fbpx
ترجمات

WPR: لا تفترضوا أن هجوم حماس كان خطأً في الحسابات

نشرت مجلة وورلد بوليتيكس ريفيو (WPR) الأمريكية، في 29 نوفمبر 2023 مقالاً بعنوان: “لا تفترضوا أن هجوم حماس كان خطأً في الحسابات” لـ “أفيخاي بن ساسون جورديس”، المرشح للحصول على الدكتوراه في جامعة هارفارد، قسم شؤون الحكم، حيث يدرس النظرية السياسية والعلاقات الدولية، حيث يرى أنه على الرغم من أنه قد يكون من المغري النظر إلى الهجوم الذي شنّته حركة حماس على المستوطنات في غلاف غزة في السابع من أكتوبر باعتباره مجرد حالة لقيادة عسكرية مارقة أو قيادة مدنية ضعيفة، إلا أن ذلك لا يتماشى تماماً مع الحقائق المتاحة الماثلة على الأرض.

وقد جاء المقال على النحو التالي:

عند النظر إلى الهجوم الذي شنته حماس على المستوطنات في غلاف غزة في السابع من أكتوبر، من منظور عسكري، فإنه كان بمثابة إنجاز رائع في التخطيط والتدريب والخداع والتنفيذ.

لكن على الرغم من ذلك، فإن هذا الهجوم، باعتباره خطوة استراتيجية، قد يكلف الفلسطينيين ثمناً غالياً وقد يعرض الكثير مما حققته حماس خلال وجودها الذي دام أربعين عاماً تقريباً كحركة إسلامية، وجماعة مقاومة مسلحة، للخطر.

وقد يثير هذا تساؤلات حول ما إذا كان هذا الهجوم عملاً “قصير النظر” من جانب قادة عسكريين مغامرين، أو ما إذا كان هناك شيء أكثر من ذلك ينطوي عليه الهجوم.

في السادس من أكتوبر، كانت حماس تسيطر على شبه دولة في غزة. وعلى الرغم من محاصرة إسرائيل للقطاع وتجسسها على غزة عن كثب، ودخولها معها في حالة من الصراع المستمر منخفض المستوى مع اندلاع أعمال دورية من الاحتكاكات، إلا أن غزة كانت لا تزال قطعة أرض تمتلك فيها حماس السلطة السياسية والعسكرية.

وحتى نهاية سبتمبر، كانت وسائل الإعلام الإخبارية تشير إلى أن الظروف الاقتصادية في غزة من المقرر أن تتحسن، مع اقتراب إسرائيل وحماس من التوصل إلى اتفاق  من شأنه أن يسمح بدخول المزيد من التمويل القطري إلى القطاع ودخول المزيد من العمال الفلسطينيين من أهل غزة إلى “إسرائيل”.

وفي المقابل، وافقت حماس على وضع حد للاحتجاجات التي كانت دائرة على الحدود. ويبدو أن المحادثات بين إسرائيل وحماس قبل الحرب غطّت أكثر من مجرد المسائل الاقتصادية: فقد كانت الأطراف تتفاوض أيضاً على صفقة كان من المحتمل أن تطلق إسرائيل بموجبها سراح السجناء الفلسطينيين المحتجزين في السجون الإسرائيلية مقابل اثنين من المدنيين الإسرائيليين ورفات جنديين إسرائيليين تحتجزهم حماس.

ومع أن هذا الوضع لم يعالج المأزق الذي يواجه تطلعات الفلسطينيين إلى إقامة دولة لهم، إلا أنه كان بمثابة فرصة لتعزيز سلطة حماس السياسية في غزة.

ومع ذلك، ففي صباح يوم 7 أكتوبر، شنّت حماس هجومها واسع النطاق عبر الحدود على المستوطنات الواقعة في غلاف غزة، حيث تلقى مقاتلوها، وفقاً لادعاءات وردت في تقارير الاستجوابات التي تم إجراؤها مع نشطاء حماس الذين ألقت قوات الأمن الإسرائيلية القبض عليهم، تعليمات بتنفيذ الهجوم مهما كلف ذلك.

ومن المرجح أن حماس تفاجأت بمدى سهولة تمكنها من اختراق الدفاعات الحدودية الإسرائيلية، ولكن لا بد أن قادتها كانوا يعلمون أن تحقيق نجاح كبير من شأنه أن يؤدي إلى رد فعل إسرائيلي قاس.

وفي الواقع، واستناداً إلى ما هو معروف عن حركات المقاومة، فمن المرجح أنهم اعتمدوا على أمر واحد: أن إثارة رد فعل إسرائيل الذي حتى وإن ألحق أضراراً غير متناسبة بالمدنيين، إلا إنه لن يعرض بقاء الحركة نفسها للخطر، باعتبار ذلك أداة رئيسية في مجموعة الأدوات غير المتكافئة.

ومن المؤكد أن ذلك قد تحقق بالفعل؛ فقد تسبب الرد الإسرائيلي في إلحاق أضرار جسيمة بالمدنيين في غزة حتى الآن، مما أسفر عن مقتل الآلاف –معظمهم من الأطفال– وفي نفس الوقت ألحق الضرر أو أدى إلى تدمير جزء كبير من المباني في غزة (أكثر من 50% من المباني، حسب بعض التقارير). ومع ذلك، لا يمكن اعتبار هذا نجاحاً إلا إذا لم يتعرض بقاء حماس للخطر.

وفي هذا الصدد، فقد كان يُخيّل للبعض أن هجوم السابع من أكتوبر كان قد اعتمد على حسابات خاطئة، حيث تعهد القادة الإسرائيليون بالقضاء على حماس باعتبارها قوة سياسية وعسكرية قادرة على البقاء في غزة، ويبدو أن العمليات العسكرية موجهة نحو السعي لتحقيق هذا الهدف. وفضلاً عن ذلك فقد تعهدت إسرائيل الآن باغتيال زعماء حماس في الخارج. وفي الضفة الغربية أيضاً، أصبحت حماس هدفاً لعمليات إسرائيلية مكثفة.

وإذا كان هذا خطأ بالفعل، فكيف ارتكبت حماس مثل هذا الخطأ الفادح في التقدير؟ ونظراً للتناقض بين التقييمات العسكرية والسياسية للهجوم، فإن الإجابة قد تكمن في مجال العلاقات المدنية العسكرية. فعندما تفشل السيطرة المدنية على المؤسسة العسكرية في دولة يحكمها قادة مدنيون ولو ظاهرياً، فمن الممكن أن تعرض المؤسسة العسكرية الدولة للخطر بطرق متعددة، بما في ذلك، وفقا لـ بيتر فيفر، من خلال إشراك “المجتمع في حروب وصراعات تتعارض مع مصالح المجتمع”. وكما تقول ريسا بروكس، حتى عندما لا تفشل السيطرة المدنية تماماً، إلا إنه إذا أصبح الجيش قوياً للغاية مقارنة بالمدنيين، فإن التقييم الاستراتيجي الذي تنتجه الدولة يميل إلى الدخول في المعاناة.

وفي ضوء ذلك، يمكن أن يكون الهجوم الذي وقع في السابع من أكتوبر قد جاء نتيجة لقيادة عسكرية غير منضبطة أو قيادة مدنية ضعيفة. ويبدو أن هذا يتناسب مع تصريحات موسى أبو مرزوق، المسؤول الثاني في المكتب السياسي لحماس في الدوحة، قطر، بأن قادة حماس السياسيين لم يتلقوا أي أخبار عن الهجوم إلا في وقت مبكر من صباح يوم السابع من أكتوبر. وفي نفس الوقت، قال أبو مرزوق إن القادة السياسيين للجماعة كانوا على دراية بالخطة العملياتية، تاركين سؤالا مفتوحا حول ما إذا كانوا قد أذنوا مسبقاً بتنفيذها، ولكن في الوقت الذي يختاره القادة العسكريون.

وعلى الرغم من أن هذا التفسير قد يكون مغرياً للبعض، إلا أنه لا يتماشى تماماً مع الحقائق المتاحة على الأرض. فلدى حماس أربعة مراكز قيادية: غزة، والضفة الغربية، والسجون الإسرائيلية، والقيادة الخارجية التي تعمل بشكل أساسي من الدوحة. ومن الممكن أنه لم يتم إبلاغ القادة في المراكز الثلاثة الأخيرة بالهجوم قبل تنفيذه. ولكن كما ذكرت صحيفة الجارديان، على الرغم من أن القادة العسكريين ربما كانوا مسؤولين عن التخطيط لتفاصيل الهجوم الذي وقع في السابع من أكتوبر، إلا أنه يُعتقد أن الزعيم السياسي لحماس في غزة، يحيى السنوار، “هو من شجّع على القيام بالعملية وشارك في جميع جوانبها تقريباً.”

ومن المعروف أن يحي السنوار، وهو منظّر يُعَدّ من نسور حماس، قد صعد في بداية الأمر عبر صفوف الجناح العسكري لحركة حماس في أواخر الثمانينيات. واعتقلته إسرائيل عام 1989 بتهمة إعدام مشتبه بهم (بالتخابر مع إسرائيل) بقسوة في غزة، التي كانت لا تزال تحت الاحتلال الإسرائيلي المباشر في ذلك الوقت، وحُكم عليه بالسجن مدى الحياة.

وخلال فترة وجوده في السجن، تعلم السنوار اللغة العبرية والمجتمع الإسرائيلي، وأصبح أحد كبار قادة سجون حماس حتى تم إطلاق سراحه في صفقة تبادل أسرى عام 2011.

وبعد عودته إلى غزة، اكتسب السنوار شعبية ونفوذاً داخل الجناح السياسي لحركة حماس، مما سمح له بالفوز في الانتخابات الداخلية للحركة في عام 2017 لشغل أعلى منصب قيادي في غزة.

وقد استغل السنوار هذا الوضع لتهميش فرع القيادة في الدوحة وتعزيز العلاقات بين الجناحين السياسي والعسكري في غزة. وتعزّزت علاقات السنوار بالجناح العسكري بشكل أكبر من خلال العلاقات الشخصية الوثيقة مع بعض قادته، بما في ذلك شقيقه الأصغر محمد.

وخلاصة القول هي أن بعض القادة المدنيين في حماس، بما في ذلك أعلى قائد سياسي في غزة، لم يأذنوا بالهجوم فحسب، بل شاركوا أيضاً في تخطيطه وتنفيذه، ويواصلون تنسيق استراتيجية الحركة في أعقابه.

ويتناسب هذا الترتيب مع ما أسماه أليك ورسنوب، في دراسة نشرت مؤخراً عن العلاقات المدنية العسكرية في الجماعات المتمردة، “التكامل المهني”. ويرى ورسنوب أنه حتى عندما تسيطر المنظمات المتمردة على الأراضي، فإن القتال المستمر ضد دولة منافسة يتطلب علاقة أوثق وأكثر سهولة بين القادة العسكريين والسياسيين مقارنة بتلك التي توجد عادة في الدول القائمة التي ناقشها باحثون مثل فيفر وبروكس.

ووفقا لورسنوب، في بعض حركات التمرد الأكثر نجاحاً، يندمج القادة السياسيون بشكل وثيق في العمليات اليومية للقوات العسكرية، خاصة عندما تًظهر تلك القوات درجة عالية من التمكن من مهنة السلاح. ومنذ إطلاق سراح السنوار وانتصاره السياسي، اتبعت حماس هذا النمط، حيث كانت الحركة تتحدى إسرائيل بشكل متزايد عبر نطاق استخدام القوة بالكامل، بنجاح كبير.

وفي ضوء ذلك، يجب علينا أن نفكر في احتمال أن الهجوم الذي وقع في السابع من أكتوبر لم يكن خطأً استراتيجياً أو حتى خطأً في التقدير. فعلى الرغم من أننا يجب أن نكون حذرين من القبول بكل ما تقوله حماس حالياً حول أهداف هجومها، فمن المحتمل أن السنوار كان على استعداد للمخاطرة بأي ثمن من أجل إعادة “القضية الفلسطينية إلى الطاولة”، كما نُسب لأحد قادة حماس، حسبما أوردت صحيفة نيويورك تايمز.

فإذا كان هذا هو الهدف الاستراتيجي للهجوم حقاً، فإن الاسترضاء الاقتصادي الذي تم عرضه في سبتمبر –والذي كان سيسمح لإسرائيل بمواصلة محادثات التطبيع مع المملكة العربية السعودية التي بدت وكأنها مستعدة لتهميش الفلسطينيين– كان بلا معنى. فبالنسبة للسنوار والقادة السياسيين والعسكريين الآخرين الذين خطّطوا وشنّوا الهجوم، يبدو أن كل شيء، حتى قتلهم وتدمير إسرائيل لقطاع غزة بشكل كامل، كان يستحق العناء من أجل إعادة القضية الفلسطينية إلى دائرة الضوء.

وحتى لو تمكنت إسرائيل من مساعيها في استهداف حماس كقوة سياسية وعسكرية في غزة، فإن الهجوم الذي وقع في السابع من أكتوبر سيكون قد حقق هذا الهدف بالفعل. ولكن إذا فشلت إسرائيل في إلحاق الهزيمة بحماس بشكل كامل، وتمكن السنوار أو أي من رفاقه بعد ذلك من إعادة بناء قوتها العسكرية، فسوف تُضاف حماس إلى قائمة الحركات المسلحة التي نجحت في تحقيق التكامل بين القيادة السياسية والعسكرية وصولاً إلى قوة مسلحة فعّالة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
Close