fbpx
ترجمات

WPR: ضعف مصر في عهد السيسي عبء على منطقة الشرق الأوسط

نشرت مجلة وورلد بوليتيكس ريفيو (WPR) الأمريكية، في17 يناير 2024  مقالاً بعنوان: “ضعف مصر في عهد السيسي عبء على منطقة الشرق الأوسط” لـ “ألكسندر كلاركسون جان”، المحاضر في الدراسات الأوروبية بكلية كينجز كوليدج لندن، حيث يرى جان أنه “في حال وجود قيادة جديدة تتمتع بشرعية شعبية أكبر، فإنه من المتوقع أن تكون القاهرة في وضع يمكنها من إبراز القوة في جميع أنحاء المنطقة بطرق تعكس حساسية استراتيجية مصرية فارقة.”

يبدو الوقت الذي كان فيه العالم ينظر إلى مصر كمصدر للإلهام السياسي وكأنه تاريخ قديم، بعد سنوات من الاضطرابات السياسية والضائقة الاقتصادية. فقبل ثلاثة عشر عاماً، كانت الديناميكية التي تم التعبير عنها من خلال الاحتجاجات الجماهيرية المصرية التي أطاحت بنظام الرئيس الفاسد حسني مبارك، سببا في توليد الأمل في أن الدولة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في العالم العربي كانت على أعتاب عصر ذهبي من الديمقراطية. وكانت الطريقة التي اجتذبت بها ثورة مصر في يناير 2011 الاهتمام العالمي آنذاك تعكس النفوذ الإقليمي الذي تتمتع به البلاد، والذي كانت تدعمه الكاريزما التي كان يتحلى بها الزعماء السابقون كجمال عبد الناصر وأنور السادات.

ولكن في الآونة الأخيرة، عجز النظام الاستبدادي للجنرال عبد الفتاح السيسي عن القيام بأي شيء أكثر من إبداء ردود الأفعال على الأزمات المحيطة بحدود مصر، الأمر الذي أدى إلى توليد فراغ استراتيجي كانت الجهات الفاعلة الأكثر تدميراً على استعداد لملئه. وفي مواجهة الأزمة الاقتصادية الحادة التي تفاقمت بسبب عدم كفاءة نظام السيسي، أصبحت مصر تعتمد على التمويل من دول الخليج وعمليات الإنقاذ المالي من صندوق النقد الدولي، مما أدى بدوره إلى الحد من قدرة القاهرة على اعتماد نهج أكثر حزماً تجاه الصراعات الإقليمية. ومع تزايد المخاوف بشأن استقرار مصر، فإن عجز القاهرة عن لعب دور جيوسياسي كبير يخلق حلقة مفرغة، مما يزيد من احتمال أن تؤدي الفوضى المحيطة بها إلى تفاقم المشاكل الداخلية في البلاد.

في الحقيقة، ليس من السهل تحديد اللحظة التي بدأت فيها مصر تفقد مكانتها الإقليمية البارزة. فقد حقق عبد الناصر للبلاد مكانة قيادية عالمية خلال الحرب الباردة من خلال حركة عدم الانحياز وتحديه للتدخل من الإمبراطوريتين الفرنسية والبريطاني خلال أزمة السويس عام 1956. لكن مغامرته العسكرية الفاشلة في اليمن وانهيار مسعاه لتوحيد مصر مع سوريا في أوائل الستينيات بمثابة أول انتكاسة كبيرة. كما أن الهزيمة المُذلّة لمصر أمام إسرائيل في حرب الأيام الستة عام 1967 والنفوذ الاقتصادي المتنامي الذي حققته السعودية والعراق والإمارات وغيرها من الدول المنتجة للنفط في العقد الذي تلا ذلك، قللت أيضاً من قدرة مصر على تشكيل النظام الإقليمي.

ومع ذلك، فتحت قيادة السادات، سمحت هزيمة إسرائيل الباهظة الثمن في حرب يوم الغفران (6 أكتوبر) عام 1973 إلى جانب دبلوماسية الحرب الباردة الذكية تجاه الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، لمصر بالبقاء كأحد اللاعبين المهيمنين في الشرق الأوسط. ورغم أن معاهدة السلام مع إسرائيل التي توسطت فيها الولايات المتحدة أدت إلى اغتيال السادات على يد متشددين إسلاميين (داخل الجيش المصري) في عام 1980، فإن إرث السادات مكّن مبارك من الاستمرار في ممارسة نفوذ إقليمي كبير حتى أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حتى مع إضعاف الفساد لأسس الدولة والاقتصاد في مصر.

وعلى الرغم من تفريغ المؤسسات المصرية في الحكم الكليبتوقراطي (حكم الطغمة الفاسدة) لمبارك، فضلاً عن القمع الوحشي للجماعات الجهادية وغيرها من التهديدات الأمنية خلال السنوات الثلاثين التي حكمها، فقد ترك نظامه مساحة كافية للتعددية الاجتماعية مما سمح بمشهد ثقافي وإعلامي مزدهر ساعد في الحفاظ على استمرارية القوة الناعمة المصرية في جميع أنحاء الشرق الأوسط. ونتيجة لذلك، أدى الشعور المستمر بأن مصر لا تزال لاعباً رئيسياً إلى توليد أمل واسع النطاق في أن تكون انتفاضة عام 2011 بمثابة تحول في المنطقة بأكملها. وعلى الرغم من الركود الذي شهده عهد مبارك، إلا أن مصر كانت لا تزال تتمتع بنفوذ كافٍ حتى بعد سقوطه، الأمر الذي جعل العديد من المراقبين يأملون في أن تصبح الدولة المصرية الأكثر ديمقراطية (بُعَيد ثورة يناير) ركيزة للاستقرار الإقليمي.

لكن سرعان ما تلاشى هذا الأمل الخاطف في يوليو 2013، بعد أن أطاح السيسي بالرئيس السابق محمد مرسي وحكومته المنتخبة ديمقراطياً. وكان فرض نظام عسكري قمعي في عهد السيسي يفوق في قمعه بكثير ما كان موجوداً في عهد السادات ومبارك – كان بمثابة ضربة أخيرة للتفوق الثقافي التي طالما تميزت به مصر في المنطقة، والذي سرعان ما أدت وسائل الإعلام المتمركزة في قطر والسعودية والإمارات إلى أفوله. وفي الوقت نفسه، أدى الإنفاق المسرف من نظام السيسي وسياسته الاقتصادية غير الكفؤة إلى تفاقم اعتماد الدولة المصرية المالي على دول الخليج.

ومع ذلك، فحتى مع تراجع نفوذ القاهرة في جميع أنحاء المنطقة، استمرت القوات المسلحة المصرية في الإسراف في الإنفاق، حيث حصلت على طائرات حديثة ودبابات وفرقاطات وحاملتي طائرات هليكوبتر. ومن الناحية النظرية، فإن القوة العسكرية الكبيرة المتاحة لنظام السيسي زوّدته بالوسائل اللازمة للتعامل مع بؤر التوتر الجيوسياسية على حدود مصر. لكن من الناحية العملية، أدت المخاطر السياسية لاحتمالات فشل أي عملية عسكرية يمكن القيام بها إلى تركيز نظام السيسي على توسيع الإمبراطورية الاقتصادية الواسعة للجيش بدلاً من تطوير دور دبلوماسي وعسكري أكثر نشاطًا في الشؤون الإقليمية.

ويتفاقم هذا التردد في أخذ زمام المبادرة بسبب المخاطر المتمثلة في أن القيام بدور إقليمي أكثر نشاطًا قد يجذب عداء إيران ووكلائها وشركائها في جميع أنحاء المنطقة. ومع سعي السعودية الآن إلى خفض التوترات مع طهران، فإن أي حكومة مصرية ستفكر مرتين قبل إبداء ردود أفعال قوية تجاه الجماعات المتحالفة مع طهران، مثل الحوثيين، حتى عندما تهدد أفعالهم بشكل مباشر المصالح الاستراتيجية للقاهرة، كما يفعل استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر. وبالإضافة إلى ذلك، فإن اتباع نهج أكثر نشاطاً يمكن أن يؤدي أيضاً إلى تأجيج العداء المحلي تجاه القاهرة في ليبيا والسودان ودول أخرى حيث لا تزال الذكريات التاريخية لمحاولات الأنظمة المصرية السابقة للهيمنة ماثلة في الأذهان.

ومع ذلك، فبإمكان القاهرة أن تتبنى نهجاً أكثر استباقية تجاه تصعيد الأزمات دون تكرار أخطاء الأنظمة المصرية السابقة بالضرورة – أو الانصياع لخط الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وبدلا من ذلك، فعلى افتراض أنها كانت قادرة على إصلاح الضرر الاقتصادي الناجم عن عدم كفاءة السيسي، فإن أي قيادة جديدة تتمتع بشرعية شعبية أكبر ستكون في وضع يمكنها من إبراز القوة في جميع أنحاء المنطقة بطرق تعكس حساسية استراتيجية مصرية فارقة. ومن المرجح أيضاً أن تتعامل حكومة مصرية مختلفة عن الحكومة الحالية مع بؤر التوتر مثل الصراعات في غزة والسودان وليبيا والبحر الأحمر باهتمام أكبر من دول الخليج، التي يعكس استعدادها لدعم المستبدين القتلة وقادة الميليشيات افتقاراً متعجرفاً إلى الاهتمام بمصير المدنيين.

إن مدى قدرة القاهرة على المساعدة في منع امتداد الصراع إلى حدودها نفسها واضح بشكل صارخ عندما يتعلق الأمر بالهجوم الذي نفّذته حماس في السابع من أكتوبر على المستوطنات في غلاف غزة والهجوم الإسرائيلي (الوحشي) المتواصل على غزة منذ ذلك الحين. ومع اقتراح العناصر اليمينية المتطرفة في الحكومة والجيش الإسرائيليين علناً التهجير الجماعي للفلسطينيين من غزة إلى سيناء، فمن مصلحة القاهرة الذاتية ممارسة الضغط على إسرائيل – من خلال مشاركة دبلوماسية رفيعة المستوى وشروط اقتصادية على مشاريع الطاقة المشتركة. بالتزامن مع الجهود الدولية الأوسع – لدفع الحكومة الإسرائيلية نحو نهج أقل تدميراً في غزة. ومن خلال القيام بذلك، لن تتمكن القاهرة من إفادة المدنيين الفلسطينيين فحسب، بل يمكنها أيضًا تهدئة الاستياء الواسع النطاق بين الجماهير المصرية حول التأثير الإنساني للحرب.

ومن الممكن كذلك أن يكون لمصر التي تتبنى نهجاً أكثر حزماً تأثير أعظم وأكثر إيجابية على الحرب الأهلية الكارثية في السودان، وذلك باستخدام نفوذها الاقتصادي وأجهزتها الاستخباراتية الواسعة للضغط على الجانبين للدخول في مفاوضات أكثر جدية لإنهاء الصراع. وسيكون لديها أيضاً الوسائل اللازمة لدفع الإمارات إلى إنهاء عمليات نقل الأسلحة إلى قوات الدعم السريع التابعة لمحمد حمدان دقلو، المعروف بـ “حميدتي”، والتي أدت إلى تصعيد الحرب. إن المشاركة المصرية الأكثر فعالية لن تؤدي إلى إنهاء القتال في السودان بطريقة سحرية، ولكن الطريق نحو وقف التصعيد سيكون أكثر ترجيحاً إذا لعبت القاهرة دوراً أكثر نشاطاً في حل الصراع.

وعندما يتعلق الأمر بحماية الشحن في البحر الأحمر، فإن الوجود البحري المصري الأكثر نشاطاً من شأنه أن يؤثر على كيفية تعامل الجهات الفاعلة الأخرى مع الأمن البحري في المنطقة.

إن القاهرة التي لا تعتمد في المقام الأول على القوات البحرية الأمريكية والأوروبية لتأمين الاقتراب من قناة السويس ستكون أكثر قدرة على التأثير على الاستراتيجيات الغربية تجاه تهديدات مثل الحوثيين، بما في ذلك من خلال السعي إلى استكمال الضغط العسكري من خلال الانخراط الدبلوماسي عبر القنوات الخلفية.

إن وجود حكومة جديدة في القاهرة تكون على استعداد لأن تكون أكثر حزماً، بل وتتولى في بعض الأحيان زمام المبادرة في الدبلوماسية الإقليمية، من شأنه أن يساعد كذلك في تهدئة حالة الإحباط الواسع النطاق بين الشعب المصري بسبب تقليص مكانة البلاد.

وهناك أمر مشترك في المناقشات المصرية حول الحرب في غزة، بالإضافة إلى الرعب من المستوى الهائل للخسائر في صفوف المدنيين، وهو الشعور السائد بالإهانة بسبب سلبية نظام السيسي وعدم رغبته في ممارسة ضغوط كبيرة على إسرائيل.

وسوف يظل التحول نحو الاستراتيجية المصرية الأكثر حزماً اللازمة للحفاظ على نظام إقليمي مستقر أمراً غير مرجح ما دام نظام السيسي غير الكفء لا يزال في السلطة.

وبالتالي فإن كيفية استبدال السيسي في نهاية المطاف والنظام الجديد الذي سيظهر في مصر بعد رحيله لن يكون حاسماً فقط لتماسك الدولة والمجتمع في مصر، ولكن أيضاً لأي فرص لتحقيق شرق أوسط أكثر أمناً وازدهاراً.

فبالنسبة للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول الخليج، لا يمكن تحقيق شرق أوسط أكثر استقراراً إلا من خلال الشراكة مع مصر القوية، والتي تكون في بعض الأحيان مستعدة لقول “لا”.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
Close