الشرق الأوسطترجمات

السبيل الوحيد لإنهاء الحرب في اليمن

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

المقال الأصلي:

Jeffrey Feltman , « The Only Way to End the War in Yemen : Saudi Arabia Must Move First », Foreign Affairs (November 26, 2018)

كانت الحرب في اليمن كارثة بالنسبة لمصالح الولايات المتحدة والمصالح السعودية على حد سواء وقبل كل شيء كارثة بالنسبة للشعب اليمني، فقد أشعلت أكبر كارثة إنسانية في العالم: إذ قُتل عشرات الآلاف من المدنيين وأصبح ما يقارب 14 مليون شخص معرضين لخطر المجاعة، وكانت خطأً استراتيجيا كذلك مما أدى إلى النتائج المحددة التي عملت الحملة العسكرية بقيادة السعودية على منع حدوثها، فالحوثيون أكثر تطورا عسكريا وأكثر قدرة على مهاجمة حدود اليمن مما كانوا عليه في بداية الحرب، إضافة إلى توسع النفوذ الإيراني وتعمق العلاقة بين الحوثيين وحزب الله اللبناني بشكل أكبر ورغم أن الإمارات العربية المتحدة خاضت معركة فعالة ضد القاعدة في اليمن، إلا أن الإرهاب لا يزال يشكل تهديدا خطيرا.

أصرت المملكة العربية السعودية لثلاث سنوات ونصف، مع انخفاض مصداقيتها، على أن النصر العسكري وشيك، ولمدة طويلة غضت الولايات المتحدة والقوى الأخرى النظر عن عواقب التدخل لكن اغتيال الصحفي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية بإسطنبول في أكتوبر قد ركز اهتمام العالم على سلوك المملكة المتهور -بما في ذلك حربها الكارثية في اليمن-.

دعا كل من مايك بومبيو وزير خارجية الولايات المتحدة وجيمس ماتيس وزير الدفاع الأمريكي في وقت متأخر من أكتوبر 2018 إلى إنهاء القتال، وأعربا عن تأييدهما العلني لمحادثات السلام التي اقترحتها الأمم المتحدة. ولكن دفع حرب معقدة مثل تلك التي تدور في اليمن للوصول إلى وقف لإطلاق النار من خلال المحادثات سوف يستغرق وقتا طويلا، ستعاني من خلاله البلاد أكثر وتتعمق الأزمة الاستراتيجية في الخليج بشكل أكبر.

هناك طريقة واحدة سريعة للمملكة العربية السعودية لإنهاء هذه الحرب العقيمة ذات النتائج العكسية، وذلك من خلال وقف حملتها العسكرية من جانب واحد وتحدي الحوثيين للرد بالمثل. القيام بذلك لن ينهي القتال داخل اليمن ولكن سيخلق الظروف اللازمة لإجراء محادثات سلام لكسب القادة اليمنيين، بدعم من الشركاء الإقليميين والدوليين، ومعالجة المشاكل الداخلية في البلاد وتنامي نفوذ إيران على حد سواء وعليه يجب على الولايات المتحدة أن تقود تحالفا للقوى يدفع المملكة العربية السعودية للتحرك أولا، بدلا من السماح لها بإطالة أمد المحادثات في  إطار حرب محتدمة.

المحادثات لن توقف الحرب

اهتم مارتن غريفيث المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن منذ فيفري 2018، بالمهمة الصعبة المتمثلة في إجراء محادثات سلام ذات مغزى، بحيث ركز جهوده على عدة جبهات في وقت واحد، فقد سعى إلى تأمين وصول المساعدات الإنسانية إلى ميناء الحديدة في البحر الأحمر والذي يمر عبره أكثر من 70% من واردات اليمن، كما سعى في الوقت نفسه إلى إقناع التحالف الذي تقوده السعودية بالامتناع عن توجيه ضربات جوية ردا على الهجمات الصاروخية والصواريخ عبر الحدود من طرف الحوثيين، كما عمل على بناء الثقة لكلا الجانبين من خلال خطوات مثل تبادل الأسرى وقيادة محادثات سياسية تتناول الترتيبات الانتقالية وخطر انفصال الجنوب.

يبدو نهج غريفيث معقولا، بحيث يمكن للقادة من الجانبين أن يقبلوا الأمر بسهولة أكبر (وبإمكان الأمم المتحدة أن تلعب دور الوسيط) لوقف إطلاق القذائف الحوثية والغارات الجوية السعودية ثم التوصل لوقف إطلاق نار شامل. يبدو غريفيث حكيما من خلال تقريره بدأ المناقشات السياسية دون انتظار وقف الأعمال العدائية أو انتظار الإجابة على سؤال “من يذهب أولا”، إضافة على ذلك وضع جدول أعماله لليمن في الوقت الذي كانت الولايات المتحدة أكثر تقبلا. ويبدو أنه قد حصل على دعم من المسؤولين في إدارة ترامب خلال المشاورات التي قام بها مؤخرا في واشنطن، بما في ذلك التي قام بها مع ماتيس فقبل أيام فقط أعلن وزير الدفاع عن دعمه لمحادثات السلام في حوار المنامة، وهو منتدى أمني رفيع المستوى يُعقد سنويا في البحرين، برعاية المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية.

لكن المشكلة في استراتيجية غريفيث للتفاوض “خطوة بخطوة” أنها ستستغرق وقتا طويلا، ففي اليمن  تدور حرب كارثية ويواجه حوالي نصف السكان مجاعة محتملة وعليه لا مجال للمشاحنات، لكن التشاحن هو بالضبط ما تدعو له عملية غريفيث، ويرجع ذلك جزئيا إلى إمكانية جعل المفاوضات رهينة لمطالب غير معقولة من كلا المتحاربين، وعليه يمكن لمحاولات التفاوض على وقف إطلاق النار أن تتشابك بسهولة مع مسألة القيادة الانتقالية.

يعتبر رئيس اليمن غير الشعبي عبد ربه منصور هادي ذو الحالة الصحية السيئة غير مقبول على نطاق واسع، فهو يعلم جيدا بأن داعميه-المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة -سوف يسعدون بدفعه من أجل حل النزاع، وهذه المعرفة تجعله مفاوضا صعبا ومضطربا. لكن استبدال منصور هادي سيكون معقدا، فنائب الرئيس اللواء علي محسن مكروه من طرف الحوثيين لدوره في الحروب الوحشية ضدهم من 2004 إلى 2009، ولا يثق به الإماراتيون لكونه عضوا في حزب الإخوان المسلمين اليمني فبدون مرشح واضح للقيادة الانتقالية يمكن أن تكسب تأييد طائفة واسعة من اليمنيين وداعميهم من الخارج، فإن تكييف وقف إطلاق النار على اتفاق التعاقب سيطيل القتال.

الطريق إلى السلام تدار من خلال الرياض

إنهاء الحملة العسكرية السعودية من جانب واحد سيخدم مصالح الرياض بقدر ما سيخدم مصالح الجميع إذ لن ينتهي هذا التوقف عن إراقة الدماء في اليمن فحسب، بل قد يبطئ أو يوقف تدهور سمعة السعودية العالمية. إذا كانت السعودية تنتظر إنهاء النزاع من خلال محادثات تهدف إلى وقف إطلاق النار، فقد يقرر الحوثيون أن المملكة ستخسر أكثر مما سيخسرونه في استمرار الأعمال العدائية. وعليه يمكن للحوثيين الحصول على اليد العليا في المفاوضات واحتجازهم رهائن من خلال تقديم طلبات غير معقولة للسعوديين.

مع ذلك، لا يبدو أن السعوديين يتحركون في هذا الاتجاه. بحيث أجابوا على دعوات السلام من بومبيو وماتيس بمزيد من الضربات الجوية. ولا يبدو أن توقف إدارة ترامب في نوفمبر عن إعادة التزود بالوقود في الجو لرحلات طيران التحالف السعودي قد غيّر الحسابات السعودية. من الواضح أن الولايات المتحدة بحاجة إلى وسائل أخرى لإقناع السعودية. كانت هناك دعوات متكررة لتعليق مبيعات الأسلحة إلى الرياض. لكن بروس ريدل وهو زميل بارز في معهد بروكينغز، أشار إلى أن تعليق بيع قطع الغيار العسكرية إلى المملكة العربية السعودية سيؤدي سريعا إلى إطاحة القوات الجوية السعودية وبالتالي سيكون أكثر فعالية. إن الكونجرس الأمريكي مستعد حاليا لاتخاذ إجراءات عقابية ضد المملكة العربية السعودية ويمكن لإدارة ترامب أن تستخدم ذلك كوسيلة ضغط.

إن الوقف السعودي الأحادي الجانب محفوف بالمخاطر. فالحوثيين – الذين أشعلوا الحرب مع سيطرتهم العسكرية في عام 2014 – سيستغلون ذلك دون شك ليبشروا بانتصار “مقاومتهم” ضد قوة النار التي أطلقت ضدهم.  كما أن هناك احتمال من تفسير ذلك على أنه انتصار لإيران. فقد بالغت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بدرجة النفوذ الإيراني على الحوثيين في بداية الحرب كجزء من تبريرها للتدخل. لكن اليوم، على الرغم من أن الحوثيين لا يزالون غير تابعين لإيران بالطريقة نفسها مثل حزب الله في لبنان إلا أن النفوذ الإيراني في اليمن تزايد بشكل كبير.

لكن التهديد بتوسيع النفوذ الإيراني ليس سببا لتأجيل وقف إطلاق النار. في حين أن إنهاء الحرب من جانب واحد والتركيز على المحادثات السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة لن يقضي على النفوذ الإيراني فمثل هذه الخطوات يمكن أن توقف هذا التوسع. من ناحية أخرى، فإن الحرب المستعرة في اليمن لن تؤدي إلا إلى نتائج مماثلة للحروب في العراق ولبنان: وجود إيراني راسخ بشكل دائم يعمل من خلال وكلاء عسكريين وفي نهاية المطاف قادر على توجيه السياسة الداخلية.

إن وقف إطلاق النار السعودي لا يمثل العلاج الفعال لكل المشاكل. فليس هناك ما يضمن أن الحوثيين سيردون بموافقتهم على تقاسم السلطة مع الزعماء اليمنيين المدعومين من السعودية أو أن الجنوب سيتوقف عن محاولاته للانفصال. فمن المرجح أن يستمر القتال المحلي على مستوى أدنى، حتى لو انتهت الحرب بين الحوثيين والسعوديين. فإن المملكة العربية السعودية ستستفيد من وقف عملياتها العسكرية حتى لو رد الحوثيون من خلال الاستمرار في إطلاق الصواريخ عبر الحدود: سيكون عكس هذا الدور في صالح السعوديين. سيحول العالم انتباهه إلى الحوثيين باعتبارهم المعتدين والمفسدين، وسيتم التسامح على نطاق واسع مع الدفاع السعودي عن النفس.

بعد توقف القتال

حرب اليمن لها جذور عميقة في السياسة التي تشوبها الريبة. فمنذ عام 2004 وحتى الإطاحة بالرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح في نوفمبر 2011، قام بدعم من السعودية، بتحريض حملات عسكرية متعددة ضد أنصار الله، الحركة السياسية للحوثيين. لقد وعد صالح بتحقيق انتصارات سريعة لكن تم تقويضه مرارا وتكرارا بمقاومة الحوثي القوية المدهشة، والتي تنذر بمصير السعوديين في الحرب الحالية.

لقد شارك الحوثيون عام 2011 في الاحتجاجات الشعبية ضد صالح، مما أقنع دول مجلس التعاون الخليجي-المعنية بالحفاظ على الاستقرار– بوجوب الانخراط في الأمر. فقد ساعد مجلس التعاون الخليجي بتشجيع قوي من الولايات المتحدة، بإزاحة صالح جانبا لحساب منصور هادي، الذي كان نائبه في ذلك الوقت. وعليه فقد تولى هادي السيطرة على حكومة انتقالية تحولت في النهاية إلى حكومة معترف بها دوليا لكنها عاجزة فعليا بقيادته اليوم.

فيما عقدت الأمم المتحدة مؤتمرا في 2013-2014 كُلف بإنهاء الفترة الانتقالية والتوصل إلى اتفاقات بشأن الانتخابات وتقاسم السلطة. كان الحوثيون مشاركين حذرين، ومنذ ذلك الحين أصبح من الواضح أن وفد الحوثي إما فشل في التفاوض بحسن نية أو لم يحظ بتأييد قيادته السياسية. واستغل الحوثيون في سبتمبر 2014 فرصة المظاهرات الشعبية ضد أسعار الوقود للاستيلاء على السلطة بالقوة. في فيفري 2015، سيطروا على صنعاء بالكامل. وقد قدم صالح، وهو خصم الحوثيين السابق، مساعدة حاسمة في هذا الجهد.

على الأرجح، الأمر الذي أدى إلى زيادة الضغينة ضده، مما أدى لدفعه جانبا لحساب منصور هادي في عام 2011، فقد أغضب صالح داعميه السعوديين السابقين عن طريق مواءمة نفسه مع القوات المسلحة الموالية له مع الحوثيين، الذين عارضهم بشدة سابقا بمساعدة سعودية لسنوات عديدة (صالح بدوره قتل على يد الحوثيين في ديسمبر 2017، عندما حاول التحول بين الجانبين مرة أخرى والانضمام إلى القتال السعودي ضد الحوثيين).

كان الهدف المعلن للحملة العسكرية التي قادتها السعودية والتي بدأت في مارس 2015 هو إعادة حكومة منصور هادي المعترف بها دوليا والتي أصبحت الآن منفية إلى صنعاء. ما دفع المملكة المتحدة والولايات المتحدة بوضع قرار يوفر غطاء للمملكة العربية السعودية من خلال مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة (روسيا امتنعت عن التصويت). بحيث طالب القرار 2216 بأن يقوم الحوثيون “فورا وبلا شروط” بسحب قواتهم من جميع المناطق التي استولوا عليها. والتخلي عن الأسلحة التي تم الاستيلاء عليها من الدولة “ووقف جميع الأعمال التي هي حصرا في يد وسلطة الحكومة الشرعية في اليمن”.

لقد طالب القرار 2216 بالاستسلام غير المشروط لحركة أثبتت مرارا وتكرارا قدرتها العسكرية على الصمود. فبدلا من تقديم صيغة تفاوضية من أجل إنهاء النزاع، أصبح القرار 2216 بمثابة أداة غير مفيدة في أيدي السعوديين والإماراتيين: فإذا لم يؤكد مبعوث الأمم المتحدة على سبيل المثال على شروط القرار بشكل كاف، فإن السعوديين والإماراتيين سيعتبرون أنه يتعاطف مع الحوثي. وإذا أكد المبعوث على شروط القرار 2216، من ناحية أخرى سيزيد من الشكوك الحوثية ويستفز مقاطعة الحوثي لاجتماعات الأمم المتحدة. وعليه إذا قررت المملكة العربية السعودية إنهاء العمليات العسكرية، فعلى مجلس الأمن أن يصدر قرارا جديدا يدعم هذا القرار، والذي من شأنه أن يمنح غريفيث وفريقه الأممي تفويضا أكثر واقعية للمحادثات.

تقدير الخسائر

بعد ثلاث سنوات ونصف، لا تزال أهداف التحالف الذي تقوده السعودية بعيدة المنال، بينما تتدهور الأوضاع في اليمن: الوضع الإنساني يزداد سوءا، انتشار المرض، كما أن الحوثيون أكثر ترسخا من أي وقت مضى، والنفوذ الإيراني في تزايد. وعليه فاليمن بحاجة ماسة إلى مفاوضات بحسن نية بشأن ترتيبات سياسية وأمنية طويلة الأجل. في حين يعتبر الدعم من بومبيو وماتيس للمحادثات السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة تطور مرحب به.

لكن المفاوضات لن تتفوق على الكارثة الإنسانية القادمة أو تشتت انتباه العالم عن سلوك المملكة العربية المشكوك فيه في هذه الحرب. إن المخاطر الأمنية التي تتعرض لها المملكة العربية السعودية من ميليشيا شبيهة بمهارات حزب الله المتطورة والوجود العسكري الإيراني المتنامي على الجانب السعودي من الحدود واضحة وأكثر حدة مع استمرار الحرب. وعليه فوقف إطلاق النار السعودي الأحادي الجانب سينقذ الأرواح ويمكنه تغيير أحداث الحرب للتركيز على التهديدات الحقيقية. لكن من غير المرجح أن تقوم المملكة العربية السعودية بهذا التحرك ما لم تثبت الولايات المتحدة لها أن استمرار الحرب سيؤدي إلى تكاليف بالغة للعلاقة بين البلدين ( ).


(*) الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *