fbpx
فيروس كورونادراسات

جائحة كورونا والاعتداء البيئي

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

جائحة كورونا والاعتداء البيئي

مقدمة:

منذ ظهور الأوبئة عبر التاريخ وهي تحصد ملايين القتلى، مثل الموت الأسود أو الطاعون، الذي نشأ في آسيا ووصل إلى موانئ البحر الأبيض المتوسط في أوروبا عبر طرق التجارة البرية والبحرية واستغرق أربعة أعوام لعبور طريق الحرير، ليصل إلى أوروبا وشمال إفريقيا وأباد حوالي نصف سكان أوروبا[1]. كما كانت هناك العديد من الأوبئة الشديدة التي سبقت عصر الصناعة، والتي يشار إليها غالبًا باسم “الضربات” التي تملأ الخيال العام من قسوتها، غالبًا ما يتم تحديدها على أنها نقاط تحول حاسمة في التاريخ[2]؛ ساهمت بشكل كبير في انهيار العديد من المجتمعات وأدت إلى تأثير اجتماعي وديمغرافي واقتصادي بالغ الأثر. فالأوبئة كانت مسرحا للوفيات الجماعية على نطاق واسع لأنها تسبب عدوى سريعة الانتشار. وفي الواقع، الأوبئة (أنفلونزا الطيور والخنازير، إيبولا، سارس…) التي تضرب العالم اليوم ليست ببعيدة عن الأوبئة التي اجتاحت العالم القديم.

في زمن العولمة، أصبحت تلك الأوبئة باعتبارها أمراضا معدية، تشكل تحديا متزايدا للبشرية[3]، إن العولمة مسؤولة جزئياً عن إدخال أمراض جديدة إلى مناطق معينة. وإن كانت أثار العولمة ليست أحداثا منفصلة، ولكنها ظاهرة متعددة الأوجه لها تأثير يشبه الدومينو على البيئة، فتغير المناخ يجعل من الصعب للغاية زراعة المحاصيل، مما يساهم في أزمات ندرة الغذاء، ولا ننسى تأثيرات العولمة في التغيرات التي تصيب مياه المحيط وكيف أنها تسبب انخفاض محتوى البروتين في الأسماك.

لقد باتت الفيروسات تقض مضجع العالم بأسره، سواء من خلال طريقة عملها التي تنم عن ذكاء حاد، وكذلك من قدرتها على التكيف والانتشار؛ إذ جعلت العالم وفي مقدمته الدول العظمى بمنظومتها الطبية الجبارة ومختبراتها العلمية المجهزة بأحدث الوسائل والتقنيات، مشدوهة لا تقدم ولا تؤخر. فالفيروسات تقوم باستخدام استراتيجية مختلفة، تصيب الخلايا دون قتلها، وبدلاً من ذلك، تسبب عدوى مستمرة، خلال هذه العدوى الطويلة الأمد، يمكن للفيروسات تغيير وظائف الخلايا التي تختبئ فيها؛ على سبيل المثال، يمكن للفيروسات منع الخلايا العصبية من تكوين جزيئات ضرورية للوظيفة المعرفية والسلوك الطبيعي، وتمنع خلايا الغدد الصماء من صنع الهرمونات اللازمة للحفاظ على التمثيل الغذائي والنمو، ومنع الجهاز المناعي من صنع السيتوكينات، ووجهات النمو الأخرى، والأجسام المضادة المطلوبة لتوفير الحماية من الميكروبات والسرطانات. ولذلك، تركز الأبحاث حاليًا على الأساس الجزيئي لكيفية حدوث هذه الآلام وما إذا كانت الأمراض التي تؤثر على الدماغ والغدد الصماء والجهاز المناعي والقلب وغيرها من أعضاء الإنسان تسببها الفيروسات[4]

وتعتبر الفيروسات من الجسيمات وليست خلايا، تتكون من غطاء بروتيني يحيط بمادتها الوراثية لحمايتها، وهي ليست من الخلايا لذلك تظل خاملة إلى أن تصيب خلية حية بالعدوى، وجسيمات الفيروس تشبه البذور التي لا يمكنها التحول إلى نبات حي إلا عندما تعثر على التربة الملائمة، غير أن الفيروسات عكس البذور، لا تحمل الجينات التي تنقل شفرة جميع البروتينات التي تحتاج إليها كي تنبت وتكمل دورة حياتها، لهذا فإنها تقوم باختطاف عضيات الخلية لتستخدم منها ما تحتاج إليه وفي الغالب تقتل الخلية نفسها أثناء ذلك[5]. والفيروسات أنواع كثيرة منها ما يصيب الإنسان ومنها ما يصيب الحيوان ونوع أخر يصيب النبات، تم اكتشافها لأول مرة من طرف العالم مارتينوس بيجيرينيك عام 1898[6].

المحور الأول: الهجوم على البيئة وردة فعلها العنيفة

لم تكن جائحة كورونا الجائحة الأولى التي تضرب العالم بهذه القوة بل سبقتها جوائح وأوبئة أكثر خطورة وأشد فتكا (الطاعون، الإنفلونزا الإسبانية، …)، لكن ما يميز هذه الجائحة هو ظهورها في زمن العولمة وتكنولوجيا التواصل الحديثة التي جعلتها أكثر انتشارا وتأثيرا من خلال تضخيم خطورتها إعلاميا، وبالتالي كانت أثارها الاقتصادية والسياسية بالغة الخطورة.

أولا: الهجوم على البيئة الحضرية

يشهد التحول الحضري منحى غير مسبوق، ويكاد العالم يتحول إلى مدينة واحدة، فاللجنة التحضيرية لمؤتمر الأمم المتحدة للإسكان والتنمية الحضرية المستدامة، تؤكد في أحد تقاريرها الأخيرة، أنه “مما يلفت النظر أنه منذ قرن واحد، كان 20% فقط من سكان العالم يعيشون في مناطق حضرية. وكانت هذه النسبة في أقل البلدان نموا لا تزيد عن 5% إلا قليلا. ومنذ ذلك الحين شهد العالم تحضرا سريعا، وفي سنة 2008 زاد عدد سكان الحضر للمرة الأولى في التاريخ عن عدد سكان الريف. وبناء على ذلك، يمكننا أن نعتبر أن العالم قد دخل عصر التحضر، ومن المتوقع أن يعيش 70% من سكان العالم في مناطق حضرية بحلول عام 2050”[7].

وهو الأمر التي تعيشه كذلك الدول العربية مع اختلاف كبير وبنسب متفاوتة ف 52% من إجمالي سكان العالم العربي يعيشون في المدن، وهو أمر في تزايد كبير حيث من المتوقع أن يصل مجمل الكثافة السكانية بحلول عام 2050 نحو 68% “[8]، لأن القرى لم تعد بمقدورها أن تستجيب للحاجيات الأساسية للساكنة الريفية بفعل الضغط الاقتصادي والجفاف المتزايد، مما يضطرهم للبحث عن فرص للعيش في المدينة.

لقد نتج عن هذا الوضع اكتظاظ غير طبيعي في المدن، وتحولها إلى مراكز اجتماعية واقتصادية يفترض فيها أن تلبي جميع حاجيات الناس مما زاد الضغط عليها في ظل نقص في البنيات التحتية والتجهيزات الأساسية والخدمات الاجتماعية خاصة في الدول النامية. ورغم ذلك، تستمر المدن في جميع أنحاء العالم في النمو ويعيش الناس بشكل وثيق معًا، ويتشاركون الأماكن طوال الوقت. وقد نمت المدن الضخمة بشكل خاص في البلدان الناشئة بمعدل غير مسبوق خلال العقود الماضية.

إن النقطة التي نريد أن نصل لها بهذه التوطئة عن نمو المدن، هو أن البيئة كانت أكثر المتضررين من هذا النمو غير المتزن إن صح التعبير، فالاعتداء على مكوناتها كان على أشده في ظل الحاجة الملحة لتلبية حاجيات الإنسان مما توفره البيئة من موارد، كما أن هذا النمو الهائل للمدن لم يصحبه توفير الاحتياطات اللازمة في البنية التحتية وسلامة الأغذية وشروط صحة الإنسان، وبالتالي السلامة البيئية لم تكن مواكبة لهذا النمو. لذا، فإن الأسواق التي لا توجد فيها احتياطات صحية أساسية قد نمت واتسعت بشكل رهيب خصوصا في الصين وبعض الدول الإفريقية والأسيوية، حيث يتم بيع الحيوانات البرية دون رقابة، غالبًا ما تكون هذه الحيوانات حية؛ وبالتالي ترتبط هذه الأسواق بانتشار الأمراض التي تنقلها الحيوانات كما هي الحالة في جائحة كورونا.

إن هذه الأوضاع لا جدال أنها تهدد باختلال التوازن البيئي في كثير من المناطق خصوصا تلك التي لا تحترم شروط السلامة البيئية، فجائحة كورونا أبانت عن اختلال مهول في مجالنا البيئي وأظهرت نوعا جديدا من الانتهاك اليومي للبيئة كان موجودا من قبل لكنه في انتظار الفرصة ليعلن عن نفسه ويا ليته لم يعلن هكذا!! إعلانا جاء ليكتب حلقة جديدة في مسيرة من الاعتداء المتواصل. فالمدن أصلا تحتمل مزيدا من الإهمال البيئي؛ لأنها غارقة في الملوثات من عوادم السيارات ومداخن المصانع ومحطات الطاقة ومخلفات السكان، ولم تسلم التربة الزراعية إذ باتت مليئة بالمخصبات الكيميائية والمبيدات الحشرية، وذلك الأمر نفسه بالنسبة للكائنات الحية التي أصبحت تختزن نسبة غير يسيرة من الفلزات الثقيلة في أنسجتها الحية[9]؛ فجاءت هذه الأسواق لتكمل مشروع التدمير الذي بدأه الإنسان غير مبالٍ بتداعياته التي ستعصف به أولا.

ولكن، يجب أن ننتبه إلى أنه هناك كذلك التسابق نحو خلق مدن جديدة لتنفس عن المراكز الحضرية الكبرى، يجعلها هي الأخرى، نقط سوداء وبؤر ساخنة للأمراض، فالعديد من المدن سريعة النمو يتفشى الدمار البيئي فيها بشكل كبير وسريع من خلال خلق مساحة جديدة للإسكان والزراعة والبنية التحتية، وهو تدمير جوهري وممؤسس يمر بطرق شرعية لا قبل للناس على وقفه.

لا تتسبب المدن النامية المتزايدة فقط في تدمير البيئة، بل تتعدى على النظم البيئية السليمة أكثر من أي وقت مضى، وهو أمر نلاحظه في تدمير كبير لغابات الأخشاب وتحويلها إلى حقول، مما بالحيوانات البرية إلى العيش بالقرب من بعضها البعض وتضع السكان تحت الضغط، مما يعني أن السكان القريبين منها هم أكثر عرضة للفيروسات. في حين أن الفيروسات جزء طبيعي من نظام بيئي سليم، ولكن من خلال الانتشار غير المتوازن لها في الطبيعة والاعتداء على الحيوانات البرية، فإننا نسهل انتشار هذه الأمراض؛ فالاقتراب من هذه الحيوانات البرية يزيد من فرصة انتقال الفيروسات إلى البشر.

ثانيا: الهجوم على البيئة البرية

إن غزو الغابات وتدميرها أصبح أمرا معتادا رغم أن الغابات تدعم الزراعة المستدامة عن طريق تثبيت التربة واستقرار المناخ وتنظيم تدفقات المياه وتوفير الظل والمأوى وتأمين الموائل للملقحات والمفترسات الطبيعية وتزيد في الإنتاجية الزراعية كما أنها مصدر مهم للطاقة والغداء والدخل[10]. ومع هذه الفضائل التي تنتجها الغابات والأشجار فإن الاعتداء عليها متواصل ويشكل خطرا داهما يقوض محاولات الحفاظ على البيئة في وضع متزن؛ إذ تتناقص الغابات في العالم سنويا بمعدلات كبيرة تصل سنويا إلى حد اندثار غابات بمساحات تعادل دولا متوسطة الحجم[11].

إن استمرار هذا التدمير الممنهج للغابات التي تأوي العديد من أنواع الحيوانات والنباتات، وضمن هذه المخلوقات، توجد العديد من الفيروسات غير المعروفة، التي يمكن أن يؤثر على بقائها وانتشارها انتشارا سليما وبعيدا عن نقط التماس البشري. لأن قطع الأشجار وقتل الحيوانات واصطيادها وإرسالها إلى الأسواق بشكل غير شرعي، وكثير من هذه الحيوانات لا تتلاءم مع حياة الأسواق ولا مع الحياة غير البرية، فإن هذه الأفعال إنما تعطل النظم البيئية، وتنقل الفيروسات من مضيفاتها الطبيعية، إلى مضيف جديد لا يتناسب مع تركيبتها ولا مع قدرتها على التكيف، وبالتالي تنقض على الإنسان ليكون موطنا لها.

وكما قلنا آنفا، إن اتساع المدن وهيمنة المجال الحضري وما نتج عنه من ترابط بين العالم وما أنتجته العولمة من ازدياد استهلاك المنتجات ما يؤثر على الدورة البيئية لأن زيادة الاستهلاك تؤدي حتما إلى زيادة الطلب على المنتجات والسلع مما يتطلب زيادة الإنتاج؛ وهو ما يشكل ضغطا على البيئة من خلال زيادة نقل المواد والسلع والأطعمة من مكان لآخر[12]؛ فالعولمة تبقى العدو الأول للبيئة لا سيما وأن اقتصاد السوق ومصالح الدول الصناعية والشركات المتعددة الجنسيات لا تقيم أدنى اعتبار للأضرار على البيئة[13].

ومن هذا المنطلق، فإن العولمة تساهم في جعل الفيروسات في حال تنقل متسارع وهو ما يعني أنه من

الممكن أن تصبح جائحة بسهولة أكبر من أي وقت مضى؛ لأن العالم متصل أكثر ومتداخل فيما بينه بشكل لم يسبق له مثيل. وإن كان هذا قد يكون أكبر إنجاز في العقود الماضية، لكنه يمهد الطريق لانتشار الوباء ويسرع من وتيرته حيث يصعب إيقافه من خلال الطرق السريعة والنقل العام والسفر الجوي، وهو ما يجعل انتشار الفيروس في جميع القارات في غضون أسابيع[14].

وعلى الرغم من أن هذه هي أول جائحة على هذا النطاق تهدد البشر، فقد كانت هناك أمثلة عديدة على انتشار أمراض مثل حمى الخنازير وإنفلونزا الطيور والحمى القلاعية ومرض جنون البقر في الماشية أو البياض الدقيقي[15] في المحاصيل حول العالم. ولا يمكن احتواؤها في كثير من الأحيان إلا من خلال تدمير حقول كاملة أو إعدام جميع الماشية في المناطق المعنية.

لذا، لا تمثل الخفافيش أو الثعابين تهديدًا للصحة العامة، بقدر ما يمثله تدمير الإنسان لموائلهم والتجارة بهم، في وقت يسافر فيه الأشخاص والطعام والسلع باستمرار حول العالم، حيث يمكن للفيروس الذي ينتقل من حيوان إلى إنسان في الصين أن يؤدي إلى إغلاق كامل في العديد من البلدان حول الكرة الأرضية[16].

وتشير الأبحاث إلى أن تفشي الأمراض المنقولة عن طريق الحيوانات والأمراض المعدية الأخرى مثل الإيبولا والسارس وإنفلونزا الطيور والآن Covid-19، آخذ في الارتفاع. تنتقل مسببات الأمراض من الحيوانات إلى البشر، والعديد منها قادر على الانتشار بسرعة إلى أماكن جديدة. تقدر المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) أن ثلاثة أرباع الأمراض الجديدة أو الناشئة التي تصيب البشر تنشأ في الحيوانات.

إن انتقال الأوبئة من الحيوان للإنسان قديمة حيث كان الصيادون في صيدهم الحيوانات البرية طلبا للحومها وجلودها ونتيجة هذا الاحتكاك فقد انتقلت الأمراض الوبائية من تلك الحيوانات إلى الصيادين ومن بعدهم إلى غيرهم، فالتلامس والاحتكاك المتزايد بين البشر والحيوانات البرية أحد العوامل الرئيسية التي تساهم في ظهور أمراض مشتركة جديدة في الإنسان سواء من خلال انتقال النشاط البشري إلى المناطق البرية أو من خلال زيادة حركة الحيوانات البرية إلى مناطق النشاط البشري؛ ومن أمثلة ذلك تفشي فيروس نيبا في ماليزيا سنة 1999 عندما قام بعض المزارعين بتربية الخنزير بصورة مكثفة في البيئة الطبيعية التي تعيش فيها خفافيش الفاكهة التي تحمل هذا الفيروس مما جعله ينتقل للخنازير التي نقلته إلى المزارعين[17]. ويبقى الخنزير أكثر الحيوانات الناقلة للأمراض إلى الإنسان حيث يبلغ عدد الأمراض الذي تصيبه أكثر من 200 مرض أغلبها ينتقل إلى الإنسان وبعضها خطير وقاتل[18].

ترتبط هذه الأمراض الحيوانية، على نحو متزايد، بالتغير البيئي والسلوك البشري؛ فتدمير الغابات البكر بسبب قطع الأشجار والتعدين وبناء الطرق عبر الأماكن النائية والتحضر السريع والنمو السكاني؛ هو الذي عجل بانتشار هذه الأمراض من خلال دفع الناس لأن يكونوا على اتصال وثيق مع الأنواع الحيوانية التي ربما لم يكونوا قريبين منها من قبل، التي تزيد فرص العدوى.

ولا شك أن هناك عدد لا يحصى من مسببات الأمراض التي تستمر في التطور والتي يمكن أن تشكل في مرحلة ما تهديدًا للبشر، ويأتي في مقدمتها الأمراض التي تقفز من الحيوانات إلى البشر، فالفرق بين اليوم والعقود التي مضت، هو احتمال ظهور الأمراض في البيئات الحضرية والطبيعية على حد سواء؛ لأن إنشاء مجموعات مكتظة بالسكان دون وسائل وقاية حيث نجد الخفافيش والقوارض والطيور والحيوانات الأليفة والكائنات الحية الأخرى مع بعض؛ وهذا يخلق تفاعلًا مكثفًا وفرصًا للانتقال من الأنواع إلى الأنواع الأخرى.

المحور الثاني: أسواق الحياة البرية: القنبلة الموقوتة

أولا: التجارة في الفيروس

تعتبر أسواق الحيوانات البرية مشكلة حقيقية وذلك بالنظر لسببين: أولاً، يتم الاحتفاظ بالحيوانات في ظروف مروعة وغير إنسانية، وبعض الحيوانات قد تكون تعاني من إصابات أو من أمراض معينة، وتبقى بدون طعام أو ماء، وبالتالي فإن الضغط عليها بهذا الشكل الفظيع يجعلها أكثر عرضة للإصابة بالأمراض حتى لو كانت سليمة. بالإضافة إلى ذلك، يتم تجميعها وتكديسها بكثافة عالية جدًا ورميها في أقفاص صغيرة، ما يجعل انتقال الأمراض بينها وبين البشر أمر سهل في ظل انعدام أدنى شروط الوقاية والسلامة.

يتوقع علماء الأمراض بأن الفيروسات والمسببات المرضية الأخرى من المحتمل أيضًا أن تنتقل من الحيوانات إلى البشر في العديد من الأسواق غير الرسمية التي نشأت لتوفير اللحوم الطازجة لسكان المدن الذين يتزايدون بسرعة في جميع أنحاء العالم، حيث يتم ذبح الحيوانات، وقطعها وبيعها على الفور، دون احترام الشروط الواجب توفرها في عملية الذبح والتقطيع.

فمن المعروف أن السوق التي تبيع المنتجات الطازجة واللحوم في ووهان، التي تعتقد الحكومة الصينية أنها نقطة الانطلاق لوباء Covid-19 الحالي، تبيع العديد من الحيوانات البرية، بما في ذلك صغار الذئاب الحية والسلمندر[19]، التماسيح، العقارب، الفئران، السناجب، الثعالب، والسلحفاة. وبالمثل، تبيع الأسواق الحضرية في غرب ووسط أفريقيا القرود والخفافيش والجرذان وعشرات الأنواع من الطيور والثدييات والحشرات والقوارض التي تذبح وتباع بالقرب من مكبات النفايات المفتوحة وبدون تصريف؛ لأن الأسواق تشكل مكانا متميزا لانتقال مسببات الأمراض عبر الأنواع، فعندما يكون لديك تفاعلات جديدة مع مجموعة من الأنواع في مكان واحد، سواء كان ذلك في بيئة طبيعية مثل غابة أو سوق، فانتظر الأسوأ.

ولا تمثل الأسواق الصينية في مدينة ووهان بمقاطعة هوبي في الصين وحدها المشكل، بل هناك أسواق كثيرة ومتفرقة في المعمور، وإن كانت السلطات الصينية قد أغلقت سوق ووهان، إلى جانب الأسواق الأخرى التي تبيع الحيوانات الحية، وحظرت تجارة وتناول الحيوانات البرية باستثناء الأسماك والمأكولات البحرية في خطوة رائدة فإن ذلك لا يمثل إلا جزءا من الحل.

ومن بين الأسواق التي تشكل تهديدا حقيقيا للبيئة والإنسان، نجد سوق لاغوس سيئ السمعة، إنه مثل قنبلة نووية تنتظر أي وقت للانفجار. ويصعب وقف هذه الأسواق التقليدية في إفريقيا لأنها توفر الكثير من المواد الغذائية لأفريقيا وآسيا، وتعتبر مصادر أساسية للغذاء لمئات الملايين من الفقراء، لذلك فالتخلص منها أمر شبه مستحيل في ظل عدم وجود بدائل مقبولة، وقد يدفع الحظر بالقوة، إلى البحث عن طرق غير مشروعة للتجارة فيه قد تكون أسوأ من الطريقة الأولى؛ لأن الطرق غير مشروعة لا يبحث فيها التجار عن النظافة ولا عن المراقبة مما يهدد بكوارث أكبر مما هو موجود الآن.

ثانيا: في البحث عن حلول

لا شك أن حماية البيئة ليس ترفا فكريا يقوم به الساسة والعلماء من حين لأخر أو قضية خيرية يتسابق إليها الأغنياء والمشاهير لالتقاط الصور وترك بعض العبارات الرنانة، إنها أولا وقبل كل شيء قضية وجود، يفكر فيها الإنسان تفكيره في ذاته ويخاف عليها خوفه على مستقبله ومستقبل أولاده. إن الحفاظ على الحياة البرية هو حفاظ على النظم البيئية السليمة الذي ينعكس بشكل مباشر على الصحة العامة وبالتالي على الحياة الاقتصادية والاجتماعية[20].

إن اللافت للنظر أن جائحة COVID-19 استنفرت العالم كله وتم أخذها على محمل الجد بطريقة هستيرية أكثر من ارتفاع درجة حرارة المناخ التي هي من الناحية العلمية أكثر أهمية من هذه الجائحة. وهو ما يستدعي طرح السؤال الغائب: هل يمكن أن يساهم تفشي الفيروس التاجي في تنبيه العالم إلى معالجة حالات الطوارئ المناخية؟ لقد أصبحت الأرض معملًا تجريبيًا عالميًا، وهو ما يفرض تبني تغييرات جديدة لا أحد يستطيع التنبؤ بمدى جدواها. كيف يمكن تفسير نقاء الهواء في أغلب دول العالم، بينما قد اعتاد الناس في السنوات الأخيرة على حقيقة مفادها أن معظم مدن العالم وعواصمه الكبرى لا يكاد يصفو هواءها خصوصا دولة الصين التي بها أعلى معدل تلوث للهواء في العالم، ولكن شتاء 2020، انخفض تلوث الهواء في الصين بشكل كبير يبعث على الدهشة. وما تلبت أن تذهب تلك الدهشة بمعرفة الأسباب وراء ذلك التي ما هي إلا سوى التدابير المتخذة ضد فيروس كورونا.

ومع ذلك، فإن الآثار المفيدة للحجر الصحي على البيئة لا تتعلق فقط بجودة الهواء، ولكن أيضا تراجعت تركزات ثاني أوكسيد النيتروجين والجسيمات الدقيقة في الهواء بنسبة 37 في المئة و10 في المئة على التوالي، ومن شأن هذا التحسن في جودة الهواء أن يساهم في تجنب آثار صحية أخرى، بما فيها ستة آلاف حالة جديدة من الربو لدى الأطفال و1900 عملية نقل إلى أقسام الطوارئ بسبب نوبات الربو[21].

  هل يمكن للوباء أن يجلب تأثيرات إيجابية على المناخ عالميا؟ فبدلاً من الاتفاقات الدولية، والتغيير في سلوك المستهلك، والتزامات الصناعات الكبيرة، سيكون فيروس كورونا هو من سينقذ البيئة؟ وهل يجب على الحكومات والبنوك المركزية حول العالم أن تستثمر تريليونات الدولارات فقط للتأكد من أن اقتصادنا القائم على الوقود الأحفوري يمكن إعادته إلى الحالة التي كان عليها من قبل؟ هل يجب أن نفكر في العودة إلى “الطبيعي”، عندما تكون “الطبيعة” هي المشكلة نفسها؟[22].

إن هناك سوء فهم كبير بين لدى عامة الناس، حيث يعتقد الأغلبية أن النظم البيئية الطبيعية هي مصدر التهديدات للبشر، وهذا فيه كثير من التجني على الطبيعة، صحيح أن الطبيعة تشكل تهديدا نوعا ما، ولكن الأنشطة البشرية هي مصدر كل تهديد، فهي التي تسبب الضرر الحقيقي؛ لأنه من الممكن أن تتفاقم المخاطر الصحية في البيئة الطبيعية عندما تبطش بها يد الإنسان وتتدخل فيها عنوة.

تؤثر التغيرات البيئية على احتمالية تعرض البشر للأمراض المعدية، فعندما يتم القضاء على التنوع البيولوجي، فإنه من المتوقع تكاثر الأنواع الأكثر احتمالية لنقل الأمراض الجديدة للإنسان، ولكن هناك أيضًا ما يدل على أن تلك الأنواع نفسها هي أفضل من نقل الأمراض الموجودة.

وإذا كان هذا المشكل معقدا فإن حله يبقى أكثر تعقيدا، لأن حله ليس بيد دولة معينة دون أخرى، وإنما أطرافه مترابطة وخيوطه متشابكة، لا يمكن تحميل المسؤولية لدولة بعينها لأن المسؤولية مشتركة، والأهم في بداية الحل هو تغيير سلوك الدول والمنظمات والأفراد، يتبعه تضافر الجهود وتعاضد الموارد وتوحيد الرؤى والتصورات. فالتغيير يجب أن يأتي من المجتمعات الغنية والفقيرة معا؛ فمثلا، الطلب على الأخشاب والمعادن والموارد الذي يتم من دول الشمال يؤدي إلى تدهور المناظر الطبيعية في دول الجنوب، وبالتالي حدوث الاضطراب البيئي واختلال توازن الطبيعة الذي يدفع الأمراض إلى الظهور ومن تم إلى الانتشار. ولا حل إلا في التفكير الجدي في الأمن البيولوجي العالمي، والعثور على نقاط الضعف ومعالجتها وتعزيز التضامن العالمي وتوفير الرعاية الصحية في البلدان النامية، وإلا فالمستقبل مليء بالمفاجئات غير السارة.

إن توصيل الرسالة عن مسببات الأمراض للصيادين والمزارعين ومسؤولي الأشجار والغابات وتجار الأسواق والمستهلكين له أمر في غاية الأهمية، وهي مسؤولية الجميع، فهذه الآثار غير المباشرة تبدأ بشخص واحد أو شخصين، ثم ما تلبث أن تعم الناس كافة، لذلك فالحلول تبدأ بالتعليم والوعي، ويجب أن ينخرط المجتمع بكل فعالياته فيها، كل على حسب موقعه ومستواه ومقدرته، لا تهاون البته، يجب أن نجعل الناس يدركون أن الأشياء مختلفة اليوم، ولكن ليست بتلك السوداوية المطلقة؛ إذ من الممكن أن نتغلب على حربنا هذه إذا أحسنا التفكير والعمل.

كما يجب إعادة التفكير في البنية التحتية الحضرية، لا سيما في المناطق منخفضة الدخل والمستوطنات العشوائية، وهو ما يتطلب إعادة النظر في السياسات العامة التي لا تستوعب المخاطر المستحدثة ولا تأخر بعين الاعتبار النظام البيئي؛ إذ من اللازم تركيز الجهود في احتواء انتشار العدوى عبر سياسات بعيدة المدى، تبدأ بإصلاح مدننا المتهاوية التي لم تبنى من أجل الإنسان بقدر ما بنيت من أجل الربح؛ فهي مدن تسليعية تقوم على تكديس البشر في “أقفاز” لا تصلح للحيوان أصلا، وبالتالي، فلا غنى عن إصلاح النهج الحالي للتخطيط والتنمية الحضرية[23].

وختاما،

يمكننا القول بأن جائحة كورونا وكل الفيروسات التي ظهرت قبلها أو التي ستظهر بعدها ما هي إلا ردة فعل عن الانتهاك المتواصل للبيئة الذي يقوده الإنسان دون تدبر لمألات الأمور، والذي انعكس سلبا على الحياة البشرية والحياة البرية معا، فالأولى باتت مهددة بالأمراض القاتلة والثانية مهددة بالانقراض. وهو ما سيؤدي في نهاية المطاف إلى اختلال التوازن البيئي الذي يعيش عليه الإنسان باعتباره جزءا منه، وإذا ما اختل فإن ردة فعله تكون صادمة وقوية يمكن أن تنتهي بتوقيف الحياة الاجتماعية وانهيار النظام الاقتصادي وعجز بشري تام.


الهامش

[1]  ويليام باينَم، تاريخ الطب: مقدمة قصيرة جدا، ترجمة لبنى عماد تركي، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2016، ص74

[2] Campbell BMS, The Great Transition: Climate, Disease and Society in the Late-Medieval World. Cambridge University Press, 2016, p 485.

[3]  Stenseth NChr et al, Plague: Past, Present, and Future. PLOS Medicine, 2008, p 5

[4]  Michael B. A. Oldstone M.D, Viruses, Plagues, and History: Past, Present and Future, Oxford, 2010, p341

[5]  دوروثي إتش كروفورد، الفيروسات: مقدمة قصيرة جدا، ترجمة أسامة فاروق حسن، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، ط1، 2014، ص14 وما بعدها.

[6]  د.ف.م. برنت، رحلة الانسان مع الفيروس، فصول من المعرفة، ترجمة سعد الدين عبد الغفار، وكالة الصحافة العربية، ط1، 2019، مقدمة الكتاب.

[7] اللجنة التحضيرية لمؤتمر الأمم المتحدة للإسكان والتنمية الحضرية المستدامة (الموئل الثالث)، الدورة الأولى، نيويورك 17/18 سبتمبر 2014، ص6

[8] حالة المدن العربية 2012/2013 تحديات التحول الحضري، برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (الموئل)، اعداد وتصميم مايكل جونز، ترجمة ديانا نغوي، الطبعة الثانية 2012 ،ص 1.

[9]  علي عدنان الفيل، شرح التلوث البيئي في قوانين حماية البيئة العربية دراسة مقارنة، المركز القومي للإصدارات القانونية، ط1، 2013، ص13

[10]  حالة الغابات في العالم 2016: الغابات والزراعة: استخدام الأراضي، التحديات والفرص، منظمة الأغذية والزراعة، روما 2016.

[11]  ديار حسن كريم، الجغرافيا البيئية، دار الجنادرية للنشر والتوزيع، 2015، ص192

[12]  محمد حسان عوض، حسن أحمد شحاتة، قضية المناخ… وتحديات العولمة البيئية، الأكاديمية الحديثة للكتاب الجامعي، 2018، ص37

[13]  مصطفى يوسف كافي، اقتصاديات البيئة والعولمة، دار رسلان، 2014، ص337

[14] https://wilderness-society.org/how-environmental-destruction-paves-the-way-for-pandemics/

[15]  البياض الدقيقي مرض فطري يعتبر من أخطر الأمراض التي تصيب العديد من المحاصيل الزراعية مثل الحنطة و الشعير و العنب ومحاصيل الفصيلة القرعية مثل الخيار والكوسا. تصاب المحاصيل المختلفة بسلالات مختلفة من الفطريات من يسهل تمييز هذا المرض نتيجة أعراضه الواضحة الشبيهة بالدقيق الأبيض. https://ar.wikipedia.org/wiki

[16] https://wilderness-society.org/how-environmental-destruction-paves-the-way-for-pandemics/

[17]  شعبان خلف الله، الأمراض السارية التي تنتقل إلى الإنسان من الحيوانات ومنتجاتها (الأمراض البكتيرية)، دار الكتب العلمية، 2014، ص4

[18]  محمد أنور مرزوق/عادل عبد العزيز النويشي، أنفلوانزا الخنازير،  إنفلونزا الخنازير: الأسباب والعلاج، دار الجمهورية للصحافة والنشر، 2009، ص79

[19]  السلمندر Salamander، حيوان برمائي يعيش في الماء وعلى اليابسة وهو من رتبة البرمائيات المذنبة يتراوح طوله من عدة سنتيمترات إلى متر ونصف، له أربعه أرجل أطراف أمامية وخلفية متساوية في الطول وذيل طويل.

[20] https://wilderness-society.org/how-environmental-destruction-paves-the-way-for-pandemics/

[21] https://www.env-news.com/environmental-pollution/25612

[22] https://wilderness.academy/webinar-courses-events/panel-discussion-will-the-coronavirus-pandemic-have-a-lasting-impact-on-the-environment

[23] https://www.theguardian.com/environment/2020/mar/18/tip-of-the-iceberg-is-our-destruction-of-nature-responsible-for-covid-19-aoe

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close