من بوغوتا إلى الفاشر.. شبكة مرتزقة كولومبيين برعاية إماراتية تكشف الوجه الدولي لحرب السودان

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
لم يعد وجود المرتزقة الكولومبيين في السودان مجرد رواية تتناقلها أطراف الحرب. تحقيق نشرته فايننشال تايمز في 15 أغسطس/آب 2026، مدعومًا بشهادات مقاتلين وسجلات سفر وبيانات تتبع للأجهزة وصور ومقاطع مصورة، يرسم للمرة الأولى صورة متكاملة تقريبًا لمسار نقل مقاتلين سابقين في الجيش الكولومبي من أميركا اللاتينية إلى دارفور، مرورًا بمحطات في الإمارات وليبيا والصومال وتشاد، قبل أن ينتهي بعضهم إلى القتال إلى جانب قوات الدعم السريع في معركة الفاشر.
وتتقاطع نتائج التحقيق مع أدلة كانت قد نشرتها هيومن رايتس ووتش في مايو/أيار، ومع نتائج توصل إليها فريق خبراء تابع للأمم المتحدة في يوليو/تموز، فيما فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على شبكة كولومبية قالت إنها تتولى تجنيد ونقل عسكريين سابقين للقتال في صفوف الدعم السريع. أما الإمارات، التي تظهر منشآت وشركات مقرها على امتداد مسار التجنيد، فتنفي بصورة قاطعة تمويل قوات الدعم السريع أو نقل المرتزقة إليها، وتقول إن تحقيقاتها في الشركة الأمنية الواردة في التقارير لم تجد ما يثبت ضلوعها في نشاط من هذا النوع.
القصة بدأت في كولومبيا، حيث يوجد خزان كبير من العسكريين السابقين الذين خرجوا من جيش خاض لعقود حربًا ضد حركات التمرد والجماعات المسلحة. خبرتهم في القتال البري وحرب المدن والقنص وتشغيل الأسلحة جعلتهم مطلوبين في سوق الأمن الخاص، من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا وأفريقيا.
وبحسب التحقيق، بدأ التجنيد للسودان بصورة منظمة في منتصف 2024. كان التواصل يجري في كثير من الحالات عبر أصدقاء وزملاء عسكريين سابقين ورسائل على «واتساب»، قبل انتقال المجندين عبر شركات توظيف ووسطاء إلى شبكة أمنية أكثر اتساعًا. وقال سبعة مقاتلين كولومبيين لـ«فايننشال تايمز» إن الجهة التي تولت تشغيلهم كانت Global Security Services Group – GSSG، وهي شركة أمنية مقرها الإمارات.
وتذهب أحدث تقديرات فريق خبراء الأمم المتحدة إلى أن عدد الكولومبيين الذين عملوا في السودان قد تراوح بين 1500 وألفي مقاتل، وهو نطاق قريب من الرقم الذي توصل إليه تحقيق الصحيفة. كما خلص فريق الخبراء إلى أن هؤلاء المقاتلين استخدموا الطائرات المسيّرة وشاركوا في التخطيط والعمليات العسكرية المرتبطة بحصار الفاشر والسيطرة عليها.
ثلاث كتائب وطريق يمتد عبر أفريقيا
تكشف شهادات المقاتلين أن العملية لم تكن مجرد إرسال أفراد متفرقين إلى السودان.
فالكولومبيون نُظموا، بحسب الشهادات، في كتائب وسرايا ذات هيكل قيادة ورواتب محددة. وقال أحد المقاتلين إن الكتيبة الثانية وحدها ضمت نحو 400 عنصر، بينما كانت الكتائب الأخرى قريبة منها في الحجم. وكان المقاتل العادي يحصل على نحو 2600 دولار شهريًا، وترتفع الرواتب إلى 2800 دولار للمشرفين ونحو 3500 دولار للضباط.
وصلت الكتيبة الأولى إلى السودان في أكتوبر/تشرين الأول 2024 عبر شرق ليبيا، وكان دورها الأول تأمين خطوط الإمداد باتجاه دارفور. وانتقلت مجموعة أخرى عبر بوصاصو في إقليم بونتلاند الصومالي، حيث توجد قاعدة ممولة إماراتيًا، قبل أن تُنقل جوًا إلى نيالا في جنوب دارفور. أما الكتيبة الثالثة فوجدت نفسها في الخطوط الأمامية للهجوم على الفاشر.
وتظهر هنا شبكة لوجستية تتجاوز السودان نفسه. روايات المقاتلين وسجلات السفر وتحليل حركة الأجهزة تشير إلى استخدام محطات في الكفرة شرقي ليبيا، وبوصاصو في الصومال، وتشاد، والإمارات لنقل الأفراد أو تدريبهم أو علاج المصابين وإعادتهم إلى ساحة الحرب.
وفي بوصاصو، وصف أحد الكولومبيين المكان بأنه مركز لتدريب المقاتلين الذين يرسلون إلى السودان ومناطق صراع أخرى في أفريقيا، وقال إنه شاهد خلال وجوده هناك مقاتلين من دول عدة في أميركا اللاتينية وأفريقيا. كما قال خمسة ممن تحدثت إليهم الصحيفة إن المدينة كانت مركزًا مهمًا للعلاج والخدمات اللوجستية.
تحليل بيانات الأجهزة الذي أجرته Conflict Insights Group أضاف طبقة أخرى من الأدلة. فقد ظهرت عشرات الأجهزة المضبوطة على اللغة الإسبانية داخل قاعدة القوة البحرية في بوصاصو، ثم ظهرت بعض الأجهزة نفسها لاحقًا في مطار نيالا وداخل دارفور. كما ارتبط بعضها بشبكات لاسلكية حملت أسماء مثل «DRONES» و«AirDefense» و«attacker».
التدريب داخل الإمارات
أكثر ما يثير الجدل في التحقيق هو مرحلة التدريب.
قال مقاتلون إن نحو 300 متخصص تلقوا خلال 2025 تدريبًا على تشغيل المسيّرات والأسلحة المضادة للطائرات قبل إرسالهم إلى السودان، وإن بعض التدريب جرى داخل الإمارات. وتحدث بعضهم عن قاعدة غياثي في أبوظبي وعن منشأة أخرى في الوثبة.
هذه النقطة لا تستند إلى الشهادات وحدها. فقد نشرت هيومن رايتس ووتش في مايو تقريرًا مستقلًا حدد، من خلال الصور والفيديوهات وتحديد المواقع، وجود متعاقدين كولومبيين في قاعدة غياثي ومنشأة تبدو عسكرية في الوثبة قبل انتقالهم إلى السودان. وقال أحد المتعاقدين للمنظمة إنه دخل الإمارات من دون ختم جواز سفره ونُقل مباشرة إلى غياثي، حيث أمضى نحو عشرين يومًا وتلقى تدريبًا على أيدي أشخاص قال إنهم إماراتيون.
وتوصلت المنظمة أيضًا إلى أن GSSG عملت مع شركة توظيف كولومبية في استقدام المتعاقدين، وأن المقاتلين تحركوا لاحقًا عبر شبكة عبور شملت ليبيا وبوصاصو ونجامينا.
لكن هذه الأدلة لا تعادل إثبات صدور قرار رسمي من الحكومة الإماراتية بإرسال المرتزقة إلى السودان. وهذه نقطة تفصل فيها التقارير بين ما تمكنت من توثيقه وبين الاستنتاج السياسي الأوسع.
الإمارات تقول إن سلطاتها حققت في المزاعم المتعلقة بـGSSG وخلصت إلى أن الشركة لا تشارك في نشاط مرتزقة في السودان ولا ترتبط بالأفراد الذين وصفتهم التقارير بالمرتزقة، وأنها تعمل وفق القانون الإماراتي والدولي. كما تنفي أبوظبي تقديم أسلحة أو دعم عسكري لأي طرف في الحرب السودانية أو تسهيل انتقال مقاتلين أجانب إلى دارفور.
واشنطن تثبت شبكة التجنيد.. من دون تسمية الإمارات
في ديسمبر/كانون الأول 2025 دخل الملف مرحلة مختلفة عندما فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على شبكة عابرة للحدود لتجنيد الكولومبيين.
وحددت واشنطن الضابط الكولومبي المتقاعد ألفارو أندريس كيخانو بيسيرا بوصفه شخصية مركزية في تجنيد ونشر العسكريين السابقين في السودان. ولفتت إلى أن كيخانو مقيم في الإمارات، وأن الشبكة جندت مشغلي مسيّرات وقناصة ومترجمين ومقاتلين للعمل مع قوات الدعم السريع.
وقالت الخزانة الأمريكية إن مئات العسكريين الكولومبيين السابقين وصلوا إلى السودان منذ سبتمبر/أيلول 2024، وشاركوا في عمليات في الخرطوم وأم درمان وكردفان والفاشر، وإن بعضهم شارك كذلك في تدريب جنود، بينهم أطفال، لصالح الدعم السريع.
لكن بيان العقوبات لم يتهم الحكومة الإماراتية أو GSSG بالوقوف وراء الشبكة.
وهذا الفارق مهم؛ فهناك اليوم أدلة أمريكية رسمية على وجود شبكة تجنيد كولومبية منظمة تعمل لصالح الدعم السريع، وأدلة من هيومن رايتس ووتش والأمم المتحدة و«فايننشال تايمز» تربط أجزاء من مسار المقاتلين بشركة مقرها الإمارات وبمنشآت داخلها، لكن مسؤولية الدولة الإماراتية نفسها تبقى موضع اتهام ونفي وليست حقيقة قضائية محسومة.
وفي يوليو/تموز الماضي، أضاف تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة ثقلاً جديدًا للملف، عندما اعتبر تقديرات وجود ما بين 1500 وألفي مرتزق كولومبي «ذات مصداقية»، وأشار إلى أن GSSG هي الشركة التي استأجرتهم، وأنهم شاركوا في تشغيل المسيّرات والتخطيط خلال حصار الفاشر.
الفاشر.. نقطة التحول
لم يكن وجود المقاتلين الأجانب ليثير القدر نفسه من الاهتمام لو لم يتقاطع مع سقوط الفاشر.
بعد حصار دام نحو 18 شهرًا، سيطرت قوات الدعم السريع على المدينة في أكتوبر/تشرين الأول 2025. وأعقب ذلك قتل واسع للمدنيين وانتهاكات تضمنت الإعدام والاغتصاب والخطف، فيما قالت جهات أممية إن ما وقع يحمل مؤشرات أو سمات إبادة جماعية. وتربط تحقيقات حقوقية مقاتلين كولومبيين بالعمليات العسكرية حول المدينة، من دون إثبات أن جميعهم شاركوا شخصيًا في الجرائم ضد المدنيين.
«فايننشال تايمز» تحدثت مع مقاتلين شارك رفاق لهم في اقتحام المدينة. وقدّم اثنان مقاطع مصورة لمقاتلين كولومبيين يطلقون النار خلال العمليات، بينما قال أحدهم إن الكتيبة الثالثة حصلت على مكافآت مالية بعد سقوط الفاشر.
أما بعض الكولومبيين الذين تحدثت إليهم الصحيفة فنفوا مشاركتهم الشخصية في قتل المدنيين. أحدهم قال إنه وصل إلى الفاشر بعد انتهاء المعارك، لكنه وصف مدينة تنتشر فيها الجثث والذباب وأكوام الموتى، بينها نساء وأطفال.
في المقابل، قالت هيومن رايتس ووتش إنها وثقت وجود متعاقدين يتحدثون الإسبانية في الفاشر، وربطت بعضهم بالقتال إلى جانب الدعم السريع. كما ظهرت أجهزة تتبع مرتبطة بكولومبيين في المدينة خلال الأيام التي كانت فيها الانتهاكات تقع.
سوق عالمية للمحاربين السابقين
القصة تتجاوز في النهاية الإمارات والسودان.
ما تكشفه الشبكة الكولومبية هو اتساع سوق عابرة للقارات للقوة العسكرية الخاصة. يستطيع ضابط متقاعد في كولومبيا أن يتلقى عرضًا عبر هاتفه، ينتقل إلى الشرق الأوسط أو أفريقيا، يتدرب على طائرة مسيّرة، ثم يجد نفسه بعد أشهر في حصار مدينة على بعد أكثر من عشرة آلاف كيلومتر من بلاده.
وهذه السوق تستفيد من فجوة واضحة: جيوش مثل الجيش الكولومبي تنتج سنويًا أعدادًا من العسكريين ذوي التدريب الجيد، لكن رواتبهم وفرصهم بعد التقاعد محدودة، بينما تستطيع شركات أمنية أو أطراف في حروب بعيدة أن تعرض عليهم أضعاف ما يمكنهم الحصول عليه في وطنهم.
أحد المقاتلين لخّص الدافع ببساطة: المال. وآخر قال إن الجنود المتقاعدين في كولومبيا لا تتوافر أمامهم فرص كثيرة، ولذلك تنتقل خبراتهم إلى أوكرانيا أو عصابات المخدرات أو الحروب الأفريقية.
لكن الأخطر أن الكولومبيين لم يكونوا مجرد مشاة إضافيين. خبرتهم جعلتهم مناسبين تحديدًا للمهام التي باتت تحدد الحروب المعاصرة: تشغيل المسيّرات، الدفاع الجوي، القنص، التدريب، الاستطلاع والتخطيط.
ولهذا وصف تقرير للمبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة إدخال مقاتلين ذوي مهارات مرتفعة إلى السودان بأنه تطور يغذي سباق تسلح إقليميًا، في حرب أصبحت تستخدم فيها المسيّرات ومنظومات الدفاع الجوي والأسلحة القادمة من عدة دول.
السودان، بهذه الصورة، لم يعد حربًا داخلية بين جيش وقوة شبه عسكرية. أصبح سوقًا دولية للسلاح والمقاتلين والطرق الجوية السرية: طائرات تتحرك وأجهزة تعقبها تختفي، مرتزقة يعبرون عدة دول، قواعد تستخدم للتدريب والعلاج، ومصالح إقليمية تتقاطع فوق بلد يقترب من التفكك.
وتكشف قضية الكولومبيين تحديدًا مدى تطور هذه الشبكات. فبدل إرسال قوة أجنبية رسمية وما يحمله ذلك من كلفة سياسية، يمكن استخدام شركات توظيف وأمن خاصة، ووسطاء، ومطارات بعيدة، ورحلات لا تظهر دائمًا على أنظمة التتبع، وصولًا إلى ساحة القتال.
والنتيجة أن المسافة بين بوغوتا والفاشر أصبحت أقصر مما توحي به الخريطة. لم تربط المدينتين سياسة خارجية أو تحالف عسكري، بل سوق جديدة للحرب تستطيع نقل الخبرة العسكرية من قارة إلى أخرى، وتحويل جنود تقاعدوا من حرب قديمة إلى قوة قتالية في حرب لا يعرف كثير منهم، بحسب شهاداتهم، سوى القليل عن أسبابها.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.



