نفق «كاجاران» يعزز محور إيران–أرمينيا في قلب صراع الممرات بجنوب القوقاز

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اختصار الطريق الإيراني إلى الشمال
تكمن القيمة العملية للمشروع في تجاوزه أحد أصعب المقاطع الجبلية على الطريق بين إيران وأرمينيا. فالمسار الحالي يمر عبر منطقة مرتفعة تتأثر بشدة بالثلوج والظروف الجوية خلال الشتاء، وهو ما يرفع تكاليف النقل ويحد من انتظام حركة الشاحنات.
وبعد اكتماله، يُتوقع أن يختصر النفق المسافة بنحو 14 كيلومترًا، ويرفع متوسط سرعة المركبات من قرابة 50 إلى 80 كيلومترًا في الساعة، ويخفض زمن الرحلة بما يقارب أربعين دقيقة، فضلًا عن تجاوز الممر الجبلي الذي يصل ارتفاعه إلى نحو 2535 مترًا.
هذه التحسينات تبدو محدودة إذا قورنت بحجم شبكات النقل الإقليمية، إلا أن أهميتها بالنسبة إلى إيران ترتبط بموقعها تحديدًا. فحدود طهران مع أرمينيا ليست طويلة، لكنها تشكل منفذها البري المباشر إلى جنوب القوقاز من دون المرور بالأراضي التركية أو الأذربيجانية.
ومن معبر أغاراك تستطيع البضائع الإيرانية دخول أرمينيا ثم التوجه شمالًا نحو جورجيا وموانئ البحر الأسود، ومنها إلى أسواق أخرى. غير أن ضعف البنية التحتية الجبلية ظل عاملًا يحد من قدرة هذا المسار على منافسة ممرات النقل الأخرى في المنطقة.
ولهذا لا ينشئ «كاجاران» ممرًا جديدًا بقدر ما يرفع الكفاءة الاستراتيجية لممر قائم، ويمنح إيران طريقًا أكثر استقرارًا نحو الشمال في وقت تتزايد فيه أهمية خطوط العبور البديلة في حسابات طهران.
سيونيك في قلب المنافسة الإقليمية
تزداد أهمية النفق لأنه يقع في سيونيك، المنطقة نفسها التي تتمحور حولها المنافسة على الممر البري بين أذربيجان وناخيتشيفان.
فمنذ حرب ناغورنو كاراباخ، دفعت باكو، بدعم تركي، باتجاه إنشاء اتصال بري يربط الأراضي الأذربيجانية الرئيسية بإقليم ناخيتشيفان عبر جنوب أرمينيا، وهو المشروع الذي عُرف سياسيًا باسم «ممر زنغزور».
إيران تعاملت مع هذا الملف باعتباره مسألة أمن قومي، وأعلنت مرارًا رفضها أي ترتيبات تؤدي إلى تغيير الحدود الدولية أو المساس بالسيادة الأرمينية على سيونيك. السبب يتجاوز دعم يريفان؛ إذ تخشى طهران أن يؤدي أي تغيير في وضع المنطقة إلى إضعاف أو تهديد حدودها البرية المباشرة مع أرمينيا، وهي الحدود التي تمثل بالنسبة إليها منفذًا مستقلًا إلى القوقاز.
غير أن معادلة الممر تغيرت بعد الاتفاقات التي بدأت تتبلور منذ 2025. فالمسار الرابط بين أذربيجان وناخيتشيفان أصبح جزءًا من مشروع أمريكي–أرميني أوسع تحت اسم– TRIPP Trump Route for International Peace and Prosperity ، الذي يهدف إلى فتح اتصال بري عبر نحو 43 كيلومترًا من الأراضي الأرمينية.
وفي مايو/أيار 2026 توصلت واشنطن ويريفان إلى إطار أكثر تفصيلًا للمشروع، يتضمن إنشاء شركة مشتركة لتطوير البنية التحتية وتشغيلها، مع بقاء الأراضي والحدود والجمارك تحت السيادة الأرمينية.
هذا التطور نقل ملف الممر من منافسة تركية–إيرانية مباشرة إلى معادلة أوسع باتت الولايات المتحدة طرفًا فيها إلى جانب أرمينيا وأذربيجان وتركيا وإيران.
«كاجاران» لا يلغي ممر زنغزور
لهذا تبدو بعض القراءات التي قدمت نفق كاجاران باعتباره «إجهاضًا لممر زنغزور» أو «ضربة قاضية لتركيا» أبعد من الواقع.
المشروعان لا يتعارضان هندسيًا بالضرورة. فـTRIPP يهدف أساسًا إلى تعزيز محور يمتد من أذربيجان غربًا نحو ناخيتشيفان وتركيا شرقًا، بينما يخدم طريق «شمال–جنوب» الذي يقع عليه نفق كاجاران محورًا مختلفًا يبدأ من إيران ويتجه عبر أرمينيا شمالًا نحو جورجيا والبحر الأسود.
كما أن الترتيبات الخاصة بالمشروع الأمريكي–الأرميني لا تلغي سيادة أرمينيا على أراضيها، ولا تمنعها من تطوير طرق وممرات أخرى في سيونيك.
الأثر الحقيقي لنفق كاجاران يكمن في أنه يمنع اختزال جنوب أرمينيا في وظيفة عبور واحدة من الشرق إلى الغرب. فكلما ازدادت كفاءة الطريق الإيراني–الأرميني، احتفظت سيونيك بوظيفة موازية كممر جنوب–شمال يصل إيران بالقوقاز والبحر الأسود.
وبذلك تتشكل في المنطقة شبكتان متقاطعتان: محور شرق–غرب يربط أذربيجان بناخيتشيفان وتركيا، ومحور جنوب–شمال يربط إيران بأرمينيا وجورجيا.
الصراع هنا ليس بالضرورة على إلغاء أحد الطريقين، وإنما على الحصة التي سيحصل عليها كل منهما من حركة التجارة والنقل، والقوة السياسية التي ستنشأ عن ذلك.
استثمار إيراني في بقاء الحدود
من منظور طهران، يمكن قراءة المشروع بوصفه وسيلة عملية لحماية موقعها من دون الدخول في مواجهة مباشرة حول TRIPP.
إيران لا تحتاج إلى وقف الطريق الأذربيجاني حتى تحافظ على نفوذها؛ يكفي أن تجعل الممر الإيراني–الأرميني أكثر أهمية اقتصاديًا بالنسبة إلى يريفان.
فكلما ازدادت حركة التجارة عبر معبر أغاراك وتحسنت البنية التحتية الممتدة من الحدود الإيرانية شمالًا، ازدادت القيمة الاقتصادية للحدود المشتركة بين البلدين، وأصبح الحفاظ على استمراريتها مصلحة أرمينية أيضًا، وليس مطلبًا إيرانيًا منفردًا.
وتخدم هذه المعادلة يريفان بدورها. فأرمينيا، المحاطة بتركيا وأذربيجان غربًا وشرقًا من جانب وإيران وجورجيا جنوبًا وشمالًا من جانب آخر، تسعى إلى تفادي التحول إلى ممر تابع لطرف واحد. ومن مصلحتها أن تعمل مسارات النقل عبر أراضيها في عدة اتجاهات في الوقت نفسه، بحيث تستفيد من الاتصال بأذربيجان وتركيا من جهة، وتحافظ على محور إيران–جورجيا من جهة أخرى.
وبهذا المعنى، يصبح «كاجاران» جزءًا من محاولة أرمينية أوسع لتحويل البلاد إلى عقدة عبور، لا مجرد نقطة على طريق واحد.
ليس طريقًا للإفلات من العقوبات
ربط المشروع تلقائيًا برغبة إيران في الالتفاف على العقوبات الغربية يحتاج أيضًا إلى قدر من الحذر.
تحسين الطريق إلى أرمينيا وجورجيا يمنح طهران مرونة أكبر في حركة البضائع ويقلل اعتمادها على بعض نقاط الاختناق الجغرافية، لكنه لا يلغي القيود المالية والتجارية المفروضة على الشركات الإيرانية.
فالمصارف وشركات التأمين والنقل في الدول التي يمر عبرها الطريق تبقى مطالبة بمراعاة أنظمة العقوبات التي تنطبق عليها، كما أن الوصول إلى البحر الأسود لا يعني بحد ذاته القدرة على إدخال الصادرات الإيرانية إلى الأسواق الغربية من دون قيود.
القيمة الأساسية للممر، إذن، ليست في إنشاء قناة «خارج العقوبات»، بل في توسيع الخيارات اللوجستية أمام إيران وتقليل اعتمادها على مسارات تسيطر عليها أو تتأثر بدول منافسة.
من نزاع على الأرض إلى تنافس على الطرق
يأتي مشروع كاجاران في وقت يتغير فيه مضمون المنافسة في جنوب القوقاز. فبعد عقود كان فيها الصراع متركزًا حول ناغورنو كاراباخ والحدود والسيطرة العسكرية، انتقلت أهمية متزايدة إلى الموانئ والطرق والسكك الحديدية وخطوط الطاقة.
تركيا وأذربيجان تدفعان باتجاه محور يصل بحر قزوين وآسيا الوسطى بتركيا والأسواق الأوروبية. والولايات المتحدة دخلت على هذا الخط عبر TRIPP. أما إيران فتسعى إلى ضمان ألا تنتج شبكة النقل الجديدة قوقازًا يمكن الالتفاف فيه حول أراضيها بالكامل.
لهذا يصعب النظر إلى نفق كاجاران بوصفه مجرد مشروع بنية تحتية أرميني تنفذه شركات إيرانية.
فالنفق، برغم طوله المحدود، يقع على أحد الخطوط التي ستحدد الوزن النسبي للممر الإيراني داخل شبكة التجارة الجديدة في المنطقة. وإذا اكتمل الطريق الأرميني «شمال–جنوب» وارتبط بصورة أكثر كفاءة بجورجيا، فستملك إيران مسارًا أقصر وأكثر انتظامًا نحو البحر الأسود، بينما تحتفظ أرمينيا بدور في التجارة بين الخليج والقوقاز.
في المقابل، سيواصل المحور الأذربيجاني–التركي تطوره في الاتجاه الآخر.
لذلك لا تبدو سيونيك مقبلة على انتصار ممر وإقصاء آخر، بل على تنافس بين عدة ممرات تحاول كل قوة إقليمية تثبيت موقعها من خلالها.
ونفق «كاجاران» هو، في هذا السياق، استثمار إيراني–أرميني في ضمان بقاء محور الجنوب–الشمال حاضرًا في خريطة القوقاز الجديدة. وهو لا يلغي الطريق التركي–الأذربيجاني، لكنه يحد من احتمال تحوله إلى المسار الوحيد القادر على تحديد القيمة الاستراتيجية لجنوب أرمينيا.
فالصراع الذي يتشكل في القوقاز لم يعد يدور فقط حول السيطرة على الحدود، بل حول سؤال أكثر استدامة: من سيمتلك الطرق التي ستعبرها التجارة بين الخليج وبحر قزوين والبحر الأسود وتركيا وأوروبا؟
وفي هذا الصراع، قد تكون الأنفاق والطرق والسكك الحديدية أقل صخبًا من الحروب، لكنها قادرة على تثبيت موازين نفوذ تمتد لعقود.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




