تقديرات

السعودية والإخوان بعد تولي الملك سلمان

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

مقدمة:

منذ تولي الأمير سلمان بن عبد العزيز الحكم في السعودية أوائل هذا العام بعد وفاة الملك عبد الله والتساؤلات تثار عن مدى حدوث تحول في السياسة الخارجية للمملكة بصفة عامة وعلاقتها مع نظام الانقلاب والإخوان بصفة خاصة.

ومما أكسب هذه التساؤلات أهمية خاصة أن التعديلات التي أجراها سلمان سواء الأولى أم الثانية كانت تشير في مجملها العام إلى التخلص من عناصر نظام سلفه عبد الله لاسيما هؤلاء الذين كانوا يديرون ملف الانقلاب في مصر أمثال خالد بن سلطان ومتعب بن عبد الله ولي ولي العهد وخالد التويجري رئيس الديوان ومهندس الانقلاب في مصر وغيرهم في التعديلات الأولى، فضلا عن استبعاد ولي العهد الأخ غير الشقيق الأمير مقرن ذو الصلة الوثيقة بالسيسي في التعديلات الثانية، بل إن إعلاميي السيسي كانوا يطالبون الراحل عبد الله باختيار مقرن وليس سلمان وليا للعهدعلى أمل ان يصبح يوما من الأيام حاكما للسعودية وبالتالي تتوطد علاقته بالانقلاب.

ومن هنا تكمن الإشكالية في مدى التغيير والاستمرار في سياسة السعودية تجاه مصر الانقلاب من ناحية، والإخوان المسلمين من ناحية ثانية لاسيما بعد تسريبات مدير مكتب السيسي عباس كامل الذي أساءت إلى دول الخليج باعتبارهم أنصاف دول، فضلا عن كونهم آلة لتحصيل الأموال ” فلوس زي الرز”.

ولكي نجيب على هذا السؤال يتعين علينا بداية فهم محددات السياسة الخارجية للسعودية تجاه مصر والإخوان منذ نشأة المملكة في عشرينات القرن الماضي، ثم العروج إلى أنماط وتطور هذه العلاقة وصولا لمستقبلها في ضوء التعديلات الأخيرة.

وبالتالي سيتم تقسيم هذه الورقة لثلاث نقاط أساسية على النحو التالي:

أولا : محددات السياسة السعودية تجاه مصر والإخوان

يلاحظ أن السعودية منذ عهد الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود وحتى الوقت الراهن حرصت على عدم وجود كيان تنظيمي للإخوان بها، ولعل المقولة الشهيرة للملك خلال مقابلته الأستاذ البنا في أحد مواسم الحج “كلنا إخوان وكلنا مسلمون”. وبالتالي كان واضحا أن هناك مجموعة من المحددات الحاكمة لهذه السياسة أبرزها ما يلي:

1- حرص المملكة على التمسك”ولو شكليا” بالمذهب السلفي الوهابي الذي يعد أحد ركائز شرعية نظام الحكم هناك، والذي ربما يتعارض مع منهج الإخوان الوسطي الإصلاحي الشامل,

2- حرص أبناء عبد العزيز على توطيد دعائم حكمهم، مع صبغة بالصبغة الإسلامية الشكلية لإعطائه الشرعية الداخلية والخارجية. وبالتالي عدم إعطاء الفرصة للإخوان لإقامة تنظيم لهم في السعودية ربما يشكل خطرا على الملك ذاته.

3- أن العلاقة السعودية مع الإخوان تحكمها ليس مبادئ وقيم الإسلام بقدر المصالح فقط، وما يرتبط بها من توطيد دعائم حكم آل سعود داخليا، واحتكار هيمنة السعودية باعتبارها زعيمة التيار السني في الخارج.

4- وجود حالة من الثبات في سياسة المملكة الخارجية بصفة عامة وتجاه مصر بصفة خاصة. فخلال ثمانية عقود لم يتناوب على حقيبة الخارجية سوى الأمير فيصل ونجله سعود الفيصل الذي تم اعفاؤه مؤخرا.

5- حرص السعودية على عدم وجود ديمقراطية في مصر حتى وإن جاءت بليبراليين أو يساريين لكي لا تنتقل هذه العدوى إليها، ناهيك عن أن تأتي هذه الديمقراطية بالإخوان الخصم الرئيسي للنظام الوهابي.

6- رفض السعودية فكرة البيعة لمرشد الإخوان واعتبار ذلك متعارضا مع البيعة للملك. وربما هذا يفسر تصريح وزير الخارجية السابق سعود الفيصل في فبراير 2015 أي بعد وفاه الملك عبد الله الذي قال فيه “ليس لدى المملكة مشكلة مع الإخوان المسلمين، إلا مع قلة تحمل بيعة للمرشد”، وهو ما تم فهمه في حينها على التمييز السعودي بين إخوان مصر وإخوان السعودية الذين يبايعون المرشد، والذي قد يكون على حساب الملك ” ولي الأمر”. في حين يرى فريق أخر أن السعودية لا تعمل على التفرقة بين الاثنين وهو ما اتضح بعد ذلك،لاسيما في ظل عدم وجود تنظيم رسمي للإخوان هناك.

ثانيا : أنماط وتطور العلاقة بين السعودية ومصر والإخوان:

1ـ تطور العلاقة في عهد الملك فيصل ” 1964-1975″

كان للملك فيصل دور في التوسط بداية لدى عبد الناصر بشأن تخفيف حكم الإعدام على الإخوان عام 1964 وفي مقدمتهم الأستاذ سيد قطب. وعندما رفض عبد الناصر الطلب، كان قرار فيصل بعد ذلك بفتح البلاد للإخوان وطبع كتب سيد قطب ليس حبا في الإخوان، ولكن لتحقيق عدة أهداف منها مواجهة الفكر السلفي المتشدد في السعودية والذي كان يعارض فكرة التكنولوجيا واعتبارها بدعا لكونها غربية، لكن كان من أهم هذه الأسباب العداء بينه وبين عبد الناصر، وتهديد المشروع القومي الناصري لفكرة الملكيات الرجعية ومنها الحكم السعودي، وانتشار هذا الفكر داخل النخبة السعودية وبروز تنظيمات قومية وبعثية وشيوعية بل وسعي عبد الناصر لإسقاط النظم الملكية في ليبيا واليمن، بل قامت طائراته خلال حرب اليمن بضرب المناطق الجنوبية في السعودية. وبالتالي كان هذا دافعا لتقارب سعودي إخواني على اعتبار أن الإخوان هم العدو الأول لعبد الناصر داخل مصر[2]

2ـ توتر العلاقة بين الإخوان والسعودية بعد الثورة الإيرانية وغزو الكويت:

البعض يدشن لهذا التوتر مع قيام الثورة الإيرانية عام 1979 وتأييد الإخوان لها، ثم جاءت حرب الخليج الثانية1990 ورفض الإخوان الطلب السعودي بالتدخل الأمريكي في العراق وضرورة إيجاد حل عربي مع انسحاب العراق من الكويت. لتضيف جانبا جديدا من هذا التوتر، وتقطع الأواصر بين الجانبين[3].

وفي عام 2009 طلب الإخوان من السعودية وقف تدخلها في حرب اليمن ضد الحوثيين والسعي للقيام بالمصالحة بين الفرقاء لا ان تكون طرفا في المواجهات، مع الاعتراف بحقها في الدفاع عن أراضيها ضد أي اعتداء[4]

3ـ السعودية والإخوان وثورة يناير 2011:

كانت السعودية من الدول الرافضة للاطاحة بمبارك وذلك خشية صعود تيار الاخوان المسلمين ومنازعتها الزعامة على المذهب السني في المنطقة خاصة وأن السعودية تتبنى-ولو نظريا- المنهج الوهابي السلفي، فضلا عن خشية تحسين العلاقة المصرية مع كل من حماس وايران، علاوة على خسارة الحليف السعودي الرئيسي في محور الاعتدال وهو مصر.

ويلاحظ بصفة عامة أن السعودية ضد فكرة تغيير النظم من خلال الثورات، وبالطبع من خلال الديمقراطيات، وهو موقف متأصل منذ مؤسس المملكة عبد العزيز آل سعود ورفضه ثورة اليمن عام 1948، والتي كان يؤيدها الإخوان، مما دفعه إلى التقارب في حينها مع الملك فاروق وحدوث شبه اتفاق ضد الإخوان، وقيام فاروق بحملات اعتقالات ضدهم، فضلا عن اشتراط السعودية على الإمام البنا قبل الحج في ذات العام على عدم الكلام في السياسة[5].

4ـ السعودية وحكم الإخوان ” محمد مرسي”:

حرص الرئيس ” الإخواني ” محمد مرسي، على توطيد العلاقة مع السعودية التي كانت أول دولة يتوجه لها في زيارته الخارجية، وقبلها حرص أول برلمان منتخب بسيطر عليه الإخوان بعد ثورة يناير-على توطيد العلاقات مع السعودية وإزالة أية أسباب للتوتر. ومن ذلك الزيارة التي قام بها وفد برلماني مصري بعد تظاهر البعض أمام السفارة السعودية بالقاهرة اعتراضا على جلد السلطات هناك أحد المواطنين المصريين.

ومع ذلك يبدو أن السعودية كانت لا تستريح لهذه العلاقة لعدة أسباب أبرزها مايلي:[6]

· العنصر الإيديولوجي: خشية السعودية من أن يسيطر الإخوان بمنهجهم السني الوسطي على الفكر الوهابي السعودي، ناهيك عن أن الوهابية التي يتم الترويج لها من قبل الأسرة السعودية المالكة تفرض قيودًا صارمة على انتقاد حكام السعودية من قبل المواطنين،بينما يدعو فكر الإخوان المسلمين إلى العمل السياسي، بما في ذلك انتقاد الحاكم. ولهذا السبب فإن العائلة المالكة هناك تخشى من أن’ يؤدي صعود جماعة الإخوان المسلمين في مصر إلى إمكانية جعل المعارضين – الذين يستلهمون معارضتهم من جماعة الإخوان المسلمين – يتمردون على النظام السعودي.

· تزعم السعودية أن استقرار مصر بات في خطر منذ نهاية عام 2012 بناءً على تزايد الاستقطاب بين أنصار مرسي ومعارضيه.

· حالة القلق لدى السعودية من إمكانية تقارب الرئيس محمد مرسي من منافس السعودية اللدود إيران – على الرغم من أن هذا التقارب كان حذرًا للغاية.

وربما وجدت في زيارته لطهران “أغسطس 2012″لحضور إحدى المؤتمرات، ثم دعوته للرئيس الإيراني في حينها أحمدي نجاد لزيارة مصر مخاوف لدى السلطات الحاكمة بأنه في حالة المفاضلة بين التقارب مع إيران أو السعودية، فإن مرسي سيختار طهران. ولعل هذا ما ساعد على تأييد السعودية للانقلاب[7].

ثالثا :التعديلات الأخيرة في السعودية ومستقبل العلاقة مع الإخوان

لعل أبرز ما في تعديلات نهاية أبريل 2015، هو تصعيد محمد بن نايف لولاية العهد. وبالرغم من أن الرجل على علاقات جيدة مع كل من قطر وتركيا، ناهيك عن خلافه مع محمد بن زايد في الامارات بعد تسريبات ويكيليكس وما نال والده فيها من إساءات إمارتية من ناحية([8])، فضلا عن الخلاف بشأن الموقف من الحرب في اليمن وميل بن زايد للمخلوع علي صالح، إلا أن بن نايف في الوقت ذاته كان أحد أربعة في خلية الأزمة أوائل 2014. والتي كان لها دور في تبني السعودية قانون اعتبار الاخوان جماعة ارهابية ” كانت تضم خلية الازمة لمواجهة الاخوان محمد بن نايف وزير الداخلية، محمد بن زايد حاكم ابو ظبي، ضاحي خلفان مدير شرطة دبي، محمد دحلان” ([9]).

كما يوصف ابن نايف في الغرب بأنه مهندس الحرب ضد الارهاب.. ومعنى ذلك فإن تبؤوه مكانة مقرن الذي كان همزة الوصل مع نظام السيسي، ربما لن يؤثر كثيرا على العلاقة مع السيسي والانقلاب في مصر. حتى وإن قيل أن محمد بن نايف ينتمي للجناح السديري المعارض لسياسة الملك عبد الله. ناهيك عن أن والده الأمير نايف الذي كان وزيرا للداخلية “1975-2012″ حمل الإخوان عام 2002 مسئولية الإرهاب والعنف في العالم الإسلامي،متأثرا بموقف الإخوان الرافض لحرب الخليج الثانية عام 1990 ضد الغزو العراقي للكويت([10]).

وإن كانت هناك وجهة نظر أخرى ترى أن مصر السيسي والإمارات هما من أكبر الخاسرين من هذه التعديلات. ومن أنصار هذه الرؤية الكاتب البريطاني ديفيد هيرست حيث اشار في مقاله في صحيفة هافينجتون بوست إلى أن الخاسر الأكبر الآخر هو مصر، التي فقدت كل من مقرن وسعود الفيصل، وكلاهما وثق العلاقة بين القاهرة والرياض”. وبالنسبة للامارات هناك خلافات بين الجانبين بشأن الحرب على اليمن ودعم الإمارات لعلي صالح واستضافه نجله السفير أحمد الذي كان يعمل سفيرا بها[11].

ووفق هذه الوجهة كان يفترض حدوث تقارب بين السعودية وتيارات الاسلام السياسي وفي المقدمة منها الاخوان من أجل مواجهة نفوذ داعش من ناحية والنفوذ الشيعي الذي تقوده ايران من جهة ثانية.

لكن مع احترامنا لهذه الوجهة، فإنه من الواضح أن السعودية حريصة على عدم التضحية بالسيسي باعتباره الحليف الأقرب إليها في مواجهة الإخوان. ولم تؤثر تسريبات مكتبه إبان توليه حقيبة الدفاع بعد الانقلاب والتي أساء فيها لدول الخليج –على علاقته بهذه الدول التي لم تكتف السعودية على لسان الملك سلمان بالتأكيد على أن العلاقات الثنائية بين البلدين أقوى من أي محاولة لزعزعتها. بل شاركت هذه الدول في مؤتمر شرم الشيخ “المشاركة السعودية كانت من خلال ولي العهد في حينها الأمير مقرن”، بل وتعهدت الدول الخليجية الثلاث (السعودية والإمارات والكويت) بتقديم منح ومساعدات وودائع له تقدر ب12 مليار دولار.

وربما يعزز هذا الطرح حرص السيسي على زيارة سريعة للرياض بزعم التهنئة بالتعديلات، لكن كان من الواضح أن هدفها توطيد العلاقات في ظل التعديلات الأخيرة من أجل ضمان استمرار العلاقة على ما هي عليه، وكذلك الاعتذار عما بدر من جانب بعض الاعلاميين المصريين المحسوبين عليه لانتقاد سياسة السعودية خاصة فيما يتعلق بموقفها من اليمن، الأمر الذي دفع السعودية عبر سفيرها في القاهرة إلى تقديم احتجاج رسمي للرئاسة المصرية.

ويلاحظ أن السعودية تسير وفق منهج الملفات المتوازية في سياستها الخارجية بمعنى التنسيق مع تركيا التي يفترض أنها تدعم إخوان مصر – في ملف سوريا، دون أن يكون لذلك أثر على إمكانية حدوث تقارب سعودي – إخواني. ونفس الأمر بالنسبة للملف اليمني، حيث التحالف السعودي القطري، لكن دون أن يكون له انعكاسات أيضا على العلاقة مع إخوان مصر بفرض أن قطر تدعم الاخوان.

بل الأكثر من ذلك قد تتعاون أو تتحالف السعودية مع بعض فصائل الإخوان في دول أخرى دون أي تأثير لذلك على العلاقة مع إخوان مصر. فهي تقيم جسور للتعاون مع حماس، بل قامت ببث خطبة لاسماعيل هنية رئيس وزراء الحكومة الفلسطينية المقالة في غزة عبر القنوات الرسمية السعودية، كما أنها تستضيف الآن قيادات حزب الاصلاح اليمني الاخواني وتسعى للتنسيق مع الحزب في عمليات المواجهة البرية رغم كونها هي من أيدت صالح والحوثيين من قبل للقضاء عليه. كما تتعامل مع حزب النهضة التونسي وتستقبل الشيخ راشد الغنوشي. ومع ذلك لم يحدث تحرك –ولو بسيط- تجاه الإخوان.

رابعاً: سيناريوهات التصور السعودي لمصر والإخوان:

في ضوء ما سبق يمكن القول بوجود عدة سيناريوهات قد تكون حاكمة للسياسة السعودية تجاه مصر والإخوان هي:

السيناريو الأول: سيناريو وجود نظام استبدادي وليس ديمقراطي:

خشية انتقال عدوى الديمقراطية لها بغض النظر عمن يحكم مصر ” ليبرالي – يساري” المهم ألا تكون هناك ديمقراطية في مصر خشية انعكاسها على السعودية. وبالطبع قد يكون النظام العسكري ممثلا في السيسي محققا لهذا الأمر.أو ربما يكون غيره حال تراجع شعبية هذا النظام بحيث يكون عبئا على هذه الدول. وربما يكون شفيق هو البديل لاسيما أنه ذو خلفيات عسكرية سابقة، وذو وجهة مدنية حاليا، وفي ذات الوقت معروف عنه أنه شخصية مستبدة وديكتاتورية منذ رئاسته وزارة الطيران المدني، وربما هذا التواصل الخليجي مع شفيق هو الذي جعل السيسي في حالة ذعر الآن ويسعى لانتهاج سياسة تكسير العظام مع مؤيديه وفي مقدمتهم شفيق، وهذا ما ينبغي أن يستغله الإخوان في توحيد الصف الثوري للاستفادة من هذا الصراع المرشح للتصعيد داخل معسكر الانقلاب. وخلاصة القول في هذا الشأن أن السعودية وغيرها قد ترتضي بتبديل شخصيات “عسكرية غير ديمقراطية” دون تبديل سياسات، لأنها تخشى ليس فقط من عدوى الإسلام السياسي فحسب، وإنما من عدوى الديمقراطية ذاتها.

السيناريو الثاني: التصالح مع الإخوان والقبول بعودتهم للحكم ثانية بضمانات محددة:

لكن يبدو أن هذا السيناريو في غاية المثالية، كما أن النهج التاريخي للعلاقة يجعله أشبه بالمستحيل، مهما قدم الإخوان من ضمانات ورسائل تطمينية، إذ يظل الخوف الحقيقي –وليس المتوهم- من الإخوان، عاملا يجعل السعودية وغيرها حتى من الدول الغربية ترفضهم، لا سيما وأنها تدرك جيدا أن الدولة هي أحد المراحل في مشروع الإخوان الذي يستهدف بحسب مؤسس الجماعة أستاذية العالم، وإحياء الخلافة من جديد. وهو ما يؤرق مضاجع هذه الدول بصورة منفردة وجماعية أيضا. بل يجعلها تتكتل صفا واحدا لضرب مشروع الإخوان في مراحله الأولى، والعودة به إلى المربع الأول ” الفرد المسلم” وليس حتى إلى مرحلة المجتمع أو الحكومة بعدما نجحت هذه الدول عبر آليتها الإعلامية الضخمة في إيجاد فجوة حقيقية وليست مصطنعة، فيما يتعلق بصورة الإخوان لدى المجتمع، والتي تعد الخطوة السابقة على مرحلة الحكومة فالدولة.

السيناريو الثالث: إيجاد طرف ثالث “بديل علماني” عن الإخوان والسيسي:

هناك بعض المعلومات بحسب ديفيد هيرست في أحد مقالاته سربتها بعض الدوائر السياسية المقربة من السعودية في لبنان، حول لقاء عقده مع المعارض الليبرالي المصري أيمن نور في نوفمبر 2014، مع مسئولين سعوديين نافذين ضمن محاولتين رئيسيتين من جانب مسئولين سعوديين للاتصال واقامة روابط برموز المعارضة المصرية. ربما الهدف من ذلك تلميع هذه الرموز وجعلها تسود المشهد أو القيام بوساطة لتحقيق مصالحة مع الإخوان ربما تتضمن بعض التنازلات مثل الافراج عن مرسي دون عودته للرئاسة، وكذلك الإفراج عن المعتقلين، وعودة الجماعة كإطار دعوي بالأساس، بينما يكون دورها السياسي محدود جدا ” لا يزيد عن 20%” كما كان إبان حكم مبارك في انتخابات 2005. ولقد تكرر هذا الأمر مع محامي الجماعات الاسلامية في مصر منتصر الزيات.

وربما قد يكون هذا السيناريو هو الأكثر تفاؤلا وإن كان تحقيقه يتطلب عدة أمور:

· وجود قناعة بهذا السيناريو لدى الطرف “الإخواني” بكل مستوياته، في ظل عدم قدرة حالة المد الثوري في الداخل من ناحية على الإطاحة بالانقلاب، فضلا عن التأمر الاقليمي والدولي على الإخوان وإعطاء مشروعية للسيسي من ناحية ثانية.

· طرح هذا الأمر على “وسيط” “بعض الأطراف الدولية المؤيدة للإخوان” لتبنيه ومناقشته مع السعوديين. وأعني هنا تركيا تحديدا ثم قطر.

· عدم مهاجمة السعودية في الإعلام الإخواني حتى وإن كانت لا تزال داعمة للسيسي. فلا بد من فهم المعادلة جيدا والمعايير الحاكمة لسياسة السعودية تجاه مصر والإخوان منذ نشأة المملكة، ناهيك عن أن السعودية هي الدولة المحورية في المنطقة والتي ربما يكون لها تأثير على الإمارات والكويت. وفي المقابل تفادي أي ضغط سعودي على قطر لسحب دعمها للإخوان كما حدث في الضغط السعودي لإغلاق قناة الجزيرة مباشر مصر.

 

([1]) الأراء الواردة في هذه الدراسة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري، ولكن تعبر عن وجهة نظر كاتبها.

[2]) لمزيد من التفاصيل أنظر عبدالله بن بجاد العتيبي، الاخوان المسلمون والسعودية الهجرة والعلاقة في : ” مجموعة باحثين” الاخوان المسلمون في الخليج (الإمارات :مركز المسبار للدراسات والبحوث ، أغسطس 2011 ) ص ص، 33-34

[3]) يذكر البعض أن حركة الصحوة، التي شكل “الإخوان” نواتها الأولى في السعودية، عملت على تعبئة المجتمع السعودي ضد قرار الملك فهد السماح للقوات الأميركية باستخدام الأراضي السعودية لتحرير الكويت، وهو ما اعتبرته السعودية نكراناً للجميل. كما قامت السلطات بعدها باتخاذ اجراءات لوقف أنشطة الجماعة وطرد بعض قيادات الإخوان أو القريبين منهم في المنفى ومن ذلك ترحيل الاستاذ محمد قطب منتصف التسعنينات لتيقنها من وجودعلاقة بين الصحوة وتنظيم الاخوان في مصر. وإن كان النظام أعاد التواصل مع الصحوة بعد ذلك لمواجهة فكر القاعدة ، لكن العلاقة توترت بعد مطالبة الصحوة باصلاحات في المملكة مع ثورات الربيع العربي 2011. أنظر:

– محمد الصادق، الإخوان والسعودية.. العودة المشروطة، جريدة العربي الجديد اللندنية، 17 فبراير 2015. الرابط.

– Stéphane Lacroix, Saudi Arabia’s Muslim Brotherhood predicament m March 20, 2014 link

[4]) بيان الإخوان المسلمين 8/11/2009 ، اخوان ويكي، الرابط.

[5]) حول ثورة اليمن وتأثيرها على علاقة السعودية بالإخوان أنظر عبدالله بن بجاد العتيبي، م.س.ذ ، ص ص 25-27 نقلا عن محمود عبد الحليم ” الإخوان المسلمون احداث صنعت التاريخ”.

[6]) ماتياس زايلر، تهديدات إقليمية تقتضي مصالحة سعودية بين السيسي والإخوان؟ موقع قنطرة 2015، الرابط.

([7]) لمزيد من التفاصيل أنظر: Stéphane Lacroix ,op.cit

([8]) كشفت وثائق ويكيليكس عن اتصال تم منذ 12 عام استغرق ساعتين ونصف، بين ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد وريتشارد هيس رئيس مجلس العلاقات الخارجية في الولايات المتحدة الأمريكية، تم الحديث خلالها عن والد ابن نايف، الذي كان وقتها وزيرا للداخلية،حيث ذك قال محمد بن زايد لمحدثه إنه حينما يرى نايف الأب فإنه تترسخ لديه القناعة بأن داروين كان محقا حين قال إن الإنسان انحدر من القرد.كما أن هناك شخصي أخر خاص ببن نايف ذاته وبم زايد بتعلق بوكالة إرم الإماراتية للأخبار، التي تدار كغيرها من وسائل الإعلام الإماراتية من قبل ديوان رئيس الدولة، حيث إن الوكالة شككت في صحة تعيين ابن نايف وليا لولي العهد في التعديلات الأولى التي جرت بعد تولي سلمان، وزعمت أن سلمان لم يستشر هيئة البيعة في ذلك. أنظر: ديفيد هيرست ، سلمان يؤشر باتجاه تغيير شامل”مترجم”، عربي 21 نقلا عن هافينجتون بوست، 31يناير 2015، الرابط.

([9]) بدر حسن شافعي، هل بدأت الحرب الإقليمية على الإخوان؟وكالة الأناضول التركية، فبراير 2014.

([10]) غراهام فولر، الأمير نايف و الإخوان، موقع إخوان ويكي، الرابط.

([11]) ديفيد هيرست، الفرصة الملكية السانحة أمام السعودية، 30 ابريل 2015 ، موقع عربي 21. الرابط.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *