
نشر موقع “إنفو ميجرانتس” – وهو منصة إعلامية تركز على قضايا المهاجرين واللاجئين، حيث تقوم على مكافحة المعلومات المضلّلة التي قد يقع ضحيتها مهاجرون، سواء كانوا في بلدانهم الأصلية أو على طريق رحلتهم أو في البلد الذي يأملون فيه بناء حياة جديدة – في 8 يناير 2026 تقريراً لـ “إيما واليس”، وهي كاتبة وصحفية تعمل مع موقع “إنفو ميجرانتس”، حيث تغطي “واليس” مواضيع تتعلق بتجارب المهاجرين، تحدياتهم، وقضايا اللجوء والهجرة، مع تسليط الضوء على الجوانب الإنسانية والاجتماعية لهذه الظواهر.
يقول التقرير إنه في عام 2025، شكّل المصريون ثاني أكبر مجموعة من المهاجرين غير الشرعيين، بعد البنجلاديشيين، الذين دخلوا دول الاتحاد الأوروبي، وأنهم يشكلون أكبر مجموعة وطنية قادمة من قارة أفريقيا. حيث بلغ عددهم الإجمالي ما يزيد قليلاً عن 16 ألف شخص، وذلك وفقاً لبيانات المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة.
ويذكر التقرير أن هناك عوامل متعددة تدفع الشباب إلى مغادرة مصر، من بينها حقيقة أنهم يستطيعون الآن، عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتطورات التكنولوجية الأخرى، رؤية جوانب من المجتمعات الأوروبية تبدو لهم وكأنها الحل الناجع لتحقيق أحلامهم.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن ظواهر العنف المنزلي، ومحدودية فرص العمل في مصر، وعدم كفاية النظام التعليمي، وانعدام الوصول إلى العناصر الأساسية للبقاء على قيد الحياة في مصر، كلها تعتبر عوامل دافعة للكثيرين للهجرة خارج البلاد.
وقد جاء التقرير على النحو التالي:
في عام 2025، سجّلت وكالة الحدود الأوروبية “فرونتكس” ما يزيد قليلاً عن 16 ألف عبور لمواطنين مصريين، معظمهم كانوا قادمين من ليبيا، باتجاه إيطاليا واليونان. وهذا يجعلهم الجنسية الأكثر هجرةً إلى أوروبا من القارة الأفريقية. ويستعرض موقع “إنفو ميجرانتس” بعض العوامل التي تدفع المصريين – وخاصةً القاصرين منهم غير المصحوبين بذويهم – إلى محاولة الوصول إلى قارة أوروبا.
وفي عام 2025، شكّل المواطنون المصريون ثاني أكبر مجموعة من المهاجرين غير الشرعيين، بعد البنجلاديشيين، الذين دخلوا دول الاتحاد الأوروبي، وأكبر مجموعة من جنسية واحدة من قارة أفريقيا. وبلغ عددهم الإجمالي ما يزيد قليلاً عن 16 ألفاً. وذلك وفقاً لبيانات المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة.
وتشير بيانات الحكومة الإيطالية الصادرة في 31 ديسمبر 2025 إلى وصول أكثر من 9,000 مصري إلى إيطاليا بحراً. وقد عبر أكثر من 7,000 مواطن مصري من شمال أفريقيا، معظمهم كانوا قادمين من ليبيا، باتجاه اليونان، وذلك خلال عام 2025.
ويبدو أن ازدياد عدد المصريين الراغبين في الهجرة إلى أوروبا هو ظاهرة بدأت قبل بضع سنوات فقط. فقد أشار مركز الهجرة المختلطة (MMC)، وهو مركز معرفي دنماركي مستقل يُعنى بجمع البيانات وإجراء البحوث والتحليلات ووضع السياسات والبرامج المتعلقة بالهجرة المختلطة، في تقرير له صدر في شهر إبريل 2024، إلى أن المصريين شكّلوا ما يزيد قليلاً عن 7% من إجمالي الوافدين إلى إيطاليا في عام 2023، ليصبحوا خامس أكثر الجنسيات شيوعاً بين الوافدين في ذلك العام.

(صورة أرشيفية مستخدمة للتوضيح: حيث شكّل المواطنون المصريون أكبر مجموعة من المهاجرين من القارة الأفريقية إلى أوروبا عام 2025 | الصورة لـ: محمود الخواص / نور فوتو / بيكتشر ألاينس)
وبحلول عام 2024، لاحظ مركز الهجرة المختلطة (MMC) أن المصريين قد احتلوا المرتبة الرابعة بين أكثر الجنسيات شيوعاً بين الوافدين. وأشارت المنظمة إلى أن معظم المهاجرين المصريين يسافرون أولاً إلى ليبيا، ثم يحاولون ركوب قوارب متجهة إلى إيطاليا أو اليونان عبر البحر الأبيض المتوسط. وذكرت وكالة الحدود الأوروبية (فرونتكس) أنه خلال الأشهر الأحد عشر الأولى من عام 2025، استخدم مواطنون مصريون “شبكات تهريب منظّمة تعمل على طول طرق الهجرة الليبية”. وأوضحت “فرونتكس” أن هذا حدث “على الرغم من تشديد الرقابة على الحدود المصرية وتفكيك الشبكات على طول الساحل المصري”.
الأزمة الاقتصادية
أثرت الأزمة الاقتصادية في مصر، والتي تفاقمت جزئياً بسبب ارتفاع أسعار الحبوب المرتبط بالغزو الروسي لأوكرانيا، سلباً على البلاد منذ ذلك الغزو عام 2022. وقد شهدت مصر خلال هذه الأزمة ارتفاعاً حاداً في التضخم ونقصاً في العملات الأجنبية. ونتيجةً لارتفاع معدلات البطالة، يشعر العديد من المصريين بانعدام تام لمستقبلهم في وطنهم، ويأملون في الحصول على فرص أفضل في الخارج.

(صورة أرشيفية مستخدمة للتوضيح: المشاكل الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة ليست سوى بعض العوامل التي تدفع المصريين إلى الهجرة، إلى جانب النمو السكاني السريع وانتشار استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي | الصورة لـ: جون وريفورد / زونار / بيكتشر ألاينس)
في شهر يناير 2024، نشر المرصد الإيطالي المعني بالقاصرين الأجانب غير المصحوبين بذويهم تقريراً عن القاصرين المصريين غير المصحوبين بذويهم في إيطاليا. وأشار التقرير أيضاً إلى أن المشاكل الاقتصادية كانت من أبرز العوامل الدافعة للهجرة من مصر.
وسلط التقرير الضوء على الزيادة السكانية في مصر، إلى جانب الأزمة المالية، وانخفاض قيمة العملة المصرية، وارتفاع الأسعار، وندرة المياه، وتفاقم الفقر، وارتفاع معدلات البطالة، فضلاً عن عوامل دولية كجائحة كوفيد-19 والحرب في أوكرانيا، وكلها عوامل ساهمت في دفع المزيد من المصريين إلى اعتبار الهجرة حلاً لمشاكلهم.
البحث عن دخل
صرح عمرو مجدي، الباحث في منظمة هيومن رايتس ووتش غير الحكومية، لصحيفة لوموند الفرنسية اليومية في يناير 2026، بأن غالبية المصريين المهاجرين إلى أوروبا يبحثون عن “دخل يسمح لهم بعيش حياة كريمة، وتكوين أسرة، وإعالة أسرهم الفقيرة في مصر”.

(صورة أرشيفية مستخدمة للتوضيح: وجد هذان الشابان عملاً في مصر، لكن الكثيرين مثلهما يعتقدون أن بإمكانهم بالكاد كسب ما يكفي من المال لإعالة أسرهم وبناء مستقبل كريم لهم فقط. | الصورة: دعاء عادل/نور فوتو/بيكتشر ألاينس)
وأضاف الباحث أن الهجرة لا تقتصر على ذوي الدخل المحدود، بل تشمل أيضاً أصحاب المؤهلات. وقال مجدي لصحيفة لوموند: “هناك هجرة جماعية للكفاءات في مصر. فالأطباء والصيادلة ومهندسو الحاسب الآلي ومهندسو تكنولوجيا المعلومات يغادرون البلاد أيضاً من خلال حصولهم على تأشيرات”.
ومع ذلك، فإن غالبية من يدخلون أوروبا بدون أوراق ثبوتية هم من بين ثلث المصريين الذين يعيشون تحت خط الفقر. فمن بين سكان مصر الذين يزيد عددهم عن 100 مليون نسمة، يُقدّر البنك الدولي أن أكثر من ثلثهم يعيشون تحت خط الفقر ويجدون صعوبة في توفير الخبز والوقود وتذاكر المواصلات.
وقد ارتفع التضخم في البلاد بشكل حاد، ليصل أحياناً إلى ما يقارب 40%. إلا أن البنك المركزي المصري أعلن في شهر نوفمبر أن وتيرة ارتفاع الأسعار تباطأت إلى 12.3%. وتوقع صندوق النقد الدولي انتعاشاً في النمو يتجاوز 4% خلال عام 2026.
قصص عن الهجرة للخارج
قد تكون الأرقام ذات دلالة بالنسبة لبعض المهاجرين. فقد صرّح مصريان يعيشان في فرنسا منذ أربع سنوات ويعملان في مجال تركيب البلاط، لصحيفة لوموند، أنهما يكسبان حوالي 1,800 يورو شهرياً، أي ما يقارب سبعة أضعاف متوسط الراتب الذي قد يحصلان عليه في مصر، والبالغ 270 يورو شهرياً.

(يتطلع المزيد من الشباب المصريين، مثل هذا الشاب البالغ من العمر 15 عاماً، إلى أوروبا كوسيلة لتحقيق أحلامهم | الصورة لـ: إيما واليس / إنفو ميجرانتس)
قال أحمد، البالغ من العمر 31 عاماً، وابن أخيه علي، البالغ من العمر 23 عاماً، لصحيفة لوموند، إنهما وصلا إلى أوروبا قبل نحو خمس سنوات، وهبطا في لامبيدوزا “هرباً من حياة بائسة”.
وتحدثا عن رواتبهما في فرنسا، قائلين إنهما “كانا سيضطران إلى السرقة لكسب هذا القدر من المال في بلدهما”. وأضافا أنهما رغم اشتياقهما لعائلتيهما وإقامتهما غير القانونية في فرنسا، فإنهما لا يندمان على المغادرة. واعترف أحمد بأنه لم يرَ ابنته البالغة من العمر خمس سنوات قط. وأخبرته زوجته أنها حامل بعد أن كان قد بدأ رحلته إلى أوروبا، لكنه شعر أن الأمر يستحق التضحية، من أجل أن يتمكن من إرسال ما يكفي من المال إلى الوطن لإعالتهم.
السياحة والناتج المحلي الإجمالي
وفقاً لتقرير صادر عن المرصد الإيطالي للقاصرين الأجانب غير المصحوبين بذويهم، تُعدّ السياحة في مصر جزءاً هاماً من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. إلا أنه بسبب جائحة كوفيد-19 وعدم الاستقرار في المنطقة، انخفضت السياحة بنحو 70% منذ عام 2020.
وتقارن مُعدّة التقرير، مريم بن علي، أرقام عام 2019، أي قبل الجائحة، عندما استقبلت مصر نحو 13 مليون سائح، بقيمة إجمالية بلغت حوالي 13.03 مليار دولار (حوالي 11 مليار يورو). وتشير بن علي إلى أنه بعد عام واحد فقط، انخفضت هذه الأرقام إلى نحو 3.5 مليون سائح، بقيمة إجمالية بلغت حوالي 4 مليارات دولار (حوالي 3.4 مليار يورو).

(تُعدّ السياحة قطاعاً بالغ الأهمية لمصر، وقد تضررت بشدة بعد جائحة كوفيد-19، ولكن في عام 2025، أعلنت السلطات المصرية عن استقبالها رقماً قياسياً بلغ 19 مليون سائح. | الصورة لـ: أحمد جمعة / شينخوا / بيكتشر ألاينس)
وأثرت الحرب الأوكرانية أيضاً على قطاع السياحة. فقبل عام 2022، كان نحو 40% من السياح في مصر من الأوكرانيين والروس، وفقاً لما ذكره موقع “عرب نيوز” الإخباري الإقليمي. كما أثرت الحرب في أوكرانيا على واردات مصر من الحبوب، التي كانت 85% منها تأتي سابقاً من روسيا أو أوكرانيا.
وأدت مشاكل استيراد الحبوب إلى ارتفاع أسعار الخبز بنسبة الربع على الأقل منذ عام 2022. وتشير بينالي إلى أن ارتفاع أسعار الخبز ونقص الغذاء غالباً ما ساهما في الاضطرابات السياسية والانتفاضات في البلاد. وتستشهد بانتفاضات أعوام 1977 و2008 و2011 كأمثلة على ارتباط هذين العاملين.
ومع ذلك، سجلت السلطات المصرية في عام 2025 رقماً قياسياً بلغ 19 مليون زيارة إلى البلاد.
العوامل الجيوسياسية
يؤثر الوضع الجيوسياسي في الدول المجاورة والشرق الأوسط أيضاً على مصر. فقد لجأ مئات الآلاف من السودانيين إلى مصر نتيجة للحرب في بلادهم. تستضيف مصر أيضاً نازحين من سوريا واليمن وليبيا، فضلاً عن السودان. وقد زاد الصراع الأخير في غزة من حالة عدم الاستقرار التي تشهدها المنطقة.

(صورة أرشيفية مستخدمة للتوضيح: تستضيف مصر أعداداً كبيرة من اللاجئين والمهاجرين، نتيجة للصراعات والاضطرابات في الدول المجاورة، مثل السودان والشرق الأوسط | تصوير: خالد الفقي / ماتريكس إيميجز / بيكتشر ألاينس)
بحسب بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بلغ عدد اللاجئين السودانيين المسجلين في مصر أكثر من 834 ألف لاجئ في شهر يناير 2026. وتستضيف مصر إجمالاً نحو مليون لاجئ وطالب لجوء مسجلين من حوالي 61 جنسية.
وفي حين تُشير كل من منظمة هيومن رايتس ووتش والمنظمة الدولية للهجرة ووكالة فرونتكس إلى أن الصعوبات الاقتصادية هي الدافع الرئيسي للهجرة إلى أوروبا، فإن القمع السياسي لبعض فئات المجتمع أو بعض أنماط التفكير، فضلاً عن انعدام حرية التعبير والرقابة المشددة على المعارضة، تُعدّ أيضاً من العوامل الدافعة للهجرة.
صرح عمرو مجدي، الباحث في منظمة هيومن رايتس ووتش، لصحيفة لوموند، بأنه على الرغم من أن مصر تبدو مستقرة ظاهرياً، إلا أنها “في الواقع تعيش وضعاً هشاً للغاية”. وأضاف مجدي أن البلاد تُدار من قِبل “إدارة استبدادية وفاسدة” في عهد الجنرال عبد الفتاح السيسي، الذي تولى السلطة عام 2014 (بعد انقلاب قام به على الرئيس المنتخب، محمد مرسي، آنذاك).
وفي شهر إبريل 2024، أعلن الاتحاد الأوروبي عن اتفاقية تهدف إلى إدارة الهجرة في مصر. على غرار الاتفاقيات المماثلة الموقعة بين الاتحاد الأوروبي وتونس والسنغال وموريتانيا، نصّت اتفاقية عام 2024 على تقديم الاتحاد الأوروبي تمويلاً واستثمارات تنموية مقابل تشديد ضوابط الهجرة وإدارتها. وكان حجم التمويل المخصص لمصر أكبر بكثير.

(استقبل الجنرال عبد الفتاح السيسي رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، خلال افتتاح مؤتمر الاستثمار بين الاتحاد الأوروبي ومصر في القاهرة، يوم السبت 29 يونيو 2024. | الصورة لـ: بيكتشر ألاينس)
ورغم أن الاتفاقية بدت وكأنها أوقفت مغادرة المهاجرين من السواحل المصرية، إلا أنها لم تمنع الناس من الرغبة في الهجرة. في عام 2024، بالتزامن مع الإعلان عن الاتفاقية، علّقت مركز “MMC” في ورقة بحثية عن مخاوفه من أن الشراكة بين الاتحاد الأوروبي ومصر لن تحقق هدفها المتمثل في الحد من الهجرة غير النظامية أو الوفاء بالتزاماتها بحماية حقوق المهاجرين.
وأضاف “MMC” أن “هذه الشراكة، كغيرها من اتفاقيات الهجرة السابقة، تركز بشكل أساسي على مراقبة الحدود وإدارة الهجرة ومكافحة التهريب، مما يشجع، دون قصد، على رحلات أكثر خطورة وترتيبات استغلالية مع المهربين”.
القاصرون غير المصحوبين بذويهم
كثير من المهاجرين من مصر هم قاصرون غير مصحوبين بذويهم. ففي خريف عام 2025، التقى موقع “إنفو ميجرانتس” بأحدهم في مونفالكوني، شمال شرق إيطاليا. وبحلول عام 2023، شكّل القاصرون غير المصحوبين بذويهم من مصر خُمس إجمالي القاصرين غير المصحوبين بذويهم في البلاد.

(يوسف يبلغ من العمر 17 عاماً وهو من مصر. قال إنه استغرق ثلاثة أشهر للسفر عبر طريق البلقان إلى إيطاليا، ووصل بعد عيد ميلاده السابع عشر مباشرة. ويأمل، بعد مغادرته دار الإيواء للقاصرين غير المصحوبين بذويهم، أن يجد عملاً كميكانيكي سيارات. | الصورة لـ: إيما واليس / إنفو ميجرانتس)
عندما تحدثنا إلى يوسف في أكتوبر 2025، أخبرنا أنه يبلغ من العمر 17 عاماً. وقد أخبر موقع “إنفو ميجرانتس” أنه استغرق ثلاثة أشهر للسفر عبر طريق البلقان باتجاه إيطاليا. ويأمل في إيجاد عمل كميكانيكي سيارات في إيطاليا، كما كان يعمل في مصر قبل مغادرته، على حد قوله.
وأفاد العاملون مع القاصرين غير المصحوبين بذويهم في شمال شرق إيطاليا لموقع “إنفو ميجرانتس” أن العديد من أبناء وطن يوسف يجدون عملاً في قطاع البناء. وأوضحوا أن المهاجرين المصريين في إيطاليا يميلون إلى إيجاد عمل من خلال شبكات معارفهم، وغالباً ما يتخصصون في أعمال الطلاء والتجصيص.
وضع متطور
في تقريرها لمرصد الهجرة الإيطالي حول القاصرين غير المصحوبين بذويهم، كتبت مريم بن علي أن الهجرة المصرية إلى إيطاليا بدأت بشكلها الحالي في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين. وقد وفرت هذه الهجرة جذوراً عميقة للوافدين الجدد، مع شبكة من أفراد العائلة والأصدقاء الذين قد يتمكنون من تقديم الدعم، وتوفير فرص العمل، وتقديم المعلومات حول كيفية الاندماج في المجتمع الإيطالي.

(صورة أرشيفية مستخدمة للتوضيح: يهاجر العديد من المصريين من المناطق الريفية، وغالباً ما تمتلك مجتمعات بأكملها شبكات في دول مثل إيطاليا، توفر فرص عمل، لكنها في الوقت نفسه تُصعّب عليهم مصارحة الواقع المرير الذي يواجهونه عند وصولهم إلى أوروبا. | الصورة لـ: محمود الخواص/نور فوتو/بيكتشر ألاينس)
تقول بينالي، مستندةً في ملاحظاتها إلى بيانات المنظمة الدولية للهجرة، إن أعداداً متزايدة من القاصرين غير المصحوبين بذويهم من مصر تتزايد منذ عام 2011، بالتزامن مع بداية الانتفاضات المتعددة في العالم العربي، والتي أسفرت عن اندلاع الحرب في سوريا والإطاحة بالنظام السابق في تونس.
وتشير بينالي إلى أنه بحلول عام 2015، كان أكثر من نصف القاصرين غير المصحوبين بذويهم الوافدين إلى أوروبا من مصر. ويشير التقرير إلى أن الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، منذ عام 2015، أدى إلى ظهور عوامل دافعة أكثر.
العوامل الديموغرافية
تلعب العوامل الديموغرافية دوراً في ذلك أيضاً، وفقاً لبينالي. فقد تجاوز عدد سكان مصر 100 مليون نسمة عام 2021، مع تسجيلها أحد أعلى معدلات المواليد في القارة الأفريقية. ويشكل الشباب دون سن الثلاثين أكثر من ثلثي السكان. ويشير بنالي، مستشهداً بأبحاث أجرتها اليونيسف والمنظمة الدولية للهجرة، إلى وجود عوامل متعددة تدفع الشباب إلى مغادرة مصر، من بينها إمكانية اطلاعهم، عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتطورات التكنولوجية الأخرى، على جوانب من المجتمعات الأوروبية التي تبدو لهم وكأنها الحل الأمثل لأحلامهم.

(صورة أرشيفية مستخدمة للتوضيح: عدد سكان مصر يتجاوز 100 مليون نسمة، وأكثر من ثلثيهم دون سن الثلاثين. تصوير: محمود الخواص/نور فوتو/بيكتشر ألاينس)
يُعدّ العنف الأسري، ومحدودية فرص العمل في مصر، وضعف النظام التعليمي، وانعدام المقومات الأساسية للحياة، من العوامل الدافعة لهجرة الكثيرين.
ووفقاً لدراسة أجرتها المنظمة الدولية للهجرة، فإنّ غالبية من يغادرون مصر بين سن 14 و17 عاماً ينحدرون من المناطق الريفية. وقد أدّى انخفاض عدد سكان الريف، الذي تفاقم أيضاً بسبب الأزمة الاقتصادية، إلى نزوح المزيد من العائلات نحو المدن، وتشجيع الشباب على مغادرة البلاد نهائياً.
وأشار بنالي إلى أنّ أجزاءً كبيرة من قرى أو مناطق بأكملها هاجرت تدريجياً نحو إيطاليا، ما يعني وجود شبكات جاهزة لاستقبالهم عند وصولهم. ويستشهد بنالي بقرية تطون في محافظة الفيوم، التي باتت تُعرف باسم “إيطاليا الصغيرة”. وقد هاجر نحو ثلث سكانها إلى إيطاليا. وهذا يعني أنّ قصصاً تُروى في تلك القرية عن الحياة في إيطاليا، فضلاً عن أنّ المباني تُشيّد أو تُرمّم بأموال جُنيت هناك. حتى أن هناك مطاعم تحمل أسماءً إيطالية في القرية، وغالباً ما تُقدم فيها قهوة إيطالية فاخرة، وفقاً لتقرير صادر عن المنظمة الدولية للهجرة عام 2017.
المشاكل النفسية التي تلي رحلة الهجرة
أشار التقرير أيضاً إلى أنه نظراً لتزايد إلحاح دوافع الهجرة لدى العديد من الشباب المصريين، فإنهم يصلون إلى إيطاليا وهم يعانون من مشاكل نفسية أكثر، وبموارد أقل، مقارنةً بمن هاجروا قبل عام 2016.
ويرجع ذلك جزئياً إلى طول الرحلة وصعوبتها، سواء عبر ليبيا والبحر الأبيض المتوسط، والتي قد تشمل أو لا تشمل قضاء وقت في مراكز الاحتجاز الليبية، أو عبر طريق البلقان، الذي غالباً ما يستغرق عدة أشهر، وما ينطوي عليه من احتمال التعرض للعنف والتشرد على طول الطريق.
وبالإضافة إلى ذلك، يشير بنالي إلى أن العديد من الشباب المصريين، وغيرهم من أبناء القارة الأفريقية، قد يترددون في قبول أي نوع من المساعدة النفسية، حتى لو رُئي أنهم قد يستفيدون منها، وذلك بسبب الوصمة الاجتماعية في العديد من بلدانهم المرتبطة بأي نوع من الأمراض النفسية، والخوف من وصفهم بـ “المجانين”.
وأشار بعض الخبراء، كما ذكر بنالي، إلى أن بعض العائلات المصرية تميل أيضاً إلى إرسال أفرادها الصغار الذين تعتبرهم “صعبين” في التعامل، كأولئك الذين يعانون من مشاكل عدوانية، على أمل أن يجدوا دعماً أفضل في الخارج.

(تُقدّم منظمة “دونك” العاملة في إيطاليا عياداتٍ يُحاول فيها طاقم طبي متطوع معالجة الجروح الظاهرة والخفية التي قد يُعاني منها المهاجرون، وقد لاحظوا أيضاً أن بعضهم بحاجة إلى دعم نفسي. المصدر: (https://lnx.donkhm.org/)
إرسال رسائل إيجابية إلى الوطن
بمجرد وصولهم إلى إيطاليا، كان العديد من القاصرين غير المصحوبين بذويهم يرغبون في العمل بأي ثمن، وفقاً لمنظمة “سيفيكو زيرو” التي تحدثت معها بينالي. بالنسبة للمهاجرين الشباب، كان العمل رمزاً للكرامة، ووسيلة لرد الجميل لأفراد أسرهم في الوطن الذين ساهموا في رحلتهم إلى إيطاليا.
وأوضح خبراء “سيفيكو زيرو” أن هؤلاء الشباب المصريين غالباً ما ينتهي بهم المطاف ضحايا للاستغلال من قبل شبكات وأفراد آخرين من عائلاتهم في إيطاليا، حيث يعملون بأجور زهيدة تقل بكثير عن الحد الأدنى للأجور. مع ذلك، شعر الكثيرون منهم بالعجز عن مصارحة الخدمات الاجتماعية أو أي شخص مسؤول في إيطاليا، خوفاً من فقدان ماء الوجه بين أبناء وطنهم هناك، وخوفاً من وصول أخبار معاناتهم إلى عائلاتهم في مصر. وتشير بينالي إلى أن الكثير من أقوالهم وسلوكياتهم كانت تهدف إلى إخفاء الواقع لإظهارهم بمظهر أكثر نجاحاً وسعادة مما هم عليه في الواقع.

(يمتلك معظم المهاجرين هواتف ذكية، يستخدمونها للتنقل والتواصل مع أهلهم في الوطن، ويُعد نشر صور لوصولهم بنجاح إلى أوروبا وإخفاء الحقائق الصعبة التي يواجهها الكثيرون أمراً شائعاً، لا سيما بين المهاجرين الشباب. صورة: رويترز/م. ديوريكا)
ووفقاً لبنالي، فإنّ هذه الحاجة إلى إرسال رسائل إيجابية إلى الوطن، غالباً عبر منصات التواصل الاجتماعي، تُسهم في خلق حلقة من العوامل الدافعة. فالصور والرسائل الإيجابية التي تُنشر وتُرسل إلى الأصدقاء في مصر – على سبيل المثال، الظهور بأبهى حللهم أمام سيارات رياضية فاخرة، ليست سياراتهم، أو بجوار معالم شهيرة في إيطاليا – قد تُعطي انطباعاً مُشوّهاً عن الواقع لمعظم المهاجرين في إيطاليا، وتدفع المزيد منهم إلى خوض غمار هذه الرحلة، على أمل تحقيق أحلامهم.
وأخبر مهاجر مصري، يبلغ من العمر 22 عاماً، دراسة أجرتها منظمة “أنقذوا الأطفال” في إيطاليا خلال السنوات الأخيرة، أن وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور في دفعه نحو أوروبا، لأنه رأى كيف “تعامل الدول الأوروبية مع اللاجئين، ومدى تسامحها وإنسانيتها”.
وقال مهاجر آخر، يبلغ من العمر 20 عاماً، إن الصور التي أرسلها إليه أصدقاؤه في أوروبا ونشروها على فيسبوك وواتساب جعلته يرغب في ترك حياته الريفية والبحث عما اعتبره مستقبلاً أفضل في أوروبا.
وأكدت الدراسة نفسها، التي أجرتها منظمة “أنقذوا الأطفال”، أن الشباب المصري يتمتع بواحدة من أفضل فرص الوصول إلى الإنترنت في القارة الأفريقية، وهو ما قد يكون أيضاً عاملاً دافعاً أساسياً، أو على الأقل يساهم في معرفتهم بأوروبا وكيفية الوصول إليها.




