاطع هنا مع مصالح اقتصادية تركية واسعة، وعلى رأسها مشروع “طريق التنمية”، الذي يفترض ربط الخليج بالعراق ثم تركيا وصولاً إلى أوروبا. ولا يمكن لمشروع بهذا الحجم أن يحقق جدواه الاستراتيجية إذا ظلت الممرات الواقعة شمال العراق عرضة لتهديدات أمنية مزمنة.
وبالتالي، تصبح مكافحة التنظيمات المسلحة عنصراً في رؤية أوسع تربط الأمن بالبنية التحتية والتجارة والاتصال الإقليمي.
خامساً: إيران.. شريك أمني وخصم جيوسياسي في آن واحد
إدخال إيران هو العنصر الذي يمنح المبادرة أهميتها السياسية الأكبر، لأن العلاقة التركية-الإيرانية تقوم على مزيج معقد من التعاون والمنافسة.
تتقاطع مصالح الدولتين في مواجهة التنظيمات الكردية المسلحة، لكنهما تتنافسان في سوريا والعراق والقوقاز وفي ملفات النفوذ الإقليمي. ولهذا فإن استعداد أنقرة لضم طهران إلى إطار أمني لا يعني تقارباً استراتيجياً شاملاً، وإنما يشير إلى مقاربة وظيفية تفصل ملفاً محدداً عن بقية الخلافات.
بالنسبة إلى تركيا، وجود إيران ضروري لأي آلية تهدف إلى منع إعادة تموضع عناصر PKK أو امتداداته في مناطق جديدة. فمن دون تنسيق مع طهران، قد يؤدي الضغط في سوريا والعراق إلى انتقال بعض العناصر نحو المجال الإيراني أو المناطق الجبلية المشتركة.
أما بالنسبة إلى إيران، فإن التعاون يوفر فرصة لتقليص نشاط PJAK وتعزيز قدرة الدولة على ضبط حدودها الغربية، فضلاً عن منع تحول الملف الكردي إلى أداة ضغط خارجية عليها.
مع ذلك، تبقى إيران الطرف الذي يمكن أن يختبر حدود المبادرة أكثر من غيره. فأنقرة تدفع باتجاه إضعاف الفاعلين المسلحين غير الحكوميين، بينما اعتمدت إيران لعقود على شبكات من الفصائل المسلحة في العراق وسوريا ولبنان كأداة رئيسية لسياستها الإقليمية. وهنا يظهر تناقض محتمل بين الرؤية التركية لـ”احتكار الدولة للسلاح” وبين جزء من الأدوات التي قامت عليها السياسة الإيرانية التقليدية.
ومن ثم، قد توافق طهران على التعاون ضد جماعات كردية مسلحة، لكنها قد لا تقبل بسهولة توسيع مفهوم الآلية ليشمل جميع الفاعلين المسلحين غير الحكوميين.
سادساً: البعد الأميركي.. تقليص الاعتماد لا المواجهة المباشرة
لا يوجد حتى الآن ما يشير إلى أن أنقرة تقدم المبادرة رسمياً كبديل مباشر عن الولايات المتحدة، إلا أن آثارها المحتملة تمس بصورة واضحة جزءاً من الدور الأميركي في سوريا والعراق.
فأحد أكبر الخلافات بين تركيا والولايات المتحدة خلال السنوات الماضية تمحور حول تعريف التهديد في شمال شرقي سوريا. بينما اعتبرت واشنطن “قسد” شريكاً أساسياً في الحرب على داعش، تعاملت معها أنقرة بوصفها امتداداً لـ PKK.
وجود إطار أمني يضم أنقرة ودمشق وبغداد وطهران يمكن، إذا تطور، أن يخلق قناة إقليمية لاتخاذ قرارات تتعلق بمستقبل الجماعات المسلحة في سوريا والعراق بمعزل عن التصور الأميركي.
وهذا لا يعني أن أنقرة تستهدف إخراج واشنطن من الإقليم، بل إنها تحاول تقليل اعتماد أمنها المباشر على تفاهمات ثنائية مع الولايات المتحدة. وكلما توسع التعاون بين الدول الأربع في أمن الحدود ونزع السلاح، تراجعت الحاجة التركية إلى إدارة هذه القضايا عبر واشنطن.
وهنا يتقاطع المشروع مع الاتجاه التركي العام نحو “الملكية الإقليمية”، الذي يؤكد أن الاعتماد على القوى المهيمنة الخارجية لم يؤد تاريخياً إلى بناء استقرار مستدام في الشرق الأوسط.
سابعاً: هل تتجه تركيا إلى بناء مجال أمني خاص بها؟
من الناحية الاستراتيجية، يحمل المقترح مؤشراً على تغير في طبيعة القوة التركية. فتركيا لم تعد تكتفي بالاستجابة للمخاطر القادمة من سوريا والعراق، بل باتت تحاول التأثير في الطريقة التي تُدار بها البيئة الأمنية نفسها. وهذا فارق مهم بين سياسة دفاعية حدودية وسياسة تسعى إلى تشكيل النظام المحيط.
إذا استطاعت أنقرة جمع أربع دول ذات مصالح متعارضة داخل آلية مستمرة، فإنها ستكرس نفسها ليس فقط طرفاً في النزاعات الإقليمية، وإنما وسيطاً ومنظماً لجزء من النظام الأمني الجديد.
غير أن وصف ذلك بمحاولة “هيمنة تركية” سيكون مبالغاً فيه. الأكثر دقة هو القول إن تركيا تسعى إلى توسيع قدرتها على المبادرة وفرض أجندة أمنية ترى أنها مشتركة، مع تجنب بناء تحالف مغلق ضد طرف بعينه.
ويمكن وصف هذا النمط بـ”القيادة الشبكية”، حيث تحاول أنقرة بناء دوائر متداخلة من التعاون تختلف عضويتها باختلاف الملف، بدلاً من تأسيس محور إقليمي واحد ثابت.
ثامناً: القيود البنيوية أمام الإطار
رغم منطق المبادرة، فإن نجاحها بعيد عن أن يكون مضموناً. أول القيود يتعلق بتباين تعريف الإرهاب نفسه. فما تعتبره تركيا تهديداً إرهابياً قد لا يحظى بالتوصيف ذاته لدى كل طرف، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتنظيمات لها امتدادات محلية أو علاقات مع قوى دولية.
القيود الثانية ترتبط بمسألة السيادة. فالعراق وسوريا قد يرحبان بالتعاون الأمني، لكنهما في الوقت نفسه قد يستخدمان الإطار للمطالبة بإنهاء أي وجود عسكري أجنبي أو عمليات تتم دون التنسيق الكامل مع حكومتيهما.
أما القيد الثالث فيتمثل في التنافس التركي-الإيراني. فالطرفان يستطيعان التعاون تكتيكياً ضد بعض الجماعات، لكنهما يختلفان بشأن مستقبل سوريا والعراق وحدود نفوذ كل منهما.
يضاف إلى ذلك وجود الولايات المتحدة في العراق وسوريا، وعلاقة واشنطن بعدد من القوى المحلية، ما يعني أن أي إطار إقليمي سيعمل داخل بيئة لا تزال فيها القوة الأميركية عاملاً لا يمكن تجاهله.
لذلك فإن الانتقال مباشرة إلى تحالف أمني واسع يبدو احتمالاً ضعيفاً. الأكثر واقعية هو أن تبدأ الآلية، إن أُنشئت، بأجندة محدودة: تبادل المعلومات، أمن الحدود، مكافحة داعش، تهريب السلاح والمخدرات، ومنع انتقال المقاتلين، ثم تتوسع تدريجياً إذا نجحت في بناء الثقة.
تاسعاً: السيناريوهات المحتملة
يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية للمبادرة خلال المرحلة المقبلة.
السيناريو الأول هو تحولها إلى آلية تقنية محدودة تركز على تبادل المعلومات وضبط الحدود. وهذا هو السيناريو الأكثر احتمالاً، لأنه يسمح للدول الأربع بتحقيق مكاسب أمنية دون الدخول في خلافات استراتيجية أكبر.
السيناريو الثاني يتمثل في تطورها إلى إطار مؤسسي أوسع يشمل اجتماعات دورية، ومراكز اتصال مشتركة، وتنسيقاً ميدانياً ضد التنظيمات المسلحة. تحقق هذا السيناريو سيتطلب قدراً أعلى من الثقة السياسية، خصوصاً بين تركيا وإيران.
أما السيناريو الثالث فهو تعثر المشروع بسبب اختلاف الأجندات، بحيث يبقى مجرد فكرة سياسية دون ترجمة مؤسساتية. وقد يحدث ذلك إذا حاول كل طرف توظيفه ضد خصوم لا يعتبرهم الآخرون تهديداً مشتركاً.
من المرجح أن تختار أنقرة الدفع باتجاه السيناريو الأول ثم التوسع التدريجي، بدلاً من القفز مباشرة إلى تحالف رسمي يصعب الحفاظ عليه.
خلاصة تقديرية
الإطار الرباعي الذي تقترحه تركيا لا ينبغي النظر إليه فقط كأداة جديدة لمكافحة PKK، بل كاختبار أولي لرؤية تركية أوسع حول شكل الأمن الإقليمي بعد سنوات من الاعتماد على ترتيبات تقودها القوى الخارجية.
المبادرة تعكس إدراكاً تركياً بأن معالجة التهديدات العابرة للحدود لم تعد ممكنة بالعمليات العسكرية المنفردة، وأن نجاح مسار تفكيك الجماعات المسلحة يحتاج إلى تعاون الدول التي تشكل المجال الجغرافي لحركتها.
في الوقت نفسه، يمثل المشروع محاولة لنقل تركيا من موقع الدولة التي تحمي حدودها إلى موقع الدولة التي تشارك في صياغة قواعد الأمن خارج هذه الحدود.
غير أن نجاح هذا التحول سيعتمد على قدرة أنقرة على الفصل بين المصالح المشتركة والخلافات الكبرى. فتركيا وإيران لا تتبنيان رؤية واحدة للمنطقة، وسوريا والعراق لديهما حساسيات عميقة تتعلق بالسيادة، بينما يبقى الوجود الأميركي عاملاً مؤثراً في المشهد.
لهذا فإن القيمة الفعلية للمبادرة لن تقاس بما إذا كانت ستنتج “تحالفاً رباعياً”، بل بما إذا كانت ستتمكن من إنشاء حد أدنى من التنسيق المستدام بين أربع دول ظل أمنها متشابكاً بينما بقيت سياساتها الأمنية منفصلة.
إذا تحقق ذلك، فقد يمثل الإطار خطوة أولى نحو نموذج أوسع للأمن الإقليمي يقوم على مبدأ أن التهديدات العابرة للحدود تحتاج إلى استجابة عابرة للحدود أيضاً. أما إذا تعثرت المبادرة، فسيكون السبب على الأرجح ليس غياب المصالح المشتركة، بل استمرار الخلاف على من يملك حق تعريف التهديد، ومن يحدد قواعد النظام الإقليمي الجديد.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




