تقديرات

التعديل الوزاري السعودي و الوضع في مصر

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

تمهيد:

في الثامن من ديسمبر 2014، أعلنت وكالة الأنباء السعودية “واس”، أن العاهل السعودي، الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، أصدر مجموعة من الأوامر الملكية بشأن تعديلات وزارية شملت تسع وزارات؛ حيث تم إعفاء 6 وزراء وتعيين 3 جدد. وكانت أبرز الوزارات التي شملت تغييرات، وزارة الشؤون الإسلامية، والتعليم العالي، والصحة.

أولاً: ملامح التغيير السياسي :

• خرجت وزارة الشؤون الإسلامية لأول مرة منذ تأسيس المملكة، من عهدة آل الشيخ، من سلالة الإمام محمد بن عبد الوهاب، مؤسس المذهب الوهابي، المذهب الرسمي للدولة السعودية؛ حيث تم تعيين سليمان أبا الخيل وزيرًا للشؤون الإسلامية، بدلاً من الشيخ صالح آل الشيخ.

• تعيين خالد السبتي وزيرًا للتعليم العالي، بدلاً من خالد العنقري، الذي تولى مسؤولية هذه الوزارة لمدة تقترب من ربع قرن، من عمر الوزارة البالغ 41 عامًا، وكان في رأي البعض، من أهم المسئولين الذين كانوا يشرفون على تطبيق “أجندة الغرب” في وجدان الجيل الجديد والمجتمع السعودي. كما ارتبط العنقري أيضًا بملف قريب الصلة بموضوع التغريب، وهو ملف الابتعاث؛ حيث كانت هناك العديد من الاعتراضات من عدد من الدوائر داخل المملكة على سياسات الابتعاث لجهة مسألة الحفاظ على هوية المبتعثين وضبط حركتهم. أضف لذلك فشل سياسات الابتعاث في تحقيق الهدف العلمي منها، مع وجود 180 ألف مبتعث، لم يتم توظيفهم بالشكل الذي يحقق الكفاءة والفاعلية من وراء ابتعاثهم. ولا يخص هذا الملف قضية التغريب فحسب؛ وإنما مسَّ في السنوات الأخيرة قضية اختراق الأفكار التكفيرية للمبتعثين من جانب بعض المجموعات التي تتبنى فكر السلفية الجهادية، في دول البعثات، حتى في أوروبا وأمريكا الشمالية.

• تعيين محمد آل هيازع وزيرًا للصحة، وعبد العزيز الخضيري وزيرًا للثقافة والإعلام، وكان المنصبان شاغرَيْن، منذ إعفاء وزير الصحة السابق عبد الله الربيعة، في الحادي والعشرين من أبريل الماضي، وتم في حينه تكليف المهندس عادل فقيه، وزير العمل، بالقيام بعمل وزير الصحة، بالإضافة إلى مهامه كوزير للعمل، وذلك على خلفية زيادة عدد حالات الوفيات والإصابات بفيروس كورونا.

• إعفاء وزير الثقافة والإعلام السابق المخضرم، عبد العزيز بن محيي الدين خوجة، من منصبه يوم الخامس من نوفمبر الماضي، وذلك بعد إغلاقه قناة “وصال” الفضائية الخاصة بسبب تحريضها ضد الشيعة، بعد يوم من هجوم الإحساء الذي استهدف بعض الشيعة، شرقي المملكة، وهي القناة التي يدعمها الأمير عبد العزيز بن فهد، النجل الأصغر للعاهل الراحل، فهد بن عبد العزيز آل سعود، وعادت واستأنفت بثَّها بعد يومٍ واحدٍ على قرار إغلاقها.

• إعفاء محمد جميل أحمد ملا من منصبه كوزير للاتصالات وتقنية المعلومات، وتعيين فهاد بن معتاد بن شفق الحمد، وزيرًا للاتصالات وتقنية المعلومات، وإعفاء يوسف العثيمين من منصبه كوزير للشؤون الاجتماعية، وتعيين سليمان الحميد بدلاً منه.

• أُعفى فهد بالغنيم من منصبه كوزير للزراعة، وتم تعيين وليد الخريجي بدلاً منه، كما تم إعفاء جباره الصريصري من منصبه كوزير للنقل، وتعيين عبد الله المقبل بدلاً منه.

• تعيين عصام بن سعيد رئيس هيئة الخبراء بمجلس الوزراء، وزير دولة وعضوًا بمجلس الوزراء.

ثانياً: التغييرات التي لم تتم:

ما سبق هو الحدث، أي ما تم، ولكن هناك جانب آخر للحدث- ككل الأمور السياسية في حقيقة الأمر- وهو ما لم يتم، وهو في حالتنا هذه، التعديلات الوزارية التي لم تتم، والتي كان هناك رأي عام داخل المملكة، وعلى مستوى الدوائر السياسية والإعلامية ذات الاهتمام، يريدها.

1ـ التعديل الوزاري الأخير هو الأكبر في المملكة، منذ ذلك الذي تم في ديسمبر من العام 2011م، عندما أجرى الملك عبد الله تعديلاً وزاريًّا، شمل وزارات: الحج، والتجارة والصناعة، والخدمة المدنية، والاقتصاد والتخطيط. والتعديل الأخير شمل إعفاء 6 وزراء من مناصبهم، كان من بينهم ثلاثة وزراء “بناء على طلبهم”، بحسب الامر الملكي الذي نشرته وكالة الأنباء السعودية، وهم وزراء: الشؤون الإسلامية، والتعليم العالي، والنقل، فيما قال البعض من بين دوائر المعارضة السعودية، إنه بمثابة استقالات جماعية.

إلا أنه ثمَّة تحليل خاص، يُقدِّر بأنه تم الإشارة في القرار الملكي إلى أن الوزراء الثلاثة قد تم استبدالهم بناء على طلبهم، بل وشمول التعديلات لوزراء ظل لو صح التعبير، للتقليل من وطأة خطوة إعفاء بعض الوزراء من مناصبهم، والذين كان إعفاؤهم بمثابة صدمة لشرائح عريضة من الرأي العام، وعلى رأسهم عزل أو إقالة أو حتى قبول استقالة آل الشيخ والعنقري؛ لارتباط كليهما بدوائر لها سطوتها على القرار السعودي، في الداخل والخارج.

فآل الشيخ مرتبط بالمؤسسة الدينية الرسمية، وهو بدورها تسيطر على قطاع عريض من المجتمع السعودي المحافِظ بطبعه، ويمارس حياته الدينية والاجتماعية على أسس وقواعد المذهب الوهابي. ووفق الاتفاق الذي تأسست عليه الدولة السعودية الثالثة، فقد تم توزيع السلطة السياسية والدينية بين آل سعود، وآل الشيخ، على الترتيب، مع منح آل جلوي وآل السديري آل التويجري، وبعض الأسر الأخرى التي شاركت في عملية تأسيس الدولة وتوحيد أركان شبه الجزيرة العربية في الدولة الجديدة، بعض المزايا في المناصب وغير ذلك من المكتسبات، جزاء دورهم في عملية تأسيس الدولة( ).

2ـ جاء اختيار مدير جامعة الإمام محمد بن سعود، الدكتور سليمان أبا الخيل، وزيرًا للشؤون الإسلامية، وهو- بخلفياته- عبارة عن رسالة واضحة وقوية إلى الأئمة والخطباء؛ من أنه مَن يخرج عن الخط، سيتم فصله أو توقيفه، وهو ما فعله أبا الخيل في جامعة الإمام، التي حولها إلى “تجمع للجامية”، نسبةً للذين ينتسبون للعلامة السلفي محمد أمين جامي، ويرون وجوب الطاعة العمياء لولي الأمر حتى ولو كان مستبدًا ظالمًا.

فتشير مصادر، إلى أن أبا الخيل، قد “نكَّل” بالمعنى الحرفي للكلمة، بأساتذة الجامعة “المغضوب عليهم”، وأوقف ترقياتهم، ومن بين هؤلاء وكيل الجامعة، الشيخ عبد الله الشثري، الذي ذهب وقدم شكوى فيه إلى الأمير سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد، كشف فيها انحرافاته ومخالفاته. ولكن أبا الخيل مدعوم من العاهل السعودي، فأُطلقت يده على الجامعة الإسلامية التي تردت أوضاعها العلمية والأكاديمية في عهده بحسب بعض المصادر.

و”أبا الخيل” هو الوزير الثالث لوزارة الشؤون الإسلامية، وثاني وزير يأتي من إدارة جامعة الإمام، وأول وزير للشؤون الإسلامية، من الجامعة، كان الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، الذي أسس وأشرف على إدارة جامعة الإمام.

3ـ يرتبط خالد بن محمد العنقري، بالتيار الليبرالي صاحب السطوة حاليًا في المستويَيْن السياسي والإعلامي، داخل المملكة، مع ارتباطه بدعم من قوى خارجية، من بينها حكومات غربية، على رأسها الولايات المتحدة، وهو ما بدا في مواقف سابقة، مثل أزمة عزل عبد الرحمن الراشد من صحيفة “الشرق الأوسط” وقناة “العربية”، أكثر من مرة.

4ـ أن التعديل الوزاري لم يشمل أية وزارة من وزارات السيادة، وهي: الدفاع، الداخلية، الخارجية، والمالية، فهذه الوزارات، باستثناء وزارة المالية، ظلت في قبضة الأسرة المالكة منذ تأسيس الدولة، وفيما يخص وزارة الخارجية؛ فإن الحالة الصحية المتدهورة للوزير خالد الفيصل، الذي يشغل منصبه منذ 39 عامًا، والذي تجعله أقدم وزير للخارجية في العالم، تضع علامات استفهام حول أسباب عدم استبداله للآن.

بينما ذلك؛ فإن هناك تقارير تقول بأن العاهل السعودي قد أعد ابنه، نائب الوزير حاليًا، الأمير عبد العزيز بن عبد الله بن عبد العزيز، ليتولى الوزارة بعد رحيل أو اعتذار سعود الفيصل، البالغ من العمر 74 عامًا.

5ـ الوزارة الثانية التي كان من المنتظر أن يتم التعامل معها على المستوى الوزاري، وزارة الشؤون البلدية والقروية، التي تعاني من مشكلات كبيرة، ويقودها الأمير الدكتور منصور بن متعب بن عبد العزيز، والذي تولاها بعد والده متعب بن عبد العزيز، وتُعد في رأي البعض، من أسوأ الوزارات في الأداء، مع تضخم ملف الفساد فيها.

ثالثاً: خلفيات التغيير:

البعض يرى في التعديل، أنه يأتي ضمن سياقَيْن أساسيَّيْن، وهما:

– ميزان القوى داخل الأسرة السعودية الحاكمة، والخلافات التي برزت إلى العلن بين أركان الحكم.

– الاستجابة لمهددات أمن قومي مستجدة تخص المملكة، على المستويَيْن الإقليمي والدولي.

السياق الأول: الأحوال السياسية الداخلية للدولة والنظام:

من بين أهم الحوادث المرتبطة بهذه المسألة، التغييرات التي تمت في أمراء المناطق، وكذلك التغييرات التي تمت في المناصب المهمة في وزارة الدفاع.

وكان من بين ذلك تعين خالد بن بندر نائبًا لوزير الدفاع، في شهر مايو 2014م، على حساب الأمير سلمان بن سلطان بن عبد العزيز آل سعود، ثم إقالته، وتعيينه رئيسًا للاستخبارات العامة، في مطلع يوليو 2014م، ومن قبلها تعيين الأمير مقرن بن عبد العزيز آل سعود، وليًّا لولي العهد، بحيث يكون هو ملك البلاد في حال “غياب”- سواء للمرض أو للوفاة- كلٍّ من الملك أو ولي عهده، وهي نقطة سوف نعود لها لاحقًا.

وتشير دوائر سياسية وإعلامية إلى وجود صراع من نوع ما، بين وزير الحرس الوطني، الأمير متعب بن عبد الله، نجل العاهل السعودي، الطامح إلى وراثة المُلك، بحسب البعض، ووزير الداخلية محمد بن نايف بن عبد العزيز آل سعود، رجل المملكة القوي، كعادة من هم في هذا المنصب.

وكان الربيع الماضي، علامة مهمة على هذه الصراعات والتقلبات داخل الأسرة المالكة، فيما وصف بأنه “ربيع السعودية” الذي بدأ بدأ حركة تغييرات “وقائية”، شملت رؤوسًا كبيرة في الدولة والحكومة، ضمن إعادة ترتيب البيت الداخلي على المستويَيْن العسكري والأمني على وجه الخصوص؛ لأهمية هذه القطاعات في تثبيت أركان الحكم في الدولة.

واللافت، قبل تداول هذه التغيرات، أنها الأولى والأعمق من نوعها في تاريخ المملكة، فعبر أكثر من ثمانين عامًا، لم تشهد الدولة السعودية مثل هذه التغييرات في عام واحد، مع كون الدولة معروفة ببطئ الحركة والحفاظ على الحرس القديم، خوفًا من التبعات، ولتجنب الصراعات والخلافات بين أجنحة الأسرة الحاكمة.

فَجَرَتْ حركة تنقلات واسعة في إمارات المناطق، شملت إبعاد الأمير محمد بن فهد بن عبد العزيز من إمارة المنطقة الشرقية، وتعيين الأمير سعود بن نايف بن عبد العزيز مكانه، ونقل الأمير خالد الفيصل من إمارة مكة المكرمة إلى وزارة التربية والتعليم، وتعيين الأمير مشعل بن عبد الله بن عبد العزيز، نجل الملك، مكانه، وعزل الأمير عبد العزيز بن ماجد من بن عبد العزيز، من إمارة المدينة المنورة، وتعيين الأمير فيصل بن سلمان بن عبد العزيز نجل ولي العهد، مكانه.

ثم تم تعيين الأمير مقرن بن عبد العزيز، رئيس الاستخبارات العامة الأسبق، وليًّا لولي العهد، وعزل الأمير بندر بن سلطان من رئاسة جهاز المخابرات، وإعفاء عبد العزيز بن فهد كوزير دولة وتعيين الأمير محمد بن سلمان، نجل ولي العهد، مكانه.

كذلك شملت موجة الإقالات تلك، وزارة الدفاع، وتمثلت أهمها في إعفاء الأمير سلمان بن سلطان بن عبد العزيز، الذي حل محل شقيقه الأمير خالد بن سلطان، وتعيين الأمير خالد بن بندر بن عبد العزيز، الذي كان أميرًا للرياض مكانه، قبل توليه الاستخبارات العامة بعد ذلك بشهرَيْن، لإفساح المجال امام الامير تركي بن عبد الله، نجل الملك، للحلول محله.

وأهم ملاحظة على القرارات الملكية الخاصة بالتغييرات التي جرت في وزارة الدفاع السعودية، سواء على صعيد عزل أو استبدال نائب وزير الدفاع أو قائد هيئة الأركان أو قادة سلاح الجو وغيره من الأسلحة، تمت “بناء على ما عرضه علينا ولي العهد وزير الدفاع”، أي الامير سلمان بن عبد العزيز، وهو ما يشير في نظر بعض المحللين، إلى أن الأمير سلمان يريد ترتيب المؤسسة العسكرية وفق منظوره.

كما تم، ضمن هذه التغييرات، إبعاد جميع أبناء ولي العهد ووزير الدفاع الراحل، الأمير سلطان بن عبد العزيز، من الوزارة، ومن المناصب العليا في الدولة، باستثناء امير تبوك، الأمير فهد بن سلطان، مع عودة جزئية للأمير بندر في الأشهر الأخيرة كـ”مستشار” للعاهل السعودي.

ونفس الشيء ينطبق على جميع أبناء العاهل الراحل، الملك فهد بن عبد العزيز، بعد إبعاد الأمير عبد العزيز بن فهد من منصبه كوزير دولة، وشقيقه محمد بن فهد من لإمارة المنطقة الشرقية الغنية بالنفط.

ويقف خلف هذه التغييرات شخصان، إلى جانب الملك عبد الله، وولي العهد الأمير سلمان، وهما الأمير متعب بن عبد الله، نجل الملك، ورئيس الحرس الوطني، وحليفه خالد التويجري رئيس الديون الملكي، وبوابة الملك والرجل القوي في الدولة.

ويفسر المراقبون ذلك بأمرَيْن أساسيَّيْن:

1- هناك اتفاقٌ بين الملك عبد الله بن عبد العزيز وولي عهده على “تنظيف” الدولة، والمؤسسة العسكرية، من إرث الفساد والعمولات الضخمة، التي زعزعت من ثقة المواطن في مؤسسة الحكم، بعد الكشف عنها، وتورط الأمير سلطان بن عبد العزيز ونجله بندر فيها.

2- تثبيت أبناء الملك وولي العهد في المناصب الحساسة في الدولة، وضخ دماء جديدة من أمراء الصف الثاني والثالث، وإعادة بناء المؤسسة العسكرية من جديد وفق اعتبارات التحديث والتنظيم والانضباط.

وبحسب معلومات متداولة في هذا السياق؛ فقد كان من المقرر تعيين الأمير متعب بن عبد الله في منصب مهم، وهو النائب الثاني لرئيس الوزراء، والأمير عبد العزيز بن عبد الله، في منصب وزير الخارجية، وهو ما واجه الملك صعوبة فيه بسبب اصطدامه بآل الفيصل وولي عهده فيه.

ولم تمر هذه التغييرات من دون خلافات واعتراضات، فإذا كان تعيين الأمير نايف بن عبد العزيز وليًّا للعهد وقبلها نائبًا ثانيًا في تجاوزٍ لهيئة البيعة وأمراء كبار من أبناء الملك المؤسس، عبد العزيز آل سعود، قبل رحيله، مما أدى إلى استقالة بعضهم، مثل الأمير طلال بن عبد العزيز من الهيئة؛ فإن هذه التحولات من المنتظر لها أن تثير الكثير من الاعتراضات المماثلة.

السياق الثاني: التحولات الإقليمية ومهددات الأمن القومي:

وجدت القيادة السعودية نفسها وسط منطقة ملتهبة وحافلة بالمتغيرات، وخصوصًا مع تصاعد المهددات القادمة من جهة إيران، سواء من طهران ذاتها، أو حلفائها الإقليميين، مثل الحوثيين في اليمن، بل وفي داخل المملكة ذاتها، في المنطقة الشرقية، إو من جانب تنظيمات السلفية الجهادية، وهو ما تصاعد مع تقدم تنظيم الدولة في العراق والشام “داعش”. وأن الدولة قررت أن تعيد بناء مؤسستها العسكرية المترهلة، حفاظًا على النظام، ومواجهة الاخطار القادمة من جهات الجوار الأربع.

التعديل الوزاري والوضع في مصر: برنامج تنفيذي

بالرغم من أن البعض من المحسوبين على دوائر الحكم في المملكة، يحاولون إبراز أن النظام السعودي بات أكثر مرونة، وان هناك توجُّه جديد في مؤسسة الحكم؛ إلا أن واقع الأمور يشير إلى عكس ذلك.

وهنا يمكن الوقوف على عدد من الخلاصات والاستنتاجات، وكذلك عدد من التوصيات التي يمكن الاعتماد عليها في التعاطي مع هذه الاستنتاجات:

أولاً: الخلاصات والاستنتاجات:

•على الرغم من أن هذه التغييرات، الأخيرة وتلك التي قبلها، تُبرز بشكل ما تجاوبًا مع الرأي العام، إلا أن المناصب الوزارية الحساسة والسيادية في المملكة، والتي تختص بها العائلة المالكة بها نفسها، لم ينلها أيَّ تغيير.

•أنه لم يتم استهداف المؤسسة الدينية الرسمية بالإصلاح، بالعمق المطلوب، وخصوصًا على مستوى الصلاحيات، بل إن ما تم في وزارة الشؤون الإسلامية هو مجرد “استبعاد” لآل الشيخ من منصب سياسيٍّ، ولكنه لا يُحدِث التغيير الجوهري المطلوب في نفوذ هذه العائلة المتأصل في المؤسسة الدينية، والمكوِّن الأساسي الناظم لسياسات المملكة إلى جانب عائلة آل سعود. وبالتالي، فإن ما التعديل الوزاري يضع المراقبين أمام محاولات احتواء لا تعكس تغييرًا بقدر ما تعكس تذكيرًا بالخطوط الحمراء الناظمة لشكل الحكم وحجم الصلاحيات داخل المملكة ونظامها الشائخ( ).

• إن الإصلاح المنشود، هو ذلك الذي يستفيد منه المواطن السعودي، من حيث استعادة حقوقه وتوسيع دائرة مشاركته في سلطة اتخاذ القرار من خلال مؤسسات ديمقراطية وقضائية مستقلة بصلاحيات كاملة. ولذلك؛ فإن فترتيب البيت الداخلي السعودي، على هذا النحو، يظل ناقصًا في ظل عدم البدء في هذه الاصلاحات.

•فيما يتعلق بدلالات أو تاثير التعديل الوزاري الأخير في المملكة، فيما يخص الحالة المصرية، وتيار الاخوان فيبدو ذلك التأثير في الاستبدالات التي تمت في منصبَيْ وزير التعليم العالي، ووزير الشئون الإسلامية، وهما المقصودان الأساسيان من هذا الذي تم؛ حيث إنه كان من الضروري استكمال التعديلات في وزارتَيْ الصحة والإعلام بعد عزل الوزيرَيْن السابقَيْن، وعدم تعيين بديل لهما، بالإضافة إلى وجود مطالب قديمة بتعديل بعض المناصب الوزارية في وزارات الخدمات.

• ارتباط أبا الخيل بمؤسسة الحُكم واستبدال آل الشيخ به، وكذلك الإطاحة بالعنقري، صاحب الفكر الليبرالي المنفتح على الغرب، والذي قادت سياساته الفاشلة في موضوع الابتعاث إلى تسلل الأفكار المتطرفة في صفوف الشباب السعودي في بلاد الابتعاث، لا يعني محاصرة التيارات الفكرية المتطرفة فحسب، أو ضمن التصدي لما يعرف في المملكة بأصحاب الفكر الضال، وإنما يعني أيضًا مواجهة الصحويين على المنابر المسجدية، وفي مناهج ومنابر التعليم التعليم العالي، بعد اتساع نطاق التعليم الجامعي في المملكة ليشمل 34 جامعة حكومية وخاصة.

• من واقع متابعة اتجاهات الرأي للإعلام السعودي، خلال العام 1435 هجرية؛ سوف نجد أنه من ضمن “التوصيات” المهمة التي كانت الأقلام السعودية ذات التأثير تطرحها من خلال وسائل الإعلام المقروءة والمرئية، ومختلف ما تم رصده، على صانع القرار، ضمن الحرب على التيار الصحوي والإخوان المسلمين؛ كانت قضية “محاصرة الأفكار”، بما في ذلك محاصرة فكر حسن البنا وسيد قطب، ومصادر الإخوان المسلمين بشكل عام، سواء في المكتبات أو على مستوى مناهج التعليم الجامعي وما قبل الجامعي، ومحاصرة الأكاديميين وأئمة المساجد المنتمين للتيار.

• إن التعديل الوزاري الأخير، له صلته بهذه الحرب، وهو ما يجب وضعه في الحسبان عند تخطيط سياسات الانتشار المجتمعي، والتفاعل في الإطار المسجدي، وفي إطار المنابر الجامعية، وعلى مختلف المستويات الأخرى؛ لأن التعديل الوزاري بهذا المعنى؛ مرتبط بسياسات أخرى في مستويات أخرى، اجتماعية وثقافية وإعلامية.

•ومن التوصيات المقترحة في هذا الإطار، هو التأسيس لإطار إعلامي مستقل لتيار الاخوان بالمعنى الواسع للعمل الإعلامي، والذي يشمل الإعلام المجتمعي المباشر، مثل الصالونات والجلسات الخاصة، بالإضافة إلى سياسات العمل الإعلامي والأكاديمي البحثي من خارج المملكة، مع المزيد من الاعتمادية على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” غير القابل للحظر أو المنع بالمعنى الكامل، من جانب السلطات، مع التأسيس لخطاب إعلامي بديل، يعمل على الاعتراف بأخطاء المرحلة الماضية، والتأكيد على العمل على التأسيس لمرحلة جديدة تتفادى هذه الأخطاء.

• فيما يخص مصر، فإن التعديل الوزاري الأخير لا يجب النظر إليه في الإطار المباشر لانتفاء العلاقة المباشرة، ولكن مصر قائمة في الإطار العام الذي رسمته هذه الورقة، والتي جاء في إطارها التعديل الوزاري الأخير، والتي ترتبط بالتغييرات التي جرت في المناصب الكبرى في وزارة الدفاع والحكومة بشكل عام وأمراء المناطق، وغير ذلك.

• فهذه التحولات التي رصدتها الورقة، تكرس وجود تيار بعينه في الحكم في المملكة، وسوف يكون له استمراريته في الحكم لسنوات قادمة، وهذا التيار يعادي الإخوان المسلمين ومشروعهم الإقليمي والأممي، ويوالي النظام الانقلابي الحالي في مصر، ومن ثَمَّ؛ فإنه يجب العمل على تعديل المواقف فيما يخص التعامل مع النظام السعودي وفق هذه الرؤية.

• والنقطة أو الملاحظة الأهم التي يجب العمل على النظر لها في هذا الأمر، هو كيفية اللعب على التناقضات الداخلية القائمة في النظام السعودي، وفق مايراه المعنيون بالأمر في هذا الخصوص في الداخل السعودي أو خارجه على حد سواء.

ثانياً: برنامج عمل تنفيذي

هناك- بالفعل- إمكانيات للتعامل مع التناقضات الداخلية القائمة في النظام السعودي، وذلك وفق ما يراه المعنيون بالأمر داخل التيار الصحوي والقوى العاملة في مجال التغيير والإصلاح، سواء في مصر، أو في الداخل السعودي، أو في الخارج، على حد سواء. ولكن التعامل على هذه التناقضات يتضمن مراعاة مجموعة من الأمور التأسيسية التي يجب تحديد الموقف منها، وهي على النحو التالي:

الأمر الأول: هل هذه التناقضات داخل العائلة المالكة تصل إلى مستوى التعاون مع أطراف، مثل التيار الصحوي- الخصم الأول للنظام الحاكم في المملكة- والقوى الداعية لإسقاط نظام آل سعود، بشكل عام؟

مع ملاحظة أن الجميع على إدراك أن تمكين مشروع الإخوان المسلمين في مصر على وجه الخصوص، يعني فتح المجال لذلك في المملكة العربية السعودية ومنطقة الخليج العربية. وبالتالي فهو يعني إسقاط كافة المميزات التي يتمتع بها أمراء الأسرة الحاكمة، والدوائر القريبة منها ذات النفاذية في مؤسسات الدولة والحكم، وصاحبة التأثير في المجتمع، وقد يعني فرار بعضهم إلى منافٍ خارج بلادهم.

ومن ثَمَّ؛ فإن أية محاولة مباشرة لتوظيف هذه التناقضات من جانب القوى السياسية المختلفة التي تعارض آل سعود، لن تكون مجدية إلى حدٍّ كبير؛ لأنه مهما كانت هذه التناقضات؛ فإن إدارتها من جانب خصوم الملك وولي عهده- حتى لو كان هناك خلافات بين الطرفَيْن، لن تصل إلى مستوى التعامل مع أطراف تعمل على هدم إطار الحكم القائم الذي يضمن لهم مكتسباتهم ومصالحهم.

وهو ذات المنطق الذي يحكم موقف رجال الأعمال والإعلام الخاص في مصر من بقايا نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك من الانقلاب وقائده عبد الفتاح السيسي؛ حيث هناك خلافات كبيرة بين الجانبَيْن على المصالح والمكاسب، بالإضافة إلى ضغانات قديمة، إلا أنهم لن يدخلوا في تحالفات مع الإخوان المسلمين، أو أية قوىً أخرى تساعد على إسقاط الانقلاب بالكامل.

الأمر الثاني: ما هي قدرة الأوساط الصحوية والمعارضة داخل وخارج المملكة، على التحرك في صفوف أطراف محسوبة أو جزء من النظام الحاكم في المملكة العربية السعودية؟ وهذه النقطة شديدة الأهمية؛ لأنها مفصلية فيما يتعلق بجدوى أو فاعلية الحراك نفسه، وجانبه الآخر، المتعلق بردة فعل النظام الحاكم لو استشعر ذلك؛ حيث يمكن أن يكون أي حراك في هذا الاتجاه له آثار سلبية أكثر منه إيجابية.

الأمر الثالث: هو أن ارتباط النظام السعودي بالأوضاع الحالية والنظام الحالي في مصر، هو ارتباط عضوي، ولا يمكن أن يكون موضع ارتهان لأي طرف سياسي أو مجتمعي، أو لأي ظرف سياسي أو أمني أو اقتصادي. وهو ما بدا في أزمة انخفاض أسعار النفط؛ حيث سارعت أوساط رسمية سعودية- وإماراتية أيضًا- للتأكيد على استمرار الدعم السعودي والخليجي لمصر، حتى بعد الانخفاض الكبير في أسعار النفط، مع إعلان أوساط سعودية نية المملكة وضع وديعة جديدة بمليار دولار في البنك المركزي المصري، لتعويض الانخفاض الكبير في الاحتياطي المصري من النقد الأجنبي.

———————————-

الهوامش:

(1) الأراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات، ولكن تعبر عن وجهة نظر كاتبها

(2) يقول سايمون هندرسون، مدير برنامج الخليج وسياسة الطاقة في معهد واشنطن، وهو أحد المعاهد المحسوبة على اليمين الأمريكي المحافِظ، إن وزير الشؤون الإسلامية المُقال، والذي ينتمي إلى عائلة آل الشيخ ذات الروابط الأسرية الكبيرة والمحافظة جدًّا، والتي تتمتع بتأثير واسع النطاق، لم يُستبدل بوزير آخر من عائلة الشيخ، وهذا يعني أن أيَّ عضو من هذه العائلة لا يشغل مناصب وزارية للمرة الأولى منذ عقود.

(3) في تعقيبه على التغيير الوزاري؛ يقول الدكتور سعد الفقيه، المعارض السعودي الشهير، المقيم في لندن، على حسابه في موقع التواصل الاجتماعي “تويتر”، إن “التغيير الوزاري لا يعني شيئًا بمفهوم الأداء والمسؤولية والكفاءة، ولا دافع للتغيير سوى خداع  المواطن، والقول بأن هناك تجديدًا في الدولة”. ويشير د. الفقيه إلى أن “التغيير الوزاري لم يشمل وزارات تحت مسؤولية آل سعود، فليس له قيمة، ومعروف أن الوزراء من غير آل سعود يتم تعيينهم وعزلهم بجرة قلم”.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *