المشهد العسكريعسكري

المرصد العسكري يناير 2026


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


شهد شهر يناير من عام 2026 عدداً من التفاعلات المهمة على المستويين المصري والإقليمي. وعلى الصعيد المصري، يتناول هذا العدد بالتحليل تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بشأن قوة الجيش المصري، والتي ينظر إليها الجانب الإسرائيلي دائماً بقدر كبير من التخوّف، ويتابع تطوّرها عن كثب.

وفي ذكرى ثورة يناير، يخصّص العدد مساحة لقراءة هذه الذكرى من خلال التمييز بين الأدوار التي لعبتها الأطراف المختلفة، المدنية والعسكرية، في الضغط الذي أدى إلى إسقاط نظام الرئيس حسني مبارك، كما يقدّم قراءة في دلالات معركة الإسماعيلية وتحولات دور الشرطة في مصر.

كذلك يغطي العدد مشاهد ومؤشرات استمرار توغّل المؤسسة العسكرية في مختلف المجالات المدنية داخل الدولة المصرية.

وعلى الصعيد الإقليمي، يقدّم العدد تحليلات استراتيجية لمجريات الأوضاع في إيران والسودان، إلى جانب قراءات اخرى لكافة النقاط الساخنة في الإقليم.

يغطي هذا العدد الجديد من «المرصد العسكري» هذه الملفات وغيرها، بما في ذلك ملفات التسليح وموضوعات أخرى، من خلال قراءة وصفية وتحليلية دقيقة وشاملة لأبرز المستجدات العسكرية والأمنية في مصر والمنطقة، وذلك على النحو التالي:

أولاً: التفاعلات الداخلية للجيش المصري

1-ما يُفهم من تصريحات نتنياهو حول قوة الجيش المصري:

أفادت تقارير إعلامية إسرائيلية، بتصاعد التحذيرات داخل الأوساط السياسية والعسكرية من تطور القدرات العسكرية المصرية. ونقلت صحيفة يسرائيل هيوم عن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قوله خلال جلسة سرية للجنة الشؤون الخارجية والدفاع في الكنيست: “قوة الجيش المصري تتعاظم ولا بد من مراقبة الأمر”. 

وأضاف: “لدينا علاقة مع مصر لكن علينا أن نمنع أي قوة زائدة”. وتوافق ذلك مع ما ذكرته صحيفة هآرتس عن مصادرها، والتي أكدت أن نتنياهو شدد على ضرورة “منع أي زيادة كبيرة” في هذا التطور العسكري.

وفي سياق متصل، عبّر العميد المتقاعد أمير أفيفي، مؤسس حركة “الأمنيين” التي تضم قادة أمنيين سابقين، عن قلقه العميق من التقارب الاستراتيجي بين مصر وتركيا. وفي تسجيل مصور نشره على منصة “إكس”، وصف أفيفي هذا التحالف بأنه “المحور السني الراديكالي الذي بدأ يرفع رأسه”، داعياً إسرائيل إلى “بناء جيش يعرف كيف يقاتل على جبهتين ضد جيشين نظاميين في الوقت نفسه”.

قراءة في تلك التصريحات:

تعكس التصريحات الصادرة عن رئيس الوزراء الإسرائيلي مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، كما نقلتها وسائل إعلام عبرية “قوة الجيش المصري تتعاظم ولا بد من مراقبة الأمر”، إدراكاً إسرائيلياً راسخاً لطبيعة الجيش المصري بوصفه التهديد البنيوي الأخطر على المدى الاستراتيجي، بغضّ النظر عن طبيعة العلاقات السياسية القائمة مع النظام الحاكم في القاهرة. فهذه المخاوف ليست وليدة لحظة سياسية عابرة، بل تمثل ثابتاً من ثوابت التفكير الأمني والعسكري الإسرائيلي منذ تأسيس الدولة العبرية.

وفي هذا السياق، يحرص صانع القرار في إسرائيل على التمييز الدائم بين الدولة والنظام السياسي من جهة، والمؤسسة العسكرية المصرية من جهة أخرى. فرغم وجود علاقات دبلوماسية وتفاهمات أمنية مع السلطة الحاكمة في مصر، إلا أن التجربة التاريخية، ولا سيما أحداث “الربيع العربي”، عززت لدى إسرائيل قناعة مفادها أن الأنظمة قابلة للتغير والانقلاب، بينما تبقى الجيوش الوطنية وفي مقدمتها الجيش المصري عاملاً ثابتاً وقادراً على إعادة تشكيل موازين القوى في أي لحظة.

ومن هنا يمكن فهم تشديد نتنياهو على ضرورة منع أي زيادة كبيرة في القدرات العسكرية المصرية، وهو تعبير يعكس قلقاً حقيقياً يتجاوز الخطاب الإعلامي، ليصل إلى مستوى التقدير الاستراتيجي داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. فإسرائيل تنظر إلى أي تطور نوعي أو كمي في قدرات الجيش المصري سواء في التسليح، أو التدريب، أو العقيدة القتالية، أو الشراكات الإقليمية بوصفه تهديداً كامناً، حتى وإن لم يكن موجّهاً حالياً ضدها.

وتزداد هذه المخاوف عمقاً في توقيت التقارب المصري–التركي، وهو ما تراه دوائر إسرائيلية، كما عبّر عنه العميد المتقاعد في الجيش الإسرائيلي أمير أفيفي، نواةً محتملة لتشكّل محور إقليمي قادر على تغيير موازين القوى التقليدية في شرق المتوسط والشرق الأوسط. لذلك، فإن التحذيرات الإسرائيلية لا تعبّر فقط عن قراءة آنية للمشهد، بل عن هاجس استراتيجي طويل الأمد سيظل ملازماً لإسرائيل، ما دام الجيش المصري يحتفظ بقدراته، ومكانته كأقوى جيش نظامي في الإقليم العربي.

2- ذكرى ثورة يناير :2011 لماذا وقفت قيادات المؤسسة العسكرية بقيادة المشير طنطاوي مع حراك يناير 2011:

أحيى المصريون في الخامس والعشرون من يناير 2026، ذكرى ثوة يناير 2011 المجيدة، تلك الثورة التي طالبت  بتحقيق العدالة الانتقالية وطالبت بالحرية والعيش الكريم.

يتساءل الكثير لماذا وقفت قيادات المؤسسة العسكرية مع حراك ثورة 25 يناير 2011 وكانت عامل حاسم في الضغط على الرئيس حسني مبارك للتخلي عن الحكم.

عند تحليل ثورة يناير يجب التمييز بين مستويين:

الأول: المتظاهرون – فهم أرادوا ثورة حقيقية تمكن للحكم المدني، ولم يكونوا على علم بما يدار خلف الكواليس.

الثاني: قيادات الجيش برئاسة المشير طنطاوي – الذين استغلوا حراك يناير وقاموا بانقلاب عسكري محكم على مبارك ونجله للتخلص من ملف التوريث.

هناك عدة نقاط هامة كانت ضمن أسباب وقوف الجيش المصري مع ثورة يناير وإجبار مبارك للتخلي عن الحكم، هي:

1-عدم شعور الجيش بتوجه الاحتجاجات نحوه بشكل مباشر، وهذا بسبب أن الجيش المصري لم يكن أداة من أدوات النظام لقمع الشعب أو المعارضة أيام مبارك، على الرغم من كونه حامياً للنظام.

2-عدم تأييد الجيش للتوريث لأن في ذلك خروجاً على مبدأ “الحاكم ذو الخلفية العسكرية”، بالإضافة لتهديد امتيازات الجيش، وتقديره أن الاحتجاجات ستوقف التوريث فقط، وأنه قادر على استعادة زمام الأمور مرة أخري.

3-اتصاف الثورة بالشعبية منذ جمعة الغضب 28 يناير 2011م، وسلميتها.

تسعى  الدراسة البحثية الشاملة والمعمقة التي تحمل عنوان (عسكر مصر وثورة يناير: السياسات والتحولات)  التي نشرها المعهد المصري للدراسات  منذ حوالي 6 سنوات إلى تقديم تفسير لأهم الأحداث في مرحلة هامة في تاريخ الدولة المصرية، بداية من ثورة يناير 2011 ثم انقلاب يوليو 2013م،  وصولاً إلى مايو 2014م، وتنصيب عبد الفتاح السيسي على رأس الدولة، وما ترتب على ذلك من تداعيات داخل المؤسسة العسكرية والأجهزة السيادية وهي دراسة جديرة بالقراءة. (رابط الدراسة).

3-في ذكرى عيد الشرطة المصرية: قراءة في دلالات معركة الإسماعيلية وتحولات دور الشرطة في مصر

ما جرى في الخامس والعشرين من يناير 1952 لم يكن واقعة معزولة أو اندفاعاً عاطفياً من رجال الشرطة، بل جاء في سياق تصعيد متراكم في منطقة قناة السويس. فقد ضاقت قوات الاحتلال البريطاني ذرعاً بما اعتبرته تواطؤاً واضحاً من أقسام الشرطة مع الأعمال الفدائية، سواء عبر تقديم دعم لوجستي غير مباشر، أو من خلال غضّ الطرف عن تحركات الفدائيين ضد قوات الاحتلال. في ذلك التوقيت، كانت الشرطة تتحرك فعلياً بوصفها جزءاً من حكومة عاجزة عن معاداة العمل الفدائي علناً، لكنها في الوقت نفسه غير قادرة على منعه على الأرض. وقد تلاقى هذا الموقف الرسمي الملتبس مع نزعات وطنية صادقة لدى عدد كبير من رجال الشرطة، خاصة في منطقة القناة الملتهبة، حيث تماهى كثير منهم مع المزاج الشعبي الرافض للاحتلال. وهكذا وجد رجال الشرطة أنفسهم في مواجهة مباشرة مع مدافع ودبابات الاحتلال، في مشهد أقرب إلى اشتباك مفتوح بين قوات الاحتلال من جهة، وبين الحكومة المصرية والفدائيين من جهة أخرى، وكان رجال الشرطة، بحكم مسؤوليتهم عن تأمين محافظة الإسماعيلية وقسمها، في قلب هذه المواجهة القسرية.

ووفق ما هو ثابت في المراجع التاريخية، فقد رفض نحو 800 جندي وضابط من قوات الشرطة، صباح ذلك اليوم، تسليم أسلحتهم ومبنى قسم شرطة الإسماعيلية للقوات البريطانية، وبادروا في السادسة صباحاً بالاشتباك مع قوات الاحتلال باستخدام بنادق بدائية في مواجهة دبابات ومدفعية ثقيلة. وانتهت المعركة ظهر اليوم نفسه بمقتل ثلاثة جنود بريطانيين، واستشهاد خمسين من رجال الشرطة المصريين، قبل أن يُستسلم الباقون ويتعرضوا لاحقاً للاعتقال. كانت تلك المواجهة تعبيراً صريحاً عن موقع الشرطة آنذاك: جزء من النسيج الوطني، وفي صف الشعب، وفي مواجهة الاحتلال.

غير أن هذا الدور لم يستمر طويلاً. فمنذ عام 1954، ومع إحكام جمال عبد الناصر ومجموعته السيطرة على مفاصل الحكم وترسيخ نموذج الحكم العسكري، بدأ التحول الجذري في وظيفة الشرطة. لم تعد الشرطة جهازاً وطنياً منحازاً للمجتمع، بل جرى إعادة تشكيلها لتصبح أداة من أدوات السلطة العسكرية، مهمتها الأساسية حماية النظام لا حماية الشعب. ومنذ ذلك التاريخ، أخذت العلاقة بين الشرطة والمجتمع مساراً تصادمياً متصاعداً، تحولت فيه الشرطة تدريجياً إلى عصا الحكم العسكري الغليظة في مواجهة أي معارضة سياسية أو حراك اجتماعي.

هكذا، فإن استدعاء ذكرى 25 يناير 1952 لا ينبغي أن يكون احتفالاً رمزياً مجرداً، بل محطة للمقارنة والمساءلة: بين شرطة واجهت الاحتلال دفاعاً عن الوطن، وشرطة أُعيد توظيفها لاحقاً لقمع الداخل وحماية سلطة عسكرية ممتدة حتى اليوم. إن الفارق بين المشهدين لا يكمن في الأشخاص بقدر ما يكمن في طبيعة النظام الحاكم، الذي يحدد دائماً لمن تعمل الشرطة: للوطن أم للسلطة.

4-مؤشرات ومشاهد استمرار توغل المؤسسة العسكرية في النواحي المدنية:

أولاً: أثار تصريح السيسي جدلاً جديداً في الشارع المصري ؛ فاقم خلاله مخاوف المعارضة من “عسكرة الدولة”، بإعلانه تدشين 4 كليات عسكرية لدراسة الطب والهندسة والبرمجيات والعلاج الطبيعي، ودراسة إنشاء كليات عسكرية متخصصة تقوم بتدريس مواد مدنية على غرار السياسة والاقتصاد.

 ومن داخل “الأكاديمية العسكرية” التي تتعاظم أدوارها مؤخرا في تدريب المعينين الجدد والمترقين في جميع الوزارات والجهات الحكومية؛ أكد السيسي أن جوهر فكرة الأكاديمية يقوم على التطوير والتحديث المستمر لمؤسسات الدولة، وأن التعليم العسكري الذي تقدمه الأكاديمية هو التعليم الحقيقي، وأنه ليس للاستقطاب أو التمييز.

وقال إن الدولة تسعى من خلال الأكاديمية إلى تقديم نموذج حقيقي للتعليم الجاد القائم على معايير عالمية، مشدداً على الحصول على تعليم حقيقي لا مجرد شهادات، مضيفاً: “نجري هذه الدورات لضمان تحقيق الجدارة، وليس لصناعة نخبة منعزلة أو متعالية، وعلى من تلقى التدريب أن ينقل أثره إلى مؤسسته دون استعلاء على الآخرين”.

تحليل حول وجوب الفصل بين العسكري والسياسي:

تُعدّ العلاقات المدنية–العسكرية أحد أهم مجالات البحث في العلوم السياسية والدراسات الاستراتيجية، لما لها من تأثير مباشر في استقرار الدول، وطبيعة نظم الحكم، وكفاءة إدارة الموارد والسلطة. وتتمحور الإشكالية المركزية في هذا الحقل حول حدود الدور الذي ينبغي أن تضطلع به المؤسسة العسكرية داخل الدولة، والفاصل الدقيق بينها وبين المجالين السياسي والاقتصادي. فالتاريخ السياسي الحديث، خصوصاً في دول العالم النامي، يبيّن أن تسييس الجيوش أو عسكرة السياسة غالباً ما يقود إلى أزمات بنيوية عميقة تهدد تماسك الدولة نفسها.

أولاً: التخصص الوظيفي وأهميته في بناء الدولة الحديثة

يقوم منطق الدولة الحديثة على مبدأ التخصص وتقسيم العمل بين المؤسسات. فالمؤسسة العسكرية وُجدت أساساً للدفاع عن الحدود، وحماية الأمن القومي، ومواجهة التهديدات الخارجية، وهي مهام تتطلب احترافاً عالياً، وانضباطاً صارماً، وعقيدة قتالية واضحة. وفي المقابل، يُناط بالمجال السياسي إدارة الشأن العام، وصياغة السياسات، والتفاوض، وبناء التوافقات الاجتماعية، وهي وظائف تعتمد على أدوات مختلفة كلياً، قوامها التعددية، والمرونة، والشرعية الشعبية. إن خلط هذه الأدوار يُفقد كل مؤسسة جوهر وظيفتها؛ فالعسكري حين يُستدرج إلى العمل السياسي يفقد حياده المهني، والسياسي حين يُدار بعقلية عسكرية يفقد القدرة على إدارة التنوع والتعقيد المجتمعي.

ثانياً: تسييس المؤسسة العسكرية وعسكرة الدولة

تشير أدبيات العلاقات المدنية–العسكرية إلى أن أخطر أنماط الاختلال هو ما يُعرف بـ”عسكرة الدولة”، حيث تتحول المؤسسة العسكرية من فاعل مهني خاضع للسلطة المدنية إلى فاعل سياسي واقتصادي مهيمن. في هذه الحالة، لا يقتصر دور الجيش على التأثير في القرار السياسي، بل يمتد ليشمل السيطرة على قطاعات اقتصادية، وإدارة مؤسسات مدنية، وصياغة أولويات الدولة. هذا التوسع غالباً ما يُبرَّر بخطابات الاستقرار، أو الكفاءة، أو حماية الدولة من الانهيار، لكنه عملياً يؤدي إلى نتائج عكسية، أبرزها:

-إضعاف المؤسسات المدنية وإفراغها من الخبرة والشرعية.

-تآكل الاحتراف العسكري نفسه نتيجة تشتيت المهام.

-غياب آليات المساءلة والشفافية.

-تحويل الدولة إلى كيان أمني أكثر منه كياناً سياسياً–اجتماعياً.

ثالثاً: الاقتصاد العسكري وتداعياته السياسية

من أخطر تجليات تداخل الأدوار دخول المؤسسة العسكرية المجال الاقتصادي بوصفها فاعلاً رئيسياً. فحين يتحول الجيش إلى منتج، ومقاول، ومستثمر، ومنظّم للأسواق، تتضرر قواعد المنافسة العادلة، ويختلّ السوق، وتُقصى الفاعليات المدنية. كما يُفضي ذلك إلى تضارب مصالح بنيوي، إذ تصبح للمؤسسة العسكرية مصلحة مباشرة في السياسات الاقتصادية، بما قد يؤثر في قرارات الحرب والسلم، والإنفاق العام، وأولويات التنمية.

رابعاً: التجربة المصرية في سياقها المقارن

في الحالة المصرية، تبرز إشكالية العلاقات المدنية–العسكرية بوصفها قضية مركزية في فهم مسار الدولة منذ تولي الجيش مقاليد الحكم بعد حركة الضباط عام 1952،  فقد شهدت مصر فترات متفاوتة من صعود الدور العسكري في السياسة والاقتصاد، ما انعكس على طبيعة النظام السياسي، وحدود المشاركة، وكفاءة الإدارة العامة. وتُظهر التجربة أن توسّع أدوار المؤسسة العسكرية خارج نطاقها المهني لم يؤدِّ إلى استقرار مستدام، بل أسهم في تعميق أزمات الحكم والتنمية.

وعندما يقول رئيس الدولة أن التعليم الذي تقدمه الأكاديمية العسكرية هو “التعليم الحقيقي”، فإنه يعترف في نفس الوقت بفشل الدولة في تقديم مثل هذا التعليم من خلال مؤسساتها المدنية  المتخصصة، بل ويثير شبهة الإضعاف المتعمد لمؤسسات التعليم المدنية لحساب المؤسسة التعليمية العسكرية، فإذا كانت الدولة قادرة على تقديم مستوى متميز  من التعليم الحقيقي في مؤسستها العسكرية، فلماذا لا تسعى لتقديم نفس المستوى من خلال المؤسسات التعليمية المدنية؟! ومن هنا قد يفهم البعض المقولة الشهيرة لرئيس الدولة: “حيعمل إيه التعليم في وطن ضايع”؟! 

خامساً: نحو نموذج متوازن للعلاقات المدنية–العسكرية

لا يعني نقد تسييس الجيوش الدعوة إلى إضعافها أو التقليل من أهميتها، بل على العكس، فإن حصر دورها في مهامها الأساسية هو الشرط الأول لبناء جيش قوي ومحترف. ويقوم النموذج المتوازن للعلاقات المدنية–العسكرية على عدة ركائز:

-خضوع المؤسسة العسكرية لسلطة مدنية منتخبة وشرعية.

-وضوح الأدوار والاختصاصات دون تداخل.

-شفافية الميزانيات والأنشطة الاقتصادية.

-تحييد الجيش عن الصراعات السياسية الداخلية.

خاتمة

إن الفصل بين العسكري والسياسي ليس ترفاً نظرياً، بل ضرورة وجودية لبقاء الدولة الحديثة. فحين يسعى العسكري إلى أن يكون عسكرياً وسياسياً واقتصادياً في آن واحد، تُفتح أبواب الكارثة، إذ تفقد الدولة توازنها، ويضعف الجيش نفسه الذي يُفترض أنه عماد الأمن القومي. ومن هنا، فإن إعادة ضبط العلاقات المدنية–العسكرية تمثل مدخلاً أساسياً لأي مشروع إصلاحي جاد يسعى إلى بناء دولة مستقرة وقادرة على مواجهة تحديات الداخل والخارج.

ثانياً: دخل السلك القضائي في مصر في أزمة جديدة، بعد تحركات عاجلة من نادي القضاة على خلفية أنباء متداولة عن تغييرات مرتقبة في منظومة التعيينات والترقيات داخل النيابة العامة، ما دفع النادي إلى إعلان الانعقاد الدائم والدعوة لاجتماع طارئ، رافضا المساس المحتمل باستقلال القضاء وآلياته التقليدية.

ووفق بيان أصدره نادي القضاة برئاسة المستشار أبو الحسين فتحي قايد، فإن ما يتداول في أروقة القضاء “يمس شأنا جوهريا من شؤون القضاء واستقلاله”، وأن مجلس إدارة النادي يتابع التطورات “بدقة ومسؤولية” دون إفراط أو تفريط، مؤكدا أنه سيظل في حالة انعقاد دائم حتى يتضح موقف الأمر تماماً.

ودعا بيان النادي القضاة إلى الاصطفاف والالتفاف صفّاً واحداً خلفه في هذه المرحلة “الدقيقة”، معتبراً أن وحدة الصف القضائي هي “السياج المتين” للحفاظ على استقلال القضاء وهيبته.

وفي الإطار نفسه، انتظم عدد كبير من القضاة في الاجتماع الطارئ الذي عقد بمقر النادي في منطقة شامبليون بالقاهرة، وجرى مناقشة ما يُثار بخصوص صلاحيات التعيينات والترقيات وعلاقتها بحماية استقلال القضاء.

تغييرات تمس منظومة التعيينات

وأثار تداول أنباء متعلقة بإمكانية إلغاء مكتب التعيينات التابع لمكتب النائب العام، وإسناد تلك الصلاحيات إلى الأكاديمية العسكرية، إلى جانب ما قيل عن تضمين ملف الترقيات القضائية ضمن تلك التحولات، قلقاً واسعاً بين أوساط القضاة.

وتتضمن ما تم تداوله اقتراحات بإلغاء مقابلات التفتيش القضائي الخاصة بتعيينات النيابة العامة، وإلزام المرشحين بدورات تدريبية مدتها ستة أشهر في الأكاديمية العسكرية كشرط أساسي للتعيين، إضافة إلى تقليص دور مجلس القضاء الأعلى في عمليات التعيين والترقية تقليدياً.

ويرى كثير من القضاة أن هذه التغييرات التي نوقشت داخل النادي والمؤسسات القضائية تمس الأسس المؤسسة لاستقلال القضاء، وتحول دون ممارسة الهيئات القضائية لصلاحياتها التقليدية دون تدخل من جهات خارج منظومة القضاء.

تصويت بالإجماع على جمعية عمومية طارئة

وأعلن نادي القضاة أن الانعقاد الدائم سيستمر حتى يتم البت في الأزمة القائمة، والتشاور مع الجهات القضائية والمجلس الأعلى للقضاء لتوضيح الحقائق، مع الاحتفاظ بحق اتخاذ خطوات تصعيدية إذا لزم الأمر.

وفي أول تعليق للسيسي على غضب القضاة من خضوع إجراءات التعيين والترقي للتفتيش العسكري، ورفضهم تدخل السلطات العسكرية في أعمالهم، قال، إنّ الالتحاق بالوظائف الحكومية يجب أن يتم “وفق معايير موضوعية حيادية مجردة دون أي مجاملة”، مؤكداً حرصه الشخصي على ضمان تطبيق ذلك، وهو تصريح اكتسب دلالة خاصة في ظل الجدل الدائر داخل الوسط القضائي بشأن مستقبل التعيينات.

وأشار السيسي متحدثاً عن الدورات التدريبية التي تجريها الأكاديمية العسكرية للمعيّنين الجدد في الدولة، ومن بينهم القضاة: “نحن نجري هذه الدورات لضمان تحقيق الجدارة، وليس لصناعة نخبة منعزلة أو متعالية، وعلى من تلقى التدريب أن ينقل أثره إلى مؤسسته دون استعلاء على الآخرين”. وجاءت تصريحات السيسي خلال زيارته فجر اليوم إلى الأكاديمية العسكرية المصرية في العاصمة الإدارية الجديدة، في توقيت تشهد فيه الساحة القضائية المصرية جدلاً واسعاً وتسريبات متداولة بشأن آليات تعيين أعضاء النيابة العامة والقضاء، واحتمالات إسناد أدوار محورية في التقييم والتأهيل إلى الأكاديمية العسكرية، وما تبع ذلك من حالة غضب داخل الأوساط القضائية.

تحليلي  لتلك الأزمة:

تشهد الدولة المصرية تحولاً غير مسبوق في بنية إدارة المؤسسات المدنية، يتمثل في إعادة تعريف مسار التعيين والترقي داخل أجهزة الدولة، بحيث أصبحت الأكاديمية العسكرية، أياً كان تعليم الفرد في أي كلية مدنية،  المحطة النهائية الإلزامية لكل التخصصات، وبوابة التدرّج الوظيفي والالتحاق بالمؤسسات المدنية والترقي داخلها.

هذا التحول لا يمكن قراءته بوصفه إجراءًا إدارياً أو تنظيمياً عابراً، بل يعكس توجّهاً استراتيجياً لعسكرة المجال المدني، عبر إخضاعه لمنطق الضبط العسكري والانضباط الهرمي، وتحويل الكفاءة المهنية والمعايير التخصصية إلى عوامل ثانوية أمام معيار “المرور الإجباري” عبر المؤسسة العسكرية.

إن توحيد مسار التعيين والترقي تحت مظلة الأكاديمية العسكرية يعني عملياً إعادة تشكيل الدولة على أساس الولاء المؤسسي قبل الخبرة، والانضباط قبل الاستقلال، وهو ما يقوّض مبدأ الفصل بين المدني والعسكري، ويفرغ المؤسسات المدنية من طبيعتها ووظيفتها الأصلية.

نحن أمام مرحلة جديدة، لا تُمارَس فيها الهيمنة العسكرية عبر الرقابة أو التدخل غير المباشر فقط، بل عبر السيطرة البنيوية على إنتاج النخب الإدارية والقضائية والتنفيذية، في واحدة من أوسع وأعمق عمليات عسكرة المجال المدني التي شهدتها الدولة المصرية في تاريخها الحديث.

لا يقوم الحكم العسكري على إدارة الدولة بوصفها كياناً مؤسسياً متعدد السلطات والمهام، بل ينطلق من عقيدة الهيمنة الكاملة، حيث يُنظر إلى السلاح باعتباره مصدر الشرعية الأعلى (كما أشار لها أحد الضباط بعد حدوث الانقلاب مباشرة في زيارته لإحدى المدارس بـ  “الشرعية المسلحة”)، لا أداة من أدواتها. في هذا المنطق، لا تُمنح أي مؤسسة مدنية مساحة مستقلة، ولا يُسمح لها بالعمل إلا ضمن الحدود التي يرسمها العسكر، وبالقدر الذي لا يهدد تفوقهم أو احتكارهم للقرار.

الحكم العسكري بطبيعته لا يقبل الشراكة، لأن الشراكة تعني التوازن، والتوازن يتناقض مع منطق السيطرة. لذلك لا يكتفي بالرقابة أو التوجيه، بل يسعى إلى إعادة تشكيل مؤسسات الدولة ذاتها، عبر إخضاعها لآليات انتقاء وتعيين مركزية تضمن الولاء قبل الكفاءة، والطاعة قبل الاستقلال.

وفي هذا الإطار، تتحول الدولة من منظومة قانونية إلى منظومة أوامر، ويُفرَّغ مبدأ الفصل بين السلطات من مضمونه، لتصبح جميع السلطات (التنفيذية والتشريعية والقضائية) دوائر ملحقة بمركز القرار العسكري. فلا يعود القانون مرجعية حاكمة، بل أداة تكييف تُستخدم عند الحاجة وتُعطَّل عند التعارض مع إرادة القوة.

إن أخطر ما في الحكم العسكري ليس فقط تآكل السياسة، بل تآكل الدولة نفسها؛ إذ تُختزل المؤسسات في أدوار شكلية، ويُختزل المجال العام في هامش ضيق، بينما يُعاد تعريف الوطنية باعتبارها الطاعة، والمعارضة باعتبارها تهديداً. وهكذا لا يُدار الصراع داخل الدولة، بل يُدار ضد المجتمع، في مسار ينتهي دائماً بإضعاف الدولة التي يدّعي العسكر حمايتها.

ثالثاً: استبعدت الأكاديمية العسكرية 179 إماماً وخطيباً من دفعة «الإمام حسن العطار» من الالتحاق بالدورة التدريبية المؤهلة للتعيين بوزارة الأوقاف، والتي انطلقت في الثالث من يناير الجاري، رغم اجتيازهم جميع الاختبارات الخاصة بمسابقة تعيين ألف إمام وخطيب، بحسب ما أكده عشرة من المستبعدين في شهادات منفصلة لـ«مدى مصر”.

وقال الأئمة إن الاستبعاد جاء بعد مرحلة «كشف الهيئة»، مستنداً إلى أسباب تمثلت في تجاوز الوزن المثالي بثلاثة إلى خمسة كيلوجرامات لدى بعضهم، إضافة إلى حصول آخرين على إعفاء طبي من الخدمة العسكرية، وهي شروط لم يكن منصوصاً عليها في إعلان المسابقة أو اللوائح المنظمة للتعيين، ولم تُطبّق على الدفعات السابقة من أئمة الأوقاف الذين جرى تعيينهم بالوزارة بعد اجتياز دورة الأكاديمية، ما يخل بمبدأ تكافؤ الفرص، على حد قولهم الذي أشاروا فيه إلى أنهم أرسلوا تلغرافات إلى رئاسة الجمهورية، وقدموا شكاوى إلى وزارة الأوقاف، دون جدوى.

من جانبه، قال الأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بوزارة الأوقاف، أحمد النبوي، إن مسألة القبول أو الاستبعاد من حضور الدورة التدريبية «شأن خاص بالأكاديمية العسكرية»، مؤكداً في حديثه لـ«مدى مصر» أن الوزارة لا تتدخل في المعايير التي تضعها الأكاديمية. وأضاف أنه كان ممثلاً عن وزارة الأوقاف في لجنة كشف الهيئة، وأن الأسئلة المتعلقة بأسباب القبول أو الرفض «تُوجه إلى الأكاديمية وحدها»، مشيراً إلى وجود «أمور تنظيمية خاصة وأسرار عمل بين الوزارة والأكاديمية لا يمكن الإفصاح عنها».

تعقيب:

ما جرى يؤكد أن الأكاديمية العسكرية لم تعد مجرد جهة تدريبية، بل تحوّلت عملياً إلى بوابة تجنيد إداري لموظفي الدولة، تقوم من خلالها المؤسسة العسكرية بفلترة المعينين في القطاعات المدنية وفق معاييرها الخاصة، بعيداً عن القوانين واللوائح المنظمة للتوظيف العام. إخضاع الأئمة والخطباء—وهم كوادر دينية مدنية—لمعايير بدنية أو خدمية عسكرية، يمثّل انتهاكاً صريحاً لمبدأ تكافؤ الفرص، ويكشف حجم التوغل غير المسبوق للمؤسسة العسكرية في مفاصل الدولة كافة، بما فيها المجال الديني. هذا المسار لا يعكس فقط عسكرة الإدارة، بل يعيد تشكيل جهاز الدولة على أساس الولاء والانضباط المؤسسي، لا الكفاءة أو الاستحقاق القانوني.

هذا المسار لا يقتصر على تجاوز مبدأ تكافؤ الفرص فحسب، بل يؤسس لمنظومة تعيين قائمة على الولاء والانضباط الشكلي، لا على الكفاءة المهنية أو الاستحقاق الوظيفي. كما يشير إلى توغّل غير مسبوق للمؤسسة العسكرية في مفاصل الدولة المدنية والدينية، بما يحوّل التوظيف العام إلى امتداد للمنطق الأمني–العسكري، ويقوّض استقلال المؤسسات، ويعيد تعريف الدولة بوصفها جهازاً إدارياً خاضعاً للمعايير العسكرية، لا دولة قانون تحكمها قواعد واضحة وشفافة. هذا التحول يحمل دلالات خطيرة على المدى المتوسط والبعيد، إذ يعيد تشكيل البيروقراطية المصرية على أسس أمنية مغلقة، ويكرّس عسكرة المجال العام بكل ما تحمله من آثار سياسية ومجتمعية عميقة.

ثانياً:  تطورات الأوضاع في السودان ومؤشرات الإنخراط المصري-التركي

  • نقل موقع العربي الجديد ووكالة نوفا الإيطالية معلومات متقاطعة تفيد بأن سلاح الجو المصري شنّ، في التاسع من يناير 2026، ضربة استهدفت قافلة كانت تحمل مساعدات عسكرية، من بينها عربات مصفحة، كانت في طريقها إلى قوات الدعم السريع في السودان، وذلك في منطقة المثلث الحدودي بين مصر وليبيا والسودان.

وذكر  موقع العربي الجديد ووكالة نوفا أن الضربة وقعت قبل يومين من زيارة صدام حفتر إلى القاهرة ولقائه وزير الدفاع المصري الفريق أول عبد المجيد صقر ورئيس الأركان المصري الفريق أحمد فتحي خليفة، مشيراً إلى أن القاهرة كانت قد وجّهت تحذيرات متكررة إلى خليفة حفتر بشأن دعمه لقوات الدعم السريع، في وقتٍ تُعلن فيه مصر دعمها للجيش السوداني ومجلس السيادة بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان. 

إلا ان المتحدث العسكري المصري في بيانه عن لقاء وزير الدفاع المصري ورئيس الأركان المصري بصدام حفتر قال أن اللقاءات ناقشت علاقات التعاون العسكري بين القوات المسلحة لمصر وليبيا ، كذلك أبرز المستجدات على الساحتين الإقليمية والدولية وانعكاساتها على الأمن والاستقرار بالمنطقة . مشيراً إلى حرص القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية على تعزيز أواصر التعاون في مختلف المجالات العسكرية بين البلدين، مؤكداً على أهمية تضافر الجهود المشتركة لمواجهة كافة التهديدات التي من شأنها المساس بأمن واستقرار الدولة الليبية .

من جانبها، أفادت وكالة نوفا الإيطالية بأن الهجوم نُفّذ باستخدام قدرات جوية مصرية، مع التأكيد على عدم وجود إعلان رسمي مصري حتى الآن، وعدم التحقق المستقل من تحديد المسؤولية بشكل قاطع.

وفي سياق متصل ، وفي تقرير لموقع (ميدل إيست أي) يوضح الضغوط المصرية السعودية على خليفة حفتر لكي يتوقف عن دعم مليشيات الدعم السريع جاء التالي:

“كثفت مصر والمملكة العربية السعودية ضغوطهما على خليفة حفتر، القائد العسكري في شرق ليبيا، بشأن دوره في تسهيل الدعم العسكري الإماراتي لقوات الدعم السريع في السودان، محذرتين من أن استمرار هذه المساعدة قد يؤدي إلى تحول خطير في علاقة القاهرة معه.

وتأتي هذه الضغوط كجزء من جهد مصري-سعودي أوسع لمنع تدفق الأسلحة والوقود والمقاتلين إلى قوات الدعم السريع، ولجم النفوذ الإماراتي في جميع أنحاء المنطقة، ومنع المزيد من زعزعة الاستقرار على طول مثلث الحدود الحساس بين مصر وليبيا والسودان.

وفي وقت سابق من شهر يناير 2026  زار صدام حفتر، نجل خليفة، القاهرة والتقى بوزير الدفاع المصري عبد المجيد صقر ومسؤولين عسكريين وأمنيين كبار آخرين.

وصورت وسائل الإعلام المصرية والليبية الاجتماع على أنه يركز على التعاون العسكري، لكن الغرض الكامل من الزيارة لم يتم الكشف عنه علناً.

وقال مصدر عسكري مصري رفيع لموقع “ميدل إيست آي”: “تم استدعاء صدام حفتر حرفياً إلى مصر، ولم تتم دعوته في زيارة مجاملة، وذلك بعد تأكيدات بأن الإمارات زودت قوات الدعم السريع بأسلحة ومعدات عسكرية وأنظمة دفاع جوي محمولة وطائرات مسيرة بمساعدة الجيش الوطني الليبي”.، وأضاف المصدر: “وجه مسؤولو المخابرات والجيش المصريون تحذيراً شديد اللهجة لخليفة حفتر عبر نجله، وقدموا أدلة على تسليم شحنات وقود لزعيم قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) من مصفاة السرير الليبية، إلى جانب شحنات أسلحة من الإمارات”.

ومنذ اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع شبه العسكرية في أبريل 2023، راقبت مصر بحذر انزلاق جارتها الجنوبية نحو الفوضى.

توجيه تهديد

تدعم القاهرة الحكومة والجيش السودانيين، اللذين فقدا في الأشهر الأخيرة سلسلة من المدن والبلدات الاستراتيجية لصالح قوات الدعم السريع، أبرزها الفاشر في دارفور، حيث يُعتقد أن الآلاف قد ذُبحوا على يد القوات شبه العسكرية.

ورغم أن سلطات حفتر في شرق ليبيا تحظى بدعم طويل الأمد من مصر، إلا أنه مدعوم أيضاً من الإمارات، الراعي الرئيسي لقوات الدعم السريع، والتي تقوم بضخ الأسلحة والمرتزقة والأموال إلى القوات شبه العسكرية عبر ليبيا وتشاد وإثيوبيا.

وكما كشف تقرير حديث، ساهمت خطوط الإمداد عبر ليبيا -التي أنشأتها قوات الدعم السريع من خلال الاستيلاء على المناطق الحدودية في يونيو- بشكل مباشر في قدرة المجموعة على الاستيلاء على الفاشر، بعد حصار دام أكثر من 550 يوماً.

ووفقاً للمصدر العسكري، تمتلك مصر صوراً جوية تظهر شحنات أسلحة تنتقل من أبو ظبي إلى حفتر، ومنه إلى قوات الدعم السريع، بالإضافة إلى صهاريج وقود ليبية تنقل الوقود إلى قوات الدعم السريع في دارفور.

وقال المصدر: “كما رصدت الأجهزة الأمنية المصرية، عبر المراقبة الصوتية والمرئية، وصول مرتزقة من كولومبيا وفنزويلا إلى ليبيا، ومن هناك يتم نقلهم إلى السودان للانضمام إلى قوات الدعم السريع”.

وأضاف: “بدون هذا الدعم، ما كانت قوات الدعم السريع لتحقق تقدمها الأخير”. وتابع قائلاً: “كانت الرسالة واضحة: استمرار الدعم لقوات الدعم السريع سيجبر مصر على إعادة النظر في علاقتها بالكامل مع شرق ليبيا”.

وبحسب المسؤول العسكري المصري، عرضت القاهرة والرياض على صدام حفتر تعاوناً ودعماً مالياً وعسكرياً بديلاً ليحل محل الدعم الإماراتي. (التقرير كاملاً على هذا الرابط).

في السياق ذاته كشف موقع “ميدل إيست آي” أن طائرة شحن ارتبطت سابقا بنقل أسلحة إلى مقاتلين مدعومين من الإمارات في السودان وليبيا، قامت خلال الأسبوع المنصرم بعدد من الرحلات بين قواعد عسكرية في أبوظبي و”إسرائيل” والبحرين وإثيوبيا، ورغم أن الغرض من هذه الرحلات والصلة بينها لا يزال غير واضح، إلا أنها جاءت في سياق صراع متصاعد على النفوذ بين الإمارات والسعودية في اليمن والقرن الأفريقي، وهو صراع قلب الموازين الجيوسياسية في المنطقة وأثار مخاوف من تصعيد جديد في الحرب السودانية. (التقرير كاملاً على ذلك الرابط) .

في سياق متصل يوضح التنسيق المصري التركي في الملف السوداني ، قال أكثر من عشرة مسؤولين وخبراء إقليميين لوكالة رويترز إن نشر نموذج قوي من مسيرات قتالية تركية في مدرج جوي على حدود مصر الجنوبية الغربية يشير إلى تصعيد حاد في الحرب الأهلية في السودان، مما يوحي بزيادة انخراط القاهرة في الصراع.

ورغم أن مسؤولين أمنيين مصريين أقرّوا سرا بتقديم دعم لوجستي وتقني للجيش السوداني، فإن القاهرة كانت حتى العام الماضي تتجنب التدخل المباشر في القتال الذي خلّف عشرات الآلاف من القتلى وملايين النازحين وتسبب في مجاعة في السودان.

وقال ثمانية محللين إقليميين وثلاثة دبلوماسيين أطلعهم مسؤولون مصريون على الموقف إن القاهرة بدأت في تغيير موقفها تجاه الصراع عندما حققت قوات الدعم السريع سلسلة من التقدم في منطقة دارفور بغرب السودان، حيث استولت أولا على مثلث استراتيجي في الشمال الغربي بين مصر وليبيا في يونيو حزيران، ثم اجتاحت مدينة الفاشر، آخر معقل للجيش السوداني في دارفور، في أكتوبر تشرين الأول.

وحذرت الرئاسة المصرية في ديسمبر  من أن الأمن القومي للبلاد يرتبط ارتباطا مباشرا بأمن السودان، وأن القاهرة لن تسمح بتجاوز “الخطوط الحمراء”. وقالت إن هذه الخطوط تشمل الحفاظ على وحدة أراضي السودان ورفض أي “كيانات موازية” تهدد وحدته.

في سياق متصل أظهرت صور أقمار صناعية وبيانات طيران وجود نشاط جوي عسكري غير معتاد في موقع صحراوي بجنوب غرب مصر، تبين لاحقا أنه يستخدم لتشغيل طائرات مسيرة بعيدة المدى تشارك في تنفيذ ضربات داخل السودان، في ظل تصاعد الاعتماد على هذا النوع من السلاح في النزاع الدائر منذ أكثر من عامين.

وكشفت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية أن قاعدة جوية سرية في الصحراء الغربية المصرية استخدمت خلال الأشهر الستة الماضية كنقطة انطلاق لطائرات مسيرة عسكرية متقدمة نفذت ضربات داخل الأراضي السودانية، استهدفت بالأساس قوات الدعم السريع، في إطار الحرب الأهلية المستمرة في السودان.

وبحسب التقرير، الذي نُشر في الأول من فبراير ، فإن القاعدة تقع ضمن مشروع شرق العوينات الصحراوي، حيث أظهرت صور أقمار صناعية وسجلات طيران ومقاطع مصورة وجود توسعات ملحوظة في مدارج الطيران وحظائر الطائرات ومنصات تشغيل المسيّرات، ما يشير إلى تحويل الموقع إلى منشأة جوية عسكرية غير معلنة.

وذكرت الصحيفة أن طائرات “أكينجي” التركية الصنع، وهي من الطائرات المسيّرة بعيدة المدى والقدرات الهجومية العالية، بدأت العمل من القاعدة عقب رحلات شحن جوي وصلت إلى الموقع في منتصف عام 2025، وفق بيانات تتبع الرحلات وتحليل الصور الفضائية.

وأشارت نيويورك تايمز إلى أن الضربات المنفذة من هذه القاعدة استهدفت مقاتلين وأرتال إمداد لقوات الدعم السريع، لكنها أصابت أيضاً مواقع مدنية، من بينها مساجد ومستشفيات ومحطات كهرباء، في ظل تصاعد العمليات العسكرية واتساع نطاق استخدام الطائرات بدون طيار في النزاع.

وفي سياق متصل، أوضح التقرير أن الحرب السودانية تحولت إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي، حيث تزود الإمارات العربية المتحدة قوات الدعم السريع بطائرات مسيّرة صينية من طراز CH-95، في حين تدعم السعودية وقطر الجيش السوداني، الذي حصل بدوره على أسلحة ومعدات عسكرية من تركيا وإيران وروسيا.

في سياق متصل بالعلاقات المصرية التركية، بعد ختام زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى المملكة العربية السعودية ولقاءه بولي العهد السعودي محمد بن سلمان، غادر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة والتقى بالسيسي ، عقد السيسي وأردوغان جلسة مباحثات رسمية ناقشا خلالها مجمل تطورات الأوضاع في المنطقة  وعلى رأسها ملفات غزة وملف السودان وليبيا واليمن والبحر الأحمر والقرن الأفريقي والملف الإيراني والتحسبات من ضربة أمريكية للنظام الإيراني للقضاء على مشروعها الصاروخي الباليستي وقدراتها النووية، ثم ترأسا أعمال الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى بين مصر وتركيا، شارك السيسي مع أردوغان في الجلسة الختامية لمنتدى الأعمال المصري التركي بمشاركة واسعة من مجتمع الأعمال والمؤسسات المالية والاقتصادية بالبلدين.

وفي ختام اللقاءات الرسمية، شهد السيسي وأردوغان توقيع حزمة اتفاقيات تعاون، بينها اتفاقية عسكرية إطارية.

كشف وزير الدفاع التركي يشار غولر، خلال مؤتمر صحفي عن توقيع اتفاقيات تعاون عسكري بين أنقرة والقاهرة، تتضمن إنشاء مصانع لإنتاج الذخائر الخفيفة وذخائر المدفعية داخل الأراضي المصرية، في إطار تعزيز الشراكة الدفاعية بين البلدين، وأوضح غولر أن القيمة الإجمالية للعقود الموقعة تصل إلى نحو 350 مليون دولار، وتشمل توريد منظومة القتال القريب والدفاع الجوي «تولغا TOLGA»، التي طورتها شركة الصناعات الميكانيكية والكيميائية التركية (MKE)، إلى جانب إنشاء خطوط إنتاج للذخيرة داخل مصر.

وبحسب التقارير، تعاقدت القوات المسلحة المصرية على منظومة «تولغا» للدفاع الجوي القريب (CIWS) في صفقة تُقدَّر بنحو 150 مليون دولار، حيث تتوافر بعدة نسخ تتراوح عياراتها بين 12.7 ملم و35 ملم، وتضم راداراً ومنظومة رصد كهروبصرية، إضافة إلى نظام تشويش لمواجهة الطائرات المسيّرة.

وفي السياق ذاته، أعلنت شركة MKE عن إنشاء مصنع في مصر لإنتاج ذخائر المدفعية بعيدة المدى من عيار 155 ملم، بهدف تلبية احتياجات القوات المسلحة محلياً، إلى جانب توقيع عقد لإنشاء مصنع ثانٍ لإنتاج ذخائر عياري 7.62 ملم و12.7 ملم.

كما تم التوصل إلى اتفاقية بين الشركة التركية والجانب المصري لتأسيس كيان مشترك يتولى إدارة مصانع الذخائر المزمع إنشاؤها، بما يسهم في تعزيز القدرات الإنتاجية والتصديرية نحو الأسواق الإقليمية.

تحليلي للأوضاع في السودان، 

في الإطار الاستراتيجي الأوسع، يُعدّ إفشال مخطط تقسيم السودان، الذي تقوده مليشيات حميدتي بدعم إماراتي مباشر وغير مباشر، مسألةً لصيقة بالأمن القومي المصري، وليست مجرد موقف تضامني أو خياراً سياسياً قابلاً للمساومة. فالسودان يمثّل العمق الجنوبي الحيوي لمصر، وأي انهيار في بنيته الدولتية أو تحوّله إلى كيانات مسلّحة متناحرة سيُنتج بيئة فوضوية مفتوحة على التهريب، والجريمة المنظمة، وتدفقات السلاح، وتسلل الجماعات المسلحة، بما ينعكس مباشرة على استقرار الحدود الجنوبية المصرية.

 ومن هذا المنطلق، تمتلك القاهرة حقاً مشروعاً، بل واجباً استراتيجياً، في توظيف مختلف الأدوات والوسائل المشروعة—السياسية والدبلوماسية والأمنية—لمنع إعادة إنتاج سيناريوهات التفكيك التي شهدتها دول أخرى في الإقليم. كما أن ترك السودان رهينة لمشاريع المليشيات والارتباطات الخارجية لا يهدد وحدته الوطنية فحسب، بل يضرب استقرار حوض النيل والقرن الإفريقي برمّته، ويخلخل توازنات إقليمية حساسة تمسّ الأمن العربي الجماعي. وعليه، فإن التحرك المصري في هذا الملف لا ينفصل عن مقاربة وقائية تهدف إلى حماية الدولة السودانية ككيان موحّد، وإجهاض أي مسارات تستهدف تفكيكها أو تحويلها إلى ساحة صراع بالوكالة، بما يحفظ الاستقرار الإقليمي ويمنع تمدد الفوضى إلى المجال الحيوي المصري والعربي.

في سياق أخر ، جاءت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى المملكة العربية السعودية، وما أعقبها مباشرة من زيارة إلى القاهرة ولقائه بالسيسي، في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، يتسم بتداخل الأزمات واتساع دوائر الصراع، من غزة والبحر الأحمر، إلى السودان وليبيا واليمن والصومال والقرن الأفريقي، وصولاً إلى الملف الإيراني وتداعياته المحتملة على أمن الإقليم. ويشير تسلسل الزيارتين، وترتيبهما الزمني، إلى تحرك تركي مدروس يتجاوز إطار العلاقات الثنائية، ويعكس سعي أنقرة لبلورة مقاربة إقليمية جديدة تقوم على توسيع دوائر التنسيق مع القوى العربية المركزية. وتلك التحركات تزامنت مع التقارير التي أوضحت التنسيق العسكري بين مصر  وتركيا في السودان لدعم الجيش السوداني مما يعضض تلك الرؤية.

وتدل طبيعة الملفات التي نوقشت في القاهرة، ولا سيما القضايا المرتبطة بالأمن الإقليمي والتوازنات الاستراتيجية، على إدراك مشترك لدى الأطراف الثلاثة (تركيا، السعودية، مصر) بأن المرحلة الراهنة تشهد محاولات حثيثة لإعادة تشكيل خرائط النفوذ في المنطقة، عبر أدوات غير تقليدية، تشمل الحروب بالوكالة، والميليشيات العسكرية، وتفكيك الدول الوطنية، والتحكم في الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها البحر الأحمر وباب المندب وشرق المتوسط ونهر النيل.

 وفي هذا السياق، يبرز احتمال السعي إلى تأسيس صيغة تنسيق ثلاثي غير معلنة، تهدف إلى احتواء تداعيات هذه التحولات، ومنع انزلاق الإقليم نحو سيناريوهات أكثر خطورة، لا سيما في مواجهة المشاريع الإسرائيلية–الإماراتية التي تنشط في عدد من ساحات الإقليم، وتعتمد على توظيف الأزمات والصراعات الداخلية لإضعاف الدول، وإعادة تشكيل البيئة الجيوسياسية بما يخدم مصالح تل أبيب وحلفائها.

ويكتسب هذا الاحتمال أهميته من طبيعة القدرات التي تمتلكها الدول الثلاث، والتي تتسم بقدر عالٍ من التكامل؛ فمصر تمثل ثقلاً عسكرياً وبشرياً وموقعاً جغرافياً محورياً، ولا سيما في ما يتعلق بأمن البحر الأحمر وشرق المتوسط، فيما تمتلك السعودية قدرات مالية واقتصادية ونفوذاً سياسياً مؤثراً في الإقليمين العربي والإسلامي، بينما تمثل تركيا قوة عسكرية وصناعية صاعدة ذات خبرة متراكمة في إدارة ملفات الأمن الإقليمي. ومن شأن تلاقي هذه العناصر، في حال ترجم إلى آليات تنسيق فعلية، أن يشكل رافعة استراتيجية قادرة على موازنة النفوذ الإسرائيلي–الإماراتي المتنامي، وكبح مسارات التفكيك والتقسيم، وإعادة الاعتبار لركائز الاستقرار الإقليمي.

غير أن نجاح أي مسار من هذا النوع سيظل مرهوناً بمدى قدرة الأطراف الثلاثة على تجاوز  تبايناتها السابقة، وتحويل التقارب الظرفي إلى شراكة مستدامة، لا تقوم فقط على رد الفعل تجاه تهديدات مشتركة، بل على رؤية استراتيجية طويلة المدى لإدارة أزمات المنطقة. وفي ظل تصاعد الحديث عن تحولات كبرى في موازين القوى الدولية والإقليمية، فإن هذا المسار – إن تطور – قد يشكل أحد أهم معالم إعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة.

إن الدعوة إلى عمل جاد وناجز يتوَّج بإعلان تحالف مشترك بين مصر والسعودية وتركيا لا تنطلق من ترفٍ سياسي أو رغبة تكتيكية عابرة، بل من إدراك متزايد لحجم التحديات البنيوية التي تواجه الإقليم. فالمشاريع الانفصالية التي تتكاثر من اليمن إلى الصومال، وتمرّ بالسودان وليبيا وسوريا، ليست أزمات منفصلة، بل حلقات في مخطط واحد يستهدف تفكيك الدول الوطنية، وإعادة تشكيل المنطقة على أسس هشة تخدم قوى خارجية في مقدمتها إسرائيل وحليفها الإماراتي. في هذا السياق، يشكّل تحالف ثلاثي بين القاهرة والرياض وأنقرة رافعة استراتيجية قادرة على إعادة ضبط ميزان القوى، نظراً لما تمتلكه هذه الدول مجتمعة من ثقل سياسي وعسكري واقتصادي، ومن حضور مباشر في أكثر الساحات اشتعالاً.

كما أن هذا التحالف، إذا ما انتقل من مستوى التنسيق الظرفي إلى صيغة مؤسسية واضحة، يمكن أن يوفّر مظلة ردع حقيقية في مواجهة محاولات العبث بأمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي، ومنع تحويل هذه المناطق إلى منصات ضغط على العمق الاستراتيجي لمصر والسعودية. فضلاً عن ذلك، فإن إدماج تركيا في هذا المسار يمنح التحالف قدرة أكبر على المناورة في ملفات معقّدة، مستفيداً من حضورها الفاعل في شمال إفريقيا والقرن الإفريقي وشرق المتوسط. المحصلة أن تحالفاً من هذا النوع لا يهدف فقط إلى احتواء الأزمات، بل إلى منع إنتاجها أصلاً، عبر كبح المشاريع الانفصالية، ووقف المخططات الإسرائيلية وحلفائها، وإعادة الاعتبار لفكرة التوازن الإقليمي القائم على الدول لا على الكيانات الوظيفية الهشة.

إنّ التحالفات التي تتشكّل في المنطقة في المرحلة الراهنة يجب أن تُبنى على قاعدة الدفاع المشترك، عبر تفعيل منظومات عسكرية مشتركة، قائمة على بنود واضحة وآليات تنفيذ فعّالة. فمثل هذا الإطار هو العامل الحاسم القادر على وقف مخططات التحالف الإسرائيلي–الإماراتي، الذي يعمل بصورة ممنهجة على تغذية الانقسامات الداخلية، ودعم مشاريع التفكيك، وإنشاء دويلات وظيفية ذات ولاءات لإسرائيل والإمارات، بما يشكّل تهديداً مباشراً وواضحاً للأمن القومي العربي.

إنّ تحالفاً عسكرياً تكاملياً يضم مصر والسعودية وتركيا، ويتحرك بفاعلية في الملفات السوداني واليمني والصومالي والسوري والليبي، إضافة إلى القرن الإفريقي، هو الإطار القادر على مواجهة هذه المخططات وكبح تمددها. فنجاح إسرائيل والإمارات في تمرير مشاريع التفكيك في هذه الساحات لن يتوقف عندها، بل سيؤسس لانتقال المخطط إلى ساحات أخرى.

أخيراً: أخفقت الإمارات في فرض أجندتها بشكل كامل في الجنوب اليمني عندما واجهت موقفاً سعودياً حاسماً ومنفرداً، وهو ما يؤكد أن تحركات أبوظبي القائمة على دعم الكيانات الوظيفية والانقسام تصطدم بالفشل حينما تُواجَه بإرادة إقليمية مضادة حاسمة. وبالمنطق ذاته، فإن توحيد الجهود بين مصر والسعودية وتركيا – إذا ما تحقق فعلياً ضمن مقاربة استراتيجية منسّقة – كفيل بإفشال المساعي الإماراتية في السودان، ولا سيما تلك المرتبطة بدعم مليشيات حميدتي ومشاريع تفكيك الدولة السودانية، بما يحفظ وحدة السودان ويعيد ضبط التوازن الإقليمي بعيداً عن سياسات التفكيك وإدارة الفوضى.

ثالثاً: تحليل استراتيجي مركب للتطورات بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية.

شهد شهر يناير من عام 2026، تحركات وحشد عسكري أمريكي مكثف في منطقة الشرق الأوسط كانتشار  بناء على خطط عملياتية مدروسة لضربة أمريكية قد تشنها الولايات المتحدة على إيران إذا فشلت المفاوضات، التي تهدف من خلالها الولايات المتحدة الأمريكية نزع وتجريد إيران من قوتها الصاروخية وتحجيم مشروعها النووي.

السؤال الجوهري الآن: لماذا قد تتجه الولايات المتحدة إلى توجيه ضربة لإيران في هذا التوقيت؟

من وجهة نظري، يمكن تفسير ذلك من خلال سببين رئيسيين:

أولاً: يسعى الأمريكيون، بالتنسيق مع إسرائيل، إلى إعادة تشكيل ما يُسمّى بـ«الشرق الأوسط الجديد»، بما يضمن أن تكون الأنظمة الحاكمة في المنطقة منسجمة مع هذا المخطط. وفي حال وجود أنظمة رافضة أو غير منخرطة فيه، يجري العمل على تحييدها عبر إضعاف قدرتها العسكرية والاستراتيجية، بحيث تصبح عاجزة عن تعطيل الأهداف الأمريكية والإسرائيلية في الإقليم.

ثانياً: أن تقديرات الموقف الأمريكية قد تشير إلى أن الضربة السابقة لم تُلحق ضرراً جوهرياً بالمشروع النووي الإيراني، وأن طهران باتت، وفق هذه التقديرات، على مقربة من امتلاك سلاح نووي، مع تسارع ملحوظ في وتيرة تطوير قدراتها النووية. وفي هذا السياق، لا يقتصر الهدف الأمريكي على تعطيل البرنامج النووي أو تأخيره فحسب، بل يمتد إلى السعي لإسقاط نظام يُنظر إليه في واشنطن وتل أبيب باعتباره نظاماً معادياً، يعمل على امتلاك سلاح نووي، ويُشكّل تهديداً استراتيجياً مباشراً لمصالح الولايات المتحدة وأمن إسرائيل في المنطقة.

تشير التصريحات الأخيرة لعلي شمخاني، كبير مستشاري المرشد الإيراني والمسؤول الأعلى عن الملف العسكري والذي عينه الرئيس الإيراني يوم الجمعة 06 فبراير 2026  أمينا لمجلس الدفاع  “المجلس يُعنى بـتعزيز الاستعدادات الدفاعية ومواجهة التهديدات المستجدة ورفع مستوى التنسيق في صُنع القرارات الدفاعية”، إلى تصعيد لافت في الخطاب الإيراني. كما أن حدّة تصريحاته المتزامنة مع تصريحات عباس عراقجي خلال الفترة الأخيرة  توحي بأن طهران ترجّح احتمال توجيه ضربة أمريكية، وتقدّر أنها باتت وشيكة.

ويعكس هذا الخطاب رسالة واضحة من إيران والحرس الثوري مفادها أن الضغوط والتحركات العسكرية الأمريكية الأخيرة في المنطقة لن تدفع طهران إلى الخضوع، بل ستقود إلى مزيد من التصعيد المتبادل، بما ينذر بدخول الإقليم مرحلة أكثر توتراً، تتطلب استعداداً واسعاً من جميع الأطراف.

ترجمة ما قاله علي شمخاني، كبير مستشاري المرشد الإيراني علي خامنئي: “الضربة المحدودة” وهمٌ. أي عمل عسكري من جانب الولايات المتحدة، من أي جهة وعلى أي مستوى، سيُعتبر بداية حرب، وسيكون ردها فورياً وشاملاً وغير مسبوق، مستهدفاً قلب تل أبيب وكل من يدعم المعتدي”.

منطق التفاوض بالقوة واحتمالات الانزلاق إلى الحرب الأمريكية–الإيرانية

تعكس السياسة الأمريكية الحالية تجاه إيران نموذجاً كلاسيكياً لما يُعرف في الأدبيات الاستراتيجية بـ “التفاوض تحت التهديد باستخدام القوة”(Coercive Diplomacy)، حيث يجري حشد القدرات العسكرية، وتهيئة مسرح العمليات، والإبقاء على قرار الضربة مؤجلاً، بهدف انتزاع تنازلات سياسية دون الانزلاق الفوري إلى الحرب. غير أن هذا النمط من السياسات، وفق علم الحرب، يحمل في جوهره مخاطرة بنيوية؛ إذ إن لحظة إدراك الطرف المهدِّد أن أدوات الضغط لم تعد تحقق جدواها التفاوضية، تتحول القوة من أداة ردع إلى أداة استخدام فعلي.

في هذا السياق، يبدو أن الولايات المتحدة قد بلغت مرحلة متقدمة من الجاهزية العملياتية، بما يسمح لها بالانتقال السريع من وضع الردع إلى تنفيذ ضربة عسكرية واسعة النطاق، حال خلصت تقديراتها إلى أن المسار التفاوضي بات مسدوداً. ومن منظور عسكري بحت، فإن هذا التحول لا يحدث تدريجياً، بل يتم عادة عبر ضربة أولى كثيفة ومركزة تهدف إلى إحداث شلل وظيفي في منظومات القيادة والسيطرة لدى الخصم.

على الجانب الإيراني، تشير المؤشرات المتراكمة إلى تطور لافت في العقيدة العسكرية، حيث لم تعد طهران تعتمد فقط على استراتيجية “الرد بعد الضربة”، بل انتقلت إلى تصور أكثر هجومية يقوم على “الهجوم بعد امتصاص الضربة الأولى”، وهو تحول يعكس استيعاباً متأخراً، لكن مهماً، لدروس المواجهات السابقة. ومع ذلك، يظل واضحاً أن إيران تتجنب  المبادرة بإطلاق الضربة الأولى، إدراكاً منها أن من يبدأ الحرب يفقد ميزة الشرعية السياسية، ويضع نفسه خارج إطار “الدفاع عن النفس”، فضلاً عن المخاطر العملياتية المرتبطة بالمباغتة.

ويؤكد علم الحرب أن الطرف الذي يتلقى الضربة الأولى، مهما بلغت درجة جاهزيته، يمرّ حتماً بمرحلة تشويش وارتباك عملياتي، نتيجة فقدان جزئي للاتصال، واضطراب في منظومة اتخاذ القرار، وعدم القدرة على التقييم الدقيق لحجم الضربة وأهدافها الحقيقية في الساعات الأولى. ومن هنا، يبدو الرهان الإيراني قائماً على امتصاص الصدمة الأولى، ثم الانتقال إلى هجوم واسع النطاق، مستنداً إلى قدراته الصاروخية والهجومية المتنوعة، سواء ضد أهداف أمريكية أو إسرائيلية في الإقليم.

في المقابل، تشير التقديرات إلى أن الضربة الأمريكية الأولى – إن وقعت – ستكون شاملة، عالية الكثافة، وغير مسبوقة من حيث حجم النيران، مع تركيز خاص على مراكز القيادة والسيطرة العسكرية والسياسية، والدينية، إضافة إلى منصات الصواريخ ومخازنها وأماكن البرنامج النووي. ويُرجّح أن تعتمد واشنطن في ذلك على إدراكها لوجود ثغرات بنيوية في منظومة الدفاع الجوي الإيرانية، وهي ثغرات كشفتها المواجهات الأخيرة، وأظهرت محدودية قدرة إيران على توفير مظلة دفاعية متماسكة على امتداد جغرافيتها الواسعة.

غير أن المفارقة الاستراتيجية تكمن في أن الفجوة بين القدرات الدفاعية الإيرانية وقدراتها الهجومية تظل واسعة؛ فإيران تمتلك أدوات هجومية قادرة على إلحاق أضرار مؤلمة ومتعددة الجبهات، لكنها تفتقر إلى منظومة دفاعية متكاملة قادرة على امتصاص ضربة أولى أمريكية مركزة دون خسائر جسيمة. ويبدو أن هذا الخلل هو جوهر الرهان الأمريكي، حيث تسعى واشنطن إلى توجيه ضربة تُحدث هزات عميقة في غرفة القيادة الإيرانية، بما يبطئ دورة اتخاذ القرار، ويعطل التنسيق بين الأذرع العسكرية، ويقلص فعالية الرد الإيراني في ساعاته الأولى الحاسمة.

خلاصة التقدير أن الصراع، إن اندلع، لن يكون نتيجة قرار انفعالي، بل حصيلة حسابات دقيقة تتعلق بتوقيت الضربة الأولى وتأثيرها الحاسم. وفي هذا الإطار، تبدو الولايات المتحدة أقرب إلى خيار الضربة الاستباقية الشاملة، بينما تراهن إيران على الصمود الأولي ثم الرد الواسع، وهو ما ينذر، في حال تحقق، بحرب عالية الكلفة، تتجاوز حدود المواجهة الثنائية إلى إعادة تشكيل موازين القوة في الإقليم بأسره.

مقارنة عسكرية: العراق 2003 وإيران 2026

من منظور عسكري صرف، تمثل المقارنة بين العراق قبيل الغزو الأمريكي عام 2003 وإيران في عام 2026 مقارنة مضلِّلة إذا أُجريت على أساس النتائج لا على أساس القدرات. فالعراق، رغم امتلاكه جيشاً تقليدياً كبير العدد آنذاك، كان يعاني من تآكل بنيوي عميق نتيجة سنوات الحصار الطويل، وتفكك منظومات القيادة والسيطرة، وتراجع كفاءة القوات الجوية والدفاع الجوي والقوات البرية وعقيدة المقاتل. أما إيران اليوم، فتقف على نقيض ذلك النموذج؛ إذ تمتلك منظومة ردع متعددة الطبقات، وقدرات صاروخية باليستية ومجنحة وفرط صوتيه متقدمة، وشبكة قيادة وسيطرة لامركزية صُممت خصيصاً لتحمّل الضربات الأولى والاستمرار في القتال. كما أن عقيدة المقاتل في الجيش الإيراني تقوم على أساسٍ عقائدي ديني، يُشكّل عنصراً محورياً في منظومة القتال الإيرانية، بما يعزز من مستويات الصمود والاستعداد للتضحية، ويمنح القوات الإيرانية قدرة أكبر على تحمّل كلفة الصراع وطول أمده مقارنة بالجيوش ذات العقيدة القتالية التقليدية.

إن أي عملية أمريكية محتملة تستهدف إسقاط النظام الإيراني والقضاء على مشروعيه الصاروخي والنووي، لن تكون عملية خاطفة أو منخفضة الكلفة كما جرى في العراق. فإيران بنت استراتيجيتها العسكرية على منع الحسم السريع ورفع كلفة الحرب إلى مستويات سياسية وعسكرية لا يمكن تجاهلها في واشنطن أو تل أبيب. ويشمل ذلك قدرة إيران على توسيع نطاق الصراع جغرافياً، واستهداف قواعد أمريكية وحليفة في الإقليم، وتهديد الملاحة في مضيق هرمز وبحر العرب وضرب العمق الإسرائيلي بكثافة نيرانية متقدمة (كماً وكيفاً) ، فضلاً عن امتلاكها شبكة واسعة من أدوات الضغط غير المتناظرة.

وعلى خلاف العراق عام 2003، لم تُبنَ القوة الإيرانية على نموذج الجيش التقليدي القابل للشلّ بضربة مركزية واحدة، بل على مزيج من القدرات النظامية وغير النظامية، مع تركيز واضح على الهجوم بعد الضربة الأولى لا الاكتفاء بالدفاع. ورغم وجود ثغرات معروفة في منظومات الدفاع الجوي الإيرانية، إلا أن الفجوة بين القدرة الدفاعية والقدرة الهجومية لا تعمل بالضرورة لصالح الولايات المتحدة، بل قد تتحول إلى عامل تفجير للصراع، حيث تبقى القدرات الهجومية الإيرانية قادرة على إحداث أضرار واسعة ومؤلمة في عمق المصالح الأمريكية والإسرائيلية.

خلاصة التقدير العسكري تشير إلى أن الحرب مع إيران “إن وقعت “ستكون حرب ذات كلفة عالية، متعددة الساحات، طويلة النفس، ولن تحقق أهدافها الاستراتيجية بسهولة، بل قد تُفضي إلى نتائج عكسية تُعيد تشكيل توازنات الإقليم بطريقة يصعب التحكم في مآلاتها، وهو ما يجعل خيار الحرب بالنسبة لواشنطن وتل أبيب خياراً محفوفاً بالمخاطر، لا يشبه بأي حال تجربة العراق عام 2003.

كن المضروب لا الضارب: نقد عسكري لمفهوم الصبر الاستراتيجي وانتظار الضربة

في العقيدة العسكرية الكلاسيكية، تُعدّ المبادرة والسيطرة على إيقاع المعركة من أهم محددات النصر أو الهزيمة. ومن هذا المنطلق، يبرز تكتيك «انتظر الضربة وكن المضروب لا الضارب» بوصفه مبدأً دخيلاً على العلم العسكري، يتعارض جوهرياً مع أبسط قواعد إدارة الصراع المسلح. فالجيوش التي تتخلى طوعاً عن زمام المبادرة، وتنتظر تلقي الضربة الأولى، تمنح خصومها أفضلية استراتيجية يصعب تعويضها لاحقاً.

يرتبط بهذا التوجه ما يُعرف اصطلاحاً بـ«الصبر الاستراتيجي»، وهو مفهوم جرى الترويج له سياسياً وإعلامياً أكثر مما هو راسخ عسكرياً. ففي حين يُفترض أن الصبر الاستراتيجي يعني إدارة الوقت والموارد بحكمة في إطار رؤية هجومية أو ردعية واضحة، غالباً ما يُستخدم في الواقع كغطاء للتردد، وتأجيل اتخاذ القرار، وتبرير غياب الفعل العسكري في اللحظات الحاسمة. وعندما يتحول هذا المفهوم إلى انتظار سلبي للضربة، فإنه يفقد أي قيمة عسكرية، ويغدو مصطلحاً انهزامياً بامتياز.

من منظور عسكري بحت، فإن الطرف الذي يتيقّن من وجود نية هجومية لدى العدو، ويمتلك في الوقت نفسه القدرة على الإحباط أو المبادأة، يكون ملزماً بالتحرك. فالعمل الاستباقي ليس مغامرة غير محسوبة، بل أداة أساسية لإفشال خطط العدو، وتعطيل مراكز قيادته، وإرباك حساباته السياسية والعسكرية. أما ترك المبادرة للخصم، فيعني السماح له باختيار الزمان والمكان والوسيلة، وهي ثلاثية تمنح المهاجم تفوقاً حاسماً منذ اللحظة الأولى.

تُظهر تجارب الحروب الحديثة أن تلقي الضربة الأولى غالباً ما يُدخل الطرف المستهدف في حالة من التشويش والارتباك، خصوصاً إذا كانت الضربة مركزة ومصممة لضرب مراكز القيادة والسيطرة والبنية المعنوية. وحتى لو امتلك هذا الطرف قدرات ردّ كبيرة، فإن تفعيلها بعد فوات اللحظة الحرجة لا يغيّر كثيراً من واقع الميدان، بل يكون في الغالب رداً متأخراً على معركة خُسرت مبادرتها منذ البداية.

إن تحويل «الصبر الاستراتيجي» إلى عقيدة ثابتة، أو تبرير الانتظار بوصفه حكمة، يمثل خلطاً خطيراً بين السياسة والعسكر. فالحسابات السياسية قد تفضّل التأجيل والمناورة، لكن العقيدة العسكرية تُبنى على الحسم والمبادأة. وعندما تُفرض منطق السياسة المترددة على القرار العسكري، تكون النتيجة إفراغ القوة من وظيفتها الأساسية، وتحويل إدارة الصراع إلى مسار يقود تدريجياً إلى الهزيمة والفناء.

خلاصة القول، إن تكتيك «كن المضروب لا الضارب» لا مكان له في علم الحرب، ولا يمكن اعتباره خياراً عقلانياً في بيئة صراعية مفتوحة. فالجيوش التي تنتظر الضربة الأولى، وهي تعلم بقدومها، لا تمارس ضبط النفس، بل تتنازل طوعاً عن أحد أهم أسس النصر: المبادرة. وفي ميزان الحروب، من يتخلى عن المبادرة، يكتب أول سطور هزيمته بيده.

إسقاطاً على الحالة الإيرانية:

من منظور عسكري، وعند التأكّد من أن العدو قد أعدّ خطة هجوم، يصبح العمل الاستباقي وتوجيه ضربة مسبقة لإحباط الهجوم قراراً حتمياً تفرضه طبيعة تلك اللحظة. فانتظار تلقي الضربة ثم الردّ عليها يُعدّ مخاطرة كبيرة في العمل العسكري، كما أن التباطؤ في اتخاذ قرار العمل الاستباقي يتيح للعدو فرصة أكبر لتحقيق أهدافه.

وبقراءة الوضع الحالي، يُرجَّح أن إيران لم تتجه إلى اتخاذ قرار العمل الاستباقي الرادع، وذلك حتى لا تظهر أمام العالم بوصفها الطرف المعتدي، بل الطرف المعتدى عليه، والذي يملك شرعية استخدام كامل قوته للردّ والدفاع عن نفسه. وتراهن إيران، في هذا الإطار، على قوة ردّ فعلها على أي هجوم أمريكي–إسرائيلي يستهدف النظام الإيراني، استثماراً لحالة التظاهرات داخل إيران، وضرب مركز السيطرة للنظام بهدف إرباكه والسعي إلى إسقاطه.

ومن واقع قراءتي، فإن المخطط الأمريكي لإضعاف النظام الإيراني سعياً لإسقاطه يتمثل في ثلاثة مستويات:

الأول: حراك شعبي ضاغط يتوزّع في مختلف المحافظات الإيرانية.

الثاني: تجهيز وتدعيم جماعات مسلحة داخل إيران تدخل في مواجهات شرسة مع عناصر مؤسسات النظام الإيراني العسكرية والأمنية.

الثالث: ضربات جوية أمريكية مركّزة على مكامن السيطرة والقوة للنظام الإيراني.

ومن المؤكد أن إيران قد أعدّت خطط ردّها، والتي تشير قراءتي إلى أنها ستكون هذه المرة أسرع وأكثر حسماً وقوة مقارنة بالضربات السابقة، وقد تطال القواعد الأمريكية في نقاط متعددة بالمنطقة وعلى داخل الأراضي المحتلة على أهداف استراتيجية وبقدرات صاروخية أكبر (كماً وكيفاً).  ومع ذلك، وكما أؤكد دائماً، فإن الرؤية العسكرية تشير إلى أن صاحب الضربة الأولى قد يتسيّد الموقف، وأن التباطؤ في اتخاذ قرار العمل الاستباقي يمنح العدو فرصة أكبر لتحقيق أهدافه، كما أن متلقّي الضربة الأولى قد يدخل في حالة تشويش وارتباك يصعب الخروج منها.

ووفق المبدأ العسكري، وما يُدرَّس في كليات الحرب، إذا كنت تعرف ما يجب فعله في الحرب ولم تبادر إلى تنفيذه في وقته، فإن تنفيذه بعد فوات الأوان لا يغيّر من واقع الميدان شيئاً، بل يعني أنك منحت العدو زمام المبادرة وبدأت فعلياً في خسارة الحرب. والعمل الاستباقي يصبح حتمياً عند التيقّن من هجوم وشيك من العدو.

قد يقول قائل: أن لجوء إيران إلى العمل الاستباقي سيمنح أمريكا وإسرائيل مبرراً لتوجيه ضربة أشدّ فتكاً، غير أن هذا الطرح يتجاهل منطق الحروب الكبرى. فعندما يقرر طرف ما تنفيذ هجوم استراتيجي، فإنه لا ينتظر ذريعة، بل يكون قد حسم خياره مسبقاً ودخل فعلياً في حالة هجوم متقدّم. في مثل هذه اللحظة، لا يكون السؤال هل سيهاجم العدو أم لا، بل متى وكيف. والعمل الاستباقي، إذا كان نوعياً ومدروساً، لا يهدف بالضرورة إلى منع الهجوم، بل إلى كسر افتراضات الخصم وإرباك حساباته ورفع كلفة قراره، عبر توجيه رسالة واضحة بأن هناك قدرات ومساحات وصول لم تكن ضمن تقديراته. وحتى إن لم يُفضِ ذلك إلى تراجع العدو، فإنه على الأقل يحرمه من امتياز المبادأة السلسة، ويدفعه إلى تنفيذ خطته تحت ضغط وتشويش، بدل أن يفرض إيقاع المعركة من موقع التفوق المطلق.

ضرب إيران وإضعافها مصلحة استراتيجية لإسرائيل:

أخيراً: إضعاف إيران أو توجيه ضربة قاصمة تُخرجها من معادلة الصراع يمثّل منفعة استراتيجية مباشرة للعدو الإسرائيلي وحلفائه، ويخدم في الوقت ذاته المصالح الأمريكية في المنطقة، إذ يفتح المجال أمام تنفيذ مخططات الهيمنة وإعادة تشكيل الإقليم بحرية أكبر ودون عراقيل تُذكر. فوجود إيران، بغضّ النظر عن طبيعة النظام أو السياسات المتّبعة، يشكّل أحد عوائق التمدّد الإسرائيلي–الأمريكي المطلق، ويحدّ من قدرة هذه القوى على فرض وقائع استراتيجية أحادية في المنطقة.

وإيران، بوصفها قوة إقليمية فاعلة، قد نختلف أو نتفق مع سياساتها في بعض الملفات الإقليمية، لكن إخراجها من معادلة التوازن لا يصبّ في مصلحة المنطقة، بل يؤدّي إلى اختلال استراتيجي واسع، ويمنح قوى الهيمنة والأعداء تفوّقاً شبه مطلق، ويقوّض أي توازن ردع قائم أو محتمل. إن تفريغ الإقليم من القوى القادرة على إرباك الخصم لا يعني تحقيق الاستقرار، بل يفتح الباب أمام مرحلة أكثر فوضوية تتحكّم بها القوة وحدها، دون أي اعتبارات للتوازن أو الردع المتبادل.

رابعاً: حول مشاركة الإمارات في فعاليات القوات الجوية الأثيوبية وتغريدة ضاحي خلفان في 2012:

شاركت دولة الإمارات في عروض الذكرى التسعين لتأسيس سلاح الجو الإثيوبي بتشكيل جوي لافت، عكس مستوى التقارب في العلاقات العسكرية بين البلدين. وضمّ التشكيل الإماراتي طائرة «داسو ميراج 2000»، وهي مقاتلة متعددة المهام فرنسية الصنع، إلى جانب مروحية «بوينغ إيه إتش-64 أباتشي»، وهي مروحية هجومية أمريكية الصنع.

تحمل هذه المشاركة دلالات سياسية وعسكرية تتجاوز الطابع البروتوكولي للاحتفال؛ إذ تعكس رغبة إماراتية واضحة في ترسيخ وتعزيز حضورها داخل المنظومة الأمنية  والعسكرية الإثيوبية، وتأكيد الشراكة الاستراتيجية بين البلدين في منطقة القرن الإفريقي. كما توحي طبيعة المنصات المشاركة (مقاتلات متعددة المهام ومروحيات هجومية) بأن التعاون لا يقتصر على الدعم اللوجستي أو التدريبي، بل يمتد إلى مستويات أكثر عمقاً تتعلق ببناء القدرات والمواءمة العملياتية. ويأتي هذا التقارب في توقيت إقليمي حساس، يتقاطع مع ملفات شديدة التعقيد، أبرزها التوازنات العسكرية في القرن الإفريقي، وتأثيراتها المحتملة على أمن البحر الأحمر وحوض النيل، ما يثير تساؤلات حول انعكاساته على حسابات القوى الإقليمية، وفي مقدمتها مصر والسودان.

تشير العلاقات الإماراتية–الإثيوبية في المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية إلى وصولها لمستويات متقدمة، تزامناً مع تعنّت إثيوبي واضح في ملف سدّ النهضة، ومضيّ أديس أبابا قدماً في استكمال المشروع دون إيلاء التخوفات المصرية الاعتبار الكافي، سواء على مستوى الأمن المائي أو الاستقرار الإقليمي. ويكتسب هذا التزامن دلالات خاصة في ظل غياب أي ضغوط حقيقية على إثيوبيا من شركائها الإقليميين لاحتواء هذا المسار.

في السياق نفسه، تبرز إثيوبيا بوصفها قاعدة لوجستية مهمة لمليشيات الدعم السريع، بما يوفر عمقاً خلفياً لتحركاتها داخل السودان، وهو ما يتقاطع مع حالة من التناغم غير المعلن بينها وبين الإمارات في إدارة المشهد السوداني. هذا التناغم قد يفضي، في حال استمراره، إلى تكريس واقع تفتيتي داخل السودان، يهدد وحدته الجغرافية ويعيد إنتاج سيناريوهات التقسيم أو التفكك الوظيفي.

وعليه، فإن تلاقي هذه المسارات (التقارب الإماراتي الإثيوبي، التعنت في ملف سدّ النهضة، وتداخل الأدوار في السودان) يطرح تحديات مباشرة على الأمن القومي المصري، سواء من زاوية الأمن المائي، أو استقرار الحدود الجنوبية، أو موازين القوة في القرن الإفريقي. وهو ما يجعل هذه التطورات ليست مجرد تحركات ثنائية معزولة، بل جزءاً من مشهد إقليمي بالغ الخطورة، يستدعي قراءة استراتيجية مصرية شاملة، تتجاوز إدارة الأزمات إلى إعادة ضبط أدوات النفوذ والردع في محيطها الحيوي.

حول تغريدة ضاحي خلفان:

تفكيك الدول وإضعافها وتقسيمها، وبناء كيانات موازية ذات طابع انفصالي، لم يعد مجرد نتائج جانبية لصراعات داخلية، بل أصبح استراتيجية واعية تتبناها أطراف ذات أجندات تقسيمية تستهدف المنطقة لإضعافها لتصبح إسرائيل المهيمنة والمسيطرة على المنطقة، ويتقاسم هذا المشروع كلٌّ من الإمارات وإسرائيل، عبر استثمار طويل الأمد وأدوات متعددة. تقوم هذه الاستراتيجية على استغلال التناقضات العِرقية أو القبلية أو الطائفية أو الجهوية داخل الدول المستهدفة، وتحويلها إلى آليات تفجير من الداخل. وهذه المشاريع لم تعد نظرية، بل جرى تنفيذها فعلياً في أكثر من ساحة عربية، وتسعى الإمارات وإسرائيل إلى إنتاجها داخل مصر بصيغ مختلفة وما قاله ضاحي خلفان في 2012 يوضح ذلك . 

لم يكن للتوغّل الإماراتي أن يحدث في مصر بذلك الشكل لولا أن نظام السيسي وإدارته فتحوا البلاد أمامه، وسمحوا بتمدده في مفاصل حساسة تمسّ الدولة والمجتمع والاقتصاد. 

إن اتخاذ قرار حاسم تجاه التوغّل الإماراتي، وإجراء مراجعة شاملة وجادة لما جرى خلال السنوات الماضية، لم يعد خياراً سياسياً قابلاً للنقاش، بل ضرورة  وطنية عاجلة تمسّ الأمن القومي المصري في جوهره، ولا تحتمل أي تأجيل أو مواربة.

خامساً: قراءة حول الإجراءات الإسرائيلية في معبر رفح:

تم فتح معبر رفح خلال شهر  يناير 2026 بإجراءات مشددة على الراغبين في الدخول للقطاع وتسهيلات للخارجين منه.

من واقع قراءتي للإجراءات الإسرائيلية في معبر رفح يبدو أن فتح معبر رفح جاء متزامناً مع تفعيل مقاربة إسرائيلية بديلة لتهجير الفلسطينيين، بعد استعادة جميع الأسرى الأحياء وجثث الأموات، لا تقوم على التهجير القسري المباشر، بل على مسار سياسي–أمني ناعم، يُمارَس تحت وطأة الدمار الشامل الذي لحق بقطاع غزة. وفي هذا السياق، قد تعمل إسرائيل على عرقلة إعادة إعمار القطاع أو إطالة أمدها، بما يرفع الكلفة المعيشية والإنسانية على السكان، ويدفع أعداداً متزايدة إلى خيار الخروج بوصفه «البديل الأقل كلفة».

الإجراءات الإسرائيلية التي تعمل على تسهيلات أكبر للخارجين من القطاع، مقابل إجراءات أمنية مشددة ومعقّدة على الراغبين في العودة، تعكس بوضوح هندسة ديموغرافية مقصودة، تهدف إلى خلق تدفق أحادي الاتجاه من غزة إلى الخارج. وهو ما يتقاطع مع الحديث عن إقامة مخيمات خاضعة للرقابة الإسرائيلية المباشرة، واستخدام أدوات تقنية متقدمة لضبط الحركة والتحقق الأمني.

في هذا الإطار، يصبح التهجير – وإن جرى بوسائل غير عسكرية مباشرة – أحد الشواغل المركزية لصانع القرار الإسرائيلي في مرحلة ما بعد العمليات واسعة النطاق. وتكتسب هذه القراءة وزناً إضافياً في ضوء تصريحات بنيامين نتنياهو المتكررة التي ينفي فيها إمكانية قيام دولة فلسطينية في غزة، بما يشير إلى أن هدف السيطرة طويلة الأمد وإعادة تشكيل الواقع السكاني للقطاع يظل أولوية استراتيجية.

وعليه، يمكن القول إن تراجع وتيرة العمليات العسكرية لا يعني تراجع المشروع الإسرائيلي، بل انتقاله إلى أدوات أخرى أكثر هدوءاً وأقل كلفة سياسياً، تقوم على إدارة الخراب، والتحكم في المعابر، وتوجيه خيارات السكان، في مسعى لإفراغ غزة تدريجياً أو إخضاعها لواقع أمني–سيادي جديد. إلا أنه، وعلى الرغم من ذلك، يظل خيار عودة العمليات العسكرية الإسرائيلية قائماً إذا قدّر  الكيان الصهيوني أن وتيرة مشروع التهجير لا تسير بالسرعة التي يرغبها.

  • نشرت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) صورا لضباط بالجيش المصري في المقر الأمريكي بمدينة كريات غات جنوب إسرائيل الشهر الماضي. ويضم هذا المقر حالياً ممثلين عسكريين من ثلاث دول عربية هي مصر والأردن والإمارات العربية المتحدة.

مصر إلى جانب شركاء من أكثر من 70 دولة تتواجد داخل مركز التنسيق المدني العسكري (CMCC)  22 منذ ديسمبر  2025 وتتمثل مهمة المركز حسب ما هو معلن في مراقبة وقف إطلاق النار في غزة  وتسهيل توزيع وإيصال المساعدات الإنسانية إلى سكان غزة وتقديم الدعم اللوجستي والأمني

سادساً: تطورات الأوضاع في اليمن والصومال:

  • زعم مراسل ميدل إيست آي في القاهرة في تقرير  أن القاهرة نقلت إلى الرياض معلومات مخابراتية حساسة تتعلق بالتحركات الإماراتية الأخيرة في اليمن، في خطوة هدفت إلى ترميم العلاقات المتوترة مع السعودية وحماية ما تعتبره مصر أمنها القومي. يوضح التقرير أن القرار جاء في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، مع تصاعد الخلاف السعودي-الإماراتي حول دعم قوى انفصالية مسلحة في اليمن ومناطق أخرى.

يشير ميدل إيست آي إلى أن مسؤولاً رئاسياً مصرياً رفيع المستوى أكد أن القاهرة رأت في تحركات أبوظبي، سواء في اليمن أو السودان أو صوماليلاند، تهديداً متنامياً للاستقرار الإقليمي ولمصالح مصر الاستراتيجية، ما دفعها إلى إعادة ترتيب أولوياتها الخليجية والانحياز بصورة أوضح إلى الموقف السعودي.

زعم موقع ميدل إيست أي إن أجهزة المخابرات المصرية راقبت خلال الأسابيع الماضية تحركات سفن إماراتية في البحر الأحمر ومحيطه، مستخدمة أنظمة رادار ومراقبة بحرية متقدمة. شاركت القاهرة الرياض بإحداثيات وأنماط حركة هذه السفن قبيل العملية العسكرية السعودية ضد المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن. لم يقتصر التعاون على الرصد البحري، بل سلّمت مصر تسجيلات صوتية لمسؤولين إماراتيين يناقشون أهدافهم في اليمن وآليات التنسيق مع قيادات المجلس الانتقالي.

يصف المصدر الرئاسي  هذه الخطوة بأنها مناورة محسوبة بدقة، هدفت إلى استعادة الدعم السعودي وضمان توازن دقيق في علاقات مصر الخليجية، حتى لو جاء ذلك على حساب توتر محدود مع أبوظبي. في هذا السياق، تصاعدت المواجهة داخل التحالف المناهض للحوثيين، بعدما شنّت السعودية ضربات على قوات المجلس الانتقالي المدعوم إماراتياً، ثم تقدمت قوات موالية للرياض واستعادت السيطرة على عدن ومناطق جنوبية أخرى.

أثار هذا التعاون بحسب زعم ميدل إيست أي غضب أبوظبي، وفق مصدر دبلوماسي مصري، حيث عبّرت الإمارات عن اعتراضها على قيام القاهرة بجمع معلومات ونقلها إلى السعودية، محذّرة من تحسين العلاقات مع الرياض على حساب المصالح المشتركة. شددت أبوظبي، بحسب المصدر، على أهمية الحفاظ على الاستثمارات والتعاون الاقتصادي، فيما عبّرت القاهرة عن قلقها من دعم إماراتي لقوى مسلحة في السودان وتأثير ذلك على أمن الحدود المصرية والاستقرار الإقليمي.

  • كشف أستاذ الدراسات الأمنية في المعهد العالي للدراسات الأمنية بالعاصمة الصومالية مقديشو، حسن شيخ علي نور، أن زيارات ضباط من وزارة الدفاع المصرية إلى الصومال تمت بعد التطورات الأخيرة المرتبطة باعتراف الاحتلال الإسرائيلي بما يعرف بـ”أرض الصومال” أو “صومالي لاند“، مؤكداً أن تلك التحركات تعكس تحولاً واضحاً في مستوى التنسيق العسكري بين القاهرة ومقديشو.

وقال نور، إن ضباطاً من وزارة الدفاع المصرية زاروا الصومال عدة مرات في أعقاب هذه التطورات، في إطار تنسيق مباشر بين وزارتي الدفاع في البلدين، من اتفاقية تشمل برامج لتدريب وتسليح الجيش الصومالي بكافة فئاته وتشكيلاته، بما يعزز قدراته في مواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة.

وأوضح الخبير الأمني الصومالي أن الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال شكل “جرس إنذار مبكر” لدول المنطقة، وعلى رأسها مصر، نظراً لما يحمله من تداعيات خطيرة على أمن البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، وهي ممرات مائية حيوية ترتبط بشكل مباشر بالأمن القومي المصري.

وأضاف أن التعاون العسكري المصري-الصومالي مرشح للتوسع خلال الفترة المقبلة، خاصة مع تصاعد التدخلات الخارجية ومحاولات فرض وقائع جديدة على الأرض، مشيراً إلى أن أي وجود عسكري إسرائيلي محتمل في منطقة خليج عدن أو السواحل الصومالية سيُحدث اختلالاً واسعاً في ميزان الأمن الإقليمي.

  • كشفت مصادر مطلعة لبلومبرغ يوم 16 يناير  2026 أن السعودية تقترب من إبرام صفقة لتأسيس “تحالف عسكري جديد” مع الصومال ومصر.

وقالت المصادر إن “رئيس الصومال حسن شيخ محمود سيتوجه قريباً إلى السعودية لاستكمال الصفقة، التي تهدف إلى تعزيز التعاون الاستراتيجي في مجال أمن البحر الأحمر، بالإضافة إلى توسيع التعاون العسكري”.

وأكد متحدث باسم الحكومة الصومالية أن الصفقة قيد التنفيذ، لكنه لم يقدم مزيداً من التفاصيل.

ولم ترد الحكومتان السعودية والمصرية على طلبات التعليق.

وقال دبلوماسي مصري رفيع المستوى لـ Middle East Eye في سبتمبر إن “مصر اقترحت قوة دفاع إقليمية بموجب معاهدة الدفاع والتعاون الاقتصادي المشترك لعام 1950، بهدف إقامة تحالف سريع الاستجابة لحماية الدول الأعضاء من التهديدات الخارجية، لا سيما إسرائيل”، لكن الخطوة واجهت معارضة من بعض الدول.

تأتي أنباء التحالف العسكري الذي تسعى الرياض لإنشائه بالتزامن مع تقارير تكشف عن سعي تركيا للانضمام إلى اتفاق دفاعي بين السعودية وباكستان تم تأسيسه أول مرة في سبتمبر 2025.

وذكرت مصادر تركية أن “تركيا لا تريد تقديم هذه المبادرة على أنها اتفاق يشبه الناتو، بل كآلية تعاون دفاعي قد تشمل في النهاية باكستان والسعودية”، مضيفة أن أنقرة تسعى أيضاً لتعزيز العلاقات مع مصر هذا العام.

ويشير ارتفاع اتفاقيات الدفاع والتعاون العسكري مع السعودية إلى تزايد الاهتمام بإقامة قوة دفاع عربية مترابطة تسعى لها المملكة العربية السعودية لمواجهة نفوذ الإمارات بعد التوترات الاخيرة في اليمن بين السعودية والإمارات.

على الجانب الإماراتي، وقّعت الإمارات والهند، يوم الاثنين 19 يناير 2026، خطاب نوايا لشراكة إستراتيجية في المجال الدفاعي بين البلدين وذلك خلال زيارة لرئيس دولة الإمارات محمد بن زايد آل نهيان للعاصمة الهندية نيودلهي.

وذكرت وكالة الأنباء الإماراتية (وام) أن الرئيس الإماراتي ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي شهدا تبادل عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم وخطابات نوايا تهدف لتعزيز التعاون بين البلدين وتطويره، وذلك في إطار زيارة عمل للرئيس الإماراتي إلى الهند.

وأوضحت الوكالة أن أحد خطابات النوايا بين الإمارات والهند يتعلق بـ”الشراكة الإستراتيجية في المجال الدفاعي”، دون أن تنشر المزيد من التفاصيل. وقال وزير الخارجية الهندي إن توقيع خطاب النوايا مع الإمارات لا يعني بالضرورة انخراط الهند في الصراعات الإقليمية.

سابعاً: التسليح: 

  • رصدت وسائل الإعلام العبرية أول ظهور تجريبي لمقاتلة “رافال F4.1” المصرية في قاعدة “إيستر الجوية” بفرنسا، ضمن الصفقة الأخيرة التي تشمل 30 طائرة جديدة. هذا الظهور الفعلي يمثل خطوة نوعية للطيران المصري، ويفتح صفحة جديدة من التفوق التكنولوجي تجعل الحديث عن قدراته الجوية أكثر جدية من أي وقت مضى.

الطائرة الجديدة مزوّدة بشبكة متكاملة تربطها بالأقمار الصناعية وبقية الطائرات والقوات البرية والبحرية، ما يمنح القيادة المصرية رؤية شاملة لميدان المعركة وتبادل بيانات فورياً. من المزايا الأخرى التي تزيد من فتك رافال المصرية في السماء، خوذة “العقرب الذكية”، التي تمكّن الطيار من توجيه الصواريخ بمجرد النظر إلى الهدف، دون الحاجة لتحريك مقدمة الطائرة، وهو ما يمنح تفوقاً استراتيجياً في الاشتباكات الجوية.

  •  بدأت مصر مناقشات مع إسبانيا بشأن احتمال اقتناء فرقاطات من فئة F110، وذلك عقب تقديم طلب شراء في عام 2025، بحسب ما أفاد به موقع Tactical Report في 6 يناير 2026.

حتى الآن، لم يتم تأكيد أي عقود أو تحديد عدد القطع المطلوبة أو جداول التسليم.

وفي حال إتمام الصفقة، فإن اقتناء هذه الفرقاطات المصممة من قبل شركة نافانتيا الإسبانية سيُعد خطوة مهمة في مسار تحديث أسطول السفن السطحية للبحرية المصرية.

وأفادت التقارير بأن القاهرة ربطت، خلال المحادثات الأولية، عملية الشراء بنقل التكنولوجيا (ToT) وإشراك الصناعات المحلية، وعلى رأسها ترسانة الإسكندرية.

من جانبها، تعتبر إسبانيا الطلب المصري ذا أهمية استراتيجية، غير أن تنفيذه يظل مرهوناً بالحصول على موافقات التصدير والتوافق السياسي بين البلدين.

  •  تشير تقديرات حديثة لوزارة الدفاع الأميركية إلى أن صادرات الصين من المقاتلات الحربية قد تكون على أعتاب نمو ملحوظ، تقوده ثلاث منصات جوية رئيسية هي J-35 وJ-10C وJF-17 . ووفقاً لتقرير «القدرات العسكرية الصينية لعام 2025»، فإن اهتمام الدول بهذه المقاتلات لا يقتصر على باكستان وحدها، بل يمتد إلى عدد من الدول في الشرق الأوسط وآسيا، في مؤشر يعكس سعي بكين لتوسيع نفوذها في سوق السلاح الجوي العالمي وتعزيز حضورها كمورّد بديل للقوى الغربية التقليدية.

وأصدرت وزارة الدفاع الأميركية مؤخراً تقرير «القدرات العسكرية الصينية لعام 2025»، الذي حلّل قدرات جيش التحرير الشعبي الصيني واستراتيجيات التعامل معه. وأفاد موقع The War Zone العسكري، استناداً إلى مضمون التقرير، بأن بكين تمهّد الطريق لطلبات تصدير جديدة لما لا يقل عن ثلاث مقاتلات، هي J-35 وJ-10C وJF-17، في تحرّك ثلاثي قد يقود إلى نمو كبير في صادرات المقاتلات الصينية، كما أشار التقرير إلى الدول الأكثر اهتماماً بهذه الطائرات.

وأوضح التقرير أن أحدث تقييم للبنتاغون حدّد ثلاث منصات رئيسية تقود صادرات المقاتلات الصينية، وهي: المقاتلة الشبحية من الجيل الخامس J-35، والمقاتلة من الجيل الرابع J-10C، إضافة إلى JF-17 (ثاندر/شياولونغ) التي طُوّرت بشكل مشترك بين الصين وباكستان ولا تُشغَّل من قبل جيش التحرير الشعبي.

وبشأن الطلبات المؤكدة، أشار البنتاغون إلى أنه حتى مايو/أيار 2025 لم تحصل J-35 على أي عقود بيع، لكنها تمتلك «عملاء محتملين»، من بينهم مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

  • تُقيِّم مصر حالياً طائرة Saab GlobalEye للإنذار المبكر والسيطرة المحمولة جواً (AEW&C) كبديل لأسطولها المتقادم من طائرات E-2C Hawkeye.

وأفادت تقارير بأن الحكومة المصرية أحرزت تقدماً في المفاوضات مع شركة ساب السويدية بشأن احتمال اقتناء طائرات GlobalEye للإنذار المبكر والسيطرة. وتُعد هذه المنصة في الوقت الراهن المرشح الأبرز لدى القاهرة لإحلالها محل أسطول القوات الجوية المصرية من طائرات غرومان E-2C Hawkeye المتقادمة.

  •  عادت مصر إلى سوق السلاح العالمي بقوة بهدف تطوير قواتها البحرية عبر صفقات غواصات وطائرات بحرية بدون طيار من فرنسا وإسبانيا، وذلك بعد تراجع الإنفاق العسكري الذي أكده تقرير “معهد ستوكهولم” أبريل 2024.

وعلى ما يبدو فإنها عودة لطفرة التسليح الكبيرة التي جرت بين (2014- 2021)، ووضعت القاهرة في المرتبة الثالثة بين الدول الأكثر استيراداً للسلاح في العالم، فيما يُطرح سؤال حول ما إذا كانت كل من أمريكا ودولة الاحتلال ستسمحان بتمرير طلب مصر لشراء غواصات هجومية متطورة.

مصر صاحبة الإطلالات البحرية بأكثر من ألفي كيلومتر على البحرين المتوسط والأحمر، وبمجرى قناة السويس؛ التي تمتلك فرقاطات “FREMM”، وسفن “ميسترال”، و”كورفيتات” فرنسية، و4 غواصات “Type 209” ألمانية.

تتجه لباريس مجدداً لشراء 4 غواصات “باراكودا” بتكلفة بين 4.5 و6 مليارات دولار، في توقيت يشهد فيه إقليم الشرق الأوسط والمدخل الجنوبي للبحر الأحمر ومنطقة القرن الأفريقي صراعاً بحرياً واسعاً يمس في أغلبِه الأمن القومي المصري.

ووفقا لموقع “Army Recognition” المتخصص في أخبار الدفاع والتسليح، تهدف مصر إلى شراء 4 غواصات تقليدية الدفع (ديزل-كهربائية)، “باراكودا”، الهجومية المتقدمة لتدخل وحدتها الأولى الخدمة بين عامي 2032 و2035، ملمحاً إلى طلب القاهرة نقل التكنولوجيا كاملة وتحقيق تصنيع الغواصات محلياً، وإعادة تصديرها.

و “باراكودا” بنسختها الفرنسية “Suffren”، تزن 4650 طناً على السطح و5300 طن تحت الماء، طولها 99.5 متراً وعرضها 8.8 أمتار، وسرعتها تحت الماء 25 عقدة، وتحمل 4 أنابيب طوربيد 533 مم، و24 قطعة سلاح “طوربيد F21″، وصواريخ “Exocet” مضادة للسفن، وصواريخ “MdCN” كروزية برية المدى تصل 1000 كم.

وأكد التقرير الصادر في الـ9 من يناير الجاري، أن مصر وضمن إطار تحديث قواتها البحرية، تحوّل استثماراتها من السفن الحربية السطحية الكبيرة إلى الغواصات والأنظمة البحرية غير المأهولة، رغم تزايد الضغوط المالية، موضحاً حاجتها للحفاظ على الردع والأمن البحري بالبحرين المتوسط والأحمر وقناة السويس.

“فرقاطة F110” الإسبانية

وتفاوض مصر شركة “نافانتيا” الإسبانية لشراء فرقاطة من فئة F110، دون الكشف عن العدد المطلوب، وذلك بعد زيارة الغواصة الإسبانية “إسحاق بيرال” الإسكندرية نوفمبر الماضي، وعرض “أراب إنترناشونال أوبترونيكس” المركبة السطحية غير المأهولة “USV-AIO-001” المزودة بمحطة أسلحة عن بُعد من طراز “Eagle-2″، بمعرض “إيدكس 2025” العسكري بالقاهرة. (التقرير كاملاً على هذا الرابط)

  • بحسب تقارير إعلامية محلية، طلبت مصر مؤخراً من الصين 10 طائرات مسيّرة نفاثة من طراز WJ-700، بقيمة إجمالية تبلغ 400 مليون دولار (نحو 2.8 مليار يوان). هذا المبلغ يكفي لشراء عدة مقاتلات جديدة من الجيل الرابع.

ومع أن مصر تُعد تقليدياً “ساحة مبيعات” للسلاح الأمريكي، فإن توجهها المفاجئ لشراء عتاد صيني لم يثر الدهشة فحسب، بل أثار أيضاً قلق مواقع الدفاع الأمريكية. إذ حذّر موقع Military Watch صراحةً من أن “هذه الصفقة ليست سوى البداية، فمصر تريد في الحقيقة شراء المقاتلة J-10”. بل ذهب الموقع إلى حد القول: “حين تصل الطائرات الصينية إلى مصر، سيكون ذلك إيذاناً بانتهاء الهيمنة العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط”.

  • قال موقع وكالة “تاكتيكال ريبورت”، وهي وكالة معلومات واستخبارات سوقية تتمتع بخبرة تزيد عن 25 عاماً في إعداد التقارير من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إن مصر وفرنسا حولتا مناقشاتهما بشأن شراء أربع غواصات من طراز سكوربين من مرحلة التنسيق الإطاري إلى مرحلة إبرام العقد. 

وفي مذكرة نشرتها “تاكتيكال ريبورت”، تناولت المذكرة الوضع الحالي لإتمام العقد بين الطرفين، وتكوين برنامج العمل المتفق عليه، وإطار التنفيذ الصناعي والتوطين، بالإضافة إلى المسائل الإجرائية العالقة حول العقد.

  •   في إطار تعزيز قدراتها على الدفاع الجوي المتحرك، تعتزم مصر اقتناء رادار Hensoldt TRML-4D من ألمانيا. وأفادت تقارير بأن القوات الجوية المصرية تجري محادثات مع شركة Hensoldt الألمانية بشأن شراء رادار TRML-4D للمراقبة الجوية واكتساب الأهداف. وتعكس هذه الخطوة جهود القاهرة لتعزيز شبكة المستشعرات لديها في مواجهة تهديدات الطائرات المسيّرة، والصواريخ الجوالة، والضربات الجوية واسعة النطاق.

ويُعد TRML-4D مستشعراً عالي السعة ومتوسط المدى، مُصمماً خصيصاً لبيئة الدفاع الجوي الحديثة التي تتسم بكثافة وتنوع التهديدات الجوية.

ويعتمد النظام على رادار AESA محمول يعمل في نطاق C-band، قادر على تتبع أكثر من 1,500 هدف، واكتشاف الأهداف الصغيرة والمنخفضة الارتفاع مثل الطائرات المسيّرة والصواريخ الجوالة حتى مسافة 250 كيلومتراً.

ويتم تثبيت رادار TRML-4D على شاحنات عسكرية ثقيلة 8×8 من عائلة HX، التي تنتجها شركة RMMV (راينميتال مان للمركبات العسكرية) الألمانية.

  •  زعم موقع “تاكتيكال ريبورت” Tactical Report، أن الشراكة المصرية-التركية لإنتاج مقاتلة الجيل الخامس “كآن KAAN” دخلت مرحلة التنفيذ العملي، بعد سنوات من التصريحات السياسية الأولية. وأوضح التقرير أن القاهرة وأنقرة لم تكتفيا بالإعلانات الإعلامية، بل شرعتا فعلياً في تشكيل وحدات عمل مشتركة لتصنيع أجزاء المقاتلة وإجراء اختبارات مكثفة عليها.
  •  قال موقع وكالة “تاكتيكال ريبورت”، وهي وكالة معلومات واستخبارات سوقية تعمل منذ ما يزيد عن 25 عاماً في إعداد التقارير من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إن مصر وفرنسا حولتا مناقشاتهما بشأن شراء أربع غواصات من طراز سكوربين من مرحلة التنسيق الإطاري إلى مرحلة إبرام العقد.  وفي مذكرة نشرتها “تاكتيكال ريبورت”، تناولت المذكرة الوضع الحالي لإتمام العقد بين الطرفين، وتكوين برنامج العمل المتفق عليه، وإطار التنفيذ الصناعي والتوطين، بالإضافة إلى المسائل الإجرائية العالقة حول العقد.

ثامناً: اللقاءات والزيارات

  • التقى الفريق أول عبد المجيد صقر  وزير الدفاع ، بكريستوفر لاندوا نائب وزير الخارجية الأمريكي والوفد المرافق له الذى زار مصر  خلال شهر يناير 2026..

تناول اللقاء مناقشة عدداً من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن والاستقرار في المنطقة.

وأكد صقر على عمق علاقات الشراكة التي تجمع بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية، مشيداً بتنامي آفاق التعاون على نحو يلبى المصالح المشتركة للبلدين في مختلف المجالات العسكرية والتدريبية.

من جانبه، أشاد نائب وزير الخارجية الأمريكي بدور مصر المؤثر والفاعل في محيطها الإقليمي والدولي وجهودها في تحقيق الأمن والاستقرار بمنطقة الشرق الأوسط وقارة أفريقيا .

حضر اللقاء الفريق أحمد فتحي خليفة رئيس أركان حرب القوات المسلحة وعدد من قادة القوات المسلحة والقائم بأعمال السفير الأمريكي بالقاهرة.

  •  بحث ملك الأردن عبد الله الثاني، الأربعاء 04 فبراير 2026 ، مع رئيس أركان الجيش المصري أحمد فتحي خليفة، تعزيز التعاون الدفاعي بين البلدين. جاء ذلك خلال استقبال الملك عبد الله للمسؤول لخليفة، في قصر الحسينية بالعاصمة عمان، وفق بيان للديوان الملكي. وذكر البيان أن الملك عبد الله “استقبل خليفة بحضور ولي عهده الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، وقائد الجيش الأردني اللواء الركن يوسف أحمد الحنيطي”.

وتناول اللقاء “عمق العلاقات الأخوية بين الأردن ومصر، وسبل تعزيز التعاون في المجالات الدفاعية والعسكرية، فضلا عن أبرز المستجدات في الإقليم” وفق ذات البيان. ولم يذكر البيان الأردني موعد وصول خليفة إلى المملكة ومدة زيارته لها. 

  •  التقى الفريق أول عبدالمجيد صقر القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربى بالسيد جي كابومبو مواديامفيتا نائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع الوطني وشئون المحاربين القدامى بجمهورية الكونغو الديمقراطية والوفد المرافق له الذى زار مصر خلال شهر يناير 2026.

تناول اللقاء تعزيز علاقات التعاون العسكري بين القوات المسلحة لكلا البلدين، كذلك أبرز المستجدات على الساحتين الإقليمية والدولية وانعكاساتها على الأمن والاستقرار داخل القارة الأفريقية.

حضر اللقاء الفريق أحمد فتحي خليفة رئيس أركان حرب القوات المسلحة وعدد من قادة القوات المسلحة المصرية والكونغولية والسفير الكونغولي بالقاهرة.

  • قام الفريق أول عبد المجيد صقر القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع  يرافقه الفريق أحمد خليفة رئيس أركان حرب القوات المسلحة وقادة الأفرع الرئيسية وعدد من قادة القوات المسلحة بتقديم التهنئة لتواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية بمناسبة عيد الميلاد وذلك بمقر الكاتدرائية المرقسية بالعباسية .
  •  شهد الفريق أول عبد المجيد صقر القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربى حفل تخرج دورة التمثيل الدبلوماسي العسكري المصري بالخارج , وذلك بحضور الفريق أحمد فتحي خليفة رئيس أركان حرب القوات المسلحة وعدد من الوزراء وقادة الأفرع الرئيسية وعدد من قادة القوات المسلحة والشخصيات العامة وممثلي وزارة الخارجية .

تاسعاً: التصريحات والبيانات والتقارير

  • احتلت مصر المرتبة الأولى بين الدول العربية في قائمة القوة العسكرية لعام 2025 بمعدل 0.3427. وتأتي السعودية في المرتبة الثانية، والجزائر في المرتبة الثالثة. ويحتل العراق المرتبة الرابعة، بينما تحتل الإمارات والمغرب المرتبتين الخامسة والسادسة على التوالي. ويظهر هذا التنوع أن الدول العربية تمتلك مستويات مختلفة من القوة العسكرية.

على المستوى العالمي، تحتل مصر المرتبة 19 من أصل 145 دولة. وتعتبر الولايات المتحدة الأقوى، تليها روسيا والصين، مع وجود بعض الدول الأوروبية الكبرى أيضاً ضمن أفضل عشر دول.

وأصدر موقع “جلوبال فاير باور” (Global Firepower) تقريره السنوي لتصنيف أقوى الجيوش في العالم لعام 2025، استناداً إلى دراسة موسّعة شملت 145 دولة. وقد اعتمد التقرير على أكثر من 60 معياراً متنوعاً، أبرزها حجم القوات والوحدات العسكرية، الإمكانات المالية، القدرات اللوجستية، والموقع الجغرافي، لتحديد ما يُعرف بـ “مؤشر القوة” لكل جيش.

عاشراً: القرارات العسكرية

  •  وافقت لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب التي رأسها الفريق محمد عباس حلمي قائد القوات الجوية الأسبق، خلال اجتماعها شهر  يناير 2026 ، على مشروع قانون بتعديل قانون الخدمة العسكرية والوطنية المقدم من الحكومة.

وتضمنت التعديلات بمشروع القانون، تعديل المادة (7) أولا بندى (جـ – (د) وثانيا بند (هـ) من القانون، المساواة بين العمليات الحربية والإرهابية كمعيار للإعفاء من التجنيد الإلزامي بحالتيه النهائي والمؤقت.

كما اشتملت المادة الأولى أيضا على تعديل المادتين (49)، (52) من القانون تتضمن، تشديد عقوبة الغرامة الواردة بهما في أحوال التخلف عن التجنيد أو التخلف عن الاستدعاء.

وجاءت المادة (49) لتقضي بأن يُعاقب كل متخلف عن التجنيد متى جاوزت سنه الثلاثين عاما بالحبس وغرامة لا تقل عن 20 ألف جنيه ولا تزيد على 100 ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين.

فيما تقضي المادة (52) بأن يُعاقب بالحبس وغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرين ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من يستدعى للخدمة في الاحتياط وتخلف دون عذر مقبول.

الحادي عشر: اقتصاد المؤسسة العسكرية

  • أفاد مسؤولون مصرفيون وحكوميون رفيعو المستوى حسب زعم لموقع “ميدل إيست آي” أن القوات المسلحة المصرية رفضت في ديسمبر الماضي نداءات الحكومة المصرية للمساعدة في تخفيف أزمة الديون، رغم امتلاكها احتياطيات سرية تفوق إجمالي ديون مصر الخارجية، وتسلط هذه المزاعم الضوء على تصاعد المخاوف بشأن الدور الغامض للقوات المسلحة في الاقتصاد المصري، في وقت تواجه فيه مصر أزمة مالية حادة، وتكافح الحكومة للوفاء بالتزاماتها في ظل تقلص احتياطيات العملات الأجنبية وتضاؤل السيولة المحلية.

وكان من المتوقع أن تدفع مصر نحو 750 مليون دولار كأقساط سداد قروض لصندوق النقد الدولي بحلول نهاية ديسمبر2025، لكنها أخفقت في الوفاء بالموعد النهائي. كملاذ أخير، تم الاتفاق “مبدئياً” على خصم القسط من حصة مصر المقبلة من الصندوق مع إضافة الفوائد، وفق ما أفادت به مصادر مصرفية رسمية لموقع ميدل إيست آي.

ومع ذلك، لا تزال بنود الاتفاق غير واضحة، إذ تتكتم كل من الحكومة المصرية وصندوق النقد الدولي على التفاصيل.

وقال مسؤول مصرفي رفيع المستوى، طالباً عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية بحسب زعم الموقع: “سعت الحكومة إلى اقتراض ثلاث تريليونات جنيه مصري (63.7 مليار دولار) بحلول ديسمبر2025، لكن البنوك المحلية رفضت، مستندة إلى محدودية السيولة”. وأضاف: “في غياب أي خيارات أخرى للاقتراض، لجأت الحكومة إلى القوات المسلحة”.

وأشار المسؤول إلى أن رئيس الهيئة المالية والإدارية بالجيش رفض الطلب، حتى بعد عرض المسألة على وزير الدفاع. (التقرير كامل على ذلك الرابط).

  • استمراراً لتوسع جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، التابع للمؤسسة العسكرية، في إدارة ملفات اقتصادية واستثمارية مهمة تخص قطاعات حيوية، بتعليمات مباشرة من  السيسي، أعلن مجلس المحاصيل السكرية في وزارة الزراعة تولي الجهاز -حصراً- عمليات استيراد وتصدير السكر الأبيض عبر البورصة المصرية للسلع. وأعادت مصر فتح باب تصدير السكر مجدداً، بدايةً من شهر يناير الماضي، بعد توقف دام ثلاث سنوات، في خطوة تهدف إلى امتصاص فائض محلي ناهز المليون طن، نتيجة تراجع الطلب المحلي على الحلوى والمشروبات المُحلَّاة بالسكر، مع لجوء المواطنين إلى التقشف في مواجهة ارتفاع الأسعار، والبحث عن بدائل تُمكِّنهم من مواجهة أعباء المعيشة.

وسمحت وزارة الاستثمار المصرية بالتصدير فقط لكميات السكر التي تفوق احتياجات السوق المحلية، وفقاً لتقديرات وزارة التموين، وبعد موافقة وزير التجارة والصناعة، علماً أن أسعار السكر تراجعت بشكل ملحوظ في الأسواق العالمية، مسجلة نحو 405 دولارات للطن، أي ما يعادل 19 ألف جنيه. (الدولار = 47 جنيهاً تقريباً). وانخفض سعر بيع السكر الأبيض في الأسواق المصرية إلى ما بين 27 و30 جنيهاً للكيلوغرام، مع توقعات بارتفاع حجم الإنتاج إلى نحو 3.5 ملايين طن في 2026، فيما تسعى الشركات المنتجة إلى رفع الأسعار تدريجياً في السوق مع اقتراب شهر رمضان، الذي يشهد تضاعُفاً في معدلات الاستهلاك، لا سيما مع انعدام الجدوى الاقتصادية من التصدير بسبب انخفاض السعر العالمي للسلعة.

من جهتها، أصدرت شركة السكر والصناعات التكاملية التابعة لوزارة التموين بياناً، تؤكد فيه عدم توقف شركات السكر عن توريد الكميات المخصصة لشركات التعبئة والموزعين، أو حدوث زيادات كبيرة في أسعار بيعه، مشيرة إلى أن العمل يسير بصورة منتظمة داخل المصانع التابعة للشركة، مع استمرار عمليات الإنتاج والتوريد بلا معوقات.

وأضافت الشركة أن السكر الأبيض متوافر في السوق المحلية بصورة طبيعية ومستقرة، ولم تشهد أسعاره زيادات في الفترة الحالية، إذ يراوح سعر الطن (تسليم أرض المصنع) ما بين 22 ألفاً و23 ألف جنيه، وفقاً لآليات التسعير المعمول بها. وتابعت أنه لا يوجد مبرر لزيادة أسعار السكر في الأسواق، في ظل توافر احتياطي استراتيجي كبير من السلعة على أرض مصر، فضلاً عن بدء موسم توريد محصول القصب، وانتظام عمليات الإنتاج من الموسم الجديد لضمان استدامة الإتاحة.

وأهابت الشركة بوسائل الإعلام ورواد مواقع التواصل الاجتماعي تحري الدقة والموضوعية، والرجوع إلى البيانات الرسمية الصادرة عن الجهات المختصة تجنباً لإثارة البلبلة، أو نشر معلومات غير دقيقة من شأنها التأثير على استقرار الأسواق. وأُسندت إلى جهاز مستقبل مصر مسؤولية استيراد احتياجات البلاد من السلع الاستراتيجية، وتفويضه رسمياً من وزارة التموين بأن يكون المستورد الحصري للحبوب. وامتدت استثمارات الجهاز من استيراد القمح وزيوت الطعام إلى إقامة مشروعات عقارية وغذائية وصناعية عملاقة، منها مشروع ألبان أطفال تقدر كلفته بنحو 500 مليون دولار.

ويشغل منصب مدير الجهاز التنفيذي العقيد طيار في الجيش بهاء الدين محمد الغنام، وهو الشقيق الأكبر لكل من المستشار أحمد الغنام، الذي عُين في أكتوبر الماضي أميناً عاماً لمجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان)، والنائبة مروة محمد الغنام، الفائزة أخيراً بعضوية مجلس النواب عن حزب حماة الوطن، ضمن “القائمة الوطنية من أجل مصر”.

وكان النائب المستقل أحمد فرغلي قد تقدم بطلب إحاطة عاجل إلى وزير التموين شريف فاروق بشأن حصول جهاز مستقبل مصر على عمولة تقدر بـ30 دولاراً عن كل طن مستورد من القمح، إذ يستورد الجهاز الطن بسعر 270 دولاراً لصالح الهيئة العامة للسلع التموينية، مقابل 240 دولاراً للطن في السعر العالمي. وبيّن فرغلي أن مصر تستورد حوالي خمسة ملايين طن من القمح الروسي والأوكراني سنوياً، بفارق سعر يصل إلى 150 مليون دولار يتصل عليها الجهاز، وأشار إلى تكرار الأمر نفسه في استيراد زيوت الطعام، التي يبلغ متوسط سعرها العالمي 1100 دولار للطن، بينما يتم استيرادها لصالح وزارة التموين – من خلال الجهاز – بمبلغ 1250 دولاراً، بفارق سعر 150 دولاراً للطن.

  • عقد مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، اجتماعاً؛ بمقر الحكومة بالعاصمة الجديدة، لمتابعة موقف المشروعات الجاري تنفيذها من خلال الهيئة الهندسية للقوات المسلحة في العديد من القطاعات الخدمية والتنموية، والتي تم توقيع بروتوكولات بشأنها بالتعاون مع عدد من الوزارات والجهات والهيئات الحكومية، وذلك بحضور  رانيا المشاط، وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، واللواء أ.ح. وليد عارف، رئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، واللواء خالد عبد الله، رئيس هيئة الشئون المالية للقوات المسلحة، وعددٍ من المسئولين.

وخلال الاجتماع، تابع رئيس الوزراء الموقف التنفيذي لمختلف بروتوكولات التعاون المُوقعة بين عددٍ من الوزارات والجهات والهيئات الحكومية، لتنفيذ عدد من المشروعات الخدمية والتنموية في العديد من القطاعات الحيوية، منها الصحة، والتعليم، والإسكان، والطرق، والصناعة، والرياضة.

كما تابع الموقف المالي للمشروعات الجاري تنفيذها من جانب الهيئة الهندسية للقوات المسلحة لصالح عددٍ من الجهات الحكومية، وكذا موقف سداد تلك الجهات للمستحقات المختلفة.

الثاني عشر: الفعاليات العسكرية

  •  التقي الفريق أول عبد المجيد صقر القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربي بعدد من قادة وضباط القوات المسلحة بقيادة المنطقة المركزية العسكرية.

جاء ذلك بحضور الفريق أحمد خليفة رئيس أركان حرب القوات المسلحة وقادة الأفرع الرئيسية وعدد من كبار قادة القوات المسلحة  والذي يأتي في إطار المتابعة المستمرة لمنظومة العمل داخل القوات المسلحة ومناقشة أساليب تطوير الأداء بما يمكنها من الوفاء بالمهام والمسئوليات الوطنية لحماية الوطن وصون مقدساته .


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


محمود جمال

باحث متخصص في العلاقات المدنية العسكرية والدراسات الاستراتيجية والأمنية ومدير وحدة الرصد والتوثيق بالمعهد المصري للدراسات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى