أوروبا وأمريكاتقارير

“انقلاب متدرّج”.. لا دبابات في الشوارع: تحذيرات أمريكية من توسع صلاحيات ترامب ضد المعارضة

أطلق وزير العمل الأمريكي الأسبق روبرت رايش تحذيراً سياسياً حاداً من أن الولايات المتحدة قد تكون أمام ما وصفه بـ “انقلاب متدرّج”، لا يحدث في يوم واحد عبر الدبابات أو إعلان عسكري، بل عبر بناء منظومة قانونية وأمنية وإدارية تسمح بتوسيع سلطة الرئيس، واستهداف المعارضة، ومراقبة المنظمات المدنية، والتحكم في ملفات الأمن الداخلي والانتخابات.

وجاء التحذير في رسالة نشرها رايش، نقلاً عن شخصيتين ديمقراطيتين مخضرمتين هما ريتشارد غيبهارت، الزعيم الديمقراطي السابق في مجلس النواب، وتيم ويرث، عضو الكونغرس ومجلس الشيوخ السابق عن ولاية كولورادو.  ويقول فيها الكاتبان إن ما يجري في عهد الرئيس دونالد ترامب لا يشبه الأزمات السياسية السابقة في التاريخ الأمريكي، مثل ووترغيت، أو إيران–كونترا، أو احتجاجات الحقوق المدنية، أو ما بعد 11 سبتمبر، بل يمثل مساراً مختلفاً لأنه يجمع خطوات متفرقة داخل بنية واحدة.

وتقوم الفكرة الأساسية في الرسالة على أن الخطر لا يكمن في قرار واحد، بل في تراكم قرارات تبدو منفصلة: مذكرة رئاسية عن الإرهاب الداخلي، توسع في صلاحيات إنفاذ القانون، تمويل ضخم لمرافق احتجاز الهجرة، تحقيقات ضد خصوم سياسيين سابقين، طلبات للحصول على بيانات الناخبين، وخطاب رسمي يصوّر المعارضة السياسية بوصفها تهديداً داخلياً.

مذكرة الأمن القومي: بداية القلق

تركز الرسالة على مذكرة رئاسية وقّعها ترامب في 25 أيلول/سبتمبر 2025، حملت عنوان “مكافحة الإرهاب الداخلي والعنف السياسي المنظم”. وتصف المذكرة، وفق نصها الرسمي، تهديدات مرتبطة بالعنف السياسي المنظم، وتكلف وزارات وهيئات مثل العدل، والخزانة، والأمن الداخلي، والخارجية، بمتابعة التمويل والشبكات الداعمة لهذه الأنشطة.

لكن منتقدي المذكرة، ومن بينهم منظمات حقوقية مثل الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية، يرون أنها تستخدم لغة فضفاضة يمكن أن تفتح الباب أمام استهداف منظمات مجتمع مدني ونشطاء سياسيين تحت غطاء “مكافحة الإرهاب الداخلي”. ويؤكد هؤلاء أن القانون الأمريكي لا يجيز معاملة الخطاب السياسي المحمي دستورياً كإرهاب لمجرد أنه مناهض للرأسمالية أو ينتقد الحكومة أو يتعارض مع رؤى محافظة حول الدين والأسرة والقيم.

وتشير تقارير صحفية إلى أن المذكرة جاءت في سياق حملة أوسع من إدارة ترامب ضد ما تصفه بـ “العنف السياسي المنظم”، مع تركيز واضح على جماعات يسارية أو مناهضة للفاشية، في حين اتهم منتقدون الإدارة بتجاهل مخاطر العنف اليميني المتطرف أو التقليل من شأنها.

من مكافحة العنف إلى مراقبة المعارضة

يرى غيبهارت وويرث أن الخطر يكمن في الانتقال من ملاحقة العنف الفعلي إلى مراقبة وتمويل وملاحقة منظمات أو أفراد بسبب مواقف سياسية. فحين يُستخدم خطاب “الأمن القومي” لتصنيف معارضين أو منظمات مدنية كجزء من شبكة تهديد داخلي، يصبح المجال مفتوحاً أمام تحقيقات ضريبية، وملاحقات مالية، وقوائم مراقبة، واستدعاءات قضائية.

وفي هذا السياق، برزت مخاوف من تكليف أجهزة مثل مكتب التحقيقات الفيدرالي، ووزارة الخزانة، ومصلحة الضرائب، بتتبع مصادر تمويل منظمات يُشتبه في أنها “تسهّل” الاضطرابات السياسية، حتى بشكل غير مباشر. ويرى منتقدون أن هذا النوع من اللغة قد يضع المانحين والجمعيات والجامعات والنشطاء تحت ضغط قانوني، حتى عندما تكون أنشطتهم سلمية ومحمية بالتعديل الأول من الدستور الأمريكي.

وهنا يصبح السؤال الأساسي: هل يجري استهداف العنف، أم يجري توسيع تعريف العنف ليشمل المعارضة السياسية؟

الخطاب السياسي بوصفه تهديداً داخلياً

تستشهد الرسالة بخطاب مسؤولين في إدارة ترامب لوصف المعارضة بأنها “طابور خامس” أو تهديد داخلي. وترى أن مثل هذه اللغة ليست مجرد مبالغة خطابية، بل قد تصبح تمهيداً سياسياً لتبرير استخدام أدوات الدولة ضد الخصوم.

ففي الأنظمة الديمقراطية، تُعد المعارضة جزءاً من النظام السياسي. أما في منطق “الانقلاب المتدرج”، كما يصفه الكاتبان، فيجري تحويل المعارضة إلى خطر أمني، ثم تحويل الخطر الأمني إلى ملف قانوني، ثم تحويل الملف القانوني إلى أداة ردع وترهيب.

وهذا هو جوهر التحذير: ليس أن الدستور أُلغي رسمياً، بل أن أدوات دستورية وإدارية قد تُستخدم بطريقة تغيّر طبيعة النظام من الداخل.

توسيع الاحتجاز والهجرة: من الحدود إلى الداخل

واحدة من أكثر النقاط إثارة في الرسالة تتعلق بتمويل ضخم لمرافق احتجاز الهجرة، وتوسيع قدرات وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك ICE  وحرس الحدود. ويخشى منتقدو الإدارة أن تتحول هذه البنية، إذا توسعت خارج غايات الهجرة التقليدية، إلى جهاز أمني داخلي واسع يمكن استخدامه في حالات الطوارئ أو ضد فئات سياسية واجتماعية محددة.

وتجادل الرسالة بأن حجم التمويل والقدرات المقترحة يتجاوز ما تحتاجه عمليات معالجة الهجرة العادية، ما يثير مخاوف من إمكانية استخدامها في إطار أوسع إذا أُعلنت أزمة وطنية أو حالة طوارئ. غير أن هذه النقطة تبقى من أكثر أجزاء التحذير التي تحتاج إلى تحقق دقيق، لأن الانتقال من بناء مرافق احتجاز مهاجرين إلى القول إنها “سجون سياسية” يحتاج إلى أدلة قانونية وميدانية مباشرة.

ومع ذلك، فإن القلق الأساسي مشروع سياسياً: عندما تتوسع أجهزة الاحتجاز والإنفاذ بسرعة، ويواكب ذلك خطاب يربط المعارضة بالخطر الداخلي، يصبح احتمال إساءة الاستخدام موضوعاً يستحق الرقابة البرلمانية والقضائية.

الجيش والقوة داخل الأراضي الأمريكية

تحذر الرسالة أيضاً من تآكل الحدود التقليدية بين الأمن الداخلي والعمل العسكري. وتشير إلى أن استخدام القوة خارج القضاء، أو توسيع تصنيف “الإرهاب” ليشمل فئات جديدة، قد يفتح الباب أمام منطق خطير: إذا صُنّف شخص أو مجموعة كتهديد إرهابي، فهل يمكن استخدام القوة ضدهم داخل الولايات المتحدة؟

هذا السؤال حساس للغاية في النظام الأمريكي، لأن استخدام الجيش داخلياً محكوم بقيود تاريخية وقانونية صارمة. لذلك، فإن أي حديث عن تفويض مسبق لاستخدام القوة، أو عن تهميش مسؤولي الرقابة القانونية داخل وزارة الدفاع، يثير قلقاً كبيراً لدى المدافعين عن الحريات المدنية.

والخطورة هنا لا تتعلق فقط بما حدث، بل بما يمكن أن يحدث إذا اجتمعت هذه الأدوات مع إعلان حالة طوارئ وطنية.

الانتخابات وبيانات الناخبين

جزء آخر من التحذير يتعلق بطلبات وزارة العدل للحصول على بيانات سجلات الناخبين من ولايات متعددة، وملاحقة ولايات رفضت التعاون، وفتح تحقيقات مرتبطة بنتائج انتخابات سابقة في ولايات خسرها ترامب بفارق محدود.

ويرى المنتقدون أن السيطرة على بيانات الناخبين أو الضغط على مسؤولي الانتخابات قد تصبح جزءاً من استراتيجية أوسع للتشكيك في النتائج أو التأثير في إدارة الانتخابات المقبلة. فالديمقراطية لا تُضرب فقط بمنع التصويت، بل أيضاً عبر السيطرة على البنية الإدارية التي تحدد من يصوت، وكيف تُراجع القوائم، ومن يملك حق الاعتراض.

وهذه النقطة تذكّر بالمعركة الأكبر التي شهدتها الولايات المتحدة بعد انتخابات 2020، حين حاول ترامب وحلفاؤه التشكيك في النتائج والضغط على مسؤولين محليين في ولايات حاسمة.

لماذا لا يرى الأمريكيون الصورة كاملة؟

يرى غيبهارت وويرث أن معظم الأمريكيين لا يرون الخطر لأنه يأتي على شكل خطوات منفصلة. كل خطوة تُقدَّم بلغة قانونية مألوفة: مكافحة الإرهاب، حماية الأمن القومي، ضبط الهجرة، حماية الانتخابات، منع العنف السياسي. لكن عند جمع هذه الخطوات معاً، تظهر بنية أوسع: دولة أمنية قادرة على مراقبة الخصوم، وملاحقة المنظمات، وتوسيع الاحتجاز، والتأثير في الانتخابات، واستخدام الطوارئ لتجاوز الكونغرس.

والتحذير الأساسي في الرسالة أن أول مهمة لأي انقلاب بطيء هي جعل تسميته “انقلاباً” تبدو مبكرة أو مبالغاً فيها. فإذا انتظر الناس إلى أن يصبح الخطر واضحاً للجميع، قد تكون أدوات المقاومة قد ضعفت بالفعل.

ما المطلوب لوقف المسار؟

تقترح الرسالة عدة مسارات لمواجهة ما تصفه بـ “الانقلاب المتدرج”:

أولاً، يجب على الكونغرس استعادة سلطته الدستورية في مراقبة صلاحيات الطوارئ، واستخدام القوة داخل البلاد، ودور مكتب المستشار القانوني في تفسير القوانين بطريقة توسع سلطة الرئيس.

ثانياً، على حكام الولايات والمدعين العامين فيها اتخاذ إجراءات لحماية المواطنين، والمنظمات غير الربحية، والعاملين في الانتخابات من أي استخدام موسع لمذكرة الأمن القومي ضد النشاط السياسي السلمي.

ثالثاً، على وسائل الإعلام ألا تكتفي بتغطية كل خطوة كخبر منفصل، بل أن تعرض الصورة الكاملة: كيف تتراكم القرارات الأمنية والقانونية والإدارية لتشكيل بنية سلطة جديدة.

رابعاً، يدعو الكاتبان المواطنين إلى تسمية الخطر بوضوح في النقاش العام: في الجامعات، والنقابات، ودور العبادة، ووسائل الإعلام، والعمل، والمحادثات اليومية.

تحليل المعهد المصري: بين التحذير المشروع والمبالغة السياسية

من المهم قراءة هذا النص بوصفه تحذيراً سياسياً من شخصيات معارضة لترامب، لا بوصفه تقريراً قضائياً محايداً يثبت كل الادعاءات الواردة فيه. فبعض النقاط مدعومة بوقائع منشورة، مثل توقيع مذكرة الأمن القومي الخاصة بمكافحة الإرهاب الداخلي، وانتقادات منظمات الحقوق المدنية لها، والتقارير الصحفية التي ربطت المذكرة بحملة ضد جماعات يسارية ومنظمات تمويل.

لكن بعض العبارات الأكثر حدة، مثل الحديث عن “سجون سياسية” أو “جيش خاص” أو خطة وشيكة لاعتقال المعارضين، تحتاج إلى أدلة إضافية قبل عرضها كحقيقة مثبتة. لذلك، تكمن قوة النص في كونه قراءة تحذيرية لمسار محتمل، لا حكماً نهائياً بأن الانقلاب اكتمل.

ومع ذلك، فإن جوهر التحذير يستحق النقاش: الديمقراطيات لا تنهار دائماً بانقلاب عسكري مباشر. أحياناً تتآكل عبر خطوات قانونية متتابعة، وتوسيع تدريجي للسلطة التنفيذية، وتحويل الخصوم السياسيين إلى أعداء داخليين، وإضعاف استقلال القضاء والإعلام والانتخابات.

خلاصة

يحذر  روبرت رايش، نقلاً عن ريتشارد غيبهارت وتيم ويرث، من أن الولايات المتحدة قد تكون أمام مسار “انقلاب متدرج”، تتراكم فيه أدوات الأمن القومي والهجرة والعدالة والانتخابات داخل يد السلطة التنفيذية. ويستند هذا التحذير إلى مخاوف من أن مذكرة ترامب حول الإرهاب الداخلي قد تُستخدم لتوسيع الرقابة والملاحقة ضد منظمات ونشطاء ومعارضين سياسيين.

قد يكون بعض ما ورد في الرسالة تحذيرياً أكثر من كونه مثبتاً، لكن الخطر الذي تشير إليه حقيقي في مبدأه: عندما يصبح النشاط السياسي السلمي قابلاً للتأطير كتهديد أمني، وعندما تتوسع أدوات الاحتجاز والمراقبة والتحقيق، وعندما تُضعف الرقابة على استخدام القوة، فإن الديمقراطية تدخل منطقة خطرة.

المعركة هنا ليست فقط بين ترامب وخصومه، بل بين تصورين للدولة: دولة ترى المعارضة جزءاً من النظام، ودولة ترى المعارضة خطراً ينبغي ضبطه. وبين هذين التصورين، يتحدد مستقبل الديمقراطية الأمريكية.

صوفيا خوجاباشي

صحفية وباحثة في العلاقات الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى