تقديرات

الإخوان المسلمين والقوي الثورية وسيناريوهات المستقبل

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

ما هي سيناريوهات الخروج من الوضع الحالي؟ وما هي شبكة العلاقات الحالية بين الاخوان وداعميها والقوى الثورية؟ وإلى أين يتجه الطرفان في ظل تفكك القوى الداعمة لهما، فضلا عن تصعيد النظام في المواجهات لهما بدرجات متفاوته؟ وما هي إمكانية حدوث تغييرات في أجندة أطراف المعارضة السياسية بحيث يتجهان نحو المصالحة؟ أم يستمر كل طرف منفردا في العمل تحت زعم أنه ليس بحاجة إلى التوافق مع المعارضة؟

مسارات الحسم

أولا: الاخوان المسلمين:

فيما يتعلق بالجماعة نرى أن موقفها الراهن ومستقبلها السياسي يدور حول ثلاث سيناريوهات رئيسة هي القضاء على الاخوان، عودة الجماعة للحكم، التصالح مع النظام وذلك كما يلي:

البديل الأول: القضاء على الاخوان:

ووفق هذا السيناريو تستمر الفعاليات التي تقودها الجماعة ضد النظام رغم سقوط ضحايا في صفوفها، ويستمر النظام في مواجهاته المستمرة ضدها حتى يدفعها جبرا إلى الاختفاء من المشهد. دوافع الاخوان واضحة تجاه هذا التوجه منذ عزل مرسي في موقفها السياسي الذي اختصرته فيما يعرف ب”اللاءات الثلاثة” وهي: لا اعتراف بالانقلاب، لا تراجع عن الثورة، ولا تفاوض على الدماء”، وعليه فالمعركة لديها حتى نهاية النظام الحالي أو نهاية الجماعة. وهذا يعكس في حقيقته أزمات داخلية تتعرض لها الجماعة حيث سيظل السؤال الأساس الذي ستبحث عن إجابة له أمام “قواعدها” هو: ماذا تم من أجل القصاص لضحايا المواجهات الحالية؟ فبدون ذلك فسيتضرر التنظيم بصورة كبيرة باعتباره “فشل” وهذا تحديدًا إحدى أسباب إبقاء المواجهات مستمرة .

وفيما يخص النظام فنشير في البداية إلى أن الرؤية السلطوية للإسلاميين بين خيارين:

الخيار الأول:

إما احتوائهم والسماح لهم بدرجات مختلفة للتواجد، وهو ما حاوله النظام من قبل بترك قناة حوار مفتوحة من خلال التفاوض وطرح المبادرات من قبل عدد من السياسيين (أبرزها مبادرات الدكتور محمد سليم العوا، والنائب البرلماني السابق محمد العمدة) وهذا باء بالفشل نتيجة تمسك جماعة الإخوان بعودة الدكتور محمد مرسي رئيساً للبلاد، وكان رد فعل النظام القبض على حلقة الوصل الأخيرة مع الاخوان، الدكتور محمد علي بشر، وزير التنمية الإدارية السابق، ليكون قرار الجماعة هو الخيار الثوري.

وتعكس هذه الواقعة الرؤية الثابتة لسلطة العسكر تجاه الإسلاميين والتي تتعلق بضرورة الإجهاز عليهم تحت دعوى حماية الدولة المدنية، وتبدو هذه الرؤية هي المسيطرة حاليا حيث يُدفع بالنظام باتجاه التصعيد ضد الجماعة بإيعاز ودعم متنوع من بعض النخب الرافضة للإسلاميين الذين يرون السيسي هو الوحيد الذي يمكن أن يستأصل هذه الجماعة، وتكرار ما فعله الرئيس السابق جمال عبد الناصر ضد الاخوان في الخمسينات والستينات.

ويلاحظ على هذا السيناريو أن هذه الرؤية الثابتة أدت إلى تأزم في الجانب المعارض للنظام الحالي سواء إسلاميين أو غير إسلاميين، وهذا تسبب في عدة نتائج أبرزها انشقاقات تدريجية في صفوف مكونات التحالف، فقد رأت القوى المعارضة أن التحالف لا يملك ذراعًا فعالة في الخارج، فضلا عن عجزه عن توسيع دائره داعميه من قوى ثورة يناير 2011 ولها مواقف معارضه لحكم السيسي وسياساته.

الخيار الثاني:

يشير إلى أن استمرار تصعيد النظام ضد الجماعة سيؤدي إلى تآكل قوته الشعبية لأسباب مختلفة أبرزها الأداء الضعيف في الملفات الاقتصادية والاجتماعية التي بشر بها، فضلا عن أن استمرار السياسات الأمنية القمعية ستفسر تدريجيا لصالح الاسلاميين تحديدا حيث سيقوي من طرحهم بأنه نظام معاد للإسلام، خاصة بعد فشله في استمرار إدماجه لقطاعات إسلامية ممثلة في جماعة الدعوة السلفية، والتضييقات عليها في الدعوة. وهذا سيصب مباشرة في اتجاه التيارات الجهادية والتي هي المستفيد الأول من تضييق الآفاق السياسية. مع ملاحظة أن فكرة القضاء التام على تيار إسلامي لم تنجح تاريخياً، فرغم القبضة الأمنية الصارمة لنظام عبد الناصر في مواجهته للإخوان استطاعت الجماعة إعادة انتشارها في السبعينات باستراتيجيات مختلفة عما كانت عليه سابقا.

دوافع وأدوات الجماعة للصمود:

1- قوة التنظيم: فالأحداث السياسية أثبتت قوة التنظيم على الصمود، خاصة مع استمرار الفعاليات الاحتجاجية كذلك استمرار العمل اليومي الخاص بالجماعة والمنتمين إليها.

2- خطاب المحنة والابتلاء: فطوال تاريخ الجماعة تعرضت للقمع من قبل الأنظمة واستطاعت الابتعاث من جديد، لذا فالجانب التربوي أدى إلى التعايش مع فكرة المحنة والصبر على الابتلاء، وهو ما ترتب عليه منة وخطوة جديدة للتنظيم.

3- عقلية الأخذ بالثأر: يدفع رغبة القواعد في القصاص وقيادات الجماعة تعرف الوضع جيدا وهذا يدفع نحو الاستمرار خاصة وأن غالب التنظيم يعاني نفسيا جراء فقدان رفاقهم في المواجهات وغياب القصاص لهم فضلا عن استمرار الانتهاكات الحادثة ضدهم، وهذا يغذي من فكرة الثأر حيث لن يقبل الشباب بأي تنازل ولو حدث ذلك فسوف يدفعهم ذلك إلى الاقتصاص بنفسه ولن يلتزم أحد بأي قرار تنظيمي.

4- اللا مركزية في العمل: أدت الأزمة وغياب القيادات سواء بالخارج أو بالسجون إلى توجه التنظيم نحو اللامركزية حيث خلقت التجربة قيادات شبابية جديدة فرضت نفسها حيث استطاعت تسيير أمور الجماعة في ظل الأزمة، فأصبح الشباب لهم مطلق الحرية في جوانب الفعاليات المختلفة في حين أن للقيادات اليد الطولى في وضع الاستراتيجيات.

5– التنوع في المشاركات ونشاط الأخوات والطلاب: حيث أدى النشاط الكبير للأخوات في الجماعة إلى إعادة بث روح المقاومة فيها كذلك النشاط الطلابي في الجامعات والذي يصب في جانب استمراية الجماعة في المشهد.

البديل الثاني: عودة الجماعة للحكم

وهذا على صورتين:

الأولى: تمكن الجماعة من الصمود:

وفي هذا السيناريو تعتمد الجماعة على توسيع دائرة داعميها في الداخل بتكوين تحالفات مرحلية من قوى ثورية حالية أو جديدة مع خلق خطاب جديد يجمع هذا التنوع، ويحركه باتجاه عودتها للحكم مقابل ضمانات بامتيازات محددة لهم في المرحلة التالية عقب ازاحة النظام. ويستند هذا السيناريو إلى وجود دعم خارجي يتمثل في التصعيد الدبلوماسي والقانوني لإخفاقات النظام في الملفات السياسية والاقتصادية للمجتمع الدولي من أجل دفعه للقيام بضغوطات على النظام الحالي من أجل انسحابه من المشهد لتحسين الأوضاع، وتدفع إدارة هذا المشهد باتجاه الجماعة حيث تكون هي الأقدر بطبيعة التنظيم والداعمين على تصدر المشهد من جديد، مع التوافق على مرشح للجماعة سواء مرسي أو بآخر من التنظيم بمشاركات نسبية لقوى سياسية أخرى.

الثانية: قيام بمراجعة ذاتية للتجربة والاعتراف بأخطائها دون أي شروط مسبقة أو اتفاقات مع النظام، وينتج عن هذا التصرف سيناريوهين:

الأول: إعادة بناء الجماعة لتحالفات جديدة: وهذا يرتبط بتوجه مماثل من القوى الثورية ومراجعة لتجربتها، ويكون الهدف هو اسقاط النظام العسكري لصالح الاخوان مع ضمانات لداعميها بمشاركتها في التجربة. والجدير بالذكر أن جزء رئيس من التوتر الحادث بين الاخوان المسلمين والقوى الثورية ليس مطلب “عودة مرسي” فقط، بل وجود خلفيات سلبية في العلاقات السابقة بينهما منذ ثورة 25 يناير 2011، فالقوى الثورية ترى أن جماعة الإخوان انفردت بالمشهد السياسي عقب تنحي حسني مبارك عن الحكم في 11 فبراير 2011، حيث بدأ التقارب بين المجلس العسكري والاخوان على حساب القوى الثورية، مع الالتفاف على مطالب الشباب بالتغييرات الجذرية مقابل التهدئة بدرجات متفاوتة من مرحلة لأخرى.

في حين أن للاخوان المسلمين – شبابًا وكبارًا – تحفظات على المشاركة مع القوى الثورية نتيجة تراث من الخذلان حيث تأخذ الجماعة عليهم مشاركتهم في الانقلاب، والقول بأن 30 يونية غير 3 يوليو، حيث تؤكد الجماعة أن لديها معلومات أن القوى الثورية كلها قبل 30 يونيو كانت تعرف بما سيحدث حيث اجتمعوا مع قيادات الجيش وقيل لهم في هذه الاجتماعات بأنهم – أي الجيش – سينزلون الشارع بشرط وجود دماء لإعطاء سبب للنزول فضلا عن ضرورة وجود غطاء سياسي لذلك النزول، وتم التوافق على أن تكون الدماء مسئولية الفلول في حين يكون على الشباب توفير غطاء سياسي. وقد اعترف مؤخرا أحمد ماهر مؤسس حركة 6 أبريل بجزء من هذه الاتفاقات في مقال له عقب سجنه بعنوان “للأسف كنت أعلم”( )، فضلا عن سكوت القوى الثورية عما حدث في رابعة، وما يحدث من اعتقالات وانتهاكات للإخوان في السجون.

وفيما يخص هذا السيناريو فالعائق هو احساس كل طرف بأن الآخر يريد أن يفرض عليه شروطا للتفاوض دون أن يقبل بأي شروط وهذا ما يحول دون جلوس الطرفين للتفاوض حتى الآن، فلكي يكون هناك تنازل يجب أن يجلس الطرفين مع بعض ويتناقشوا، وهذا لم يحدث.

ويرى شباب الجماعة أن الإشكالية ليست في مطلبهم بتنازل الجماعة عن فكرة “عودة مرسي” حيث أن المشكلة الحقيقية هي خوف هذه القوى من ضريبة النزول سواء قتل أو اعتقال.

الثاني: الانسحاب من المشهد السياسي: ووفق هذا السيناريو تستمر الجماعة في اعلان رفضها للأوضاع الحالية، مع محاولات إعادة تكوين الصورة الذهنية لها في المجتمع بالتركيز مرحليا على العمل الدعوي حتى تكون قادرة على إعادة تكوين التنظيم فكريا وتربويا والاعداد لمرحلة الحكم كيلا تُعيد سلبيات التجربة، مع الحرص على وجود توافق مع القوى الثورية حول مرشحها / مرشحيها الذي يتم اعدادهم وفق برنامج محترف قبل أن تعيد تبني العمل السياسي وتصدر المشهد السياسي.

وترتبط مدة تجميد الجماعة لنشاطها السياسي لحساب نشاطها الدعوي على معطيات الواقع وقدراتها الذاتية وطبيعة العلاقات المتولدة من مراجعتها الذاتية وانعكاس ذلك على المجتمع ومدى تقبله لهذه الخطوة، فضلا عن ردود أفعال النظام الحالي تجاه هذه الخطوة، كذلك التالي في حال تغير شخص الرئيس في فترة تجميد الجماعة لعملها السياسي.

البديل الثالث: التصالح مع النظام

وهذا التصالح يكون من خلال عدة صور:

الصورة الأولى: الانقلاب الداخلي:

ووفق هذا السيناريو – الذي يراهن عليه الاخوان كثيرا – يحدث انقلاب داخلي على الرئيس عبد الفتاح السيسي من قبل الجيش الذي يسعى إلى التضحية به للحفاظ على الصورة الذهنية للمؤسسة والتي أدت المواقف السياسية المختلفة خاصة التسريبات المنسوبة لقيادات عسكرية رفيعة المستوى فيما يخص قضية مرسي إلي التأثير السلبي عليها، فضلا عن مصالحها الاقتصادية المختلفة ورغبتها في امتصاص غضب الشارع الذي قد ينفجر في أي وقت نتيجة الاخفاقات المتتالية في الملفات الاقتصادية. وبذلك تؤدي هذه الخطوة إلى تأخير هذا الانفجار فضلا عن تهدئة حدة المواجهات مع رافضي السيسي إلى حين الوصول لاتفاق نهائي.

ووفق هذا الطرح يتم الدفع بقيادة عسكرية جديدة خارج الأسماء الموجودة في الساحة أو تنصيب رئيس مدني يكون واجهه للعسكر لفترة قبل حدوث انتخابات ويتزامن مع ذلك:

• منح النظام الجديد مزايا مختلفة للإخوان وانهاء قضاياهم بصورة تدريجية سواء بمحاكمات لعدد من القيادات المسئولة عن تصعيد المواجهات في العامين الماضيين ضد الجماعة خاصة ما يتعلق بفض اعتصامى رابعة والنهضة

• الإفراج عن المعتقلين ممن لم يثبت عليهم مشاركتهم في جرائم فعلية

• التوافق على مساحة لحركة الجماعة بصورة غير رسمية مع عدم التضييق الأمني عليها مثلما كان عليه الوضع في عهد مبارك

• التوافق على نسبة تمثيل للجماعة في البرلمان وفي بعض المناصب العليا سواء في الوزارات أو المحافظين.

• الوصول لحل فيما يخص الموقف القانوني لمحمد مرسي سواء بانهاء موقفه القانوني أو تحديد اقامته فترة مع صدور قرار بعزله سياسيا مع غيره من بعض القيادات العسكرية.

إلا أن ما يقلل من احتمالات قبول الإخوان لهذا البديل (في حالة حدوثه) إصرارها على أن موقفها هو رفض الانقلاب العسكري وليس السيسي فقط – حيث لو غادر الحكم يجب محاكمته والاقتصاص للثوار – فضلا عن ضرورة عودة الجيش لثكناته يحيث يكون الحكم مدني، كما أن استمرار مرسي ليس شرطا، فانكسار الانقلاب يكون بعودة النظام ثم عرض الأمر على الشعب سواء عبر الانتخابات أو الاستفاء.

الصورة الثانية: توافق باستمرار السيسي حتى نهاية فترته:

ووفق هذا السيناريو يتم التوافق حول اكمال المدة القانونية للسيسي بشرط اجراء انتخابات حرة بعدها بدون مشاركة السيسي أو مرسي مع ابتعاد الجماعة عن المشاركة فيها إلى ما بعد انتهاء المدة الانتقالية مقابل منحها بعض المزايا، كما سبق وأشرنا في السيناريو السابق، ويتم هذا السيناريو برعاية إقليمية ودولية تدفع باتجاه تنفيذ ذلك.

الصورة الثالثة: اعتذار السيسي لظروف صحية عن اكمال مدته:

ووفق هذا السيناريو يعتذر السيسي عن اكمال مدته مع التوافق بين الجيش والجماعة والقوى الثورية حول مرشح مدني كمرحلة انتقالية مع احتفاظ الجيش برئاسة الوزراء، وابتعاد الجماعة عن المشاركة في أول انتخابات رئاسية عقب انتهاء المدة الانتقالية مقابل منحها بعض المزايا كما سبق وأفردنا في بنودها، ويتم هذا السيناريو برعاية إقليمية ودولية تدفع باتجاه تنفيذ ذلك.

ثانيا: القوى الثورية:

أما فيما يتعلق بالقوى الثورية فنرى أن مستقبلها السياسي يدور حول ثلاث سيناريوهات رئيسة وهي: إستمرار التصعيد ضد النظام حتى القضاء عليها – تحالفهم مع الجماعة – التصالح مع النظام

السيناريو الأول: إستمرار التصعيد ضد النظام حتى القضاء عليها

ووفق هذا السيناريو تستمر المعركة الصفرية التي تقودها القوى الثورية ضد النظام رغم تشرذمها ورغم سقوط ضحايا في صفوفها، مع تحالفات أو تنسيقات في بعض المراحل مع القوى الإسلامية المعارضة للنظام مع استمرار النظام في مواجهاته المستمرة ضدها حتى يدفعها جبرا إلى الاختفاء من المشهد.

أدوات القوى الثورية في الصمود:

تستمر الهذه القوى في تصعيدها لرفضها فكرة الحكم العسكري ويساعدها في ذلك أمرين:

1- تنوع القوى وظهور قوى جديدة: حيث تتميز الحالة الثورية بتنوع مستمر في المجموعات بدخول فاعلين جدد باستمرار يمكن أن يتم التوافق معهم في تصعيد قضاياهم، بحيث تصب في النهاية في صالح المعارضة للنظام الحاكم مثل الحركة الطلابية وحراكهم النشط في الجامعات المختلفة، فضلا عن الحركات الاحتجاجية لأسباب قانونية واجتماعية ومهنية مثل “الحرية للجدعان” والتي تم تدشينها من أجل بحث الإفراج عن النشطاء السياسيين المحبوسين، فضلا عن حراك النقابات المهنية .. إلخ. كذلك نجد حراك شبابي مختلف تمثل فيما يسمى “حركة المقاومة الشعبية” والتي تمثل نشاطها في قطع الطرق والتصدي لقوات الأمن واختراق بث إذاعات وفضائيات، وإحراق حافلات نقل عام ومبانٍ حكومية مختلفة وشبكات الهاتف المحمول، .. إلخ.

2- اللا مركزية في العمل: ويتميز هذا التنوع في لا مركزي العمل والحركة حيث يتحركون بشكل عنقودي نتيجة تنوعهم، فإن كان يعاب على هذه القوى تشرذمها وعدم التوحد في كيان واحد فإن مجرد التوافق العام على أهداف محددة، مع ترك اللامركزية في الحركة والتخطيط التكتيكي يؤدي لإطالة أمد الحراك.

السيناريو الثاني: تحالف القوى الثورية مع جماعة الإخوان:

ويمكن أن يتم هذا التحالف على صورتين:

الصورة الأولى: استطاعة الجماعة الصمود في الداخل مع تحالفات مرحلية من قوى ثورية حالية أو جديدة مرتبطة بدعم خارجي سياسي أو اقتصادي يضغط على النظام من أجل انسحابه من المشهد، وبالتالي تكون الجماعة هي الأقدر بطبيعة التنظيم والداعمين على تصدر المشهد من جديد سواء بواسطة مرسي أو بآخر من التنظيم.

الصورة الثانية: القيام بمراجعة ذاتية للتجربة والاعتراف بأخطائها وينتج عن هذا التصرف عادة بناء تحالفات جديدة مع غيرهم من الإسلاميين والقوى الثورية ويكون الهدف هو اسقاط النظام العسكري، مع ضمانات لداعميها بمشاركتها في التجربة والتمثيل السياسي وقد يكون هذا الحراك إما لصالح الاخوان ومرشحها سواء محمد مرسي أو غيره من أبناء الجماعة أو لصالح مرشح مدني.

السيناريو الثالث: التصالح مع النظام

ووفق هذا السيناريو يتم التصالح بين القوى الثورية والنظام بعد عدة ضربات أمنية يتم توجيهها لهم يتم انهاكهم فيها ليتم فيما بعد استخدام سياسات الاحتواء المتنوع لهذه المجموعات مثلما يحدث مع باقي القوى الداعمة سواء أكانت تقليدية من ميراث عهد مبارك أو “ثورية” ممن يدعمون النظام الحالي.

ماذا بعد؟

بعد الاستعراض السابق للمسارت التي يتوقع أن تحسم بأيها حالة الصراع الحالية نرى من واقع تحركات الجماعات الثورية والاخوان المسلمين أن النموذج الأقرب لها وفق معطيات الواقع هو النموذج الأول والمتعلق برغبة النظام في القضاء على الاخوان، وقطع سبل التواصل مع الجماعة بعد اعتقال الدكتور محمد على بشر مما دفع الجماعة إلى حسم أمرها واعلان الخيار الثوري بعد فشل المفاوضات( )، حيث ستستمر المعركة الصفرية بين الطرفين. ومن خلال ممارسات الجماعة نرى أن إستمرار تمسكها بلاءاتها الثلاث وتحديدا ما يتعلق بعودة مرسي للحكم ، يشير لأمرين:

الأول: يؤكد أنها ليست بحاجة فعلية لقوى داعمة وترى قوة تنظيمها كافية للإستمرار ، ولذلك ظلت الجماعة المسيطرة على تحالف الشرعية واتخذته واجهة سياسية لها لظروف المرحلة.

والثاني: أنها ستؤدي بالتحالف نحو مزيد من الخسارة سواء المادية – باستمرار المواجهات الأمنية ضدها وحملات الاعتقالات والضحايا التي تسقط في مظاهراتها. أيضا الخسارة السياسية والمتعلقة بتناقص القوة السائلة الداعمة لها – إسلامية أو غير إسلامية – نتيجة فقدان أي تقدم حيث يكاد تحل مطلب عودة مرسي محل شعار عودة الشرعية ، فضلا عن أن داعميها لن يظلوا وقودا لمعارك تنظيم يبحث عن استعادة المشهد السياسي بكل تفاصيله( )، حيث يرون أن تجاوز عودة مرسي هو باب تجاوز الأزمة( ).

وسوف تؤدي هذه المعركة الصفرية إلى أمرين:

الأمر الأول: يتعلق بشباب التنظيم:

حيث هناك من يرى أن بعض شباب التنظيم بدأ يفقد الثقة فى القيادات وفى الأداء السياسي الحالي، فبدأ هؤلاء في تجميد نشاطهم في الجماعة سرا ولم يعد يشارك في فعالياتها بحجج مختلفة كيلا يتعرض لأزمات تنظيمية تستمر معه فيما بعد حتى لو انتهت إعتراضاته ذات يوم. أيضا دفعت الأوضاع الآنية بعضهم لانتقاد الجماعة علنا والقول بأنها “لا تعرف ما هو هدفها أصلًا، لا تعرف حجمها وأدواتها لتحدد أهدافها بالأساس؟ وطالب بأن يكون حل الجماعة ورقة يتم التلويح بها للتفاوض مع النظام للإفراج عن المسجونين ووقف الأحكام الصادرة فى حقهم كذلك لتُعيد الجماعة ترتيب أوراقها داخليا وتحدد أهدافها بوضوح وتخلق كوادر ونخبة وقيادة جديدة تقود الجماعة فى ظرف إقليمى وتاريخى حساس” ( ).

الأمر الثاني: يتعلق بحرمان الجماعة من أي تقارب مع القوى الثورية المعارضة للنظام الحاكم:

رغم أن الأكثر انفتاحا على الاخوان هما جبهتي 6 ابريل والاشتراكيين الثوريين أما باقي الحركات تفضل مسار الطريق الثالث( ) – كذلك دعم قطاعات شبابية متجددة ولها قوة في المشهد السياسي بدرجات متفاوتة مثل الحركة الطلابية في الجامعات ( ) وغيرها من الحركات الفئوية المختلفة المتضررة من استمرار سياسيات عبد الفتاح السيسي ، وتقاربه مع رموز عصر مبارك.

أما القوى الثورية فالأوضاع مرتبكة لها نتيجة تشرذمها والخلافات بينها لذا نرى أنها ستستمر في التصعيد ضد النظام مستفيدة من أخطاء سياساته المستمرة للحشد ودعم فاعلين جدد خاصة طلاب الجامعات.

خلاصة وتوصيات

حتى يمكن تفادي السيناريو الراهن الذي تتحرك فيه جماعة الإخوان المسلمين والقوى الثورية، تبرز مجموعة من التوصيات والمقترحات، من بينها:

1ـ فيما يخص النظام الحاكم:

• ضرورة التهدئة وإبقاء قنوات اتصال مفتوحة مع القوى المعارضة.

• وقف حملات الاعتقال المستمرة ضد القوى المعارضة له.

• ضرورة حسم ملف المعتقلين خاصة من تم اعتقالهم عشوائيا أثناء مشاركاتهم في المظاهرات.

• إعادة تهيئة الأوضاع العامة لإستيعاب الجماعة خاصة بعد الحرب الإعلامية والسياسية الشرسة ضدها.

• العمل على الحد من عودة رموز عهد مبارك التي بدأت تعود للحياة السياسية بدرجات متفاوتة، وإعادة محاكمتهم.

• محاكمة المتورطين في المواجهات الدامية التي تعرضت لها الجماعة كبادرة حسن نية.

• التوافق على نسبة للقوى المعارضة في البرلمان.

2ـ فيما يخص الإخوان والقوى الثورية:

• يتوجب على الجماعة ضرورة تقييم المشهد الحالي وفق الواقع الفعلي الذي تمتلكه – وليس بناء على إشاعات يتم إطلاقها من وقت لآخر فيما يخص وجود غضب مكتوم داخل الجيش وأن حل الموقف مبدئيا سيكون من خلال انقلاب داخلي على السيسي – وإعادة تقييم الأوضاع داخل التنظيم وخلق حوار داخلي للدفع بالتنظيم إلى تهدئة بشروط مع النظام من أجل الوصول لحل .

• هذا التوجه يجب أن تشاركها فيه القوى الثورية المعارضة للنظام كي يتم التوافق على نقاط بعينها، وأن يجتمع طرفي المعارضة ضد نظام السيسي خاصة أن كل طرف ينتظر أن يتنازل الطرف الآخر عن بعض مواقفه، وباستمرار غياب الحوار بين الطرفين، وتعدد شروط ما قبل التفاوض، فإن ذلك يحول دون الوصول لحسم للأزمة، سواء ما يخص عودة مرسي أو مدى استعداد القوى الشبابية لتحمل ضريبة هذه الأزمة، فلكي يكون هناك تنازل يجب أن يجلس الطرفان معا ويتناقشوا، وهذا لم يحدث.

3ـ فيما يخص الأطراف الأخرى الداخلية والخارجية:

إن هذه الخطوات الداخلية يجب أن تدعمها مبادرات هامة داخلية وخارجية، وعلى أعلى مستوى سواء من القطاعات المتحالفة مع النظام والتي ترى خطورة استمرار التصعيد فضلا عن مواقف النقابات المهنية والشخصيات العامة الداعية للتهدئة. كذلك ضرورة وجود ضمانات لتنفيذ التهدئة تساعد على تحقيق هذه التوافقات سواء من قبل مؤسسات إقليمية مثل جامعة الدول العربية، كذلك أوربا والولايات المتحدة الأمريكية.

 

—————————-

( ) الأراء الواردة في هذه الدراسة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات، ولكن تعبر عن وجهة نظر كاتبها
– أحمد ماهر ، للأسف كنت أعلم ، مقال، موقع مصر العربية ، على الرابط التالي: http://goo.gl/rhV7PL
( )في مقابل هذه الرؤية تري جماعة الإخوان المسلمين أن هذا الموقف تم حسمه من قبل وليس نتيجة لاعتقال الدكتور محمد على بشر، كما لم تكن هناك أية مفاوضات حقيقية من جانب الجماعة مع النظام العسكري بعد انقلاب 3 يوليو.
( ) وفي هذا السياق تري الجماعة أنها لم يصدر عنها إطلاقاً أنهم يريديون استعادة المشهد السياسي بكل تفاصيله، بل وفق رؤي جديدة وتوافقات جديدة ركيزتها الأولي تحقيق أهداف ثورة 25 يناير
– في مثل هذه المحاولات انظر ما سمي بمبادرة العشر مبادي أو وثيقة  بروكسل التي أعلنها معارضون مصريون في مايو 2014 ، دون أن تتضمن تلك التعديلات عودة الرئيس المعزول محمد مرسي، واكتفت بالتشديد على “ضرورة إسقاط الانقلاب”، و”عودة الجيش إلى ثكناته”، و”مشاركة الجميع في إدارة مرحلة انتقالية ناجحة”، و”القصاص للشهداء والمصابين والمعتقلين” انظر: ننشر التعديلات على مبادئ “وثيقة بروكسل”، جريدة  المصريو، على الرابط التالي :  http://goo.gl/UfIpE4 ، وفى بيان أصدرته الجماعة تعليقا على الأمر قالت: «يؤكد الإخوان المسلمون أن استعادة المسار الديمقراطي تعني بوضوح احترام إرادة الشعب المصري والتي عبر عنها في استحقاقات انتخابية عديدة شهد العالم بنزاهتها وفي القلب من ذلك عودة أول رئيس مدني منتخب» ، نص بيان الجماعة منشور على الرابط التالي: http://goo.gl/uCVRic
– حذيفة زوبع، حلوها يرحمكم الله، موقع “سياسة بوست”، بتاريخ 5 ديسمبر2014، النص والتعليقات عليه متاحة على على الرابط التالي: http://www.sasapost.com/opinion/the-muslim-brotherhood /، والجدير بالذكر أن حذيفة هو نجل د.حمزة زوبع، المتحدث الإعلامى لحزب الحرية والعدالة المنحل (تمت زيارة الرابط، 13/12/2014)
– يرفض أنصار الطريق الثالث فكرة الاستقطاب ولا يعترفون سوى بثورة 25 يناير 2011، ولديهم تحفظات على خارطة الطريق التي تم الإعلان عنها بعد انقلاب 3 يوليو 2013، أنظر: د. أحمد تهامي عبدالحي، تقلبات القوى الثورية والشبابية بعد الانقلاب العسكري بمصر، قطر، مركز الجزيرة للدراسات، الخميس 01 مايو 2014.
– استبعد محمد كمال، المتحدث باسم حركة 6 أبريل، وجود أى تنسيق بين طلاب جماعة الإخوان مع الحركة بشأن التظاهرات والفاعليات داخل الجامعة، إلا أنه أشار فى الوقت نفسه إلى أنهم لا يستطيعون منع أى طالب من الانضمام لفاعلياتهم الطلابية. من ناحيته قال خالد داود المتحدث باسم حزب الدستور إن شباب الحزب لن يشارك فى أى تحرك مع الإخوان . انظر: http://goo.gl/EE93In .

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *