fbpx
السياسات العامةمجتمع

أزمة تسرب الأطباء في مصر: الحضور المزيف

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

يُعتبر تسرب الأطباء في مصر من أهم الظواهر الجديرة بالدراسة والملاحظة العلمية نظرا لما تمثله من خطر كبير على صحة المرضى، وما تعكسه من فشل للسياسات الصحية للحكومات المتعاقبة وخلل في أولويات النظام الحاكم؛ فالطبيب يكون على رأس سلم الأولويات في الدول المتقدمة والنامية على حد سواء، على اعتبار أنه صاحب مهنة دقيقة ومعقدة تتطلب إعدادا كبيرا وتدريبا كثيفاً، بالإضافة إلى تعليم مستدام وبالتالي نفقات كبيرة. لذلك فإن صانع السياسة الصحية العامة الرشيد يضع دوما نصب عينيه أن الأطباء يمثلون موردا مهماً، من أفضل الموارد البشرية بالدولة والتي تُمثل حجر الزاوية في تحقيق أحد أهم وظائف الدولة وهو القضاء على المرض.
وخلال هذه الورقة يحاول الباحث مناقشة ظاهرة تسرب الأطباء من العمل داخل مستشفيات وزارة الصحة، وذلك من خلال عدة محاور رئيسة كالتالي:
المحور الأول: يتناول إشكالية التمييز الوظيفي الذي تمارسه الدولة ضد الأطباء وذلك ضمن إطار مفهوم العدالة الاجتماعية، وفكرة الهيكل النسبي للأجور، كما يعاني الأطباء في مصر من عدة أشكال للتمييز الوظيفي وهي:

  • التصنيف كقطاع خدمي في مقابل قطاع الإنتاج حسب سياسات الحكومة المصرية.
  •  التصنيف كعمال بالقطاع المدني بشكل عام في مقابل العاملين بالقطاعين السيادي والعسكري.
  •  التمييز الداخلي ضمن القطاع الصحي بين طبيب المستشفيات الجامعية وطبيب وزارة الصحة.

وتعد إشكالية التمييز هذه من أكبر الإشكاليات التي يواجهها الطبيب في مصر ويشعر معها بالاغتراب وعدم التقدير، وهو ما ظهر كثيرا في مطالبه خصوصا فيما أطلق عليه قضية بدل العدوى أو قضية الكادر.
المحور الثاني: يناقش أهم أشكال التسرب والتي يتم تقسيمها إلى ثلاثة أنواع وهي:

  • التسرب بالهجرة إلى الخارج: وسيتم تقسيمها إلى نوعين، الأول يتمثل في الهجرة بقصد الدراسة سواء إلى الدول الأوروبية أو الولايات المتحدة وكندا وأستراليا، أما النوع الثاني فيتمثل في الهجرة إلى الدول الخليجية بقصد الحصول على عائد مالي أكبر.
  • التسرب للعمل بالقطاع الخاص سواء كان من خلال المستشفيات الخاصة أو المستوصفات أو العيادات الخاصة.
  • التسرب الإداري من خلال السعي إلى العمل بوظيفة إدارية داخل ديوان عام وزارة الصحة والهيئات والمديريات التابعة له، أو العمل الوهمي من خلال الحضور المزيف في الدفاتر فقط، وهو ما مثل ظاهرة في المجتمع المصري تمت مناقشتها في البرلمان ووسائل الإعلام بشكل موسع خلال الفترة الماضية.

المحور الثالث: يتناول أهم أسباب تسرب الأطباء التي تؤدي إلى تفضيل العمل خارج وزارة الصحة، حيث سيتم مناقشة مشكلة الأجور المتدنية، ومشكلة التكليف وما يترتب عليه من معوقات لمسيرة الطبيب وتطوره المهني السليم، ومشكلة التدريب والتعليم الطبي المستمر، وفشل نظامي الزمالة والبورد المصري، وارتفاع تكاليف الدراسة السنوية بالبورد المصري، وتهالك المنظومة الصحية، ونقص المستلزمات والأجهزة الطبية، وسوء بيئة العمل داخل المستشفيات والوحدات الصحية وما يترتب عليه من فشل للطبيب في القيام بمهامه وتعرضه للضغوط والاعتداءات أحيانا من أهل المرضى، بالإضافة إلى مشكلات أخرى مرتبطة بالظروف الاقتصادية التي تمر بها مصر بعد تعويم الجنيه وتفضيل الأطباء للعمل بالخارج نظرا لارتفاع أجور الأطباء وفارق العملة الكبير.
المحور الرابع: تقييم السياسات الصحية في مصر تجاه أحد أهم عناصر المنظومة الصحية ممثلا في الأطباء، والعمل على تصويب وتقويم تلك السياسات من خلال وضع أيدينا على مناطق الخلل في إدارة ملف الأطباء، بما يساهم في إصلاح الخلل الناجم عن ظاهرة التسرب في حال توافرت الإرادة السياسية ووجود نظام حكم ديمقراطي يغلب مصالح الشعب على مصلحة استمراره في الحكم، ويسعى إلى تحقيق قيم العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية التي أطلقتها ثورة يناير.

المحور الأول: إشكالية التمييز الوظيفي

بينما يتمتع الطبيب في مصر بقدر كبير من التقدير المجتمعي، إلا أنه ظل يعاني تهميشا متعمدا من جانب الدولة، وازداد شعوره بالتمييز الوظيفي والتراجع المهني نظرا لاستمرار الدولة في تعميق حالة التهميش لكل ما هو مدني في مصر. فالطبيب يتمركز بين ثنائية تكدير الدولة وتقدير المجتمع.
ويسعى الباحث إلى دراسة أهم مظاهر التمييز ضد الطبيب المصري، والتي تعد من أهم عوامل هجرة الأطباء والعزوف عن العمل، وذلك من خلال التقسيم الآتي:

(1) قطاعات خدمية في مقابل قطاعات انتاجية

أدى فشل الحكومات المصرية في التصدي للملفات الخدمية وعلى رأسها جناحي النهوض المجتمعي (التعليم والصحة) إلى إتباع سياسات تبريرية قائمة على خلق قناعات وهمية لدى المواطن بأن ضعف الخدمات سببه الرئيس هو الدعم وعدم تحمل المواطن لتكلفة الخدمة، وأن ضعف الرواتب في بعض القطاعات الخدمية سببه أنها غير منتجة وبالتالي ليس لديها فائض أرباح، كما أنها قطاعات مستهلكة وكثيفة العمالة وتستنزف موارد الدولة، وبهذا بررت الدولة فارق الأجور الكبير الذي يحصل عليه العاملون في قطاعات البترول والكهرباء والبنوك والضرائب والاتصالات.
وهنا لسنا بصدد تفنيد تلك المزاعم، لكن ما أود الإشارة إليه هو أن كل تلك الوزارات والهيئات تقدم خدمة وليس منتجا، وأن أدوار الحكومة لا ينبغي أن تنحصر على الجانب الإنتاجي فحسب، كما أن ناتج الخدمة المالي الذي يقدم بالمستشفيات والمدارس لو تم تحصيله خارج مظلة الدعم لحقق أرباحا كبيرة، وبالتالي فهل يتم معاقبة الطبيب والمدرس على قيامهم بتوفير الخدمات التعليمية والصحية للمواطن بتكلفة بسيطة أو مدعومة؟ كما أن أهم قطاعات الدولة التي تعاني من العجز الدائم في الموارد البشرية هي قطاعات التعليم والصحة، وبالتالي فإن فكرة كثافة العمالة ليست في محلها. فهناك فرق بين قطاع مثل التعليم أو الصحة تتطلب عمالة كثيفة كآلية من آليات التشغيل الكامل، وأن يكون هذا القطاع يعاني من نقص في العمالة الكلية المطلوبة لقيامه بمهامه بكفاءة وفاعلية. لكن في التحليل الأخير تبقى القطاعات التي ترتبط بحق المواطن في الحياة والكرامة الإنسانية غير مدرجة على أولويات النظام الحاكم.

(2) القطاع المدني في مقابل القطاع السيادي

نظرا لأن قطاعات الدفاع والشرطة والقضاء قطاعات خدمية غير منتجة، بل في كثير من الأحيان تمثل عبئا كبيرا على ميزانية الدولة، كما أنها أصبحت تقوم بوظيفة مختلفة عن وظيفتها الأساسية حيث تحولت إلى جهات لحماية النظام وليس الشعب، وأصبحت تقوم بوظيفة التجنيد السياسي والنخبوي واحتكار السلطة والثروة والنفوذ 1 فقد ابتكر النظام المصري نظرية القطاعات السيادية، وهي ليست سيادية فقط بل هي كذلك قطاعات محصنة بكهنوت الهيبة وعدم الخضوع للنقد أو التقييم، ورواتب أعضائها غير معلن عنها، وكذلك ميزانياتها وحجم الإنفاق فيها.
وتبرر الدولة ما يحصل عليه العاملون من رواتب ومعاشات ضخمة بتلك القطاعات من خلال الادعاء بأنهم يمثلون سيادة الدولة ويتولون مهمة الدفاع والأمن وأن مهنهم تحتوي على مخاطر عالية، وأنهم يحظر عليهم القيام بأعمال أخرى إضافية لعملهم الحالي، وأنهم من يتحملون ضريبة الدم نيابة عن الشعب، وبالتالي لا يمكن مضاهاتهم بأصحاب أي مهن أخرى. وهنا تكمن الازدواجية التي يعاني منها الطبيب والتي أشرنا إليها سابقا (ازدواجية احتفاء المجتمع واحتقار الدولة للطبيب ولكل ما هو مدني) وقد ظهر شعور الأطباء بهذا التحقير والتعامل معهم باعتبارهم شريحة أدنى من الشرائح السيادية في مطالباتهم الدائمة بالمساواة في الرواتب مع القضاة بالتحديد خصوصا في قضية “بدل العدوى” 2حيث يحصل الطبيب على 19 جنيها فقط في حين يحصل القاضي على بدل علاج 3500 جنيه شهريا، بالإضافة إلى تمتعه بخدمات تأمين صحي عالية في أرقى المستشفيات الحكومية والخاصة، وكذلك سهولة الحصول على العلاج بالخارج في حين أن الطبيب يلجأ إلى نقابة الأطباء للحصول على برامج علاجية متوسطة، وبالتالي فهو في رعاية نقابته وليس في رعاية وكفالة الدولة.

 (3) مظاهر التمييز داخل القطاع الطبي

أ –التمييز داخل مستشفيات وزارة الصحة

أدت السياسات الصحية الفاشلة إلى خلق كيانات ونظم ومؤسسات صحية متفاوتة في الإمكانات والموارد واللوائح والأجور، حيث تنقسم وزارة الصحة إلى عدة هيئات (مستشفيات) تعمل كل منها وفق لوائحها المالية والإدارية المستقلة، ومن أهم هذه الهيئات (القطاع العلاجي الذي يتبعه مديريات الشئون الصحية والمستشفيات العامة والمركزية – قطاع الرعاية الصحية الأولية الذي تتبعه الوحدات الصحية ومراكز طب الأسرة – أمانة المراكز الطبية المتخصصة ويتبعها 42 مستشفى متخصصة مثل شرم الشيخ الدولي ومعهد ناصر – مستشفيات وعيادات هيئة التأمين الصحي – أمانة الصحة النفسية ويتبعها مستشفيات الصحة النفسية – المؤسسة العلاجية)
والتفاوت بين تلك الهيئات ليس بالكبير بالنسبة للحوافز المالية، لكنه يسبب مشكلة تمييز داخلي نظرا لشعور بعض المستشفيات والهيئات بأن ما يتقاضونه أقل من الهيئات الأخرى، لكن الإشكالية الأهم ليست فيما هو معلن من لوائح للأجور بل لما يتردد من حصول بعض الهيئات على امتيازات مالية أكبر، وهنا تبرز إشكالية الشفافية في الأجور والرواتب 3 .
كما تتفاوت تلك الهيئات في لوائح العمل الداخلية وبدل “النوباتجيات” والهياكل الإدارية المختلفة، بينما يظهر الاختلاف الأهم في التجهيزات الطبية وتوافر المستلزمات والبنية التحتية للمستشفى، كذلك تفاوت نسب العجز من خلال قدرة المستشفيات على التعاقد مع أساتذة جامعيين لسد الاحتياجات الطبية كما هو الحال في مستشفيات أمانة المراكز الطبية المتخصصة.

ب – التمييز بين طبيب الصحة وطبيب المستشفيات الجامعية

قبل التعرض لتلك الإشكالية علينا أولا تحديد الفرق في التعريف بين طبيب وزارة الصحة وطبيب الجامعة، فطبيب وزارة الصحة هو الذي يتم تكليفه ومن ثم تعيينه بمستشفيات وزارة الصحة، وعادة ما يكون من الأطباء أصحاب المجموع الأقل، أما طبيب الجامعة فهو الذي يتم تكليفه بالمستشفيات الجامعية التابعة لوزارة التعليم العالي، وتحصل الجامعات على احتياجاتها من الطلبة الأوائل والمتفوقين دراسيا للعمل بمستشفياتها.
من الإشكاليات الكبيرة التي يعرفها كل من يعمل بالمجال الصحي في مصر، انعدام تكافؤ الفرص بين طبيب وزارة الصحة وطبيب الجامعة، ووجود خلل في ميزان بناء القدرات وخلق مسار وظيفي سليم بين الطرفين، حيث يعاني طبيب الصحة من الحصول على راتب ضعيف جدا مقارنة بطبيب الجامعة الذي يحصل على راتب مناسب إلى حد كبير، كما يحصل طبيب الجامعة على فرص كبيرة للتدريب على يد أساتذة كبار نظرا لعمله بمستشفيات الجامعة ذات الطابع المركزي والزاخرة بأساطير مهنة الطب في مصر.
أما طبيب الصحة فيجد نفسه أمام معوقات التكليف والنيابة والعمل بالوحدات الصحية والأماكن النائية، والغرق فيما هو إداري وروتيني على حساب ما هو مهني، كما أن هناك فارقا كبيرا في الأجهزة الطبية والمستلزمات المتوفرة بالمستشفيات الجامعية التي صممت لتكون العمود الفقري للمستشفيات الحكومية في البلاد، وتم توزيعها جغرافيا بشكل يحقق احتياجات المواطنين في كافة التخصصات، وكذلك وجود مستشفيات الطوارئ والأطفال ومراكز الأورام ومراكز الجهاز الهضمي الكبرى بالمستشفيات الجامعية، وهو ما مكن مستشفيات قصر العيني وجامعة عين شمس والمنصورة والإسكندرية من الحصول على مكانة جيدة لدى المواطن، وأصبح لدى الجامعات المصرية أكثر من 80 مستشفى جامعي تعتبر هي العمود الفقري للقطاع الصحي في مصر، وفي المقابل أهملت الدولة المستشفيات العامة والمركزية، وتحولت الوحدات الصحية المنتشرة في جميع أنحاء الوطن  – يزيد عددها عن 5000 وحدة – إلى أماكن لا يهتم بها المواطن في بحثة عن الرعاية الصحية بسبب ضعف كفاءتها وانصراف المواطنين عنه، وأصبحت تمثل نقطة ضعف كبيرة في هيكل وزارة الصحة وسببا مهما من أسباب مشاكل الأطباء في مصر.
ويرجع ذلك كله إلى طبيعة الدولة المركزية في مصر وإشكالية (المركز والأطراف) وضعف مفهوم الإدارة المحلية وهشاشة نظام المحافظات وضعف ميزانياتها وغياب دورها الرقابي، وبالتالي تراجع المنظومة الصحية في الأماكن الحضرية والريفية على عكس النشأة المركزية للمستشفيات الجامعية، وكل ذلك يضعف من فرص طبيب الصحة أمام طبيب الجامعة.
يعاني أيضا طبيب الصحة من عدم قدرته على استكمال الدراسات العليا والحصول على منح دراسية بالخارج كما هو متاح بالنسبة لطبيب الجامعة، وهو ما يجعله دوما يشعر بالدونية والتراجع المهني وعدم القدرة على الدخول في إطار تنافسي مع طبيب الجامعة4 الذي يحصل على فرص متنوعة للاختيار بين التخصصات النادرة والدقيقة نظرا لإتاحتها بالمستشفيات الجامعية، كما أن طبب الجامعة يعمل بالمستشفيات الجامعية بمجرد تخرجه من الجامعة وهو ما يضمن له استقرارا وظيفيا وتدرجا مهنيا يساعده على الترقي بشكل منتظم.
وقد ساهمت الدولة في تكريس الفجوة بين طبيب وزارة الصحة وطبيب المستشفيات الجامعية مما أدى إلى تراجع دوره المهني ودوره الوظيفي في سلم هيراركية السلطة، فنظرا لشح ونضوب الكفاءات بوزارة الصحة وبدلا من أن تلجأ الدولة إلى الارتقاء بالموارد البشرية بالوزارة الصحة، تلجأ الدولة دوما إلى اختيار منصب وزير الصحة وكبار مساعديه والمستشارين من أطباء وعمداء كليات الطب المختلفة، فلو نظرنا مثلا إلى آخر عشر وزراء صحة وأولهم حاتم الجبلي وآخرهم الوزيرة الحالية، نجد أن 9 منهم يأتون من الجامعات وواحدة فقط وهي الوزيرة الحالية من داخل منظومة وزارة الصحة، وهذا يعد مؤشرا خطيرا على نضوب وزارة الصحة من الكفاءات، وعجزها عن القيام بآليات الفرز النخبوي، كما يؤدي ذلك إلى تقزم طموح أبناءها ونقص الخبرات التي تتطلبها إجراءات تطوير المنظومة الصحية، وتعد عملية اختيار قيادات وزارة الصحة من خارج المنظومة من المؤشرات الخطيرة على عدم إمكانية تطوير القطاع الصحي بمصر، نظرا لأن القادم من خارج المنظومة غالبا ما يكون بحاجة إلى مزيد من الوقت للإلمام بملفات وزارة الصحة واستيعاب المشاكل والتحديات وتحديد الأولويات .

المحور الثاني مظاهر التسرب من قطاع الصحة

تعتبر مصر من أعلى الدول على مستوى العالم طردا للأطباء، وهناك إحصاءات تؤكد أنها ثاني أكبر دولة طاردة للأطباء في العالم 5 ، ليس ذلك فقط بل تعاني مصر من ظواهر أخرى للتسرب من العمل داخل القطاع الحكومي، سواء بالاستقالة أو تقديم إجازة بدون راتب للعمل بالقطاع الخاص. وقبل أن نرصد أهم مظاهر التسرب التي تعاني منها مصر يجب التذكير بعدة أرقام مهمة، فعدد الأطباء في مصر وفق ما أعلنته النقابة العامة للأطباء يتراوح ما بين 220 ألى 230 ألف طبيب مقيدين بسجلاتها بعد حذف الوفيات والمحالين للمعاش، وعدد الأطباء المهاجرين للعمل خارج مصر حوالي 110 ألف طبيب أي 50% من قوة الأطباء المقيدين بجداول النقابة العامة للأطباء 6 ، فيما يتراوح عدد الأطباء المهاجرين للمملكة العربية السعودية فقط ما بين 60 إلى 70 ألف طبيب، وحجم الاستقالات السنوي لا يقل عن 500 استقالة، وعدد الأطباء المنتظمين على رأس العمل بوزارة الصحة لا يزيدون عن  70 ألف طبيب فقط عام 2014، في حين تعاني مصر من نقص شديد في تخصصات مهمة مثل الطوارئ والقلب والتخدير والأوعية الدموية والمخ والأعصاب، ومن أهم مظاهر تسرب الأطباء في مصر الآتي:

1– الهجرة إلى الخارج

تعد ظاهرة الهجرة إلى الخارج هي أكبر مظهر من مظاهر تسرب الأطباء في مصر ويمكن تقسيمها إلى نوعين:

الهجرة بقصد العمل

ويعد السوق الخليجي القبلة الأساسية للأطباء المصريين، حيث أكدت هالة زايد وزيرة الصحة الحالية أمام البرلمان أن حجم الإعارات للمملكة العربية السعودية فقط يمثل 60% من حجم الأطباء العاملين بوزارة الصحة وأنها لا تجد أطباء للعمل بالمستشفيات الحكومية 7
ويعد ارتفاع المقابل المالي الذي يحصل عليه الطبيب بالدول الخارجية والذي قد يرتفع إلى 30 ضعف ما يحصل عليه في مصر هو أهم أسباب الهجرة للعمل بالخليج خصوصا بعد تراجع قيمة الجنيه المصري وتحرير سعر الصرف، كذلك توفر الإمكانات ووجود بيئة عمل مناسبة وآمنة.

الهجرة بقصد الدراسة والعمل

وتحدث في نطاق ضيق جدا وبشكل فردي وذلك نظرا لتراجع دور التعليم في مصر والتقييم السلبي للجامعات المصرية، فمثلا عدد الأطباء السوريين يعادل 3 أضعاف الأطباء المصريين في ألمانيا والذي لا يتجاوز الألف طبيب مصري8  كما أن الأطباء الجزائريين يمثلون نسبة 30% من الأطباء الأجانب في فرنسا وعددهم يقارب الخمسة آلاف طبيب ويأتي بعدهم في الترتيب الطبيب السوري ثم التونسي في حين أن عدد المصريين لا يزيد عن بضع مئات. وبالرغم من أن عدد الأطباء المهاجرين إلى الدول الأوروبية والولايات المتحدة وكندا وأستراليا قليل من ناحية العدد ويتراوح بين 15 إلى 20 ألف فقط9 ، لكن من ناحية الكيف والنوعية يجتذب هذا النوع من الهجرة الشريحة الأكثر تفوقا والتي تعمل بتخصصات طبية نادرة ومتميزة، وهو ما يعود بالسلب على مناخ العمل الطبي العام في مصر بتفريغ البلاد من الكوادر المميزة والنادرة.

2 – العمل بالقطاع الخاص

هناك تنوع كبير في شكل منظومة القطاع الخاص في المجال الصحي، فمصر بها عيادات شعبية معروفة باسم “عيادات بئر السلم” وتنتشر في الأحياء الشعبية ذات الكثافة السكانية المرتفعة، وتتراوح قيمة تسعيرة الكشف بين 10 و20 جنيها فقط، وتتم بها عمليات إجهاض وأحيانا سرقة وتجارة الأعضاء10 ، وخطورة تلك العيادات لا ترجع فقط لأنها في الغالب لا تكون مرخصة، بل في كثير من الأحيان يعمل بها أطباء حديثي التخرج وأحيانا طلبة بكليات الطب، ولا تضم اشتراطات مكافحة العدوى، كما أن هناك ضعف شديد في رقابة الدولة على تلك العيادات، وتمثل العيادات كارثة تهدد صحة المصريين ومصدرا من مصادر تفشي الأمراض الوبائية مثل الفشل الكلوي وفيروس سي، كما تعد بابا خلفيا لعمليات الختان والإجهاض وتجارة الأعضاء.
أما بالنسبة للعيادات الخاصة المرخصة والتي تمثل الحلقة الأسوأ في المنظومة الصحية في مصر، وتمثل أكبر منظومة طب عشوائية نظرا لضعف الرقابة عليها وانفلات التسعيرة التي تصل في بعض التخصصات إلى أكثر من 500 جنيه كمتوسط، وتصل في بعض الأحيان إل 1200 جنيها 11 كما أن تلك المنظومة العشوائية هي منظومة الطب الرئيسية في مصر حيث يتم فيها عمل عمليات جراحية وعمليات الولادة القيصرية بالمخالفة للقانون ودون أن يكون فيها غرفة عمليات مجهزة أو إجراءات التعقيم والإفاقة والعناية المركزة والاشتراطات الاحترازية لمكافحة العدوى.
كما أن الدولة تتساهل بشكل كبير في حجم الضرائب التي تفرضها على تلك العيادات كمعوض للأطباء عن تدني الرواتب بالمستشفيات الحكومية، وتعد خطورة تلك العيادات التي تمثل أهم مؤشرات الفساد بهذا القطاع، نابعة من كونها تحمل وجها مهما من أوجه تعارض المصالح، لأن الطبيب يسعى إلى اجتذاب المريض إلى عيادته الخاصة وبالتالي لا يهتم بالمريض في المستشفى الحكومي ولا يحسن التعامل معه ويجبره أحيانا على الذهاب لعيادته الخاصة لتلقي العلاج، فيكون الطبيب بذلك أحد أهم أسباب انهيار منظومة الصحة.
و يعد الوجه الأكثر تنظيما للعمل الخاص بالقطاع الطبي في مصر هو المستشفيات الخاصة والتي حققت سمعة طيبة إلى حد كبير واستطاعت العمل من خلال إطار مؤسسي لجذب تعاقدات التأمين الصحي للجهات الحكومية والنقابات والشركات والمؤسسات الخاصة، وأحدثت نوعا من التوازن داخل النظام الصحي الخاص، لكنها تظل بعيدة المنال بالنسبة للمواطن البسيط ومحدود الدخل، وتعد مؤشرا على التوجه نحو خصخصة الخدمات الصحية. كما أن اتساع حجم السوق الخاص في مصر وزيادة الطلب عليه يساهم بشكل كبير في تفريغ وزارة الصحة من الأطباء ويمثل هرما مقلوبا وسلبيا لناتج السياسات الصحية، فقاعدة الهرم يجب أن تكون مستشفيات الدولة التي ينبني عليها النظام الصحي العام الذي يكفل للمواطن حقه الدستوري والإنساني في الحصول على العلاج.

3 – التسرب الإداري

التسرب الإداري هو التسرب الناتج عن خلل في هيكل العمل الإداري داخل منظومة وزارة الصحة وضعف آليات الرقابة والمتابعة وتقييم الأداء ويمكن تقسيمه إلى حالتين:

الحضور المزيف:

قد يشعر الباحث بالخجل عند مناقشة تلك الظاهرة، لكن للأسف فإن ظاهرة حضور الأطباء على الورق والتخلف عن الحضور للمستشفيات في مصر ظاهرة كاملة الأركان ومستقرة ومتكررة ويتم الإشارة إليها من حين لآخر في وسائل الإعلام. كما أن البرلمان الحالي ناقش تلك الظاهرة في جلساته وخلصت المناقشات إلى أنها تحولت إلى أزمة، وطالب بمواجهتها بشكل حاسم دون أن يناقش آليات تلك المواجهة، وإعداد الحلول المقترحة والتشريعات المتوقعة لمواجهة ظاهرة الغش في دفاتر الحضور والانصراف 12

التسرب إلى العمل الإداري:

من أهم المشكلات المركزية في هيكل صنع السياسة الصحية داخل وزارة الصحة هو إسناد العمل الإداري لطبيب بشري دون غيره من التخصصات الأخرى، فجميع المدراء يجب أن يكونوا حاصلين على بكالوريوس طب وجراحة ولا يسمح لصيدلي مثلا أن يسند إليه أي ملف إداري بالرغم من دراسته لنظم الإدارة، وبالرغم من أن الطب مهنة فنية قائمة على الممارسة والتعلم المستمر ويصعب معها القيام بأي عمل آخر فإننا نجد جميع الإدارات ومكاتب المسؤولين والإدارات الفنية التابعة لوزير الصحة أو رؤساء الهيئات أو مديري مديريات الشئون الصحية بالمحافظات والمكاتب الفنية ذات الطابع الإداري البحت، يديرها أطباء متفرغون للعمل الإداري ويحصلون على كادر الأطباء بالرغم من عدم عملهم بمهنة الطب أو المستشفيات أصلا، وترجع أهمية تلك المشكلة إلى عاملين أولهما هدر الطاقات البشرية بتحويل المسار إلى عمل إداري وفقدان مصر للأطباء لصالح العمل الإداري الروتيني الذي من الممكن أن يقوم به أي شخص يحمل مؤهلا مناسبا، كذلك احتساب الأطباء الإداريين ضمن قوة العمل الفعلية للأطباء وبالتالي يكون لديك أعدادا غير حقيقية لمن يمارسون مهنة الطب بشكل فعلي.

المحور الثالث: أسباب تسرب الأطباء

نحاول من خلال هذا المحور رصد الأسباب التي تؤدي بالطبيب إلى هجرة وزارة الصحة، وسيتم دراسة تلك الأسباب من خلال تحليل هيكل السياسات العامة وتحديد محتوى تلك السياسات التي تعد العامل الأهم في تفشي ظاهرة هجرة الأطباء نظرا لعدم توفير بيئة عمل مرضية لهم سواء من الناحية المادية أو من الناحية المهنية، كذلك نقص الإمكانات والأجهزة والمستلزمات الطبية.  ويمكن تقسيم أهم أسباب تسرب الأطباء إلى الآتي13 :

1- خيارات العمل البديلة

من أهم أسباب هجرة الأطباء خارج وزارة الصحة هو وجود طلب عليهم للعمل بالخارج والداخل وعدم احتكار الدولة للخدمات الطبية بالداخل، وهو ما ساهم بشكل كبير في هروب أعداد كبيرة من العمل داخل وزارة الصحة والحصول على فرص عمل أخرى تحقق لهم الطموح المادي والمعنوي، وهنا يكمن خلل صنع السياسة الصحية لدى صانع القرار الذي لا يستوعب طبيعة المهنة التنافسية ويصر على أن العمل بمستشفيات وزارة الصحة بكل سلبياته هو تأدية للواجب الوطني تجاه الدولة التي تحملت تكلفة إعداد الطبيب!

2- العدالة الاجتماعية وتفاوت الأجور

يعرف الدكتور ابراهيم العيسوي مفهوم العدالة الاجتماعية بأنها تلك الحالة التي ينتفي فيها الظلم والاستغلال والقهر والحرمان من الثروة أو السلطة أو من كليهما، والتي يغيب فيها الفقر والتهميش والاقصاء الاجتماعي، وتنعدم الفروق غير المقبولة اجتماعيا بين الأفراد والجماعات والأقاليم داخل الدولة 14، ومن أهم مؤشرات العدالة الاجتماعية في مصر ظاهرة تفاوت الأجور، ويعاني الأطباء من تدني مستوى الأجور وقد خاضت نقابة الأطباء كفاحا مريرا من أجل الحصول على أجر عادل ومناسب لكن دون جدوى، وانتهى المطاف بقانون الكادر الذي لا يثمن ولا يفيد15 فما يحصل عليه الطبيب من راتب لا يتعدى الـ 2000 جنيه للطبيب حديث التخرج وهو من أقل هياكل الأجور على مستوى العالم حيث أنه لا يتجاوز الـ 120 دولارا شهريا. في نفس الوقت هناك تفاوت رهيب لصالح رجال القضاء والجيش وفئات كثيرة سبق الإشارة إليها عند رصد مظاهرة التمييز الوظيفي. والحل الأمثل لتلك المشكلة التي يعاني منها موظفو القطاع العام بشكل عام هو إعادة النظر في الهيكل النسبي للأجور وليس مجرد تحديد الحدين الأقصى والأدنى للأجور، وبناء عليه يتم اعتماد مفهوم الدخل (مجمل ما يتقاضاه العامل من مكافآت وحوافز وبدلات) وليس الأجر أو الراتب الأساسي، وهو ما يساهم في توفير الحد الأدنى من العيش الكريم للعاملين بأجر من خلال تشريعات ملزمة. وهكذا فإن سياسات الأجور والدخول تشكل مكونا أساسيا من مكونات أي مسعى جاد لتحقيق العدالة الاجتماعية في صفوف العاملين بأجر داخل المجتمع المصري بقطاعيه العام والخاص.

3- أزمة تكليف الأطباء

تكليف الأطباء هو بداية التعيين الإلزامي لكل خريجي كليات الطب بالمستشفيات العامة والجامعية والخاصة، وتكون مدته عامين. وتأتي أزمة التكليف في مصر لعدة أسباب أهمها أن الطبيب المكلف يتم توزيعه على الوحدات الصحية بالمحافظات البعيدة والنائية ويكون مسئولا عن إدارة الوحدة التي تعاني من عدم وجود أية تجهيزات طبية، ويغرق في المسئوليات الإدارية ولا يجد فرصة للتعليم أو حتى ممارسة مهنية مناسبة. ويكون دور الطبيب الذي يدير للوحدة الصحية هو إجراء الكشف الأولي ومتابعة مهام طب الأسرة وخدمات تنظيم الأسرة إن وجدت والتحويل إلى أقرب مستشفى عام أو مركزي في حالات الطوارئ أو الحالات التي تتطلب الخضوع للعلاج والملاحظة. كذلك يعاني نظام التكليف من عدم تطبيق الشفافية والعدالة في التوزيع، حيث أنه يعتمد في التوزيع على المجموع من خلال تنسيق عام لكل خريجي الدفعة، ثم يفتح باب التظلمات وتعديل الرغبات، وهو ما يفتح مجالا كبيرا للواسطة والفساد الإداري16 ثم تأتي فترة النيابة بعد انتهاء فترة التكليف والتي تزيد من الأعباء الملقاة على عاتق الطبيب نظرا لأنه يكون ملزما بالتسجيل في الدراسات العليا خلال فترة النيابة.

4- تهالك المنظومة الطبية

ليس بالطبيب وحدة تنجح المنظومة الصحية، فالمنظومة الصحية قائمة على عدة ركائز متكاملة يجب توافرها جميعا لتقوم بمهمتها بكفاءة وفاعلية. فالطبيب بدون أجهزة طبية أو تجهيزات ومنشآت آمنة وبمواصفات جودة مناسبة وأطقم معاونة واشتراطات صحية ونظام جودة مناسب يكون غير قادر على القيام بمهام وظيفته. وقد عانى القطاع الصحي في مصر من إهمال جسيم وتردٍ في الإمكانات وتراجع لحجم الانفاق والإنشاءات ونقص حاد في الأجهزة والمستلزمات الطبية والأدوية وعدم وجود فرق للصيانة والمتابعة وترهل المنظومة بأكملها وخلل في اللوائح الإدارية وانتظام سير العمل، وهو ما أدى إلى تردي سمعة مستشفيات وزارة الصحة. ومن المؤشرات المهمة على ذلك أن الوزارة لديها أكثر من 500 مستشفى على مستوى الدولة لم يحصل منها سوى مستشفى واحدة فقط على نظام الجودة والاعتماد17 . كل تلك الأسباب ساهمت في هجرة الأطباء نظرا لعدم وجود بيئة عمل سليمة وعدم القدرة على العمل بشكل طبيعي وعدم القدرة على النهوض بالمنظومة وتطوير الأداء.

5– مشاكل التدريب والدراسات العليا

تعتبر مهنة الطب من المهن القليلة التي تتطلب التعليم المستمر إلى جانت خبرات العمل والتدريب، وبالتالي فإن مشكلة الدراسات العليا التي يعاني منها طبيب الصحة هي مشكلة مرتبطة بتطور مساره الوظيفي ومستقبله المهني، وقد أخفقت الوزارة بشكل كبير في تحمل آليات علاج هذا الملف، حيث تم استحداث هيئة التدريب الإلزامي (البورد المصري) بدلا لشهادة الزمالة (وهي شهادة إكلينيكية للتخصصات الطبية تعتمد على التدريب اثناء العمل)، وتستمر الدراسة بالبورد المصري لمدة خمس سنوات، وقد لاقى إنشاء البورد المصري رفضا كبيرا من نقابة الأطباء حيث أكدت منى مينا عضو نقابة الأطباء أن البورد المصري يعمل على تحميل الطبيب المتدرب مبلغ 6000 جنيه في العام وهو مبلغ كبير بالنسبة لما يتقاضاه من أجر، كما أن قانون إنشاء البورد المصري لم يحدد الجهة التي يصرف منها الطبيب راتبه أثناء فترة الخمس سنوات التي يتدرب خلالها الطبيب داخل نظام البورد18 .
و يأتي نظام الزمالة ومن ثم البورد بهدف سد فجوة نظام الدراسات العليا حيث أن الجامعات لا تستوعب أكثر من خمسة آلاف دارس فقط بالدراسات العليا، وهو نصف عدد الخريجين سنويا تقريبا، وقد أشارت نقابة الأطباء إلى أن نظام الزمالة الذي تم تطبيقه لم يلمس له أثر إيجابي حتى الآن، وأكدت منى مينا أن هناك برامج تعاون مشبوهة بين وزارة الصحة والجامعات الخاصة والمجلس الأعلى للجامعات تتيح الالتحاق بالدراسات العليا لمن يدفع رسوما تتراوح بين 25 إلى 20 ألف جنيه سنويا وهو ما يعد اتجاها إلى خصخصة التعليم الطبي19 .
كل تلك المعوقات تدفع الطبيب إلى الهروب من جحيم العمل داخل الوزارة والهجرة إلى الخارج أو التفرغ للعمل الخاص للحصول على الربح السريع، فيكون ذلك على حساب تطوره المهني بشكل مؤسسي.

المحور الرابع: تقييم سياسات الدولة

اعترفت الدولة بوجود أزمة كبيرة وعجز شديد في الأطباء نظرا لرفض العمل داخل وزارة الصحة، وناشدت الوزيرة هالة زايد الأطباء بالعودة إلى مصر، وحددت مجمل السياسة الصحية الفاشلة للنظام المصري في كلماتها القصيرة، فقالت إن لبلدك التي علمتك عليك حق وإن الدولة ليس لديها ما تقدمه من زيادة في الرواتب أو تغيير بيئة العمل، وأن أقصى ما تستطيع فعله هو السماح للأطباء بالعمل في القطاع الخاص إلى جانب القطاع العام 20
وبتحليل رسالة الوزيرة للأطباء يمكن استنتاج الآتي:
الدولة لا تعترف بوجود عجز في الأطباء إلا عند وقوع الأزمات الكبرى، حيث ارتبط تصريح الوزيرة بأزمة الغسيل الكلوي التي حدثت في مركز ديرب نجم بالشرقية والتي أودت بحياة ثلاثة مواطنين أثناء جلسة الغسيل الكلوي وإصابة 21 آخرين.
الدولة لا تقدم حلولا بل تلجأ للخطاب العاطفي المتمثل في حق الدولة واللعب على مشاعر الواجب الوطني وبالتالي إما تقبل العمل وفق الشروط الحالية أو تكون مقصرا في حق الوطن، وقد يتطور الأمر لو ازدادت الأزمة إلى التخوين والاتهام بالعمالة بقصد الإضرار.
الدولة في حالة إنكار فهي تحمل مسئولية فشل وانهيار المنظومة الصحية إلى هجرة الأطباء للعمل خارج الوزارة، وبذلك تثير حفيظة المواطن تجاه الطبيب على اعتبار أن الطبيب يبحث عن المال فقط ولا يهمه الشأن العام، وبذلك فهي لا تعترف بالفشل أو حتى بوجود مشكلة.
الدولة لا تنتوي أن تفتح ملف رواتب الأطباء مرة أخرى، حيث أكدت عليه الوزيرة بأن الوزارة ليس لديها ما تقدمه في هذا الملف.
الدولة تعلن سياستها القائمة على التخلي عن المواطن وتهميش دورها في ملف الخدمات الصحية، والتي انتهجتها منذ عهد مبارك بأن تتخلى عن الخدمة الطبية وتتركها للقطاع الخاص، فقد ترك مبارك المجال للأطباء للاستفحال في العمل الخاص على حساب العمل العام مقابل الرضاء بالحصول على الراتب الضعيف داخل وزارة الصحة، ويعد هذا التوجه الرسمي للدولة هو السبب الأكبر في تردي أوضاع المستشفيات الحكومية وانتشار ظاهرة العيادات الخاصة المتوحشة والعشوائية والتي أنهكت المواطن واستنزفت موارده وأصبح أسيرا لابتزاز منظومة العمل الطبي الخاص نظرا لغياب المنظومة الحكومية وهنا تؤكد الوزيرة هالة زايد أن النظام سيسمح لهم بالجمع بين العمل في القطاع الخاص بجانب  مقابل العمل في القطاع العام  في حال موافقتهم على  العودة وعدم المطالبة بأي تحسين للأجور.
ملف الأطباء ليس ضمن أولويات السياسات العامة للحكومة الحالية فما يحدث في مصر حاليا من ظاهرة تسرب الأطباء يعد خطرا كبيرا على مستقبل المستشفيات وينذر بتوقف بعض المستشفيات والأقسام، كما أن هناك أكثر من 450 وحدة صحية مغلقة في الصعيد والمناطق النائية بسبب نقص الأطباء 21
ومن المنتظر أن تتفاقم الأزمة في ظل السياسات الحالية العاجزة وفي ظل عدم قدرة الدولة على تنفيذ مشروع التأمين الصحي الشامل، ومع الانهيار والتراجع الاقتصادي، وغموض مستقبل مهنة الطب في مصر، وهو ما يعد بمصر مرعب للمريض المصري، وسيناريوهات مؤلمة تتعرض من خلالها أكثر من 500 مستشفى عام ومركزي إلى الغلق الكلي أو الجزئي، كل هذا يحدث في ظل غياب تام لدور الدولة وفشل زريع في إدارة ملف الأطباء (22 ).


الهامش

1 إمبراطورية الجيش المصري الاقتصادية تبتلع الدولة. (23 يوليو, 2017). تاريخ الاسترداد 2018 ، من الخليج أون لاين: الرابط

2 عاطف بدر. (28 يوليو, 2018). نقابة الأطباء: بدل العدوي حق أصيل ولن نتوقف عن المطالبة به. تاريخ الاسترداد 2018 ، من المصري اليوم: الرابط

3 عاطف بدر. (28 يوليو, 2018). نقابة الأطباء: بدل العدوي حق أصيل ولن نتوقف عن المطالبة به. تاريخ الاسترداد 2018 ، من المصري اليوم: الرابط

4 ربيع السعدني. (22 فبراير, 2018). تفاوت الأجور بين أساتذة الجامعة وأطباء الصحة يشعل المعركة مع الوزير. تاريخ الاسترداد 2018 ، من التحرير: الرابط

5 ربيع السعدني. (18 نوفمبر, 2017). منى مينا: مصر دولة طاردة للأطباء.. و500 مستشفى مهددة بالإغلاق والبيع (حوار). تاريخ الاسترداد 2018 ، من التحرير: الرابط

6 آية دعبس. (7 مارس, 2015). مصر تواجه عجزا فى “الأطباء”.. النقابة: طبيب لكل 800 مواطن فى مصر مقابل 350 لكل مواطن عالميا.. ونعانى عجزا بالمستشفيات.. و1800 قرية دون طبيب والأقصر بها أخصائى تخدير واحد.. و69 ألفا يعملون بالسعودية. تاريخ الاسترداد 2018 ، من اليوم السابع: الرابط

7 محمد المنسي – محمد حسني. (18 سبتمبر, 2018). وزيرة الصحة: «معندناش ناس تشتغل و60 % من الأطباء في السعودية». تاريخ الاسترداد 2018، من فيتو: الرابط

8 السوريون في ألمانيا يحتلون المرتبة الأولى بين ممارسي مهنة الطب من الجنسيات العربية. (19 يونيو/حزيران, 2017). تاريخ الاسترداد 2018 ، من السورية: الرابط

9 آية دعبس. (7 مارس, 2015). مصر تواجه عجزا فى “الأطباء”.. النقابة: طبيب لكل 800 مواطن فى مصر مقابل 350 لكل مواطن عالميا.. ونعانى عجزا بالمستشفيات.. و1800 قرية دون طبيب والأقصر بها أخصائى تخدير واحد.. و69 ألفا يعملون بالسعودية. تاريخ الاسترداد 2018 ، من اليوم السابع: الرابط

10 عبد الرحمن علي عطية – طلعت الصناديلي. (22 أغسطس, 2017). ننفرد بنشر صور المستوصف الذي شهد سقوط شبكة الاتجار بالأعضاء البشرية. تاريخ الاسترداد 2018 ، من بوابة الأهرام: الرابط

11 ربيع السعدني. (17 أغسطس, 2017). «مافيا العيادات الخاصة».. الفيزيتا بـ 2000 جنيه. تاريخ الاسترداد 2018 ، من التحرير: الرابط

12 محمد نصار. (10 مايو, 2018). طلب إحاطة لوزير الصحة بشأن غياب أطباء مستشفيات قنا. تاريخ الاسترداد 2018 ، من مصراوي: الرابط

13 آية نبيل. (12 فبراير, 2014). الهروب الكبير لأطباء مصر.. الهجرة هى الحل هربا من سخرة التكليف.. راتب الطبيب فى الثلاثين وبعد 7 سنوات دراسة لا يتعدى 1000 جنيه. تاريخ الاسترداد 2018، من اليوم السابع: الرابط

14 – إبراهيم العيسوي. (2014). العدالة الاجتماعية والنماذج التنموية: مع اهتمام خاص بحالة مصر وثورتها (الإصدار الطبعة الأولى ). بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. ص 14

15 عبير عبد المجيد. (16 ابريل, 2016). ننشر اللائحة التنفيذية لقانون المهن الطبية بعد إقرارها من مجلس الدولة.. زيادة البدل إلى 150 جنيها فى يوليو القادم.. ووزارة الصحة تتحمل رسوم الدراسات العليا لأعضاء النقابة. تاريخ الاسترداد 2018 ، من اليوم السابع: الرابط

16 مينا غالي. (9 مارس, 2016). «أطباء التكليف» يحتجّون أمام «دار الحكمة» للمطالبة بعدالة التوزيع وتحسين ظروف العمل. تاريخ الاسترداد 2018 ، من المصري اليوم: الرابط

17 ربيع السعدني. (18 نوفمبر, 2017). منى مينا: مصر دولة طاردة للأطباء.. و500 مستشفى مهددة بالإغلاق والبيع (حوار). تاريخ الاسترداد 2018 ، من التحرير: الرابط

18 أسماء سرور. (21 مايو, 2018). شكاوى من رفع هيئة التدريب الإلزامي مصروفات الأطباء لـ6 آلاف جنيه. تاريخ الاسترداد 2018 ، من الشروق: الرابط

19 خلف علي حسن. (18 مايو, 2015). وقفة صامتة لعشرات الأطباء لحل «أزمة الدراسات العليا». تاريخ الاسترداد 2018 ، من المصري اليوم: الرابط

20 هدير شعراوي. (24 سبتمبر, 2018). وزيرة الصحة للأطباء: “الدولة علمتكم بدون تكلفة فهى أولى بكم”. تاريخ الاسترداد 2018 ، من ستوديو: الرابط

21 آية دعبس. (7 مارس, 2015). مصر تواجه عجزا فى “الأطباء”.. النقابة: طبيب لكل 800 مواطن فى مصر مقابل 350 لكل مواطن عالميا.. ونعانى عجزا بالمستشفيات.. و1800 قرية دون طبيب والأقصر بها أخصائى تخدير واحد.. و69 ألفا يعملون بالسعودية. تاريخ الاسترداد 2018 ، من اليوم السابع: الرابط

( 22 ) الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close