قلم وميدان

الرؤية التركية للوضع في مصر

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

ورقة تحليل سياسات

وذلك على النحو التالي:

1ـ ما جرى في مصر هو انقلاب عسكري مرفوض ولا يمكن السكوت عنه.

2ـ إبقاء مصر على المسار الديمقراطي مصلحة دولية وأمر ضروري للمنطقة وللعالم.

3ـ التأكيد على الموقف المبدئي من الانقلاب وحث المجتمع الدولي لنبذه من أجل تكريس عزلته الإقليمية والدولية ونزع الشرعية عنها.

4ـ أن مرحلة الانقلاب هي مرحلة عابرة لن تلبث أن تنتهي بعودة مصر للمسار الديمقراطي، وأن سقوط الانقلاب أمر قريب بسبب الأزمات الداخلية والمشاكل الخارجية(1).

ويعزز هذه القناعة أن “معاقل الدولة المصرية الحالية من الداخلية والقضاء والقوات المسلحة والجامعات المصرية، تعتبر تركيبة عاجزة عن إنقاذ مصر من الأزمة الحالية، وأن الحكم المدني لمصر اصطدم بهيمنة العسكر(2).

أولاً: أسباب الموقف التركي من الانقلاب:

·الخبرة التركية مع الانقلابات العسكرية، والتي لم تكن لها سوى أسوأ الآثار السياسية والاقتصادية، بما أضر بموقع تركيا الإقليمي والدولي، حتى أن هذه الانقلابات طالما كانت حجة عُرقلت من خلالها مسيرة انضمام تركيا للاتحاد الأوربي. وبالتالي، فمن الطبيعي أن يكون الموقف التركي محذرًا من مثل هذا الفعل، فقد تضمنت التصريحات التركية بمجرد وقوع الانقلاب في مصر التحذير من أن القادم على مصر سيكون في غاية السوء. ومن مصلحة تركيا وغيرها من الدول التي عانت الحكم العسكري ألا يُعاد فتح الطريق لانقلابات جديدة[3].

فعلى صعيد الحسابات التركية الداخلية، قد يفسر السكوت على ما جرى في مصر بشكل خاطئ في الداخل التركي فيشجع المعارضة التركية على محاولة القيام بشيء مشابه. ولما كان الأمر يتعلق بمسألة تأسيسية ومبدئية، فإن الموقف الرافض للانقلاب العسكري في مصر انطلاقًا من خبرات تركية مشابهة ليس قاصرًا على تركيا دون غيرها، حيث اتخذ الاتحاد الإفريقي موقفًا مقارب.

·وجود حرص تركي على التأكيد على ثوابت الديمقراطية وحقوق الإنسان ليس فقط في الداخل التركي وإنما في الخارج أيضًا. وقد كان هذا واضحًا مع المواقف التركية المؤيدة للثورات العربية منذ انطلاقها، وبينها الثورة المصرية[4]. فهناك ثوابت قيمية تختار بعض الدول أن تبني عليها مواقفها، وقد بدا هذا واضحًا في كتابات “أحمد داوود أوغلو” التي تحدث فيها عن دور تركيا كدولة حكيمة لها دور أساس في الحفاظ على القيم واحترام الشعوب[5. ورفضًا لازدواجية المعايير في التعامل مع القيم، انتقدت تركيا مواقف بعض الدول الغربية الصامتة إزاء ما يجري من انتهاكات في مصر[6.

· إدراك تركيا أن ما حدث من تحول في المسار المصري ليس مجرد شأنًا داخليًا، وإنما ستكون له أبعاده الإقليمية، خاصة أن هذا التحول سيضر بالعديد من الاستراتيجيات التي وضعتها تركيا للتعامل مع العديد من الملفات خلال العامين ونصف السابقين على الانقلاب. فعقب ثورة 25 يناير 2011، تشاركت الثورة المصرية وتركيا عددًا من الثوابت كدعم الثورات العربية وخاصة الثورة السورية، وكذلك أهمية تحقيق مصالحة فلسطينية حقيقية.

كما كان هناك اتجاه لترسيخ التعاون العسكري، فقد أجرى الطرفان في 10 أكتوبر 2012، مناورات بحرية وجوية مشتركة لمدة أسبوع في شرق البحر المتوسط تحت عنوان “بحر الصداقة”. وقد حلت مصر مكان إسرائيل في هذه المناورات[7. وكان للعلاقات المصرية التركية فيما بعد ثورة 25 يناير طبيعة خاصة، علاقة تتجه صوب الشراكة الاستراتيجية الحضارية، لاسيما بعد تولي الرئيس مرسي الحكم. حيث العمل على استعادة المشترك الثقافي والقيمي وتوظيفه بما يحقق مصالح لمختلف الأطراف سواء سياسيًا أو اقتصاديًا بواسطة مؤسسات تعبر عن الشعوب.

الاعتبارات الإنسانية، فقد وصف الرئيس التركي “عبد الله جول” فض اعتصامي رابعة والنهضة بـالمجزرة، مؤكدًا أن هذا الأمر غير مقبول، معربًا عن خشيته من تحول الوضع في مصر إلى نزاع مماثل لما يحدث في سوريا. وقد مثل رفض العنف عنصرًا ثابتًا في الموقف التركي الذي كان منددًا بأي أحداث عنف ضد متظاهرين سلميين مهما كان توجههم[8]).

إلى جانب البعد الأخلاقي للموقف التركي من الانقلاب في مصر فإن هناك أهدافًا أخرى متعلقة بطموحات النفوذ التركي في منطقة المشرق العربي وشمال إفريقيا المعتمِد على توثيق العلاقات بشكل خاص مع حركات “الإسلام السياسي” الصاعدة في المنطقة في مرحلة الربيع العربي. وهذا لا يشكل مشكلة ما دامت العلاقة قائمة على احترام خيارات الشعوب؛ فمن حق أية دولة أن تسعى لتحقيق مصالحها السياسية والاقتصادية ما لم يتعارض ذلك مع المبادئ والقوانين.

التجاهل النسبي للكلفة الاقتصادية لقطع العلاقات بين البلدين ووجود خيار الفصل بين المواقف السياسية والمشاريع الاقتصادية بما لا يؤثر على استمرار العلاقات الاقتصادية، وتحديدًا من طرف تركيا التي يتوفر لديها بدائل متعددة علاوة على ارتفاع النمو الاقتصادي فيها مرتين عن العام الماضي حسب صندوق النقد الدولي الذي يتوقع أيضًا أن ينمو الاقتصاد التركي بنسبة 3.2 في العام 2014[9.

المواقف الدولية الأولية من الانقلاب وخاصة الأوروبية والأميركية مثل إعلان الرئيس أوباما أن واشنطن ستقوم بمراجعة برنامج التمويل العسكري الخارجي لمصر وتأجيل وكالة التعاون الأمني الدفاعي تسليم معدات عسكرية لمصر؛ وقد أدى تعليق المساعدات العسكرية لتوقع تقويض العلاقات مع الحكومة في مصر[10.

إن التقارب الفكري بين حزب العدالة والتنمية الحزب الحاكم في تركيا وحزب الحرية والعدالة المنبثق عن جماعة الإخوان المسلمين في مصر، ربما يمثل بعدًا معتبرًا يضاف إلى أسباب رفض تركيا للإطاحة بمحمد مرسي، باعتبار إن سقوط حزب الحرية والعدالة، ومن ثم التيار الإسلامي في مصر، سيمثل ضربة مؤلمة أمام صعود تيارات الإسلام السياسي في منطقة الشرق الأوسط، والتي يعد حزب العدالة والتنمية في تركيا بمثابة النموذج الملهم والخبرة المتجسدة، لاسيما في ظل نجاحاته السياسية والاقتصادية والمجتمعية التي قدمها الحزب في تركيا لأكثر من عشر سنوات في الحكم والمستمرة حتى الآن[11].

ثانياً: مظاهر ومؤشرات الموقف التركي المضاد للانقلاب:

اتخذت تركيا العديد من المواقف والإجراءات، على الصعيد الرسمي، لتعبر عن رفضها لما وصفته بالانقلاب العسكري في 3 يوليو، وما أعقبه من إفراط في استخدام القوة من قبل أجهزة الأمن المصرية في التعامل مع المتظاهرين المؤيدين لشرعية الرئيس المعزول، قوبلت بردود فعل مصرية عنيفة على الصعيد الرسمي وغير الرسمي مما ساهم في تعميق الهوة بين البلدين، ومن أبرز ردود الفعل التركية على مسار 30 يونيو ما يلي:

1- تعمد رئيس الوزراء التركي “رجب طيب أردوغان” وصف ما حدث في مصر بالانقلاب العسكري وانتقاده لمن يسانده، وهو ما تجلى في  خطاباته وكلماته في العديد من المؤتمرات واللقاءات الصحفية، منها كلمته بمركز “القرن الذهبي” للمؤتمرات، في إطار حفل معايدة نظمه فرع “اسطنبول” لحزب العدالة والتنمية[12]، وكلمته يوم 12 يوليو في مدينة “بينجول” التركية، والتي أكد فيها أيضًا على أن ما حدث في مصر انقلاب عسكري استهدف إرادة الشعب المصري وحقه الديمقراطي[13]، ثم انتقاده لشيخ الأزهر أحمد الطيب بقوله إنه قد “شعر بالإحباط عندما رأى شيخ الأزهر يؤيد الانقلاب العسكري في مصر”، مضيفًا إن “التاريخ سيلعن الرجال أمثاله كما لعن التاريخ أشباهه من العلماء في تركيا من قبل[14].

2- استدعاء وزارة الخارجية التركية سفيرها لدى القاهرة للتشاور بعد الإدانة القوية من أنقرة لما اعتبرته تعسفًا من قوات الأمن المصرية وإفراطًا في استخدام القوة ضد المتظاهرين المؤيدين للرئيس السابق محمد مرسي، وهو الأمر الذي قابلته الخارجية المصرية بتحرك مماثل فاستدعت السفير المصري لدى أنقرة في اليوم التالي، وأعلنت وقف التدريبات البحرية المشتركة “بحر صداقة” مع أنقرة، التي كان مقررًا تنظيمها في الفترة من 21 إلى 28 أكتوبر 2013 في تركيا([15]).

3- دعوة الحكومة التركية الأسرة الدولية، وعلى رأسها مجلس الأمن الدولي والجامعة العربية، إلى وقف ما وصفته بـ “المجزرة” في مصر، وإدانة الرئيس التركي، عبد الله جول، فض اعتصامي رابعة العدوية ونهضة مصر، مؤكدًا أن هذا الأمر “غير مقبول”، معربًا عن خشيته من تحول الوضع في مصر إلى نزاع مماثل لما يحدث في سوريا[16]، وهي الدعوة التي قوبلت برد فعل مصري عنيف على جميع المستويات سواء الرسمي منها أو غير الرسمي لأسباب تتعلق باعتباره تدخلاً تركيًا غير مقبول في الشأن المصري[17].

4ـ استقبل الرئيس التركي أردوغان (كان رئيسا للوزراء حينئذ)، في يوم 24/5/2014 وفدا من التحالف الوطني لدعم الشرعية بدعوة من حزب العدالة والتنمية على هامش أحد اللقاءات البرلمانية، وكانت رسالته الرئيسية استمراره داعما للشرعية في مصر، وكان معظم حديثه منصبا على أنه غير راض اطلاقا عن الرسالة التي أرسلها الرئيس السابق عبد الله جول بتهنئة السيسي عقب اعلان فوزه بالانتخابات، وأن البعض يعمل حساب التوازنات والمواءمات ولكنه لا يعرف هذا اطلاقا فيما يتعلق بالحقوق وبما يتعرض له البعض من الظلم واغتصاب السلطة، وأنه لا يمكن لتركيا التي تحاكم الان من قاموا بانقلابات عسكريه فيها (في إشارة لمحاكمة كنعان ايفرين الدي قام بانقلاب 1980) أن تعترف بحكومة غير شرعية أتت عبر انقلاب عسكري، وقد أجمعت كل القوى السياسية في تركيا على ادانة الانقلاب العسكري في مصر نظرا لحساسية الشعب التركي من الانقلابات العسكرية التي أثرت عليه سلبا بشكل كبير.

5ـ عندما أبدى المجلس الثوري رغبته في تهنئة الرئيس أردوغان بمناسبة انتخابه، تم توجيه الدعوة لوفد من المجلس الثوري يتكون من 7 من أعضاء مكتبه التنفيذي، لحضور المؤتمر الاستثنائي الأول لحزب العدالة والتنمية في 27/8/2014، والتي وجه فيه أردوغان خطاب وداعه للحزب بمناسبة منصبه الجديد، وتم اختيار أحمد داود أغلو لخلافته في رئاسة الحزب وبالتالي رئاسة الوزراء. وكانت هده هي المرة الأولى (والوحيدة حتى الان) التي يتم فيها توجيه دعوة رسميه للمجلس بعد أسبوعين فقط من تأسيسه لحضور لقاء رسمي، وهو أمر بالغ الدلالة. وقد كان الاستقبال حافلا، مع ضيافة كاملة، وقد تمت على هامش المؤتمر لقاءات مع أردوغان وأغلو وعدد من المسئولين الحزبيين، عبر من خلاله أردوغان عن دعمه الكامل لكفاح المصريين لنيل حريتهم، وأن تركيا ستظل داعمه للشعب المصري بكل أشكال الدعم الممكن.

6ـ اتضح من مصادر رسمية وغير رسمية مختلفة أنه كان هناك تفاهما بين الحكومتين القطرية والتركية أن تستقبل قيادات الاخوان التي تركت قطر، وقد أفاد أحد المسئولين الأتراك في أحد المقابلات أن قرار هؤلاء الاخوان كان حكيما جدا لتخفيف الضغط عن الجانب القطري.

7ـ في لقاء مع أحد المستشارين الأتراك لاوردغان تم توجيه عدد من الأسئلة المحددة: هل الاخوان مرحب بهم في تركيا؟ هل هناك قيود على مساحة العمل المتاحة لقيادات الاخوان التي وصلت حديثا؟ هل يمكن انشاء اليات مستقرة للتنسيق والتشاور مع الحكومة التركية؟ جاءت إجابته على النحو التالي:

· السؤال الأول بالتأكيد، ويعضد دلك الحديث الدي أدلى به الرئيس أردوغان بعد ابعاد عدد من قيادات جماعة الاخوان المسلمين من قطر أنهم مرحب بهم (ما لم يوجد سبب أخر للحول بينهم وبين دخول تركيا).

· أما عن مساحة العمل، فقد قال أن تركيا تتفهم رغبة هؤلاء المبعدين في العمل السياسي، لكن في الوقت الحالي حدث صخب اعلامي كبير في تركيا من جانب مناوئي حزب العدالة والتنمية في اعقاب خروج عدد من قيادات الاخوان المسلمين من قطر، أن تركيا اذا دعمت هؤلاء ستتهم من جانب البعض بدعم الإرهاب وستتعرض لضغوط دولية كثيره…الخ[18].

· أما العمل السياسي والاعلامي من خارج تركيا فلا مشكلة فيه، بل هو مشجع لأهميته للقضية المصرية، ويمكن تقديم المساعدة والتنسيق فيه (دكرنا أنه لا مشكله في دلك، لأن تركيا دولة داعمة للشعب المصري أصلا وهي ليست مستهدفه بتغيير موقفها مثل الدول الأخرى المحايدة أو الداعمة للانقلاب).

· أفاد بأهمية توفير آليه منتظمة ومركزة يتم من خلالها التواصل مع الحكومة التركية تشمل كافة الجوانب السياسية والأمنية واللوجستية.

8ـ خطاب الرئيس أردوغان أمام الدورة 69 للجمعية العامة للأمم المتحدة وانتقاداته العلنية للسيسي في 24 سبتمبر 2014، ورفض حضوره دعوة عشاء من بان كي مون على مائدة محدودة تضم الرئيس الأمريكي وملك الأردن وملك اسبانيا ورئيس جنوب أفريقيا وآخرين بحضور السيسي في خطوة جريئة، وكان أردوغان قد انتقد في كلمته ما وصفه بـ”صمت الأمم المتحدة” تجاه ما حدث في مصر قائلا إن البلاد شهدت انقلابا على “رئيس منتخب من قبل الشعب، وقتل الآلاف ممن خرجوا يسألون عن مصير أصواتهم، بينما أكتفت الأمم المتحدة والدول الديمقراطية، بمجرد المشاهدة، وأضفوا شرعية على ذلك الانقلاب”. وأضاف: “إذا كنا نحترم الديمقراطية علينا أن نحترم نتيجة الصناديق، لكن إذا كنتم لا تحترمون الديمقراطية، وتدافعون عمن جاءوا بالانقلابات، فلما إذا الأمم المتحدة موجودة؟”.

9ـ كلمة الرئيس أردوغان أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في استانبول يوم 28 سبتمبر 2014، والتي انتقد فيها الأمم المتحدة والدول التي تعطي شرعية لوزير انقلب على رئيسه المنتخب، وقال إنه لهذا قاطع الجلسة التي تحدث فيها السيسي حيث أنه لا يمكن أن يظهر في نفس الصورة مع مثل هؤلاء.

10ـ تكذيب الخارجية التركية أنها ألحت في طلب لقاء الجانب المصري (و تدعي الخارجية المصرية أنها ألغت اللقاء عقب خطاب أردوغان)، وتصريح وزير الخارجية شديد اللهجة أن هذا الموقف الرسمي المصري نابع عن عقد نفسية[19].

11ـ أفاد مستشار أردوغان أن هناك ضغوطا كثيرة تمارس في المنطقة لوضع الاخوان على لائحة الإرهاب، تركيا تقاوم هذا كثيرا، وتوضح خطورة دلك في نمو للتيارات المتطرفة، وقال إن تركيا تعتبر نفسها الآن متحملة مسئولية الاخوان المسلمين بأكملها على المحافل الدولية، وبالتالي تهدئة الأجواء من الاخوان داخل تركيا مهمه حتى لا يساهمون من حيث لا يحتسبون في زيادة الضغوط على الأتراك، فأردوغان يتحمل ضغوطا كثيره لكونه الداعم الحقيقي الوحيد للإخوان بالمنطقة، ويمتد هذا الضغط بمحاولات مستميتة لمحاولة الربط بين تركيا وداعش.

12ـ بيان وزارة الخارجية التركية (30 سبتمبر 2014): فقد اعتبرت وزارة الخارجية التركية أن “المزاعم الواردة في بيان وزارة الخارجية المصرية غير حقيقية، وليس من الممكن قبولها أو أخذها على محمل الجد، ولفت البيان الصادر عن الوزارة التركية (30/9/2014) إلى أن “تركيا ترى أن الاستقرار في مصر لا يمكن أن يتحقق إلا نتيجة عملية سياسية شاملة، وبإدارة لديها شرعية ديمقراطية، مبنية على الإرادة الوطنية”. وأضاف البيان: “هذا هو موقفنا بهذا الخصوص، وهو موقف قائم على مبادئ، وبموجبه تستمر النداءات الداعية إلى ضرورة الانتقال السريع نحو الديمقراطية، في ضوء الإرادة الشعبية والوطنية في البلاد”. وأكد على أن «كافة النداءات التركية، كانت تركز في الأساس على ضمان تحقيق رفاهية الشعب المصري، وعكس إرادته الحرة بشكل كامل على الحياة السياسية والاجتماعية”.

وأضاف: “شاهدنا وزارة الخارجية في مصر، في بيان لها، صدر في 29 سبتمبر 2014[20]، قد ذكرت مزاعم وادعاءات لا يمكن قبولها بشأن تركيا، مزاعم تعتبر انعكاسًا لسيكولوجية الإحساس بالذنب، التي تسببت فيها الأعمال غير القانونية التي تحققت، وذلك بدلًا من أن تأخذ الإدارة في مصر، النداءات الصادقة التي وجهناها في هذا الشأن في عين الاعتبار”.

وأشار البيان إلى أنه «من غير الممكن وصف ردود الأفعال إزاء الإجراءات التي شهدتها مصر، على أنها تدخل في الشؤون الداخلية»، مضيفًا: «مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، لا يتم استخدامه كوسيلة أو أداة لإضفاء شرعية على انتهاكات حقوق الإنسان، وعلى التعسف والطغيان ضد الشعب المصري».

وأفاد البيان أن «تركيا عليها مسؤولية قانونية وأخلاقية، وأخرى بدافع الضمير لتأمين الحقوق الأساسية للشعب المصري الشقيق، شأننا في ذلك شأن الأعضاء الآخرين المسؤولين بالمجتمع الدولي»، مشيرًا إلى أن «المسألة متعلقة بحقوق الإنسان، والشرعية الدستورية».

وتابع: «طالما هناك استمرار للإجراءات البعيدة عن المشاركة السياسية، والمتعارضة مع الديمقراطية، يكون من الخيار انتظار انتهاء انتقادات المجتمع الدولي لذلك”، لافتًا إلى أن “النداءات التركية للمطالبة بتلبية طلبات الشعب المصري بشأن الديمقراطية والمساواة والحرية والرفاهية مستمرة، ما لم يتم إحراز أي تقدم ملموس في هذه الأمور”. وأكد البيان على أن “تركيا لن تتواني بعد ذلك عن إظهار رد الفعل اللازمة إذا ما انتهت انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، وحظيت الإرادة الحرة للشعب المصري بالاحترام”. وأضاف البيان: “حتى وقت قريب قُتل في مصر في يوم واحد عدد كبير من المتظاهرين، نتيجة استخدام القوة المفرطة، كما أن عدد القتلى الذين لقوا حتفهم منذ التدخل العسكري، في 3 يوليو، قد وصل إلى الآلاف”.

“كما أن عدد المعتقلين وصل إلى عشرات الآلاف، ولقد وصفت منظمات حقوق الإنسان المستقلة ما حدث في مصر على أنه (جريمة ضد الإنسانية)، هذا إلى جانب أن مئات الأبرياء حُكم عليهم بالإعدام في محاكمات هزلية، كما أُغلقت أحزاب سياسية، وحركات ديمقراطية، وحركات شبابية لأسباب تعسفية، كما حُكم على عد من الصحفيين من بينهم صحفيون أجانب، بأحكام لا تتماشى مع مبادئ دولة القانون”. وتابع البيان: «مصر لا يوجد بها مع الأسف أي اعتبار للحقوق الديمقراطية الأساسية، ولازالت هناك سياسات وإجراءات إقصائية غير ديمقراطية”[21].

ثالثاً: سيناريوهات العلاقات التركية مع سلطة الانقلاب

تبرز عدة سيناريوهات، منها:

السيناريو الأول: ثبات الأوضاع الحالية للعلاقات المصرية-التركية

تتعزز فرص هذا الخيار بالتالي:

1ـ قناعة القيادة التركية بأن الخيار الشعبي في مصر رافض للانقلاب، وخاصة مع ظهور استطلاعات رأي مثل الذي أجراه مركزPEW للأبحاث بواشنطن أثناء الحملة الانتخابية، وأظهر أن شعبية السيسي لا تتجاوز 54% وأن 45% يرون أن هناك دورًا سلبيًا للجيش. فيما ينظر 38% بإيجابية نحو جماعة الإخوان المسلمين بالرغم من تصنيفها من طرف سلطة الانقلاب جماعة إرهابية[22]، يضاف إلى ذلك نسبة الإقبال الضعيفة جدًا على الانتخابات الرئاسية في مصر؛ حيث قدر المركز المصري للإعلام ودراسات الرأي العام “تكامل” أن 10% من المصريين فقط شاركوا في الانتخابات الأخيرة نصفهم من المسيحيين[23].

2ـ استمرار تحالف دعم الشرعية بفعاليات رفض الانقلاب بغض النظر عن المواقف الدولية منه.

3ـ انشغال تركيا بالقضايا الداخلية خاصة مع وجود حالة من الاستقطاب السياسي.

4ـ القيادة التركية مصممة على مواقفها مثل ما حدث مع إسرائيل في موضوع أسطول الحرية بالرغم من التدخل الأميركي والرئيس أوباما شخصيًا.

5ـ تخبط الموقف الأميركي تجاه الانقلاب، ووجود دول غير راضية عن الانقلاب مثل قطر وتونس وبعض الدول الإفريقية والأوروبية.

6ـ استمرار عدد من دول الخليج على رأسها السعودية بدعم القيادة المصرية الحالية للوقوف على أقدامها، وارتهان القرار المصري لبعض الدول الخليجية التي تدعمه بالرغم من محاولات النفي.

السيناريو الثاني: تزايد التدهور في العلاقات

تزيد فرص هذا السيناريو مع وجود الاحتمالات التالية:

1ـ حدوث مواجهات سياسية وإعلامية بين المسؤولين في البلدين مثل ما حدث عندما رفع أردوغان شعار رابعة في عدة مناسبات وحوادث مشابهة لحادثتي أحكام الإعدام الجماعية بمصر، واستيعاب تركيا لعدد كبير من معارضي الانقلاب العسكري على الأراضي التركية. والسجالات الكلامية الأخيرة التي صاحبت الدورة 69 للجمعية العامة للأمم المتحدة وكذلك المنتدي الاقتصادي العالمي في استانبول.

2ـ حدوث متغيرات إقليمية ودولية تصب باتجاه إضعاف الانقلاب في مصر.

3ـ قدرة تركيا على إيجاد بدائل وفضاءات لعلاقاتها تغنيها نسبيًا عن العلاقات مع الأنظمة المؤيدة للانقلاب فيما يُتوقع أن تسعى تركيا لمحاولة الفصل بين علاقاتها مع الانقلاب ومع الدول الداعمة له في عملية معقدة جدًا.

4ـ استعداد تركيا للدفاع عن موقفها ويمكن الاستشهاد بتصريحات وزير الخارجية التركي التي جاءت أثناء حديثه عن الشأن السوري: “إننا مستعدون للتضحية بحياتنا الفعلية وليس فقط بحياتنا السياسية”[24].

5ـ تنامي التظاهرات في مصر وتزايدها مما يخلق حالة من عدم الاستقرار وهذا سيكون ضاغطًا على الموقف الأميركي الذي ينظر للأمور في مصر من بُعد أمني وهذا بدوره يؤثر على شبكة العلاقات الإقليمية.

6ـ استمرار صعود أسهم حزب العدالة والتنمية في تركيا.

7ـ تزايد تدهور الأوضاع الداخلية في مصر، ومن مظاهرها ضمور الأحزاب السياسية وعقمها، وغياب مؤسسات الدولة المستقلة التي يمكن أن تكون شريكة في القرار أو مراقبة له، وتغول السلطة، وهيمنة المؤسسة الأمنية وإطلاق يدها بالقانون وبغيره، إضافة لتفاقم الأزمة الاقتصادية[25].

السيناريو الثالث: سيناريو التقارب:

وهذا السيناريو يرتبط بعدة عوامل مستقبلية، منها:

1ـ أن تقوم الولايات المتحدة بالضغط على كل من تركيا ومصر في إطار ترتيبات إقليمية تشمل عدة ملفات، والضغط على النظام في مصر لتحقيق إصلاحات ديمقراطية.

2ـ تحسن الأوضاع الميدانية في مصر واحتمالية وجود مصالحة في مصر مع تصاعد الدعوات إلى ذلك.

3ـ تغيرات إقليمية خاصة في الجوار التركي: سوريا والعراق، إضافة لتحركات السياسة الخارجية الإيرانية في المنطقة.

4ـ تغير مواقف الدول الرافضة للانقلاب في مصر.

5ـ إعادة تقييم الأمور من قبل الحكومة التركية الجديدة مع تغيير في بعض الوجوه مثل رئيس الوزراء ووزير الخارجية، وهذا ما لم يحدث بعد تعيين الدكتور أحمد داود أوغلو رئاسة الوزراء، وهو من أهم الرافضين للانقلاب العسكرى.

6ـ تعاظم خسارة الطرفين من استمرار الأوضاع الحالية إلى حد كبير؛ وهذا غير مرجح من الناحية التركية لعدم وجود جوار جغرافي والاستغناء الاقتصادي التركي.

7ـ انقلاب الأوضاع في مصر باتجاه المدنية؛ وهذا غير مرجح على المدى القريب.

8ـ تقارب تركيا مع السعودية والإمارات خاصة فيما يتعلق بالتهديد الإيراني للخليج؛ وهذا غير مرجح في ظل حديث عن تقارب أميركي-إيراني ومحادثات سعودية-إيرانية في الفترة الحالية.

9ـ انهيار الانقلاب وعودة الحياة لثورة 25 يناير 2011؛ في ظل حالة استقطاب سياسي حاد وكساد اقتصادي كبير[26]).

خلاصة ونتائج

مع هذه المؤشرات يمكن القول أن الوضع مرشح لمزيد من التراجع في العلاقات، ويعتمد تزايد تدهور العلاقات بين تركيا ومصر على حجم التغير في السياسة الخارجية للحكومة التركية القادمة في 2015 خاصة في ظل التعقيدات الإقليمية فيما يتعلق بالملفين: السوري والعراقي، وكذلك الأحداث الميدانية في مصر وردود أفعال الطرفين، يدعم ذلك:

أولاً: المواقف المتشددة من الجانبين على خلفية كلمة الرئيس أردوغان أمام الأمم المتحدة، وكذلك تعدد الاعتبارات التي تدفع تركيا للتشدد في مواقفها تجاه الانقلاب، وخاصة:

1.الترابط الأيدولوجي بين أنصار أردوغان وجماعة الإخوان.

2.مواصلة سياسات قص أجنحة الجيش التركي السياسية.

3.حماية الحكومة التركية الإسلامية من احتمال عزله في “انقلاب” مماثل في ظل سجل زاخر بها.

4. إيصال رسالة واضحة مفادها أن تركيا ستضحى مركز المعارضة المصرية، لا سيما الإخوان المسلمين بدافع أيدولوجي مشترك.

5.شعور أردوغان بأن واجبه السياسي  يفرض عليه معارضة أي محاولات عزل عسكري لحكومات إسلامية منتخبة في المنطقة.

6.حلم أردوغان بتحقيق نظام سياسي إسلامي التوجه في الشرق الأوسط

7.مواصلة النهج الذي منح حزب العدالة والتنمية تفوقا انتخابيا منذ صعوده إلى السلطة عام 2002.

8.أن مناهضة الانقلابات باتت أولى من التكتلات الإقليمية في عقيدة السياسة التركية الحالية([27]).

ثانياً: استخدام الانقلاب العسكرى في مصر آلته الإعلامية المدعومة خليجياً للترويج والدعاية لما أطلق عليه الخطايا الـ 10 للرئيس التركى، والتي تمثلت في:

1.غير النظام السياسى والدستور ليستمر في السلطة 10 أعوام.

2.فرض قيوداً على حرية الرأى والتعبير والتجمع.

3. أغلق موقع «تويتر».

4. استخدم القوة المفرطة في التعامل مع النشطاء والمتظاهرين السلميين.

5. يواجه الكُتاب والصحفيين المعارضين بالملاحقة القضائية والأحكام المتعددة.

6. يتدخل بشكل متكرر في أعمال القضاء الذي ينظر قضايا الفساد.

7.خلق حالة من التمييز ضد الأكراد.

8. احتجاز مواطنين لفترات طويلة دون اتهامات.

9. يدعم جماعات وتنظيمات إرهابية بالتأييد السياسى أو التمويل أو الإيواء.

10. يعيش بتوجهاته الفكرية أوهام استعادة الخلافة العثمانية([28]).

ثالثاً: يرتبط التصعيد من جانب الانقلاب العسكري ضد النظام التركي بالعديد من الاعتبارات من بينها:

· صناعة العدو” تبريرًا للعزلة، حيث تجد سلطات الانقلاب ذاتها كل يوم في حرجٍ شديد، إذ لم تستطع حشد التأييد الدولي الذي طمحت إليه، على نحو يساعدهم في استكمال ملامح صورة مصطنعة عن ثورة وليس انقلابًا عسكريًا. ومع تعسر حشد الدعم، كان اللجوء إلى استراتيجية بديلة ألا وهي “صناعة العدو”، بحيث يتم تصوير أي دولة لها موقف واضح مناهض للانقلابات العسكرية وداعم للديمقراطية بأنها عدو لمصر، وأنها لا تحترم الإرادة الشعبية التي خرجت في 30 يونيو 2013. وقد أتت تركيا على رأس تلك الدول المصنفة كعدو[29].

· الرغبة في استعادة الحقبة الناصرية على صعيد السياسة الخارجية، حيث طرد جمال عبد الناصر السفير التركي مرتين، المرة الأولى بسبب تصريحات مسيئة لعبد الناصر، وفي عام 1961 بسبب اعتراف تركيا بانفصال سوريا[30]. لا ينفصل عن ذلك بدوره عن محاولات تقديم صورة جديدة للشعب المصري عن مصر كقوة إقليمية كبرى تحديد اتجاهاتها وتملك خياراتها، وتجلى ذلك بالتوجه إلى عقد اتفاقات عسكرية مع روسيا الاتحادية، تلك التحركات التي أثبتت عكس ما أرادته سلطات الانقلاب، حيث كان مقابل التقارب مع روسيا التنازل عن دعم الثورة السورية.

· الرغبة في معاقبة تركيا لاستضافتها فعاليات مناهضة للانقلاب (مظاهرات أو منتديات أو مؤتمرات، كما يحرك أتراك دعاوى جنائية ضد انتهاكات سلطات الانقلاب في مصر). وهذه المساحة التي تعطيها تركيا لمناهضي الانقلاب في مصر تُسكن في نطاق قواعد الديمقراطية والحرية والتعبير السلمي المتعارف عليها في أي دولة، والتي على تركيا الالتزام بها، لاسيما وفق معايير الاتحاد الأوربي.

· أن سلطات الانقلاب وجدت في التصريحات الأمريكية المتتالية الداعمة بنسب متفاوتة متكأ للتصعيد الإقليمي، معتبرة أنها قد اكتسبت بذلك بعض الدعم والمساحة للحركة، وإن أظهرت النخب الانقلابية عدم الاكتراث بالموقف الأمريكي. وفي هذا الإطار، أرادت مصر إرسال رسالة لكل الأطراف الاقليمية ودولية بأن مصر ماضية في خارطة الطريق (الموضوعة من قبل الانقلابيين)، وان أي تدخل في شؤونها سيُقابل بقطع العلاقات[31].

رابعاً: ما ترتب على المواقف التركية من الانقلاب العسكري من نتائج ومآلات، من بينها:

· خسارة تركيا لفرصة الوساطة بين الأطراف المتصارعة في الساحة المصرية، وكذلك تراجع نفوذها بخسارة حليف قوى مثل الإخوان المسلمين في مصر.

· تراجع الدور الإقليمي المصري في المنطقة، وإعادة ترتيب شراكات مصر الإقليميةوفقاً للموقف من الانقلاب مع إعطاء الأولوية للدول الخليجية الممولة لللانقلاب.

· تراجع فرص التعاون الاقتصادي بين البلدين مستقبلاً: ففي حين أنه يبلغ حجم الاقتصاد التركي حوالي 768 مليار دولار، وحجم التجارة الخارجية حوالي 400 مليار دولار، وهي أرقام ضخمة مقارنةً بنظيرتها المصرية من جهة. أما مصر، فوفقًا لأرقام البنك الدولي، يبلغ اقتصادها 257 مليار دولار؛ وهذا يعني أنه يساوي تقريبًا ثلث الاقتصاد التركي[32]. أيضًا، تبلغ الاستثمارات التركية في مصر حوالي 1,5 مليار دولار، وهناك أكثر من 300 شركة تركية توفر فرص عمل لما يزيد عن 50 ألف عامل مصري، إضافة إلى 7000 مصنع ومنتج تركي يتعاملون مع مصر[33]. ورغم التصريحات التي تتحدث عن استمرار العلاقات الاقتصادية، إلا أن استمرار علاقات اقتصادية حقيقية إنما يتطلب تمثيل دبلوماسي ملائم وكذلك مناخ سياسي محفز[34]. أما الخسائر التركية، فقد تتركز في قطاع السياحة في حالة استجابة بعض المصريين للحملات الإعلامية المطالبة بمقاطعة تركيا، أيضًا الصادرات التركية إلى مصر من الحديد قد تتأثر٬خاصة مع وجود تحفظات من المنتجين المصريين على استيراده[35].

· تأثير الضغوط التركية من خلال اتصالاتها بالدول والمنظمات الدولية على عملية الاعتراف الدولي بشرعية الانقلاب في مصر.

· أن تحولات الأوضاع في العراق وسوريا ونتائج العمليات التي يقوم بها التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، وأهمية الدور التركي في نجاح هذه العمليات من شأنه أن يزيد من تمسك تركيا بمواقفها من الانقلاب العسكرى في مصر، لأن خطر داعش لا ينال منها بالقدر الذي يهدد عدد من القوى الإقليمية الأخرى، وخاصة الداعمة للانقلاب العسكري، بالإضافة الى أن أهمية وضعها في التحالف تقلل من احتمالات الضغط الخارجي عليها كي تتخذ مواقف لا تريد اتخادها.

·أنه استناداً لمجمل التحولات السياسية في الداخل التركي وفي الإقليم، ومجمل الممارسات الرسمية التركية المناوئة للانقلاب العسكري في مصر، والتشدد الكبير بشكل علني وواضح وحاسم أمام محفلين دوليين كبيرين (الجمعية العامة للأمم المتحدة، المنتدى الاقتصادى العالمي) تؤكد أن تركيا ستستمر في دعم الثورة المصرية والشرعية التي أفرزتها، والتصدى للانقلاب العسكري، على الأقل على المدى المنظور (عامين على الأقل) ولكن هذا يتطلب تحركاً فاعلاً موازياً من جانب القوى الرافضة للانقلاب في مصر، حتى تتأكد تركيا أن جهدها في مقاومة الانقلاب يجد صدى وتأييداً له من التيارات السياسية المصرية الرافضة للانقلاب.

خامساً: توصيات تنفيذية

ومع هذه الاعتبارات تأتي أهمية التحرك الفوري من جانب التحالفات والكيانات المصرية الداعمة للمسار الديمقراطي واستعادة ثورة يناير ومقاومة الانقلاب العسكري نحو العمل على:

·        تعزيز الشراكات مع الكيانات الرسمية وغير الرسمية في الداخل التركي، وفق ضوابط وآليات ومسارات تضمن مشروعية التحرك في الداخل التركي وتعزيز حرية الحركة المتاحة.

·وضع آلية واضحة ومحددة ومستمرة للتواصل عالي المستوي مع المسؤولين الأتراك، بشكل دوري والتنسيق معهم في سياسات التحرك في مقاومة الانقلاب والتعاطي معهم باعتبارهم شركاء في القضية.

·التصدي للضغوط التي تتعرض لها تركيا ووضع رؤية وخطة واضحة لمواجهة هجوم الآلة الإعلامية الانقلابية وداعميها المضادة لتركيا، من خلال رصد وتفكيك مسارات الهجوم الإعلامي المؤيد للانقلاب ضد تركيا، ووضع مضامين إعلامية دقيقة ومنطقية وواقعية يلتزم بها المتحدثون الإعلاميون سواء للتحالف الوطني لدعم الشرعية أو المجلس الثوري المصري، ونشر عدد من بيانات الحقائق بشكل شبه دوري عن معدلات النمو والتطور في تركيا، ومظاهر الدعم التركي للقضايا الإسلامية و الإنسانية في مختلف المحافل.

·تقنين الوجود الرسمي للكيانات والمؤسسات المصرية العاملة في تركيا (المجلس الثوري، القنوات الإعلامية، المؤسسات البحثية، الشخصيات والقيادات المصرية، اللاجئين والمقيمين المصريين الذين استقروا في تركيا بعد الانقلاب) والتأكيد على ضرورة الالتزام بالقوانين والضوابط التركية وما تفرضه آليات التواصل في هذا السياق تجنباً لما يمكن أن يحدث من أزمات.

·توقيع عدد من الاتفاقيات مع المؤسسات البحثية والفكرية السياسية والاقتصادية والإعلامية، للتدريب والاستشارات وتأهيل الكوادر وتبادل الخبرات لمعارضي الانقلاب المتواجدين في تركيا.

·القيام برصد أعداد المصريين الذين استقروا في تركيا في أعقاب الانقلاب العسكري، وإجراء دراسة تحليلية عن أوضاعهم الأمنية والاجتماعية، والعمل على تسوية الملفات العالقة الخاصة بالإقامة والعمل والإعاشة للمتعثرين منهم.

· رصد خريطة العمل الإعلامي الرافض للانقلاب في تركيا، سواء الوسائل التركية أو المصرية التي تتخذ من تركيا مقراً لهاـ، ووضع خطة استراتيجية للتنسيق فيما بينها، وفق ضوابط واضحة ومحددة ومضامين متفق عليها بشكل يتفق عليه الجميع ويلتزم باحترامه.

————————————————-

الهامش

[1] علي حسن باكير، مستقبل العلاقات التركية-المصرية بعد الانقلاب العسكري، مركز الجزيرة للدراسات، 8 ديسمبر 2013: الرابط

[2]يزيد صايغ، لقاء مع قناة الجزيرة مباشر، 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2013

[3]) صرح أردوغان عقب الانقلاب العسكري قائلا: “إن الذين يعتمدون على السلاح في أيديهم، والذين يستندون إلى قوة الإعلام، لا يستطيعون بناء الديمقراطية التي تبنى عبر صندوق الاقتراع وحسب”.

([4])كان الرئيس التركي “عبد الله جول” أول رئيس يزور مصر بعد ثورة 25 يناير 2011، وذلك في بدايات مارس 2011.

([5])Ahmet DAVUTOĞLU, Principles of Turkish Foreign Policy and Regional Political Structuring, Vision Papers, Turkish Ministry of Foreign Affairs: Center for Strategic Research, No 3, April 2012

([6]) صرح أردوغان: “لن نكون شيطانًا أخرس، وسنواصل إبلاغ العالم عن حكومة الانقلاب وعن المأساة الإنسانية التي تتكشف في مصر”. وتحركت تركيا على المستوى الدولي عقب مجزرتي فض اعتصامي رابعة والنهضة، وعلى ضوء تلك التحركات انعقدت بدعوة من فرنسا وبريطانيا واستراليا، بمجلس الأمن الدولي في 15 أغسطس2013 جلسة (هي الأولى من نوعها بالنسبة لمصر) لمناقشة الأوضاع في مصر، انتهت إلى دعوة جميع الأطراف إلى التخلي عن العنف، والالتزام بأقصى درجات ضبط النفس، مع تسريع خطوات المصالحة السياسية.

([7])علي حسين باكير، مصر في السياسة الخارجية التركية: واقع ما بعد الثورة والآفاق المستقبلي، 3 يناير 2013:  الرابط

([8])شيماء بهاء الدين، التفاعلات التركية والإيرانية مع الثورة المصرية: فرص وتحديات تشكل تحالف استراتيجي حضاري بالمنطقة، العدد الحادي عشر من حولية أمتي في العالم “الثورة المصرية والتغيير الحضاري والمجتمعي”، القاهرة: مركز الحضارة للدراسات السياسية، 2012.

([9]) The International Monetary Fund (IMF), 2014 Spring, REI for Central, Eastern and Southeastern Europe: Safeguarding the Recovery as the Global Liquidity Tide Recedes, 29/4/2014.

([10]) ديفيد شنكر، المساعدات العسكرية الأميركية لمصر، معهد واشنطن لتحليل السياسات، 4 سبتمبر 2013:

([11]) محمد السيد عبد الجواد، تركيا ومصر ما بعد 30 يونيو: محددات وأسباب التوتر، مركز المصري للدراسات والمعلومات، 9/9/2013. الرابط:

([12])أردوغان: ندعم النضال العادل لأخوتنا في مصر، الموقع الرسمي لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التركية، 9 اغسطس 2013.

([13])تركيا ترفض الانقلاب وتؤكد مساندتها لحرية الشعوب”، مجلة المجتمع ، 20 يوليو 2013.

([14])تركيا أردوغان تواصل التصعيد ضد مصر”، أنباء موسكو، 26 اغسطس 2013.

([15])مصر تستدعي سفيرها بالإكوادور للتشاور.. وتأجيل تعيين سفير مصري بموريشيوس”، صحيفة الشروق، 16 أغسطس 2013.

([16])رصد المواقف الدولية والإقليمية من فض اعتصامي الإخوان وتداعياته في مصر”، معهد العربية للدراسات،  19 أغسطس 2013.

([17]) محمد السيد عبد الجواد، تركيا ومصر ما بعد 30 يونيو: محددات وأسباب التوتر، مركز المصري للدراسات والمعلومات، 9/9/2013. الرابط

([18]) أبرزت وسائل الاعلام حديثا تليفزيونياً للدكتور جمال عبد الستار من استانبول لقناة الجزيرة (كان يظن وقتها أنه من المجموعة التي تم ابعادها)، وقالت أن تركيا أصبحت منبرا للمتطرفين….الخ. لدلك أفاد هذا المستشار أنه من الحكمة، بشكل مؤقت، عدم ظهور القادة الآتين حديثا في أي وسيلة اعلام يظهرون فيها من تركيا فضلاً عن ممارستهم العمل السياسي العام فيها

([19])فقد نفى وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، بأن أنقرة ألحت على القاهرة من أجل عقد لقاء ثنائي. وقال “أوغلو”: “لقد صافحت وزير الخارجية المصري سامح شكري، في اجتماعين عقدناهما من قبل أثناء مناقشة الأزمة العراقية في كل من مدينة جدة السعودية، والعاصمة الفرنسية باريس، وكان هناك تأييد متبادل في هذين الاجتماعين على عقد لقاء ثنائي بيننا في نيويورك”. وأضاف: “بدأ مكتبانا يتابعان الأمر عن كثب، لكن الجانب المصري بدأ عقب ذلك، لعقدة نفسية ما، يوحي بأن تركيا هي التي تلح في عقد اللقاء، وأنهما بعد إصرار منا قبلوا اللقاء، لكن هذا أمر لا نراه صائبا”. وأكد “أوغلو”: “إن تركيا كدولة وشعب «لم تدخل في يوم من الأيام في مثل هذه العقد النفسية، لا اليوم، ولا أمس، ولا الغد سنكون كذلك، ونحن لا نرى أي مغزًى في حمل الأمور على أبعاد بهذا الشكل”.

ولفت الوزير التركي إلى أن الرسائل التي وجهها رئيس الدولة «رجب طيب أردوغان»، خلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة «واضحة، وصريحة»، مضيفا: «وعلى الأشخاص الذين لا يرغبون في الديمقراطية، والعدالة، والحرية، ألا ينزعجوا من تلك الرسائل، وعليها أقول إننا لا نرغب في عقد أي لقاءات بسبب هذه التصرفات المستندة على ما ذكرت من عقد نفسية».

وشدد على أن تركيا دائما وأبدا مع الحوار، والحديث، لكن تحويل الأمر إلى عقدة نفسية كهذه، لا مبرر له على الإطلاق، ونحن لن نتنازل في أي وقت من الأوقات عن مواقفنا القائمة على مبادئ، متمثلة في أننا ضد هذه الانقلابات، وضد قتل الناس بكل وحشية في الميادين، وضد انتهاكات حقوق الإنسان، وضد عمليات الإعدام الجماعية”. أنظر: وكالة أنباء الأناضول، الجمعة 26-09-2014.

([20]) فقد هاجمت وزارة الخارجية المصرية الرئيس التركى رجب طيب أردوغان، ووصفت كلمته أمام المنتدى الاقتصادى العالمى، بأنها استمرار لـ«مسلسل الشطط والأكاذيب» التي يرددها حول الأوضاع في مصر، وأكدت إدانتها الكلمة. وقالت الوزارة، في بيان لها (29/9/2014): إنها إذ تجدد استنكارها الشديد “هذه الأكاذيب”، من جانب الرئيس التركى، فإنها تؤكد أن المُتابع للشأن الداخلى في تركيا خلال الأعوام الاثنى عشرة الأخيرة، يخلص إلى نتيجة طبيعية مفادها أنه في الوقت الذي يدعى فيه أردوغان أنه راع للديمقراطية ومدافع عن ثورات الربيع العربى، فإن ممارساته وسجله الداخلى خلال هذه الأعوام بعيد كل البعد عن الديمقراطية الحقيقية، ومن ثم فإنه ليس في وضع يسمح له بإعطاء الدروس للغير بشأن الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، ولا يُنصب نفسه وصياً عليها. وأضاف البيان: «واقع الأمور في تركيا يشير إلى أنه رغم بقاء السيد أردوجان في السلطة لأعوام طويلة كرئيس للوزراء، فإنه لم يتردد عن تغيير النظام السياسى للدولة من النظام البرلمانى إلى النظام شبه الرئاسى، وتغيير الدستور التركى حتى يستمر في السلطة لـ 10 أعوام قادمة». مشيرة إلى أن هذا «لا يمكن وصفه بالسلوك الديمقراطى، خاصة في ظل الممارسات التي انتهجها خلال الأعوام الماضية سواء من خلال فرض قيود على حرية الرأى والتعبير والتجمع واستخدام القوة المفرطة في التعامل مع النشطاء السياسيين والمتظاهرين السلميين، بل وصل به الحد إلى إغلاق موقع (تويتر)، في تحد سافر لأبسط قواعد احترام حرية الرأى». وتابع: “وتضاف إلى ذلك القيود الشديدة التي يفرضها نظامه على حرية الصحافة والملاحقة القضائية والأحكام المتعددة ضد الكتاب والصحفيين، والتمييز ضد الأكراد، وتدخله المتكرر في أعمال القضاء الذي ينظر قضايا الفساد، واحتجاز المواطنين دون تهم فترات طويلة، وهى أمور ترصدها وتؤكدها تقارير منظمات دولية وإقليمية لسجل حقوق الإنسان في تركيا مثل الاتحاد الأوروبى».

وذكر البيان: “إنه لاشك أن هذه الانتهاكات المستمرة والممنهجة والممارسات غير الديمقراطية تُفقد الرئيس التركى أي مُبرر أخلاقى أو سياسى للتشدق بالدفاع عن الديمقراطية، كما أن ذلك يعكس منظور السيد أردوجان الأيديولوجى الضيق الذي يرتبط بتوجهاته الفكرية وطموحاته الشخصية، وأوهام استعادة الخلافة العثمانية بعيداً عن المصالح الوطنية لبلاده وشعبه”. وأشار البيان إلى أن مصر تدين «بكل شدة تهجم الجانب التركى على دولة الإمارات العربية الشقيقة، وتعتبر ذلك تهجماً على سائر الدول العربية، وتؤكد رفضها ذلك». وأضافت وزارة الخارجية، في بيانها: “إنه إذا كان السيد أردوجان يُمارس استبداده السياسى الداخلى، ولا يكف عن دس أنفه في الشأن الداخلى للدول الأخرى، فإنه لم يكتف بذلك، بل تجاوزه من خلال دعم جماعات وتنظيمات إرهابية سواء بالتأييد السياسى أو التمويل أو الإيواء لبث الفوضى والإضرار بمصالح شعوب المنطقة، وهو ما تؤكده المعلومات والتقديرات المختلفة واتصالاته المباشرة مع تنظيمات في ليبيا وسوريا والعراق وغيرها، وهو أمر لا يتعين السكوت عنه أو التهاون معه من جانب الأمم المتحدة والمجتمع الدولى، لما يمثله ذلك من تهديد للأمن والسلم الدوليين”. أنظر: جمعة حمد الله، مصر ترد على أردوغان بـالخطايا العشر، المصري اليوم، الإثنين 29-09-2014. الرابط

([21]) تركيا ترد على مصر ببيان شديد اللهجة (نص كامل)، المصري اليوم، 30/9/2014

([22]) PEW Research Center, One Year after Morsi’s Ouster: Divides Persist on El-Sisi, Muslim Brotherhood, 22/3/2014.

([23]) المركز المصري للإعلام ودراسات الرأي العام.

([24]) أحمد داود أوغلو في كلمته خلال المؤتمر الثاني للمجلس التركماني-السوري بالعاصمة التركية أنقرة، 9 مايو 2014.

([25]) فهمي هويدي، السؤال الكبير المطروح على رئاسة مصر الجديدة، موقع الجزيرة نت، 28 مايو 2014، الرابط

([26]) محمود سمير الرنتيسي، تركيا ومصر بعد فوز السيسي ـ سيناريوهات العلاقات، مركز الجزيرة للدراسات، 30 يونيو 2014.

([27]) وائل عبد الحميد، لثمانية أسباب..أردوغان يطارد السيسي، مصر العربية، 1/10/2014. نقلاً عن تقرير للباحث التركي سميح إيديز بموقع المونيتور الأمريكي.

([28]) جمعة حمد الله، مصر ترد على أردوغان بـالخطايا العشر، المصري اليوم، الإثنين 29-09-2014. الرابط

([29])صرح بدر عبد العاطي المتحدث الرسمي لوزارة خارجية الانقلاب في 25 نوفمبر 2013 أن “الخارجية المصرية رفضت التسامح مع تركيا فيما يخص التعدي على حق الشعب المصري وإرادته، وأن رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، يغلب مصالحه الشخصية على مصالح شعبه”، ووصف عبد العاطي، شخصية رئيس الوزراء التركي بأنه “الأكثر تطرفاً” في النظام التركي”. أنظر: الخارجية: أردوغان الحاكم الأكثر تطرفاً في تاريخ تركيا، 25 نوفمبر 2013.

([30])هند بشندي، العلاقات المصرية التركية.. من التعاون للتوتر إلى طرد السفراء، 23 نوفمبر 2013 الرابط

([31]) قراءة في العلاقات المصرية التركية ومستقبل التوتر الدبلوماسي، وحدة الدراسات السياسية- معهد فلسطين للدراسات الاستراتيجية، 30 نوفمبر 2013:

([32])علي حسين باكير، مستقبل العلاقات التركية – المصرية بعد الانقلاب العسكري،  8 ديسمبر 2013 الرابط

([33])علي حسين باكير، مصر في السياسة الخارجية التركية.. واقع ما بعد الثورة والآفاق المستقبلي، مرجع سابق

([34])في هذا السياق توقع زكي أكينجي، رئيس جمعية رجال الأعمال الأتراك المصريين “التومياد” سابقًا أن قطع العلاقات السياسية بين البلدين سيعقبه تراجع كبير في التبادل التجاري، فضلا عن احتمالية سحب استثمارات أخرى من السوق المصرية التي تعاني حالة غير مسبوقة من التراجع. أنظر: عمر الشنيطي، عن العلاقات المصرية التركية، صحيفة الشروق المصرية، عدد 7ديسمبر 2013.

([35]) جدل واسع حول مستقبل العلاقات الاقتصادية بين مصر وتركيا، 24 نوفمبر 2013 الرابط

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *