الشرق الأوسطترجماتسياسة

ISPI : مصر – الأزمات الإقليمية على المحك

ISPI : مصر – الأزمات الإقليمية على المحك

في 4 فبراير 2026، نشر معهد الدراسات السياسية الدولية (ISPI)  الإيطالي، الذي تأسس عام 1934، أقدم مركز أبحاث مستقل، غير حزبي وغير ربحي، ومقره ميلانو، إيطاليا، مقالاً بعنوان: “ مصر: الأزمات الإقليمية على المحك” لـ “جوزيف دينتيس”، وهو محلل في مرصد البحر الأبيض المتوسط ​​التابع لمعهد الدراسات السياسية الدولية. والمعروف أن معهد ISPI  يقدم للمسؤولين الحكوميين ورجال الأعمال والجمهور بحوثاً وتحليلاتٍ وخيارات سياسية متعلقة بالشؤون الدولية والجغرافيا السياسية والاقتصاد الجيوسياسي.

وقد عمل دينتيس كزميل باحث في مركز الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التابع للمعهد، حيث أجرى أبحاثاً حول القضايا الجيوسياسية والأمنية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ كما عمل مساعداً تدريسياً في الجامعة الكاثوليكية في ميلانو. وتشمل اهتمامات جوزيف دينتيس البحثية أيضاً مصر و “إسرائيل” وأنظمة الحكم في الخليج، والتحولات الاجتماعية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط الكبير.

يقول دينتيس في مقاله إن “الأزمات الناتجة عما يحدث في قطاع غزة والسودان والبحر الأحمر تستمر في إضفاء حالة من عدم الاستقرار على القاهرة، مما يحول الملفات الخارجية إلى مخاطر نظامية”.

وقد جاء المقال على النحو التالي:

على الرغم من أن مصر تمر بمرحلة استقرار نسبي على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، إلا أنها لا تزال عرضة بشدة للصدمات الخارجية التي تؤثر على خياراتها الاستراتيجية. وفي هذا السياق، تُعد أزمة غزة والتوترات القادمة من الجبهة الأفريقية – ولا سيما من السودان والبحر الأحمر – عواملَ رئيسيةً لعدم الاستقرار بالنسبة للقاهرة، مع تداعيات كثيرة تتجاوز البُعد الأمني ​​البحت، مما يُضيّق هامش المناورة المتاح للبلاد ويُبقي على مخاطر عدم الاستقرار النظامية مرتفعة.

الإطار الداخلي

بعد سنوات من التوترات والصعوبات الاجتماعية والاقتصادية المستمرة، يبدو أن مصر تَلِجُ أخيراً مرحلة من الاستقرار والتعافي التدريجي، بفضل مزيج من الإصلاحات الهيكلية والسياسية والمالية والضريبية الأكثر اتساقاً، والتحسن الملحوظ في المؤشرات الاقتصادية الكلية الرئيسية.

فقد انخفض التضخم بشكل حاد (من 38% في سبتمبر 2023 إلى 12.3% في ديسمبر 2025)، وانخفض الإنفاق العام (من 3 مليارات دولار في الربع الأول من عام 2025 إلى 2.5 مليار دولار في الربع الثاني من العام نفسه)، وأظهر نمو الناتج المحلي الإجمالي (فوفقاً لتقديرات الحكومة، سيبلغ الناتج المحلي الإجمالي 4.7% في العام المالي 2025-2026 و5.1% في العام المالي 2026-2027) مرونةً لافتة[1].

وتُقرّ تقييمات صندوق النقد الدولي بالتقدم الملحوظ، رغم إشارتها إلى بعض التأخير في عمليات الخصخصة والتنفيذ الكامل للإصلاحات الهيكلية. ويشهد الناتج المحلي الإجمالي حالياً مرحلة نمو مضمونة بالدرجة الأولى بانتعاش الاستهلاك الأسري، الذي لا يزال المحرك الرئيسي للاقتصاد، وبالزيادة التدريجية في الاستثمار الأجنبي الخاص (حوالي 12 مليار دولار أمريكي في عام 2025).

ويعكس هذا الاتجاه الإيجابي جزئياً زيادة توافر العملات الأجنبية في النظام، نتيجة لتزايد تدفق الموارد من التحويلات المالية الخارجية، فضلاً عن قطاعات السياحة والعقارات (وخاصة تلك الفاخرة) والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى الدعم الدولي المقدم للبلاد – لا سيما من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ودولة قطر – الذي خفف من حدة التوترات النقدية التي شهدتها الفترة الأخيرة[2].

وقد يُسهم الانتقال إلى نموذج نمو أكثر توازناً واستدامة في تعزيز استقرار الاقتصاد الكلي. فإلى جانب الطلب المحلي، يكتسب الاستثمار الخاص والصادرات غير النفطية زخماً متزايداً، مدعوماً ببيئة اقتصادية كلية أكثر استقراراً.

كما أن زيادة مرونة نظام سعر الصرف وإمكانية الوصول إلى العملات الأجنبية بشكل أكثر قابلية للتنبؤ تُقلل من حالة عدم اليقين لدى الشركات والمستثمرين، مما يُشجع على إطلاق مشاريع جديدة في قطاعات السياحة والتصنيع والخدمات اللوجستية. وفي هذا السياق، تُصبح الصادرات غير النفطية أكثر تنافسية بفضل سعر صرف أكثر واقعية وتزايد الطلب العالمي[3].

وفي الوقت نفسه، قد يُتيح التعافي التدريجي للتضخم، المجال أمام سياسة نقدية أكثر تيسيراً من جانب البنك المركزي المصري، الذي قد يُقدم على خفض أسعار الفائدة بشكل مُوجّه لدعم الاستثمار والاستهلاك دون المساس باستقرار الأسعار، وإن كان ذلك في سياق لا يزال مُعرّضاً لتقلبات أسواق الطاقة والغذاء العالمية.

كما تظهر بوادر تحسّن في المالية العامة، على الرغم من أن الوضع لا يزال هشاً. ويُساهم خفض الدعم وضبط أوضاع المالية العامة في احتواء العجز، بينما يستفيد ميزان المدفوعات من زيادة احتياطيات النقد الأجنبي وخفض عجز الحساب الجاري. وبذلك، تُؤكد السياحة والتحويلات المالية والاستثمار الأجنبي على أهمية مصادر العملات الأجنبية، مما يُعزز الوضع المالي العام للدولة.

وقد ساهم، في واقع الأمر، التوجه نحو سياسة مالية أكثر حكمة – القائمة على خفض الدعم، وإدارة أكثر صرامة للإنفاق العام، ومبادرات رقمنة وتوسيع القاعدة الضريبية – في احتواء الاختلالات الاقتصادية الكلية وتعزيز مصداقية البلاد الدولية.

وفي هذا السياق، يبدو من المنطقي افتراض تخفيف معتدل للسياسات التقييدية التي اعتمدها البنك المركزي الأوروبي والحكومة، بناءً على توجيهات من صندوق النقد الدولي، بهدف تهيئة ظروف أكثر ملاءمة للأسر والشركات. كما أن تمديد تسهيل الصندوق المُمدَّد البالغ 8 مليارات دولار، والذي اتفقت عليه القاهرة مع صندوق النقد الدولي عام 2022، والمقرر انتهاؤه في أكتوبر 2026، سيكون له أثر إيجابي مماثل في تعزيز المالية العامة واستمرار المسار الإصلاحي[4].

وبشكل عام، تمر مصر بمرحلة من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي المتزايد، مما ساهم في تعزيز الخطة السياسية والأمنية الوطنية. وقد كان لهذا التطور أثر مباشر على شخصية الجنرال عبد الفتاح السيسي وحاشيته المقربة، الذين تعرضوا لانتقادات في الأشهر الماضية بسبب الضغط الشعبي المتعلق بإدارة الملف الفلسطيني والأزمة في غزة. ورغم أن الصراع لا يزال بعيداً عن الحل، إلا أن تحسن الوضع الاقتصادي الكلي في مصر قد ساهم في تعزيز سلطة السيسي. وبذلك، تمكن الجنرال السيسي من ترسيخ سيطرة الدولة بشكل كبير، ومنع ظهور مراكز قوة بديلة داخل النظام.

وقد أسفر ذلك عن هيكل حكم مركزي وشخصي للغاية، تم من خلاله إرساء توازن جديد بين السلطات السياسية والعسكرية. وفي إطار هذا الهيكل، يتم تهميش المكونات المدنية التي لا تتوافق تماماً مع القيادة الوطنية، أو تُحرم على الأقل من استقلالية حقيقية في صنع القرار. وبالتالي، تشهد مصر مرحلة من التركيز المتزايد للسلطة في أيدي نخبة صغيرة للغاية، تتخللها علاقات شخصية ومؤسسية تُفضل مراكز محددة لسلطة الدولة – ولا سيما القوات المسلحة والأجهزة الأمنية – في سياق يتسم بضيق كبير في الحيز السياسي وانعدام الشفافية[5].

وقد تجلّى هذا الوضع بوضوح خلال انتخابات تجديد مجلسي البرلمان، التي جرت بين نوفمبر وديسمبر 2025. فرغم أن النظام الانتخابي ينصّ رسمياً على الجمع بين قوائم الأحزاب والدوائر الانتخابية الفردية، إلا أن رأس الدولة يحتفظ بسلطة التعيين المباشر لنسبة كبيرة من أعضاء مجلس النواب، ما يعزز نفوذه على السلطة التشريعية. وفي هذا السياق، فاز المرشحون الموالون للنظام بأغلبية ساحقة، بينما رسّخت التعيينات الرئاسية برلماناً خاضعاً إلى حد كبير للسلطة التنفيذية. ويُذكر أن الانتخابات قد شهدت نسبة إقبال منخفضة (32.4%، مقارنةً بـ 29% في عام 2020)[6].

ويعكس انخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات (32.4%، ارتفاعاً من 29% في عام 2020) حالةً من اللامبالاة وعدم الثقة واسعة النطاق تجاه عملية يُنظر إليها على أنها غير تنافسية وغير واضحة المعالم. فعلى الرغم من الخطاب الرسمي المعلن حول الانتخابات الحرة، فإنه يبدو أن العملية مصممة بالدرجة الأولى لتعزيز الوضع الاستبدادي الراهن.

وبالنسبة للبرلمان الجديد، فبدلاً من أن يُمثّل ثِقَلاً حقيقياً موازِناً لسلطة رأس الدولة، فإنه إنما يقوم بدورٍ نفعي في المقام الأول: إذ سيكون قادراً على التأثير في إدارة خلافة السيسي أو الموافقة على تعديلات دستورية قد تسمح له بتمديد فترة حكمه لما بعد عام 2030.

في واقع الأمر، تستمر الآلية الانتخابية المصرية في العمل على المستوى الرسمي، لكنها تؤدي في المقام الأول وظيفة إضفاء الشرعية على النظام السياسي القائم، في حين تظل المؤسسات التمثيلية محدودة هيكلياً في قدرتها على التأثير في السلطة الرئاسية أو تعزيز الإصلاحات. وبالتالي، يقع النظام السياسي الناتج عنها في منطقة وسطى، تتسم بعناصر إجرائية للمشاركة الانتخابية، ولكن بدرجة محدودة للغاية من المنافسة والتعددية[7].

وفي نهاية المطاف، فإنه يبدو أن الوضع في مصر الآن أكثر استقراراً على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، لكن البلاد لا تزال عرضة للصدمات الخارجية الخارجة عن سيطرتها إلى حد كبير. حيث لا يكفي التحسن الاقتصادي وحده لتحييد الضغوط الجيوسياسية المحيطة بالقاهرة والتي تؤثر على خياراتها الاستراتيجية.

ولهذا السبب، سيكون مطلوباً من السلطات المصرية في الأشهر المقبلة إدارة أزمات متعددة ومتزامنة، في محاولة لتحويل فترة الاستقرار الحالية إلى أساس أكثر تنظيماً واستدامة، قادر على دعم البلاد في سياق إقليمي غير مستقر بطبيعته[8].

العلاقات الخارجية

يُطلب من مصر منذ فترة إدارة عدد من الأزمات المعقدة في آن واحد، في سياق يتسم بضيق هامش المناورة. والنتيجة هي سياسة خارجية ذات طابع رد فعل في الغالب، غالباً ما تكون قاصرة عن التعامل مع الديناميات الإقليمية، مما يؤثر بشكل مباشر على الاستقرار الداخلي. وتأتي التهديدات الرئيسية للأمن المصري من الحدود المباشرة – قطاع غزة والسودان وليبيا – فضلاً عن التوترات التي قد تُزعزع الاستقرار والمتراكمة في البحر الأحمر (لا سيما فيما يتعلق بالصراع في اليمن) وفي القرن الأفريقي (مع الإشارة بشكل خاص إلى قضية النيل ومسألة إقليم صوماليلاند). ففي هذه المرحلة التاريخية، لا يُمثل خطر الأزمات الناجمة عن غزة والسودان بالنسبة للقاهرة مجرد ملف أمني، بل عوامل ضغط حقيقية، قادرة على التأثير على الاستقرار الداخلي، والعلاقات مع الشركاء الإقليميين، ومصداقية مصر الدولية، مما يُقلل بشكل ملموس من حرية تحركها[9].

في هذا السياق، لا يزال الصراع في غزة يُمثّل المصدر الأكثر ثباتاً وحساسية للضغط على مصر، لما له من آثار دولية وإقليمية وداخلية متزامنة. فبعد ثلاثة أشهر من توقيع الهدنة بين إسرائيل وحماس، لم تتوقف الأعمال العدائية في القطاع فعلياً، ولا يزال هناك منظور سياسي موثوق به للمرحلة الانتقالية ولإدارة مرحلة ما بعد الصراع بما يخدم مصالح الفلسطينيين. ورغم تعيين إدارة ترامب لمجلس السلام في غزة، وهو هيئة دولية مُصممة للإشراف على الإدارة المدنية وإعادة إعمار القطاع بعد توقيع الهدنة، فقد اعتبرت مصر هذا المقترح أداة “خبيثة” لتقييد حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.

فبينما صُمِّم المجلس للإشراف على لجنة فنية فلسطينية، فإنه يُخاطر بتجاوز الحقوق الديمقراطية للسكان الخاضعين للاحتلال، وترسيخ إدارة تُسيطر عليها قوى خارجية بدلاً من أن تكون من غزة نفسها. وفي الخطط الأمريكية، من المتوقع أن يضم المجلس عشرات الدول (بما فيها مصر)، بهدف الإشراف على تشكيل حكومة تكنوقراطية فلسطينية وإعادة إعمار القطاع. ومع ذلك، لا تزال الحيرة قائمة بشدة فيما يتعلق بعدم اليقين بشأن المشاركة الفلسطينية الفعّالة، وكذلك فيما يتعلق بخطر أن تتنكر الآلية بشكل كبير لمبدأ تقرير المصير في ظل الاحتلال، مما يمنح دوراً بالغ الأهمية للقوى العظمى والخيارات الخارجية[10].

ويبدو مشروع ترامب برمته، من وجهة النظر المصرية، مفتقراً إلى تفويض مشترك حقيقي قادر على تحديد مهام وحدود عمليات ومسؤوليات قوة التدخل بوضوح – رغم ما يحمله من طموحات معلنة جديرة بالإشادة. وبالإضافة إلى ذلك، كما تُستبعد بشكل قاطع أي فرضية لتدخل مصري في سياق أزمة يمكن أن تتعارض مع المصالح الفلسطينية.

ولا يعكس هذا الموقف حكمة استراتيجية راسخة فحسب، بل يعكس أيضاً التدهور التدريجي للعلاقة مع إسرائيل، التي تحولت من تعاون وظيفي في المقام الأول إلى مرحلة تتسم بتوترات كامنة، لا سيما حول معبر رفح وإدارة الأمن على طول الحدود.

وقد تجلى موقف القاهرة الحازم بوضوح عقب البيان الإسرائيلي بشأن فتح معبر رفح (في اتجاه واحد فقط)، بهدف السماح للفلسطينيين الذين لا يملكون حق العودة بالمغادرة. حيث رفضت مصر هذه الفكرة رفضاً قاطعاً، مستندةً إلى الاتفاقيات القائمة التي تنص على حرية التنقل في كلا الاتجاهين، ومؤكدةً بأن أي حل أحادي الاتجاه – بما في ذلك فرضية التهجير القسري – على أنه خط أحمر لأمنها القومي لا يمكن تجاوزه[11].

وقد تعزز هذا الموقف بفعل الرأي العام الداخلي المتعاطف إلى حد كبير مع القضية الفلسطينية، وهو عامل يحدّ فعلياً من هامش المناورة المتاح للسلطات، ويجعل القمع الممنهج للمشاعر الشعبية التي يصعب احتواؤها محفوفاً بالمخاطر السياسية، لا سيما في ظل الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية المستمرة.

وليس من قبيل المصادفة أن الملف الفلسطيني وأزمة غزة، رغم بقائهما محورين أساسيين في العلاقة مع الولايات المتحدة، قد فقدا تدريجياً فعاليتهما كأدوات دبلوماسية لمصر، ويعود ذلك جزئياً إلى النفوذ الإسرائيلي الصارم.

ونتيجة لذلك، لم تُترجم هذه الملفات إلى مكاسب ملموسة لاستراتيجية القاهرة الدبلوماسية. في الوقت نفسه، يثبت المحور الاستراتيجي العسكري مع واشنطن، رغم متانته عموماً، عدم كفايته لحماية مصر من التوترات المتصاعدة والصراعات الإقليمية، التي لا تزال تُضيّق الخناق على قدرة هذا البلد الواقع في شمال أفريقيا على المناورة في مواجهة تطورات الأزمات[12].

وليس من قبيل المصادفة أيضاً أن يبرز السودان، من بين الجبهات الخارجية الرئيسية التي تهدد استقرار مصر، كساحة خطر متزايد. ففي الفترة من شهر إبريل 2023 إلى شهر نوفمبر 2025، عبر نحو 1.5 مليون لاجئ سوداني الحدود، ما جعل مصر الدولة المضيفة الرئيسية للسودانيين. ووفقاً للتقديرات الرسمية، فإن القاهرة تستضيف ما بين 8 و9 ملايين لاجئ ومهاجر، كثير منهم موجودون منذ أكثر من عقد، مع تزايد الضغط على الخدمات العامة وسوق العمل والبنية التحتية، في ظل وضع اقتصادي هشّ أصلاً.

وتتفاقم الأزمة بسبب الحرب الممتدة في السودان، التي أجبرت أكثر من 4 ملايين شخص على الفرار إلى الخارج، وأكثر من 15 مليوناً على النزوح الداخلي، ما أسفر عن عواقب إنسانية وغذائية وخيمة. واستجابةً لذلك، وضعت القاهرة بعض “الخطوط الحمراء” المتعلقة بأمنها القومي، بما في ذلك الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه، وحماية موارده، ودعم مؤسسات الدولة الشرعية. وتعكس هذه المواقف الخشية من أن يؤدي الصراع إلى تقسيم فعلي للدولة الأفريقية، وهو سيناريو تعتبره مصر غير مقبول[13].

وخلال محادثات جرت بين الجنرال عبد الفتاح السيسي والجنرال عبد الفتاح البرهان، حذرت القاهرة من أن تجاوز هذه الخطوط الحمراء التي أعلنتها قد تكون له تداعيات مباشرة على الأمن القومي، بل وألمحت إلى إمكانية تفعيل اتفاقيات دفاعية مشتركة. كما أن الإشارة إلى الوحدة ترتبط ارتباطاً وثيقاً باستقرار حوض النيل[14]، إذ أن تفكك السودان من شأنه أن يُزعزع الاستقرار على طول الحدود الجنوبية وعلى الموارد المائية المشتركة كذلك.

وفي الوقت نفسه، دفع تصاعد العنف مصر إلى تشديد الرقابة على الحدود، بهدف مزدوج يتمثل في إدارة تدفقات الهجرة واحتواء المخاطر الداخلية، مما أدى إلى زيادة تدريجية في التكاليف التي تتحملها المالية العامة لاستقبال وإدارة الأزمة الإنسانية.

ويشمل ذلك أيضاً الضغط الدبلوماسي الذي مارسته القاهرة على سلطات شرق ليبيا، ولا سيما عائلة حفتر، بهدف حثّ حكومة بنغازي على وقف – أو على الأقل عدم تسهيل – نقل الأسلحة إلى مقاتلي قوات الدعم السريع السودانية[15] عبر منطقة الكفرة في جنوب شرق البلاد[16].

وفي هذا السياق، يتأكد أن الملف السوداني ليس مجرد تحدٍ إنساني، بل هو أيضاً خطر استراتيجي قد يزيد من تآكل الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في مصر ويعرض استدامة التعافي للخطر على المدى المتوسط[17].

وتشعر القاهرة بالقلق أيضاً حيال البحر الأحمر، الذي يُمثّل عامل خطر إضافي على الأمن القومي المصري. فقد أدت هجمات الحوثيين على حركة الملاحة البحرية في المنطقة – والتي تستهدف إسرائيل علناً تضامناً مع الفلسطينيين – إلى انخفاض عائدات قناة السويس إلى النصف خلال عام 2025.

ووفقاً لبيانات البنك المركزي الأوروبي، انخفضت العائدات إلى 3.6 مليار دولار، مقارنةً بـ 6.6 مليار دولار في العام السابق، مما زاد من هشاشة النظام الاقتصادي الذي يُعاني أصلاً من ضغوط شديدة. وقد تفاقم هذا الوضع بسبب التصعيد الجديد في البحر الأحمر، المرتبط بالحملة العسكرية التي شنّها المجلس الانتقالي الجنوبي، وهو تحالف محلي مدعوم من الإمارات، في حضرموت وجنوب اليمن، فضلاً عن اعتراف إسرائيل بصوماليلاند[18].

وأدت هذه التطورات إلى مرحلة جديدة وهامة من عدم الاستقرار في منطقة استراتيجية للممرات البحرية والأمن الدولي، والتي كانت تعاني بالفعل من ضغوط شديدة جراء الأزمات الإقليمية التي أعقبت حرب غزة.

لذلك، تواجه مصر، في واقع الأمر، مرحلة حرجة جديدة محتملة، والتي تُهدد ليس فقط التعافي الاقتصادي والاجتماعي الداخلي، بل أيضاً الجهود الأوسع نطاقاً والهشة أصلاً لخفض التصعيد الإقليمي، والتي بدأت بتوقيع هدنة بين “إسرائيل” وحركة حماس في أكتوبر 2025.

وفي هذا السياق، تتشابك مواطن الضعف الاقتصادية بشكل متزايد مع الديناميكيات الجيوسياسية، مما يُقلص هامش المناورة المتاح للقاهرة ويزيد من التكلفة النظامية لعدم الاستقرار الإقليمي[19].


[1] ت. الطبلاوي، “التضخم في مصر مستقر، وقد يفسح المجال لمزيد من تخفيضات أسعار الفائدة“، بلومبرج، 10 يناير 2026

[2] ب. ديفو، “مصر: توقعات إيجابية على المدى القصير“، قسم البحوث الاقتصادية في بنك بي إن بي باريبا، 14 نوفمبر 2025.

[3] وحدة المعلومات الاقتصادية، تقرير بنقرة واحدة: مصر، ديسمبر 2025.

[4] البنك الوطني الكويتي، “مصر ستشهد نمواً محسّناً في عام 2026 مع تقدم الاستقرار واستعادة الثقة“، 30 نوفمبر 2025.

[5] ي. صايغ، “السيسي الأعلى“، مركز كارنيجي للشرق الأوسط، 29 يوليو 2025.

[6] جنوب شرق. إدين، “نسبة المشاركة 32% في أطول انتخابات برلمانية على الإطلاق، بحسب إن إي إيه”، ماناسا، 11 يناير 2026.

[7] آي. كي. حرب، “الديمقراطية المصرية هي ما يصنعها السيسي بيده“، المركز العربي، واشنطن العاصمة، 18 نوفمبر 2025.

[8] م. ف. مبروك، “مصر تعالج المشاكل على الجبهات الخارجية والداخلية والاقتصادية“، في بي. سالم وآخرون (محررون)، الأعمال غير المنجزة ستدفع أجندة الشرق الأوسط في عام 2026، معهد الشرق الأوسط، 16 ديسمبر 2025.

[9] أ. أبو دوح، “ستظل السياسة الخارجية لمصر ضئيلة للغاية ومتأخرة للغاية في عام 2026“، تشاتام هاوس، 19 ديسمبر 2025.

[10] السيد جورجيو، “غزة، اليوم إعلان انضمام 15 دولة إلى مجلس السلام. وهناك أيضاً إيطاليا“، صحيفة البيان، 14 يناير 2026.

[11] أ. أورون، “الأجندة المصرية والعلاقات مع إسرائيل في ظل الحرب في قطاع غزة“، معهد دراسات الأمن القومي، 23 نوفمبر 2025.

[12] ح. حسنين، “قمة مصر وإسرائيل: منطلق للتقدم بشأن غزة؟”، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، 12 ديسمبر 2025.

[13] ح. صادق، “رأي / الخطوط الحمراء لمصر في السودان“، صحيفة ديلي نيوز إيجيبت، 23 ديسمبر 2025.

[14] في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى مقترح الوساطة الأمريكية الموجه إلى مصر بشأن قضية سد النهضة الإثيوبي. انظر: ز. الجندي، “ترامب ينتقد التمويل الأمريكي لسد النهضة، ويؤكد أهمية النيل لمصر“، أهرامولين، 20 يناير 2026.

[15] تُعدّ قوات الدعم السريع الفصيل المُعارض للحكومة المركزية السودانية في سياق الحرب الأهلية. لمزيد من التفاصيل، يُرجى الاطلاع على: سي. تونسيل، “الحرب الأهلية في السودان: دليل مرئي للصراع الوحشي“، ذا كونفرسيشن، 18 ديسمبر 2025.

[16] فريق عمل صحيفة “نيو أراب”، “الجيش المصري يقصف قافلة قوات الدعم السريع قبل أيام من زيارة القائد صدام حفتر إلى القاهرة“، صحيفة “نيو أراب”، 13 يناير 2026.

[17]ماذا تعني الخطوط الحمراء المصرية بالنسبة لحرب السودان؟”، الشرق الأوسط، 20 ديسمبر 2025.

[18] للاطلاع على هذا العنصر المتطور باستمرار والذي له تأثير استراتيجي كبير، انظر: F. Donelli، “اعتراف إسرائيل بصوماليلاند: المنطق الاستراتيجي والآثار الإقليمية“، معهد أوريون للسياسات، 13 يناير 2026.

[19]مصر تقول إن لديها مواقف “متطابقة” مع السعودية بشأن اليمن والسودان“، ميدل إيست آي، 5 يناير 2026.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى