دراساتأسيا وافريقيا

الصراع في بوروندي: المواقف الإقليمية والدولية

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

تمهيد

قد كانت المواقف الإقليمية، والدولية متفقة في رغبتها في عدم ترشح الرئيس البوروندي بيير نكورونزيزا لولاية ثالثة، في حين حذرت حكومة بوروندي الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وكذلك الاتحاد الأفريقي من مغبة التدخل، أو اتخاذ أي خطوات فعلية ضد الدولة لإشعال العنف في البلاد. بالتالي كانت هذه التصريحات من قبل الرئيس البوروندي، والحكومة توضح مدى تصاعد الأزمة، مع تحدي الرئاسة للقوى الإقليمية والدولية؛ والتي نجدها على النحو التالي:

المطلب الأول: المواقف الإقليمية:

لم تؤثر الأزمة فقط داخليًا، وإنما أثرت على دول الجوار الإقليمي، فلم يكن بمنأة عن الصراع الدائر في الدولة، بالتالي تعددت المواقف، والقرارات الإقليمية بشأن الأوضاع في بوروندي، فضلاً عن الوساطة الإقليمية، لحل وتسوية الأزمة، حيث عقدت تلك الدول أكثر من قمة رئاسية بمشاركة رئيس جنوب أفريقيا، ورئيسة مفوضية الاتحاد الأفريقي للبحث في الأوضاع في بوروندي، وأٌختير الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني للعمل على التوفيق بين الحكومة البوروندية والمعارضة للتوصل إلى حلول. اما على صعيد الدول فرادى، والمنظمات الإقليمية نجد مايلي:

1- تنزانيا

منذ التسعينات قامت تنزانيا بدور فعال في الأزمة البوروندية من خلال عمليات التوسط، واستقبال قادة المعارضة لحل، وتسوية الصراع الدائر في الدولة، وكان من أهم الاتفاقيات، التي عقدت بواسطتها هو اتفاق أروشا للسلام عام 2000م، والذي كان له دور كبير في إنهاء الحرب الأهلية في بوروندي، التي عصفت بالدولة في التسعينيات، وخلَّفت الألاف من الضحايا.

وفي أعقاب أزمة التعديلات الدستورية الأخيرة لعام 2015م، استضافت الرئاسة التنزانية مؤتمرًا لدول شرق أفريقيا بهدف تسوية الأزمة السياسية في بوروندي، وضمان إجراء الانتخابات بشكل سلمي في البلاد، وذلك بحضور رؤساء تنزانيا، وأوغندا، وكينيا، ورواندا، وبوروندي، الذين يشكلون السوق المشتركة لشرق أفريقيا، حيث طالب المؤتمر بضرورة وقف أعمال العنف، والاحتكام إلى الدستور، والقانون 1 .

من ثم يعتبر الدور تنزانيا من أهم الأدوار في تسوية الأزمة، ويرجع ذلك لعمليات اللجوء، التي يخلفها الصراع، حيث تستضيف الدولة الألاف من اللاجئين البورونديين، وهو مايشكل عبئًا اقتصادياً على الدولة، فضلاً عن الخوف من امتداده إلى دور الجوار، والتي عانت منها تلك الدول منذ الحروب الأهلية، وحتى الأن، خاصة خوف تلك الأنظمة من امتداد تظاهرات، واحتجاجات التعديلات الدستورية إليها، بالتالي دفع ذلك الدور التنزاني إلى تسوية الأزمة في بوروندي، مع رفض كلاً من رواندا وتنزانيا نشر قوات حفظ السلام في بوروندي دون موافقة الحكومة البوروندية وقرار مجلس الأمن، تخوفاً من تحدي تلك القوة ومواجهتها عسكريًا من قبل الحكومة، خاصة وأن الوضع البوروندي من الأوضاع المؤدية للتوتر، وتأثيره كبير على دول الجوار بالشكل السلبي، وهو الذي يدفع دائمًا دول الجوار إلى الإسراع في تسوية الأزمة خوفًا من امتدادها.

2- الاتحاد الافريقي

كان موقف الاتحاد الأفريقي في بداية الأزمة قائم على التنديد بأعمال العنف، وتهديد النظام بقوات أفريقية لحفظ الأمن في الدولة، حيث حذر من تداعيات الأزمة، التي من المحتمل أن تنذر بوقوعه، والمنطقة بشكل أوسع في “كارثة”، خاصة بعد مقتل مسؤول عسكري كبير وسط تصاعد العنف. خاصة بعد قتل مسلحون مجهولون الكولونيل جين بيكوماجو – وهو رئيس أركان سابق – خارج منزله في بوجومبورا؛ وهو الأمر الذي زاد من التخوف نتيجة تصاعد أعمال العنف، والاغتيالات. كما حثت رئيسة مفوضية الاتحاد الأفريقي دلاميني زوما في بيان على ممارسة أقصى درجات ضبط النفس، والامتناع عن أي عمل من أعمال العنف قد يؤدي الى تشريد السكان من مناطقهم2 .

بالرغم من إصراره على التدخل بقواته لحل الصراع في حالة استمرار الوضع دون حل فاعل، أو توافق بين الطرفين، والذي أمهل الحكومة البورورندية فترة 96 ساعة لتسوية الأزمة، مع تهديده بالقول “: إنه لا يزال ينتظر الموافقة والرد”، والتي هددت بإرسال قوات عسكرية قوامها 5000 جندي لحفظ السلم والأمن في بوروندي، إلا أنه لم يتخذ قرارات فعليه نحو نشر قوات دولية لحفظ الأمن، حيث هددت الرئاسة البوروندية بأنه إذا جاءت قوات الاتحاد الإفريقي مابروبو MAPROBU دون موافقة الحكومة، ستعلن الحكومة البوروندية أنها قوات غزو واحتلال، وعلى القوات البوروندية محاربة قوة الاتحاد الإفريقي، خاصة بعد قرار البرلمان البوروندي بالإجماع على رفض نشر قوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي. والذي اقترح أيضاً نشر قوات أفريقيا الشرقية الاحتياطية (إيساف EASF والمكونة من 10 دول أعضاء هم بوروندي، جزر القمر، وجيبوتي، وإثيوبيا وكينيا، ورواندا، سيشيل، الصومال، والسودان، وأوغندا) في حالة انهيار الأوضاع السياسية، واستمرار العنف. ولكن لم يلقى هذا الأمر أيضاً قراراً قاطعاً يبت في وجود قوات فعلية في الدولة 3 .

حيث تقتضي بعثات الاتحاد الافريقي مابروبو MAPROBU على العديد من المهام على النحو التالي 4:

(أ) منع حدوث أي تدهور في الوضع الأمني، ورصد التطورات على أرض الواقع؛

(ب) المساهمة، في حدود قدراتها، وفي مناطق انتشارها، في حماية السكان المدنيين المعرضين لخطر وشيك؛

(ج) تسهم في خلق الظروف اللازمة لإجراء الحوار بين الأطراف البوروندية بنجاح، والحفاظ على المكاسب، التي تحققت من خلال “اتفاق أروشا” للسلام، والمصالحة في بوروندي؛

(د) أن تيسر، بالتعاون، حسب الاقتضاء، مع أطراف دولية أخرى، تنفيذ أي اتفاق من شأنه يجمع الأطراف البوروندية حول تسوية الأزمة، فلا تقتصر على نزع أسلحة الميليشيات والمجموعات غير الشرعية الأخرى، بل حماية الشخصيات السياسية والعناصر الفاعلة الأخرى، التي تكون مهددة بأمنها؛

(ه) حماية موظفي الاتحاد الأفريقي،

وبالرغم من أهمية تلك القوة التابعة للاتحاد الأفريقي في ضبط الأوضاع الغير مستقرة، وإحلال الأمن والاستقرار، فإنه لم يؤخذ قراراً فعلياً بنشرها، واتجهت جل السياسات نحو تدعيم النظام، وإجراء الانتخابات في موعدها مع بقاء الرئيس في السلطة، واتخاذ طريق المفاوضات.

بالتالي صرح سفير بوروندي أن الاتحاد الأفريقي عمل على التوصل، وتنفيذ اتفاق أروشا على مختلف المستويات، وكل الأسئلة المتعلقة بالأمن، والتي تهدد السلام، والأمن الوطني من أجل الرؤية الحسنة لوضع بوروندي، بالتالي قرر الاتحاد الإفريقي جملة من القرارات، أهمها السماح بوصول الشباب إلى الحكم، حيث تم تعيين ملاحظين من أجل إرسالهم إلى بوروندي أثناء هذه الفترة لمراقبة الوضع بعد النتائج الانتخابية 5 .

أيضاً، علق الرئيس التشادي إدريس ديبي، والرئيس الدوري للاتحاد الأفريقي في اختتام قمة الاتحاد الأفريقي الـ 26 في أديس أبابا عن الأزمات الداخلية في كل من جنوب السودان، وبورندي بالقول” أن الحوار يجب أن يكون هو الأولوية”، وأضاف ” يجب على الاتحاد الأفريقي أن يواصل جهوده من أجل تحقيق الاستقرار في هذه البلدان، وهذا يمر عبر الوقف الفوري لأعمال العنف” كما علق على أحداث بوروندي أيضاً بالقول ” لم يعد بإمكاننا القبول بموت آلاف الأفارقة في الصراعات السياسية سنواصل بحذر، ويقظة كبيرين، تطور الوضع في البلدان، وأي بلد أفريقي أخر يوجد في وضعية صعبة”، وتعقيبًا على الوضع السياسي المتأزم في بوروندي، قال إبراهيم فال، المكلف من الاتحاد الأفريقي بملف البحيرات العظمى لجريدة الشرق الأوسط، “أن الجهود الأفريقية لا تزال مستمرة لحل الأزمة في بوروندي”، وأضاف “كانت هناك صعوبات في البداية عندما تدهور الوضع الأمني، وقرر الاتحاد الأفريقي إرسال قوة عسكرية إلى بوروندي، وهو مارفضته السلطات البوروندية قبل أن ترضخ أمام الضغط الأفريقي، نحن جادون في مساعينا لإحلال السلام في بوروندي، وسنعمل على فتح حوار ينهي الأزمة في بوروندي” 6.

بالتالي توضح هذه التصريحات العديدة من زعماء دول الجوار أنها تسير في إطار الدبلوماسية على الصعيد الإقليمي حيال تلك الأزمة، ما أدى إلى إصرار نكورونزيزا على بقائه في السلطة، خاصة وأن هذه العقوبات التي صرح بها الاتحاد الأفريقي جاءت في إطار تهديدى دون تفعيل قرارات ملزمة من شأنها تحجم العنف في البلاد بعد مقتل أكثر من مائتي شخص، حسب تقارير الأمم المتحدة.

من ثم فإن الأزمة جعلت الاتحاد الأفريقي في مفترق طرق ما بين إرسال قوات لحفظ السلام في الدولة، أو التوسط لحل الأزمة سياسيًا، وإن أثبت في النهاية وقوفه إلى جانب النظام في تمرير التعديلات الدستورية، هذا بدوره يضع احتمالاً لتأجج المعارضة، مع فشل التسويات لإزاحة الرئيس. من ثم فإن موقف الاتحاد الأفريقي يثبت عدم التأثير في الوضع السياسي للدولة، ووقف العبث بالدستور من قبل النظام، والعديد من الأنظمة الأخرى، التي مررت فيها التعديلات الدستورية، وهذا يقودنا إلى معرفة مدى فعالية الاتحاد الأفريقي كقوة أفريقية مانعة من عدمها، والتي توضح أن جهازه السياسي يتميز بالافتقار إلى الفاعلية، وعدم التأثير في الأوضاع بما يتيح الأخذ بنماذج الديمقراطية الفعالة، وإحجام العنف في الدول الأفريقية، ومنع الأنظمة الأفريقية من العبث بدساتيرها تحت مسمى الديمقراطية، وحماية الأمن، والاستقرار في الدولة.

حيث تعاني مؤسسة السلم والأمن التابعة للاتحاد الأفريقي من محدودية فعالية المؤسسات القضائية التي بحوزتها. فعلى سبيل المثال يتضمن ميثاق الاتحاد الإفريقي نصوصاً تمنع العبث بدساتير الدول الأعضاء، وتقر فرض العقوبات على الرؤساء الذين يقومون بذلك، لكنها لم تدخل قيد التنفيذ حتى الآن. فضلاً عن المحور الدولي، وعلى رأسه الأمم المتحدة الذي لا يستطيع الاتحاد الأفريقي أن يتخذ قراراً فردياً بمعزل عنه، بل يعتبر مؤسسة خاضعة لقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن 7 .

من ثم كان موقف الاتحاد الأفريقي يسير في الإطار الدبلوماسي ودعم النظام البوروندي، وتسوية الأزمة سلمياً من خلال جهود الوساطة بين النظام والمعارضة، وهو مأكد عليه الوفد الرئاسي من قادة الاتحاد الأفريقي، الذي يقوده رئيس جنوب أفريقيا “جاكوب زوما”، ويضم قادة موريتانيا، والسنغال، والجابون، وإثيوبيا، الذي اختتم زيارته إلى العاصمة البوروندية، وعقد عدة لقاءات مع الرئيس وحكومته وأعضاء جبهة المعارضة.

حيث أكد الرئيس زوما أن موقف الاتحاد الأفريقي في قمة 31 يناير 2016م من الأزمة في بوروندي كان دعم جهود الوساطة بين الحكومة والمعارضة، التي يقوم بها الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني. وقال “زوما” إن الاتحاد الأفريقي ألغى اقتراح إرسال قوة حفظ سلام قوامها خمسة آلاف جندي إلى بوروندي، استجابة لطلب الحكومة 8 . خاصة بعد إجراء الرئيس البوروندي مباحثات مع الأمم المتحدة، استطاع على إثرها ضمان بقاءه في السلطة، في مقابل التسوية السياسية مع المعارضة، وتفعيل الاستقرار في الدولة.

3- مجموعة دول شرق إفريقيا

كانت المواقف التي اتخذتها مجموعة دول شرق أفريقيا إحدى البدائل لمنع وقوع كارثة تمتد أثارها على الصعيد الإقليمي، وتنال من الدول الهشة أمنياً وسياسيًا، حيث استنكر زعماء دول شرق أفريقيا (رواندا- بوروندي- تنزانيا- كينيا- أوغندا) محاولة الانقلاب على الرئيس البوروندي، ودعوا للعودة إلى النظام الدستوري، في حين دعا الرئيس الكيني أوهورا كينياتا ضرورة إطلاق سراح المتظاهرين من السجون، وحل الأزمة، لذلك عقد ” أوغسطين ماهيغا” وزير الشؤون الخارجية لمجموعة دول شرق إفريقيا، ووزير العلاقات الدولية لتنزانيا، اجتماعًا تشاوريًا في أروشا بشأن الوضع لمناقشة سبل التوصل إلى اتفاق. وشارك في الاجتماع كل من وزير الشؤون الخارجية الأنغولي “جورج بينتو ريبيلو شيكوتي” ، ووزير الدفاع الأوغندي “كريسبوس كيونجا”، ومُيسِّر الحوار السفير “الدكتور ريتشارد سيزيبيرا”، و”قاسمي بامبا” سكرتير مجموعة شرق إفريقيا العام من مكتب الاتحاد الأفريقي في بوروندي، ومنطقة البحيرات العظمى، حيث نادت هذه الدول والمنظمات الإقليمية والدولية بالتدخل العسكري الأجنبي بدعوى الخوف من وقوع “حرب أهلية” أو “إبادة جماعية” 9 .

من ثم كان الحل الأوحد هو الوقوف مع الرئيس نكورونزيزا في ترشحه لولاية ثالثة، والذي احتوى المعارضة من خلال قمع التمرد، وعمليات نزع السلاح، والاعتقالات، باعتبار أن التدخل العسكري الإقليمي قد يؤدي إلى لجوء كل الأطراف إلى التشدد والتسلّح مما قد يحول الأمر إلى الحرب، التي تمتد أثارها إلى الدول المجاورة مع اتخاذه أبعادًا عرقية في المقام الأول.

حيث كان الدليل على ذلك هو تصريح المبعوث الخاص للأمم المتحدة سعيد جينيت بإن مجموعة شرق إفريقيا التي تحاول بدورها التوصل إلى حل “تطالب الرئيس بأن يؤكد علنًا أن ولايته الثالثة ستكون الأخيرة، وبأن يضمن مساحة سياسية للمعارضة، وأن يعالج قضية اللاجئين” البورونديين الذين فروا إلى دول مجاورة، والتي تصرح الأمم المتحدة بأن عددهم 50 ألفًا 10 .

المطلب الثاني: المواقف الدولية تجاه الأزمة:

على الصعيد الدولي لم تكن القرارات الدولية ذات اتجاه مختلف، بل تشابهت في مواقفها مع المواقف الإقليمية، التي تعول على الأولى من حيث الدعوة لضبط النفس، والتحذير من تصاعد العنف، لكن الوضع يختلف في الإطار الدولي في مدى تأثير الأزمة على المصالح، والأهداف الغربية. حيث بدت تلك المواقف تتخذ إطارًا دبلوماسيًا، ثم تصعدت تلك المواقف إلى التهديد بوقف المساعدات، مع تصاعد أعمال العنف، فامتداد الحركات المسلحة، واستمرار الاقتتال وتهديد الاستقرار من شأنه يعرض المصالح الغربية للخطر، خاصة إذا تم استهدافها من قبل المليشيات للتأثير على صانع القرار على المستوى الدولي، وهو الأمر الذي تعول عليه دائماً حركات المعارضة، وكذلك المليشيات التابعة للنظام، من ثم كان التخوف الغربي من استمرار العنف، الذي تمتد أثاره إلى منطقة البحيرات العظمى، ومن ثم تهديد للمصالح في المنطقة بأكملها.

الأمر الذي يؤدي إلى تدعيم حركات المعارضة من جانب والنظام من جانب أخر لإمساك العصا من المنتصف بما يحقق أكبر قدر من المنفعة دون الإضرار من فشل تدعيم طرف على حساب أخر، وربما تقتضي المصالح تدعيم طرف ضد الأخر إذا رجحت كفة الانتصار له، أو تغيير موازين السياسة في الدولة حماية لنفوذ قوى ضد نفوذ قوى دولية أخرى، إذن هناك سياسات متعددة، ومصالح مختلفة من شأنها تؤثر في صانع القرار على الصعيد الدولي، وتغير من سياساته واستراتيجياته تجاه الدولة، من ثم كان اختلاف المواقف والسياسات الدولية تجاه بوروندي يرجع لاختلاف المصالح، وإن تشابهت دبلوماسياً على الصعيد الخارجي.

فقد اتّهم الحزب الحاكم في بوروندي بلجيكا بالتخطيط لإبادة جماعية في البلاد، عبر مخطّطات إعلامية مختلفة. والتي علَّقت الأخيرة تعاونها مع بوروندي. كما ندّدت منظمة “العفو الدولية” بارتفاع حالات التعذيب في صفوف معارضي نكورونزيزا، وذلك في 24/8/ 2015، كما أعلن بيان صادر عن سفارة برلين في 10/6 من نفس العام في بوجمبورا، أن ألمانيا علّقت تعاونها مع بوروندي 11.

في حين أن الموقف الروسي لم يبدي أي تفاعلاً بشأن الأزمة، فقد عطَّلت روسيا محاولات سابقة للمجلس لاتخاذ موقف من ترشح نكورونزيزا، حيث قال السفير الروسي فيتالي تشوركين لدى المجلس إنه ليس من واجب المجلس التدخل “في الشؤون الدستورية لدولة ذات سيادة” 12 .

ربما يفسر ذلك عدم اتخاذ روسيا أي مواقف من شأنها تتعارض مع الأنظمة الأفريقية التي تؤمِّن مصالحها، في خطوة منها للتمد داخل القارة بشكل يرضي الأنظمة لا يتصادم معها ربما تكون استراتيجية أخرى مغايرة للاستراتيجية الأمريكية المتجددة داخل أفريقيا. أما على صعيد الدول الأخرى نجد العديد من المواقف:

1- فرنسا

كان الموقف الفرنسي بشأن التعديلات الدستورية، وبقاء الأنظمة الأفريقية من عدمها مزدوج، فقد اختلف في موقفها من الجزائر وجيبوتي عنها في النيجر وبورندي، حيث رفضت فرنسا بشدة، بل وعارضت التعديلات الدستورية للفوز بولايات أخرى للأنظمة الأفريقية للبقاء في السلطة، وقطعت بشكل نهائي مع سياسات المراهنة على الحكام بدل المؤسسات والنظم الديمقراطية، وبالرغم من أنها وقفت مع بعض الأنظمة للبقاء في السلطة من خلال القبول بالتعديلات الدستورية مثل الجزائر 2009، وجيبوتي 2010م، إلا أن موقفها تغير بعد ذلك، ورفضت بقاء تلك الأنظمة وكان هذا الموقف حاسمًا كما حدث في النيجر على خلفية فتح الرئيس النيجري تانديا أبواب النيجر، ومعادنها أمام الاستثمارات الصينية والأمريكية. نفس الأمر في بوروندي وتخوفها من تكرار نفس التجارب السابقة فقد اتخذت مسار الديمقراطية، وعارضت تولي نكورونزيزا لفترة ثالثة 13 ، بالتالي قدّمت فرنسا 10/11/2015، للأمم المتحدة مشروع قرار، تدين من خلاله العنف الدائر في بوروندي ومرتكبيه، وتقترح “عقوبات” ضدّهم 14 .

ربما أصبحت هذه الورقة غير رابحة، أو ليس لها أهمية في ظل السياسات العالمية الراهنة، التي تقتضي تدعيم الأنظمة الديمقراطية الجديدة، نظراً لفقدان شرعية الأولى، وعجزها في احتواء الأزمات الداخلية مما يفقدها قوتها، وسيطرتها على مقاليد الأمور، وشرعيتها أيضًا، وعدم قدرتها على حماية المصالح الخارجية. في ظل الأزمات السياسية المتصاعدة، وتصاعد الصراعات المسلحة في القارة، مع حرصها على اتخاذ نفس نهج الولايات المتحدة والأمم المتحدة وإن بدى الأمر أكثر حراكاً نتيجة تصاعد النفوذ الأمريكي في المنطقة.

2- على الصعيد الأمريكي

كان الموقف الأمريكي نفس الموقف الفرنسي في رفض قضية التعديلات الدستورية، وهو ما أقره الرئيس الأمريكي باراك أوباما خلال الكلمة التي ألقاها في مقر الاتحاد الأفريقي بأديس أبابا، يوم 28-07-2015م، حول قضية التعديلات الدستورية في البلدان الأفريقية بالقول ” إن تقدم الدول الأفريقية معرض للخطر عندما يرفض القادة الأفارقة التنحي عن الحكم عند نهاية مأمورياتهم الرئاسية”، مضيفًا أنه لابد من تعزيز الديمقراطية، والشفافية في العمليات الانتخابية.

بالتالي هددت الولايات المتحدة بقطع المساعدات الأميركية لبوروندي رداً على ذلك، كما فرضت حظراً على سفر بعض المسؤولين في الحكومة، وعلى هذا النهج سارت دول الاتحاد الأوروبي فأوقفت بعض المساعدات، ولوّحت بالمزيد من العقوبات. كما هددت بمنع المساعدات والتدريبات التي تقدمها لبوروندي، والتي تبلغ قيمتها نحو 80 مليون دولار في العام للقوات العسكرية والأمنية ، مع عزمها سحب بوروندي من الشراكة التجارية المميزة من خلال برنامج “قانون النمو والفرص في افريقيا” (اغوا)، والتي انتقدت الأخيرة الولايات المتحدة بالتدخل في شئونها الداخلية منتقدة في ذلك ميثاق الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي 15 .

جدير بالذكر أن الولايات المتحدة شاركت بالمساعدات العسكرية، وعمليات التدريب لقوات حفظ السلام الأفريقية، والتي شاركت فيها بوروندي بقوات بلغت حوالي 400 جندي في البلدان غير المستقرة، كالصومال وأفريقيا الوسطى، حيث تقدر هذه المساعدات العسكرية الأمريكية حوالي 100 مليون دولار منذ عام 2007م، فضلاً عن عمليات التدريب؛ بالتالي كانت هناك خطورة وتوتر من قبل النظام الحاكم عقب إعلان الولايات المتحدة تراجعها عن المساعدات العسكرية على إثر الأزمة 16 ، خاصة مع احتمال استمرار الأوضاع غير المستقرة في البلاد، وهو ماينذر بمزيد من تراجع العلاقات الدولية البوروندية مع العالم الخارجي، الأمر الذي يؤثر بالسلب على تلك المعونات، والوضع الاقتصادي في البلاد نتيجة تهديد المصالح الاقتصادية الأمريكية في الدولة. وبالرغم من هذه المواقف التي اتخذت اطار التهديد بقطع المساعدات وفرض عقوبات، فإنه لم يتم تطبيقها على أرض الواقع بشكل جدي، والتي انتهت بتأييد الرئيس، ما يوضح أن السياسة الأمريكية في منطقة البحيرات العظمى تعطي نمط أكثر تذبذب في موقفها تجاه الأنظمة الأفريقية، حيث يتم التحرك حسب قوة النظام من عدمه، ومدى تأثيره في الدولة، ومن ثم تؤمن أهدافها، سواء بتأييد النظام أو الدعوة لإسقاطه، حتى يكون هناك نوعًا من الاستقرار مع تفادي الحرب التي هى في غني عنها، وذلك لبناء مشروع القرن الأفريقي الكبير لتطويق منطقة البحيرات وتأمين المصالح الأمريكية والاسرائيلية من النفط والموارد، والتأثير في السياسة الخارجية تجاه الشرق الأوسط.

3- الأمم المتحدة

تبني مجلس الأمن الدولي قرار يدين تصاعد موجة العنف، وهدد بفرض عقوبات، وقد وثَّق مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان (مفوضية حقوق الإنسان) 240 حالة قتل للأفراد في بوروندي على الأقل، فضلاً الهجمات الوحشية ضد قوات الأمن من قبل المعارضة المسلحة، في المقابل أوضحت التقارير أن أفراد قوات الأمن في بوروندي، وخاصة الشرطة الوطنية، وجهاز المخابرات الوطني، هي المسئولة عن عمليات القتل خارج نطاق القضاء، والتعذيب، والاعتقالات التعسفية، والاحتجاز. وأصدرت منظمة العفو الدولية تقرير عن التعذيب في بوروندي، حيث قال التقرير إن جهاز المخابرات الوطني اشترك في التعذيب، وسوء المعاملة لانتزاع اعترافات من المعتقلين 17 .

كما أكد مجلس الأمن على وقوع المسؤولية الرئيسية على حكومة بوروندي “لضمان الأمن في أراضيها، وحماية السكان مع احترام سيادة القانون، وحقوق الإنسان، والقانون الإنساني الدولي، حسب الاقتضاء، حيث طالب المجلس بـ”إعادة تأكيد التزام القوى السياسية بالسيادة، والاستقلال السياسي، والسلامة الإقليمية، والوحدة لبوروندي، خاصة مع التأكيد على قلقها العميق لاستمرار تفاقم الحالة الإنسانية، حيث لجأ أكثر من 250,000 من البورونديين إلى البلدان المجاورة، “مع إدانته بشدة جميع التصريحات العلنية، سواء من داخل أو خارج البلد، والتي تحرَّض على العنف، أو الكراهية تجاه مجموعات مختلفة في المجتمع البوروندي 18 .

وبالرغم من ذلك أصدر مجلس الأمن الدولي قراراً مؤيداً بشكل ضمني لمساعي الرئيس “بيير نكورونزيزا” ونظرائه من قادة دول شرق أفريقيا، وهو القرار الذي وصفه “ويلي نيامتوي” مستشار الرئيس البوروندي بأنه قرار “بعيد كل البعد عن المشروع الذي اقترحته فرنسا “، مضيفاً في هذا الصدد أن النص النهائي هو بمثابة “الصفعة الدبلوماسية لفرنسا، التي عملت على عزل بورندي دبلوماسيًا، وطالبت باتخاذ عقوبات ضد من حمَّلتهم مسؤولية هذه الأزمة 19 .

من ثم كان زيارة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون إلى العاصمة البوروندية بمثابة اتجاه جديد نحو التسوية السياسية ممثلة في بقاء نكورونزيزا في السلطة، ووضع المعارضة على طاولة الحوار، بما يحقق المصالح المشتركة بين الجانبين، بالتالي تعهد الرئيس نكورونزيزا أمام الأمين العام للأمم المتحدة بالإفراج عن أكثر من 1200 من المعتقلين السياسيين، وإجراء مباحثات مع خصومه السياسيين، وهو ما أكد عليه بان كي مون في مؤتمر صحفي في بوجمبورا بعد اجتماع مع نكورونزيزا استغرق ساعة بالقول إن “الرئيس وعد خلال مباحثاتنا على إطلاق سراح السجناء” ، وأشار أن ممثلي الجهات الفاعلة السياسية، من كل من حكومة الحزب الحاكم، وأحزاب المعارضة، جلسوا معًا لمناقشة المستقبل في بوروندي، ووعد بالدخول في حوار شامل 20 .

يتضح من تلك المواقف الدولية أنها ثبتت على أطر محددة، ومعممة في مواقفها تجاه أزمة الديمقراطية في العديد من الدول الأفريقية، ثم تأتي حالة بوروندي ليصبح المشهد أكثر ثباتاً، وتكاسلاً في اتخاذ قرارات ملزمة، ويفسر ذلك في انعدام المواد الأولية المُحفّزة للزحف الغربي إلى تلك المنطقة من العالم؛ فالبورونديون، الذين يعمل 70 في المائة منهم في الزراعة، التي تُشكّل 54 في المائة من نسبة الناتج المحلي، لا يملكون ما يكفي لإغراء الغرب للتدخّل، كالنفط أو المعادن فما لديها من موارد لا تقارن بما لدى الكونغو الديمقراطية أو دولة من دول النفط في الشرق الأوسط، فضلاً عن أنها دولة منعزلة، ولا تطلّ على مضائق شبيهة بمضيق هرمز، أو باب المندب، أو قناة السويس، أو جبل طارق .21

بالتالي لم يكن لديها منفذ للملاحة العالمية، إلا أن ذلك لا ينفي أن لديها موارد، وهي جزء لا ينفصل عن منطقة البحيرات العظمي التي تتجه أنظار القوي الدولية إليها كما ذكرنا سابقاً، وإن لم تكن بحجم بعض الدول الأخرى (اي بوروندي)، فدول منطقة البحيرات العظمى تعطيها ركيزة عالمية، حيث أن الأوروبيين عدّوها بمثابة “ربح إضافي” في الطريق إلى جنوب أفريقيا، أو تنزانيا، أو الرأس الأخضر، فضلاً عن كونها أحد دول منابع نهر النيل، والتي تعتبر ورقة ضغط في سياستها الخارجية تجاه باقي دول الحوض، خاصة مصر والسودان. فضلاً عن التصارع الأمريكي الفرنسي في المنطقة، واتجاه الولايات المتحدة لتعظيم نفوذها في الدول الفرانكفونية على حساب فرنسا، وهو مايدلل على موقف فرنسا من سقوط النظام، الذي اتجه إلى المعسكر الأمريكي.

ربما يفسر ذلك التذبذب، التوجهات المختلفة في المواقف الدولية، التي نددت، وهددت في البدء، ثم تراجعت عن قراراتها، وأيدت الرئيس البوروندي، من ثم لا يمكن لنا فصل تلك المواقف الدولية عن الإقليمية، التي سارت في نفس الاتجاه المؤيد بعد الرفض، لتصبح الأوضاع الداخلية، وأعمال العنف بالممارسات التي تحدث، ولم يتخذ بشأنها أي قرارات ملزمة لمحاسبة، ومعاقبة الجناة على ماارتكبوه سواء أكان النظام، أو المعارضة المسلحة، ليعيش الشعب البوروندي، والمواطن الكادح بين مطرقة النظام، وسندان المعارضة المسلحة، وتخاذل المجتمع الدولي (22 ).


الهامش

1 بوابة الشرق، الأزمة الرئاسية في بوروندي تعيد ذكريات سوداء، بوابة الشرق، الأحد 17-05-2015. الرابط

2 الجزيرة نت، تحرك دولي وارتباك في بوروندي بعد “محاولة انقلابية”، الجزيرة نت، 14/5/2015 م الرابط

3 Desire Nimubona, Burundi Opposition Objects to UN Plan to Deploy Police Personnel, Bloomberg, 04-04-2016. الرابط

أنظر:

أسماء عبد الفتاح، تدخل الاتحاد الإفريقي في بوروندي.. حفظ سلام أم احتلال؟، موقع البديل، الأحد، ديسمبر 27, 2015. الرابط

4   Paul D. Williams, Special Report: The African Union’s Coercive Diplomacy in Burundi, IPI .. The global observatory, December 18, 2015 الرابط

5 حوار نوال ثابت مع سفير بوروندي بباريس، ديودوني أنداباروشيمانا، “رئاسيات 2015 أنقذت بوروندي من الفوضى”، موقع الخبر، 29 يوليو 2015. الرابط

6 الشيخ محمد، اختتام قمة الاتحاد الأفريقي بالعدو إلى مواجهة الإرهاب ، الشرق الأوسط ، العدد 13579، فبراير 2016 الرابط

7 ديلفين ليكورت، ترجمة: سيدي.م.ويدراوغو، تحديات مجلس السلم والأمن الإفريقي، مجمع الأفارقة، فبراير 23-2- 2016. الرابط

8 بوابة فيتو، قادة الاتحاد الأفريقي يختتمون زياتهم لـبوروندي، بوابة فيتو، السبت 27/فبراير/2016. الرابط

9 عبد الحكيم نجم الدين، مرجع سبق ذكره، نفسه.

10 فرانس برس، مجلس الأمن يجري مشاورات حول بوروندي، بوابة الشروق، 8 مايو 2015م. الرابط

11 محمد عبد لاوي/ ترجمة ليلى الثابتي، المحطّات الرئيسية في الأزمة البوروندية (تسلسل زمني)، وكالة الأناضول التركية، 12-11- 2015.  الرابط

12 فرانس برس، مجلس الأمن يجري مشاورات حول بوروندي، مرجع سبق ذكره، نفسه.

13 سيدي أعمر شيخنا، مرجع سبق ذكره، ص6 .

14 محمد عبد لاوي، مرجع سبق ذكره. نفسه.

15 مصطفى سعد، أبعاد أزمة بوروندي ومآلاتها بعد فوز نكورونزيزا بولاية ثالثة، الحياة اللندنية، ١٣ أغسطس/ آب ٢٠١٥م . الرابط

16 John Bugnacki, Why Burundi’s Election Crisis Matters, international policy digest, 29-5-2015. الرابط

17 United Nations Office , November 2015, Security Council briefing on the situation in Burundi, Under-Secretary-General Jeffrey Feltman, United Nations, 09-11-2015. الرابط

18 Security Council, Security Council, Unanimously Adopting Resolution 2279 (2016) , Requests Options for United Nations Police Deployment to Monitor Security Situation in Burundi, United Nations press, 1 APRIL 2016.  الرابط

أنظر:

أسماء عبد الفتاح، تقارير دولية: الوضع في بوروندي ينذر بعودة الحرب الأهلية، البديل، السبت, نوفمبر 28, 2015م. الرابط

19 سيدي أعمر شيخنا، مرجع سبق ذكره، نفسه.

20 UN News Center, Burundi: Ban welcomes promise of ‘inclusive dialogue,’ release of detainees, UN News Center, 23 February 2016.  الرابط

21 بيار عقيقي، بوروندي… هنا شبح مجازر رواندا، موقع العربي الجديد، 29 مايو 2015م. الرابط

22 الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *