تحليلات

الفلبين: قانون مورو وميلاد وطن

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

الفلبين: قانون مورو وميلاد وطن

تمهيد

يعد شعب مورو ” بنغسا مورو” من أقدم شعوب الفلبين، إذ يتكون من عدة قوميات اعتنقت الإسلام في القرن الرابع عشر الميلادي (حوالي 1380م)، وقد سيطروا على أرخبيل الفلبين لمدة تقارب قرنين من الزمان بما في ذلك مدينة مانيلا، ومع قدوم الاستعمار الإسباني بقيادة ماجيلان عام 1521م، وأطلق المستعمرون على مسلمي المنطقة اسم “مورو” وهو اسم يطلقه الإسبان عادة على مسلمي شمال إفريقيا، وحاولوا تنصير سكان المنطقة فقاومهم المسلمون وكان من نتيجة ذلك مقتل ماجيلان نفسه، إلاّ أنّ الإسبان استطاعوا السيطرة على كامل الأرخبيل بما في ذلك جزيرة مينداناو، أكبر تجمع للمسلمين، وأطلقوا عليه اسم الفلبين تيمناً باسم ملك إسبانيا حينها، واستمر حكمهم حتى عام 1898م، وهو يمثل النهاية الفعلية للإمبراطورية الإسبانية التي حكمت البلاد لمدة 356 سنة، وتحوّلها إلى دولة محدودة.
في أواخر القرن التاسع عشر قامت الثورة الفلبينية/الحرب التغالوغيّة (1896-1898م) ضد إسبانيا، وانتهت بتحالف قائد الثوّار إغينالدو مع الولايات المتحدة الأمريكية والتي كانت تخوض حرباً ضد إسبانيا (الحرب الكوبيّة). مثّلت الحرب الأمريكية الإسبانية والتي انطلقت من كوبا عام 1898م، بداية انهيار وجود إسبانيا في الكاريبي والمحيط الهادي وكانت سبباً لخسارتهم كل من كوبا، وبورتوريكو، وغوام والفلبين، لصالح الأمريكيين في نفس العام، وتنازلت إسبانيا قانونيّاً عن مستعمرتها في الفلبين لأمريكا بموجب اتفاقية باريس عام 1898م بعد دفع الأمريكيين تعويضاً لإسبانيا قيمته عشرين مليون دولار، عندها أعلنت جمهورية الفلبين والتي كان الثوار قد أعلنوها أثناء الحرب، الحرب رسميّاً على الولايات المتحدة الأمريكية وهي ما تعرف بالحرب الفلبينية الأمريكية (1899-1913م)، وعلى إثر انتهاء الثورة تم انتخاب مجلس نيابي في الفلبين لأول مرة عام 1916م، وفي عام 1934م أقرّ قانون الكومنولث ووعدت الفلبين بالاستقلال بحلول عام 1946م، إلاّ أنّ اليابانيين احتلوا الفلبين عام 1941م عقب قصف بيرل هاربر، حتى قام الجنرال الأمريكي ماك آرثر بطردهم منها في نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1944م، وأعقب ذلك حصول الفلبين على الاستقلال في 4 تموز/يوليو 1946م.
يصل عدد سكان الفلبين حسب إحصائيات العام الحالي إلى حوالي 107 نسمة، يشكل المسلمون منهم حوالي 10 أو 11 مليون وما نسبته 11% تقريباً من السكان، ويعيشون في مينداناو وبالاوان ارخبيل سولو في منطقة بانغسامورو.

ميلاد قضية شعب مورو

برزت قضية شعب مورو مع مغادرة الاستعمار الأمريكي المنطقة وتسليمه زمام الأمور إلى حكومة مانيلا، إذ أنّهم طوال فترة الاحتلالين الإسباني والأمريكي كانوا يشكلون كياناً اجتماعيّاً وسياسيّاً مستقلاً، أُلحق دون إرادته إلى الدولة المركزية في الفلبين ذات الأغلبية المسيحية الكاثوليكية، ما عنى أنّهم تحولوا إلى مجرد أقلية في بلادهم.

المرحلة النضاليّة الأولى:

حاول المسلمون منذ استقلال الفلبين من خلال الوسائل السلمية، حمل الأغلبية على الاعتراف بوضعهم كأمة مستقلة ولكنّهم لم ينجحوا في ذلك، وفي عام 1969م أسس مسلمو مورو الجبهة الوطنية لتحرير مورو (MNLF) برئاسة نور مسواري، لمقاومة التمييز والتهميش الذي يتعرض له شعب مورو ومن أجل حق تقرير المصير على أرض كل من مينداناو وسولو وبالاوان، ومع إعلان الرئيس الفلبيني حينها، فيرديناند ماركوس حالة الطوارئ عام 1972م في البلاد، أطلقت ثورة مسلحة ضد الحكومة المركزية استمرت أربع سنوات وذهب ضحيتها الآلاف وانتهت بتوقيع اتفاقية طرابلس الغرب عام 1976م، والتي توجت بمنح شعب مورو الحكم الذاتي عام 1990م والمستمر حتى اليوم.

المرحلة النضاليّة الثانية

قادت هذه المرحلة التاريخية من نضال شعب مورو نحو الحرية، الجبهة الإسلامية لتحرير مورو (MLIF) برئاسة سلامات هاشم، والتي انشقت عن الجبهة الوطنية عندما رأت أن الاتفاقية الموقعة مع الحكومة الفلبينية لا تمثل طوح شعب مورو بالسيادة والاستقلال، واستمرت في الجهاد المسلح حتى عام 1997م، حيث بدأت مفاوضات سلام جديدة أثمرت الوصول إلى اتفاقية سلام عام 2014م، وأصبحت الفصيل الرئيس قاد المرحلة الثانية من التفاوض مع الحكومة والتي أفضت إلى الوصول إلى القانون الحالي.
بدأت اللقاءات بين الجبهة الإسلامية والحكومة الفلبينية عام 1997م، وانطلقت المفاوضات عقب وقف إطلاق النار عام 2012م، وتنازلت الجبهة بوساطة ماليزية، عن تأسيس دولة مستقلة وقبلت بحكم ذاتي تحت اسم “بانغسامورو”، وفي عام 2014م تم توقيع اتفاقية سلام شعب مورو الشاملة، ويمنح هذا الاتفاق المزيد من الحقوق السياسيّة والصلاحيات الاقتصادية والتشريعية والقانونية للإقليم، ويشمل أربع مناطق وهي: طاوي طاوي ، بازيلان ، ماغنداناو ، لاناو ديل سور، وخامس هو الشريف كابوتسوان ولكن تم فقدانه بحكم قضائي عام 2008م.
أمّا المناطق الأخرى التي زاد فيها عدد المهاجرين المسيحيين من الشمال، فهي ست بلديات و39 قرية في اقليمين دار حولها الخلاف، وهذا سيكون هناك استفتاء لتحديد مصير هذه المناطق.

القانون التأسيسي لمنطقة بانغسامورو المسلمة

عقب موافقة البرلمان الفلبيني على نص القانون والذي خضع لمفاوضات مضنية، وقع الرئيس دوترتي عليه يوم الخميس 26 تموز/يوليو 2018م، وسيتم إجراء استفتاء شعبي في المنطقة خلال 150 يوماً من مصادقة الرئيس عليه، وعقب ذلك سيتشكل مجلس تمثيلي مكون من 80 نائباً سينتخب رئيس وزراء يحكم حتى عام 2022م، كما ينبغي على ما نسبته 30% من مقاتلي الجبهة تسليم أسلحتهم والعودة إلى الحياة المدنية على أن يتبعهم البقية عقب انتخابات 2022م بحيث تتحول الجبهة إلى حزب سياسي ملتزم بالقانون الفلبيني، وأهمّ ما ورد في القانون:

  1. يمنح الإقليم فترة مؤقتة حتى عام 2022م تجري بعدها انتخابات متزامنة مع الانتخابات المركزية لانتخاب برلمان بانغسامورو.
  2. حتى إجراءات الانتخابات، تدير القوى السياسية المحلية وعلى رأسها الجبهة الإسلامية الفترة الانتقالية.
  3. يتشكل البرلمان من نسب 40% أحزاب، 40% ممثلو بلديات، 10% ممثلو القوميات غير الموروية والمستوطنين من غير المسلمين.
  4. تخصص للإقليم موازنة من الحكومة المركزية لمدة ثلاث سنوات.
  5. تخصص للإقليم موازنة تنموية لمدة عشر سنوات قيمتها خمسة مليارات بيسو فلبيني سنوياً.
  6. تعود 75% من إيرادات المنطقة إلى إقليم مورو، وتعود البقية للحكومة المركزية.
  7. يعتمد نظام قضائي خاص مستمد من الشريعة، بالتوازي مع محاكم مدنيّة، ويحق لغير المسلمين عدم التقاضي إليه.
  8. تكون للإقليم سيادة بحرية بعمق 19 كيلو متر.

أسئلة لا بد منها:

يتبادر إلى الذهن مجموعة من الأسئلة الهامة التي تتعلق بمستقبل القانون وإمكانية تحققه على الأرض، ولعل من أهمها: ما هي العوامل التي دفعت الحكومة الفلبينية نحو إمضاء القانون؟
من الواضح أن إقليم مورو والذي انحسر حتى وصل إلى ربع أراضيه المعروفة تاريخياً عقب حملات الهجرة المنظمة من الشمال، أصبح يمثل مصدر قلق واستنزاف للحكومة المركزية، ولذا فكان هناك قناعة لدى كثير من النخبة الفلبينية، من مدة طويلة بأنّه آن الأوان كي يتم التخلص من هذه المشكلة والالتفاف نحو القضايا الوطنية الملحة الأخرى مثل الفساد والمخدرات والخلافات الحدودية، ومع قدوم الرئيس دوتيرتي والذي وعد أثناء حملته الانتخابية باتمام الاتفاقية الموقعة بين الجبهة الإسلامية والحكومة، وتحويلها إلى قانون إذا فاز بالانتخابات، وقد تحقق له ما أراد بعد مفاوضات عسيرة في الكونغرس الفلبينين، ما يعتبر أحد أهم العوامل التي ساعدت على تحويل الاتفاقية إلى قانون، بالإضافة إلى تحويل العديد من أبناء الجبهة إلى التشدد نتيجة لتعنت الحكومة بحل قضية الإقليم مما أدى إلى استشراء هجمات المتطرفين وكان أكبرها مؤخراً ما حصل في مدينة ماراوي.
علينا الإدراك أنّ هذا القانون هو لصالح الدولة المركزية كما هو لصالح الأقلية الموروية لأنّه ينهي حالة الاستنزاف الذي تمثله حالة الثورة والتمرد وتجعل الدولة أكثر تفرغاً لبناء الاقتصاد وحياة الرخاء للمواطنين، مضافاً إلى ذلك ما سيشكله الإقليم من إضافة إلى الاقتصاد الفلبيني بثرواته المعدنية والزراعية والبحرية الكبيرة، ما سيدفع اقتصاد البلاد دفعة قوية إلى الأمام إن حصل.
صحيح أنّ الشعب الموروي لم يصل إلى كل ما كان يصبو إليه، ولكنه أدرك أنّ سياسة مقاومة الدولة تعطيها غطاءً لقضم الأرض حتى لم يعد في يد المسلمين سوى حوالي ربع مساحة الإقليم الأصلية، وقد وصلوا إلى قناعة على ما يبدو، أنّ تثبيت حقهم بالقانون والمطالبة بالمزيد خير من التعنت وخسران كل شيء، وهو ما كانت التجربة خير شاهد عليه، لذا فإن سياستهم يمكن وصفها بسياسة “الخطوة خطوة”، أو سياسة “خذ وطالب”.

خاتمة

لعبت الدول الإسلامية دوراً هاماً في الصراع الذي كان دائراً في الإقليم، فقد تدخلت منظمة العالم الإسلامي منذ السبعينيات من أجل إيجاد حل للمشكلة، ونشأ عن ذلك اتفاقية طرابلس عام 1976م، ولعل الدور الماليزي كان من أبرز الأدوار في محاولة حل الصراع، إذ تمّ توقيع اتفاقية السلام الأخيرة عام 2014م بوساطة ماليزية، كما تلعب تركيا دوراً هاماً أيضاً خصوصاً عبر مؤسسة الإغاثة الإنسانية İHH ، والتي كانت مراقباً وعاملاً هاماً بالوصول بالإقليم إلى السلام، وأهم من ذلك كله الدور الإيجابي الذي ممكن أن تلعبه هذه الدول بدعم مسيرة التطور في الإقليم وضمان التزام الحكومة المركزية بتنفيذ ما عليها، وخصوصاً إذا استحضرنا المصالح المشتركة لهذه الدول مع مانيلا، ما يجعل تأثيرها على الحكومة الفلبينية كبيراً.
ولعل من التحديات التي برزت بالفعل، محاولة التنظيمات المتشددة تقويض القانون، وإظهار الجبهة الإسلامية عاجزة وهذا سيستدعي تدخل الجيش الفلبيني في المنطقة وربما التساؤل عن جدوى القانون برمته تبعاً لذلك، وهو ما حصل بالفعل فقد باشرت هذه التنظيمات مجموعة من التفجيرات في الإقليم لهذا الغرض، وهي وإن كانت صغيرة العدد إلاّ أنّ تأثيرها ممكن أن يكون مدمراً وخطيراً على التجربة الوليدة، وهو ما يشكل تحديّاً حقيقياً لحكومة الإقليم وللحكومة المركزية على السواء.
التحدي الأكبر الذي يبرز الآن أمام مسلمي مورو، هو قدرتهم على إدارة الإقليم إدارة راشدة، تحسن حياة الناس وتعطيهم الأمل بالمستقبل، وتستفيد من خيرات الإقليم الكبيرة وموقعه المميز، وتقضي على التطرف والجريمة وعلى رأسها المخدرات والقرصنة. كما أن نجاح تجربة إقليم مينديناو يمكن أن يشجع الحكومة المركزية على إقرار النظام الفدرالي في البلاد وهو ما سينعكس إيجاباً ليس على المسلمين وحدهم، بل على الفلبين بأسرها(* ).


* الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *