الشرق الأوسطتقديرات

الروافع الخمسة الرئيسية للحرب الحالية – إلى أين يتم الدفع بمسار الحرب؟


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


بعد أن دخلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران يومها الخامس عشر، لا يبدو أن هناك أي أفق لانتهائها في المدى القريب، بل أن الأطراف المختلفة توسع من نطاقها، سواء في إيران، أو في مواقع أخرى في الإقليم في دول الخليج ولبنان ، فضلًا عن غلق مضيق هرمز وما له من تداعيات عالمية.  كما لايبدو وجود إمكانية تحقق أي من الأهداف المعلنة للحرب، لا في تغيير النظام الإيراني، أو تحييد الوقود النووي أو تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية، ولا حتى توجد قدرة على فتح مضيق هرمز للملاحة خارج سيطرة إيران.

يدعو هذا للتساؤل إن كان هذا السيناريو خافيًا عند اتخاذ قرار الحرب في الدوائر الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية، وهو ما كانت أطراف كثيرة تحذر منه قبل اندلاعها، أم أن هناك أهدافًا أخرى. هذا يرجح ما أشرنا إليه في تحليلاتنا أن الأهداف الحقيقية للحرب تصب في إطار إثارة حالة من الفوضى الشاملة في المنطقة (راجع التحليل المنشور بعد اليوم التاسع للحرب)، تسمح بتمرير تغيرات كبرى، سواءً على مستوى الإقليمي أو العالمي. هذا يدعو إلى تساؤل أخر أكثر أهمية: من هي الأطراف التي تهدف إلى ذلك، وما هي أهدافها الحقيقية؟

مقدمات التغيير

لفهم السياق التاريخي للتغيير الذي نقصده، يجب الرجوع على الأقل للحظة إنهيار الإتحاد السوفييتي، وإعلان الولايات المتحدة “نهاية التاريخ”، وأن العالم صار أحادي القطب، تهيمن عليه أمريكا كما تشاء، تغزو من تشاء، وتغير أنظمة من تشاء. إلا أن الأمور لم تسر في هذا الإتجاه، وشهدت الولايات المتحدة تراجعات متتالية وهزائم في العراق وأفغانستان وغيرها، ووضحت حالة التراجع الإمبراطوري لعدم القدرة على دفع ثمن مثل هذه الهيمنة. شكل الإنسحاب الأمريكي من أفغانستان لحظة فارقة في التاريخ أظهرت بوضوح حالة التراجع تلك (أنظر هنا، هنا، هنا، هنا).

نتيجة لذلك، ظهر جليًا أن العالم يتشرف لبزوغ نظام عالمي جديد، ما دفع أطرافًا عديدة تخطط لذلك بالفعل منذ زمن طويل، لكي تنتهز الفرصة لتتصدر مثل هذا النظام وتسيره بمقتضى ما تطمح إليه من أهداف. تاريخيًا يتزامن ذلك في العادة مع حروب كبرى تسمح بتغيير الواقع القائم لتمهد للجديد. ما يبدو لنا أن هذه الأطراف تجد الأن في الحرب الدائرة فرصة للتغيير المنشود، وهي أطراف نافذة ومؤثرة كثيرًا على المستوى العالمي والإقليمي، ما يسمح لها بالضغط والتأثير على من يبدو صانعًا للقرار لاستمرار حالة الحرب لتؤدي في النهاية إلى حالة من الفوضى والهدم، بشكل غير مسبوق، وعليه شواهد كثيرة (أنظر هنا مثلًا) ما يسمح ببناء النظام الجديد على مقاييسها.

لا نعني بهذه الأطراف كما قد يتبادر للذهن الصين وروسيا مثلًا، فهي غير جاهزة ولا تطمح للصدارة في الوقت الراهن، لكنها مستفيدة بشكل أو بأخر من حالة الحرب واستمرارها. من وجهة نظرنا، هناك خمسة أطراف تسعى لمثل هذا الأمر، وتخطط له منذ سنوات أو حتى عقود، وتجد في الحرب الحالية فرصتها. قمنا في المعهد المصري، في إطار توقعنا للتغييرات العالمية الكبرى وتسارعها، بدراسة هذه الأطراف بشكل أو بأخر على مدار سنوات، وما نقدمه هنا هو خلاصة هذه الدراسات، دون الخوض في تفاصيل وحيثيات، حتى يمكن تقديم الأمر بشكل مركز وجاذب للانتباه. هذه الدراسات أظهرت أن الأمر لايمكن اعتباره “نظرية مؤامرة” كما يشهر البعض هذا السيف في وجه من يسعى للفهم العميق، وها هي الحرب الراهنة تبرهن بالتدريج على ما نطرحه، وعلى أرض الواقع، وبالتصريحات الرسمية والكتابات العامة في كثير من الأحيان.

تنقسم القوي الرافعة وراء الحرب الراهنة، من وجهة نظرنا، لمجموعتين رئيسيتين؛ الأولى يمكن النظر إليها في إطار الجيوبوليتيكس والسعي للهيمنة عالميًا أو إقليميًا، أما الثانية فيمكن تصنيفها في إطار مشاريع لها أجندات فكرية وإيديولوجية ودينية مختلفة. هذه المشاريع يختلف كل منها عن الأخر جذريًا من حيث الأهداف النهائية، إلا أنها تتقاطع سويًا في مساحات مشتركة للعمل، وتدفع جميعها، بالتخادم بين بعضها البعض، إلى سيناريو الفوضى الشاملة من وراء هذه الحرب كما أسلفنا. نستعرضها فيما يلي دون تفاصيل.

مجموعة الروافع الأولى: الجيوبوليتكس

  • الطرف الأول هو الولايات المتحدة نفسها، ودولتها العميقة، التي تسعى لتجاوز عقبات تراجع نفوذها الإمبراطوري باتباع استراتيجية جديدة، أفصحت عنها في وثيقتها الجديدة للأمن القومي المنشورة في نوفمبر 2025(أنظر هنا، هنا، هنا، هنا). فوز أمريكا في الحرب الجارية، يعني في هذا التصور، التدمير الكامل للقدرات الإيرانية، ثم الهيمنة على مواردها من النفط والغاز ، وعلى موقعها الجغرافي بالسيطرة على مضيق هرمز شديد الأهمية، وقد يمتد ذلك حتى بالسيطرة والتحكم في موارد النفط والغاز في دول الخليج التي ستتأثر تأثرًا بالغًا بالحرب الجارية (أنظر هنا). هذا الهدف سيسمح للولايات المتحدة أن تكون في وضع قوي في إطار موازين القوى وكذلك التفاوض مع الصين، بما يجعلها تحافظ على تأثيرها العالمي بشكل قوي. تحقيق هذه الأهداف يتجاوز بكثير مجرد حرب محدودة، بل قد يتطلب تدخلًا بريًا، مع إثارة قدر كبير من الفوضى في المنطقة، وهو ما قد يفسر أيضًا اندلاع الصراع العسكري الحالي بين باكستان وأفغانستان في هذا التوقيت تحديدًا (أنظر هنا).
  • الطرف الثاني يتمثل في إسرائيل كدولة، ودوائر النفوذ العالمية المرتبطة بها، لتسعى للتمدد والهيمنة المطلقة على المنطقة ومقدراتها، فيما يطلق عليه نتنياهو الشرق الأوسط الجديد. تتخادم إسرائيل في هذا الدور مع الولايات المتحدة، التي تستهدف توكيل إسرائيل بإدارة شئون المنطقة لحسابها. في هذا الإطار، يبدو هدف إثارة الفوضى الشاملة في صالح الكيان الصهيوني بدرجة أكبر، ولذلك تدفع لتوسيع نطاق الحرب والفوضى بجميع الوسائل، لتخرج منها كقوة وحيدة قادرة على الهيمنة على المنطقة. (أنظر هنا، هنا)
  •  

مجموعة الروافع الثانية: الأيديولوجي

  • برزت في الولايات المتحدة خلال العقدين الأخيرين قوة أباطرة التكنولوجيا، التي تتحكم في قدر هائل من النفوذ والثروة، وترى أنها جديرة بالتحكم في المشهد العالمي لما لديها من امكانيات، خاصة في مجال الذكاء الإصطناعي الذي يتداخل مع كافة مناحي الحياة، بما في ذلك إدارة الحروب، وفرض نظام مالي رقمي عالمي، مع التحكم في المجتمعات باستخدام أدوات التكنولوجيا، وهو ما يطلق عليه البعض “دولة المراقبة” (أنظر هنا، هنا، هنا، هنا، هنا، هنا، هنا، هنا، هنا). لا نصنف هذه المجموعة في إطار الجيوبوليتكس، فأجندتها لها أبعاد فلسفية وأيديولوجية، تتجاوز حتى أجندة الولايات المتحدة، حيث مصالحها لا تتقيد بحدود جغرافية. الحرب الأخيرة تتيح لهذه الأطراف التداخل والمزيد من النفوذ والتأثير بقوة في العمليات الحربية نفسها من خلال الذكاء الإصطناعي. سوف تتيح الفوضى الناشئة عن الحرب فرصة ذهبية لهذه القوى لفرض هيمنتها العالمية باستخدام أدواتها المختلفة.
  • هناك طرف مهم يتمثل فيما يطلق عليه الجمعيات السرية، كالماسونية وفرسان المعبد وغيرها، والمؤسسات السياسية والمالية المرتبطة بها، والشبكات الخفية الساعية للسيطرة والنفوذ (قضية إبستين مثالا) أنظر هنا، هنا، هنا. تعمل هذه الجمعيات على شكل منظومة كبيرة من النفوذ والتداخل في دوائر صناعة القرار في شتى أنحاء العالم، وبذلك يمكن أن تؤثر بالدفع نحو “حكومة عالمية” تخطط لها منذ قرون، وتحتاج إلى قدر كبير من الفوضى لكي تفرض بعدها النموذج الذي تروج له، والذي أصبح معروفًا والكثير منه منشورًا بشكل متواتر، يتجاوز ما يحلو للبعض تسميته “نظرية المؤامرة”، التي تتضمن الكثير من المبالغات والأوهام، لصرف النظر عن “المؤامرة” الفعلية.
  •  
  • الطرف الخامس يمكن أن يطلق عليه الصهيونية الدينية (سواء المسيحية أو اليهودية) التي يظهر مؤخرًا سعيها الحثيث لتنفيذ التصورات التلمودية حول إسرائيل الكبرى، وصولًا إلى هدم المسجد الأقصى، وقيام “الهيكل الثالث” مكانه، وذلك بعد حرب هرمجدون التي يسعون لها، تمهيدا لنزول المسيح المخلص إلى الأرض. بالطبع قيام حرب شاملة كالتي تجري الأن يمثل فرصة كبرى لتحقيق هذه النبوءات. لا يقتصر أصحاب هذه التصورات على بعض المسئولين الكبار في حكومة إسرائيل، بل يمتد ذلك للولايات المتحدة، متمثلًا مثلًا في وزير الحرب وبعض أعضاء الكونجرس واللوبيات الصهيونية (أنظر هنا، هنا، هنا).
  •  
  • الجدير بالذكر أنه على الجانب الإيراني أيضا، يوجد من يرى أن التصعيد الكبير للحرب الشاملة مع الغرب، ومع الكيان الصهيوني، هو مقدمة ضرورية سيترتب عليها، طبقًا للعقيدة الشيعية الإثني عشرية، ظهور الإمام المهدي المنتظر. هذا يعني أن هناك أطرافً أيديولوجية في إيران أيضًا تعمل على تأجيج الصراع واستمراره رغم ما تتعرض إليه إيران من ضربات شديدة ومركزة، وبالتالي فالطرفين لهما مصلحة في استمرار الصراع وتأججه من منطلق عقدي راسخ.
  •  

الخلاصة

الأطراف الخمسة التي تم استعراضها تملك قدرًا هائلًا من القوة والنفوذ العالمي والإقليمي، وهناك ما لا حصر له من الشواهد أنها تدفع بتصعيد الحرب الحالية إلى مستويات تتحقق من خلالها الفوضى التي تمهد للتغيير الذي يطمح إليه كل منهم. أهدافهم ليست واحدة، ولكنهم يتخادمون لتحقيق الهدف المشترك. بالتأكيد، وكما يبدو حتى الأن، لن تترك القوى المشار إليها هذه الفرصة دون استغلال. بالطبع يظل المنخرطون في الصراع بشكل مباشر مغرقين في الحديث عن الأهداف الفرعية، التي لن يمكن تحقيقها، وكأن ذلك هو الموضوع الرئيس للحرب.

نحتاج جميعًا كقادة للمنطقة، وكمفكرين وسياسيين ومصلحين، وحتى متابعين عاديين، ألا نغفل هذه الأبعاد الرئيسية للحرب، في خضم الإنشغال بالتفاصيل الكثيرة للأحداث. بدون ذلك، سنخرج في المنطقة بعد الحرب مفعولًا بنا كالمعتاد، ولا نضع أيدينا على المفاتيح الرئيسية التي ينبغي الإنشغال بها لكي نساهم في صنع المستقبل. وفي هذا الإطار لا ينبغي أن نغفل عن المستوى الأعلى في التحليل، المتمثل في السنن الإلهية التي تحكم مثل هذه التحولات الكبرى، كسنن التدافع والتغيير ونصرة المظلومين وهلاك الظالمين وغير ذلك، فهذه المرحلة الفاصلة في التاريخ تقتضي التعامل معها بما يليق بها، وليس باعتبارها حدثًا عاديًا سيمضي ويمر كغيره من الأحداث.


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


د. عمرو درّاج

سياسي وأكاديمي مصري، رئيس المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية، وزير التخطيط والتعاون الدولي في حكومة الرئيس محمد مرسي، 2013.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى