fbpx
دراسات

جدالات الأمن والإرهاب في الشّرق الأوسط

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

(1) تمهيد:

يعيش العالم اليوم على وقع وتيرة مضطربة يمكن اعتبار الإرهاب سببها الرّئيس ومحرّكها الأساس، ونكاد لا نستثني منطقة في العالم من هذه الاضطرابات. وممّا لا شكّ فيه أنّ لها تداعيات تطال شتّى مجالات الحياة من اقتصادات الدّول وسياساتها والتغيّرات الاجتماعيّة العميقة الناتجة عنها. وتعَدُّ منطقة الشّرق الأوسط قلب الرّحى لهذه الأحداث، وقد أُلحق مصطلح الإرهاب باعتباره الشّكل الأقصى والأقسى للتطرّف ولمجانبة الوسطيّة بالدّين الإسلامي وبمعتنقيه. والحقّ أنّ هذا المصطلح اِنبثق عمّا يروّجه الغرب عنه دون الاتفاق على معنى محدّد. وأنّ ما يسّر على الغرب هذا التّسويق هو ما أتاه بعضُ المنسوبين لهذا الدّين من ممارسات بحقّ الأبرياء في مناطق عديدة من العالم وتبريرها بالمبرّر الدّيني. وأصبح الإرهاب مبحثا فكريّا تناوله العرب والغرب على حدّ سواء. وتعدّدت الدّراسات مشرقا ومغربا تحاول توضيح المفهوم وإبراز مدى علاقته بالإسلام.

وتقوم هذه الدراسة على تناول: ثنائية الأمن والإرهاب في القرآن، ومفهوما الأمن والإرهاب لغة واِصطلاحا، ومقاصد القرآن من مصطلح “الإرهاب”، وأسباب اِنتشار الفكر المتطرّف في الشّرق الأوسط، وكيف يمكن التعاطي معها.

المحور الأول: جدالات المفاهيم:

أولاً: الأمن والإرهاب: بين اللغة والمصطلح:

لغة: اتّفقت المعاجم على تعريف الأمن بكونه مناقضا للخوف. من ذلك، لسان العرب الذي يعرّف فيه صاحبه الأمن بقوله: “الأمن ضدّ الخوف”2، والقاموس المحيط، “الأمن: ضدّ الخوف”3.

واصطلاحا: يكمن الأمن في الإجراءات والتدابير التي تُتّخذ لحفظ الدّولة ومنشآتها ومصالحها الحيويّة في الدّاخل والخارج وتأمين مواطنيها. فهو إذن سعيُ إلى بعث الطمأنينة في النّفوس وعملُ على دعم القدرة على مواجهة الأحداث والطوارئ بسلمٍ، ويرى بعض خبراء الأمن أنّه يمثّل حالة ذهنيّة ونفسيّة وعقليّة4.

وللأمن في القرآن مواضع عديدةٌ، تؤكّد اهتمام الدّين الإسلامي بإرساء حياة قائمة على السّلم والطمأنينة، خصوصا وهو قد نزل في بيئة كان العربيّ لا يفرغ فيها من دم إلاّ إلى دم وحياة قائمة على صراعات متواصلة وحروب لا تكاد تهدأ، وكان أهمّ ما يميّز حياة العرب في الجاهليّة أنّها كانت حياة حربيّة تقوم على سفك الدّماء حتّى كأنّه أصبح سنّةً من سننهم، فهم دائما قاتلون أو مقتولون”5، وهذه الحروب تكون مصحوبة بعدم استقرار نفسيّ وجزع متواصل من الاعتداءات التي يمكن أن تندلع في أيّ لحظة، ومن هنا كانت دعوته تعالي “يا أيّها الذين آمنوا أدْخُلوُا في السّلم كافّةً ولا تتّبعوا خطوات الشّيطان إنّه لَكُم عدُوّ مبينٌ.” (البقرة/208). حيث الدعوة للدخول في السّلم واعتبار الحروب رجْسً من عمل الشيطان، يجبتجنّبه والابتعاد عنه لما له من آثار سلبيّة على الفرد وعلى المجموعة ولما يمثّله من تهديد لحياة النّاس وأمانهم.

وقد تواتر ذكر الأمن في القرآن الكريم، من ذلك قوله تعالى: “أَفَمَنْ يُلْقَى في النَّارِ خيْرٌ أمْ مَنْ يَاْتِي آمِناً يومَ القيامَةِ”. (فصّلت: 40)، وقوله: ” فيه آياتٌ بيِّنَاتٌ مَقَامُ ابراهيمَ ومَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا”. آل عمران/97. وقوله: “أُدخُلوا مِصْرَ إنْ شَاءً اللَهُ آمنينَ”. (يوسف: 99)، وقوله: “وكانوا يَنْحِتُون مِنَ الجِبَالِ بُيُوتًا آمنينَ”. الحجر/82. وقوله: “وإذْ جَعَلْنَا البَيْتَ مَثَابْةً للنّاسِ وأَمْنًا”. (البقرة: 125) وقوله: “وإِذْ قالَ ابْرَاهيمُ رَبِّ اِجْعَلْ هذَا البَلَدَ آمنًا”. (إبراهيم: 35)، وقوله: “ولْيُبْدِلَنّهُم من بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا” النّور/55. وقوله: ” سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وأيَّامًا آمِنينَ”. (سبأ: 18).

وقد اتّخذ الأمن في هذه الآيات معاني تنافي الخوفَ وتعيد الرّاحة والرّخاء مثل ما ورد في قوله تعالى: ” أُدخُلوا مصر إن شاء اللهُ آمنينَ” يوسف /99 فسّرت الآية بمعنى آمنين ممّا كنتم فيه من الجهد والقحط، ويعني كذلك عدم الحاجة (الحجر/82). وفي المقابل، فقد ذُكِرَ الخوف في مواضع عديدة من القرآن الكريم، باعتباره نوعًا من العذاب الذي يسلّط على الكافرين، من قبيل قوله تعالى “وما نُرْسِلُ بالآياتِ إلاّ تَخِويفًا” الإسراء/59، وقوله في أهل مكّة الذين كذّبوا الرّسول محمّد عليه الصّلاة والسّلام وحاربوه “وَضَرَبَ اللهً مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأتِيهَا رِزْقُهَا رغَدًا مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بأَنْعُمِ اللهِ فأذَقَها اللهُ لِبَاسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ” النحل/112.

إنّها آياتٌ تنصّ على دعوة صريحة لإرساء الأمن باعتباره الدّعامة الأساسيّة للحياة في كنف الطمأنينة، لأنّها وحدها تكفل عطاء الإنسان وقدرته على التميّز وعلى خلافة الله في الأرض بشكل سليم. وقد اعتبر الإسلام الأمن نعمة وفضلاً وذلك من خلال دعاء ابراهيم ربّهُ أن ينعم على مكّة بالأمن بعد أن تركَ فيها زوجته وحيدة مع رضيعه في تلك الأرض التي لا ماء فيها ولا طعام: “وإذ قال إبراهيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا البلَدَ آمنًا وارزق أهله من الثّمراتِ مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخِرِ” البقرة/126. إنّه يعلم أنّ أمان البلد هو الكفيل للحياة الكريمة فيه، وإقرارا من القرآن بأهمّية الأمن فقد جعله صفة مطلقة تخصّ الجنّة فقال: “أدخلوها بسلام آمنين” الحجر/46.

وفي السّنة، دعا الرّسول عليه الصّلاة والسّلام إلى نشر الأمن بين النّاس وكفّ الأذى عنهم، تماشيًا مع مقاصد القرآن الكريم في هذا الباب، ونهى عن إدخال الخوف في نفوس المسلمين من ذلك قوله: “لاَ يَحِلُّ لِمُسْلم أن يروع مسلمَا” (رواه الإمام أحمد) كما نهى عن أن يُشْهِرَ سلاحًا عليه وإن كان من باب الدّعابة فقال: “لاَ يُشِيرُ أحدُكُم بالسِّلاَحِ، فَإنَّهُ لاَ يَدْرِي أحَدُكُمْ لَعَلَّ الشّيطَانُ يَتْرَعُ في يَدِهِ فيقع في حفرة من النّار”. (رواه البخاري وأحمد). ومن دعائه صلّة الله عليه وسلّم: “اللهمّ أسْتُرْ عَوْراتي وأمِّنْ رَوْعَاتِي” (رواه الإمام أحمد).

واهتم” الرّسول بالأمن في أوقات القتل، فلا يصحّ إرهابٌ ولا قتال من لا يحارب كالنّساء والصّبيان وكبار السّن الذين لم يقاتلوا المسلمين، إذ رُوِي عنه أنّه ما رأى امرأة مقتولة في إحدى الغزوات، قال: “ما كانت هذه لتُقَاتَلَ” رواه أبو داود ورغم ما وُوجِهَ به الرّسول الكريم من عدوان وتخويف وإرهاب من قبل مشركي مكّة، فإنّه بعد فتحه مكّة لم يردّ الإساءة بالإساءة وعلى الإرهاب بالإرهاب بل فتح باب الأمان لأهل مكّة وهو ممّا شجّعهم على اعتناق دين محمّد.

ثانياً: أمن الفرد المسلم في مجتمعه:

أعطى الإسلام عصمة للدّماء والنّفوس والأعراض كي يَشْعُرَ الفردُ بالأمْنِ وهو في مجتمعه، بل في تنقلاته وحيثما حَلَّ، ودرّب المسلمين على ممارسة هذا الأمن، والشّعور بقيمته من خلال تشريع الحجّ والإحرام وتحديد أحكام خاصّة بالحرم المكّي “أَوَ لَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطّفُ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أفَبِالبَاطلِ يؤمنُونَ وبنعمةِ اللهِ يَكْفُرونَ” العنكبوت/67 وكذلك الصّيام في شهر رمضان، فهو نوعٌ من التدريب العملي على السّلم الفرديّ، فقد رُوِيَ عن الرّسول عليه الصّلاة والسّلام في خطبة في استقبال شهر رمضان أنّه قال: “ومَنْ كفَّ فِيهِ شَرَّهُ، كَفَّ عَنْهُ غَضَبَهُ يومَ يَلْقَاهُ” فهو يعتبر ألاّ قيمة للصيام إن لم يُفلح فيه الإنسان عن ضبط غَضَبَهُ وأذاه للنّاسِ. وقد نهى الرّسول الكريم على أن يخيف مسلِمٌ مسلِمًا فقال: “لا يحلُّ لِمُسْلِمٍ أن يروعَ مسلمًا.” وقال: ” كُلُّ المسْلِمِ على المُسلِمِ حرامٌ دَمُهُ وعرضُه ومالُه “.

لقد جعل الإسلام حقوقًا تضمن أمن الأفراد بمختلف شرائحهم فأمر بالإحسان للوالدَيْن وبذي القربَى واليتيمِ والمسكين وأوجزها في آية واحدة: “وبالوالديْن إحْسَانا وبذي القُربى واليتامى والجارِ ذي القُربَى والجار الجُنُبِ والصّاحبِ بالجَنْبِ وابن السّبيلِ ومَا ملكَتْ أيمانُكُم” النساء/36، فهل الأفراد غير هؤلاء؟ لقد أمر الإسلام إذن بتعميم الإحسان بين النّاس وكفّ الأذى عن الأشخاص وهو ما من شأنه أن ينشر الطمأنينة والسّكينة في النّفوس.

هكذا نرى أنّ الإسلام ضمن مقوّمات العيش الكريم لكلّ معتنقيه من خلال إقراره حقوقهم في الكرامة ” وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ في البَرِّ والبَحْرِ ورَزَقنَاهُمْ مِنَ الطَّيبَاتِ وفضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تفضيلاً” الإسراء/70 وحقّ الحرّية الشّخصيّة “من عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفسِه ومَنْ أسَاءَ فَعَلَيهَا وَمَا رَبُّكَ بِظّلاَّمِ للعبيدِ” الجاثية/15. وحقّ التّعلّم وتحريّم كتمان العلم “إِنَّ الذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ البيّنَاتِ والهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَاهُ للنَّاسِ فِي الكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللهُ ويَلعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ” البقرة/159.

فالإسلام قد أسّس لعلاقات بين أفراد المجتمع الواحد تقوم على تبادل الاحترام والرّحمة والودّ وضمان الأمن فعن الزّهري عن سالم عن أبيه أنّ رسول الله قال: “المُسْلِمُ أَخُو المسلم لا يظلُمُهُ ولا يُسلمُه ومَنْ كَانَ في حَاجَةِ أخِيهِ كَانَ الله فْي حَاجَتِهِ، ومَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلمِ كُربةَ، فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ كُربَةً مْنْ كُرُبَاتْ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةْ” (أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما). وقال: “لاَ يُؤْمِنُ أحدُكُم حَتّى يُحب” لأخيه ما يحبّ لنفسه”. (البخاري ومسلم عن أنس بن مالك في صححيهما).

ثالثاً: أمن غير المسلمين

لم يستثن الإسلامُ غير المسلمين من أن ينعموا بالأمن إذ يقول عزّ وجلّ في كتابه الكريم: “لاَ يَنْهَاكُمْ اللهُ عَنِ الذِينَ لَمْ يُقَاتْلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إِنَّ اللهُ يُحبُّ المُقْسِطِينَ (8) إنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللهُ عَن الذِينَ قَاتَلُوكُم فِي الدِّينِ وأخْرَجُوكُمْ وظَاهَرُوا عَلَى إخْرَاجِكُمْ أنْ تَوَلُّوهُمْ ومَنْ يَتَولَهُمْ فأُولَئْكَ هُمْ الظّالِمُونَ” الممتحنة/8 – 9.

وفي القرآن ما ينصّ على التّعايش بين المسلمين وغيرهم من أهل الكتاب “وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ والمُحْصَنَاتِ من الذين أوتوا الكتابَ مِنْ قبلكُمْ إذَا آتيْتُمُوهُنَّ أُجورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غير مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتّخّذي أَخْدَانٍ” المائدة/5.

وفي مجال الدّعوة إلى الإسلام “ولا تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إلاَّ بالتِي هِي أحْسَنُ إلاَ الذين ظلموا منهم وقولوا آمنّا بالذي أُنزِلَ إلينا وأنزِلَ إليكُم وإلهنا وإلهكم واحدُ ونحن له مسلمون” العنكبوت/46.

ويمكن إجمال أبرز ما ضمنه الإسلام لغير المسلمين فيما يلي:

أ – حرّية معتقدهم: حيث أقرّ الإسلام بحرّية الاعتقاد، ولم يُرغِمْ المخالفين على اعتناقه، فضمن لهم حرّية البقاء على دينهم “لا إكراه في الدّين” البقرة/256 وقوله تعالى: وقل الحقّ من ربّكم من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” الكهف/29. وقال مخاطبا رسول الله (ص): “ولو شاء ربُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهم جميعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حتّى يكُونُوا مؤمنينَ” يونس /99. فغير المسلم إذن مُخَيَّرٌ بين الدّخول في الإسلام وبين البقاء على دينه بَعْدَ أن يعَقَدُ عليهم عهدُ يطمئنُّ به على دينه وعرضه وماله ويتمتّع بذمّة الله ورسوله لذلك سمّي ومن مثله بـ “أهل الذّمّة”. وقد أعفى الإسلامُ المخالفين من المواطنين من تطبيق الأحكام الشرعيّة من ذلك دفع الزّكاة التي هي عند المسلمين ركن من أركان الإسلام يُكَفِّرُ من لم يأتِهِ.

ب – حقّهم في الحياة الكريمة: دعا الإسلام إلى إقامة العدل بين النّاس بغضّ النّظر عن انتماءاتهم العقديّة، وحذّر من الظّلم والطّغيان، فقال تعالى في ذلك: “والسّماءَ رفعها ووضع الميزان ألاّ تطْغَوا في الميزان وأقيموا الوزنَ بالقِسطِ ولا تخسَروا الميزانَ” الرحمان/7 – 9. فقد ألزم بإقامة العدل وإنصاف المظلوم وإن كان مخالفًا في الدّين وجعل عقوبة المعتدي واحدةً سواءً أكان مسلمًا أو غيرَهُ.

وممّا يحفظ للإنسان الحياة الكريمة حفظ نفسه ودمه وماله وعرضه وهي أُمُورٌ كفلها الإسلام للإنسان أيضا مسلمًا كان أو غيرَ مُسْلِمٍ، واعتبرها حرمات لا يحقّ لأحد انتهاكَهَا إلاّ إذا كانت تطبيقا للقصاص أو تنفيذا لعقوبته وقد قال تعالى في هذا: “من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنّه من قتل نفسا بغير نفس أو فسادا في الأرض فكأنّما قتل النّاس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا النّاس جميعًا”المائدة/32.

كما ضمن الإسلام للمخالف المقيم ببلاد مسلمة أن يحظى بالحماية ودفع الأذى عنه، وبالمعاملة الحسنة التي تكفل له الحياة الآمنة الكريمة، وقد منع الرّسول عليه الصلاة والسّلام الإيمان عمّن يؤذي جارَهُ إذ قال: “والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن. قيل: من يا رسول الله ؟ قال: الذي لا يأمَنُ جارُهُ بوائقَهُ6.

رابعاً: أمن المجتمع في الإسلام:

لنا أن نتصوّر الطّريقة التي يكونُ عليها مجتمعٌ عمل أفراده بما نصّ عليه الإسلام من علاقات بينهم وتحلّوا بقيم سامية دعا إليها، مجتمع أفراده ” كالبنيان المرصوص” و”كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسّهر والحمّى” (متّفق عليه). مجتمع يُوقَّرُ فيه العالم، ويحتَرَمُ فيه الشيخُ، وتراعى فيه المرأة ويحفَظُ فيه الطّفل، ويساعَدُ فيه المحروم والمسكين واليتيمُ والجارُ وعابر السّبيل !

لقد حذرّ الإسلام من إطلاق الإشاعات ومن تداولها بين النّاس لما لها من أثر في نشر الخوف وإضعاف المجتمع وتسريب القلاقل والاضطرابات الفتن التي عدّها “أشدّ من القَتْل” فقد قال تعالى: “وإذا جاءهم أمرٌ من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو رَدُّوه إلى الرّسول وإلى أولي الأمرِ منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضلُ الله عليكم لاتّبعتم الشّيطان إلاّ قليلاً.” النساء/83. فالتّصدي إلى الإشاعة هو من أهمّ وسائل حفظ الأمن الدّاخلي.

لقد دعا الإسلام أيضا إلى العمل وضرورة إتقانه لأنّ العمل يمكّن من تحقيق الاكتفاء الذّاتي للمجتمع ويغني عن الحاجة والخصاصة والتّبعيّة وهو ما يمكّنُ من السّير في طريق النّهوض والرّقي وما يحقّق كرامة الفرد والمجموعة.

إنّ مجتمعا يؤدّي فيه كلّ فردِ واجبه على الوجه الأكمل وتؤدّي فيه كلّ جماعة واجبها على أحسن وجه، يجعل الجميع ينعم بالأمن والأمان والطّمأنينة، ويعيش في كنف الهدوء والاستقرار. ويشعر فيه النّاسُ بحُرمة الأنفس والأعراض والأموال فيما بينهم ويؤدّون فيه شعائر الدّين، هو المجتمع القابل للتطوّر والارتقاء “كنتم خير أمّة أخرجت للنّاس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله.” آل عمران/110.

خامساً: الإرهاب في القرآن بين المفهوم والمقاصدَ:

الإرهاب، مصدر من الفعل المزيد أرهب، أرهب فلانا أي خوّفه وفزّعه7، أمّا المجرّد منه (رَهَبَ) يرهَبُ رَهْبَةً ورَهْبًا فيعني خاف، والرّهبة: الخوف والفزع. ويدلّنا التعريف اللّغوي العربيّ على أنّ الرّهبة هي فعل تلقائي، وحالته تصيب الإنسان، في حين أنّ الإرهاب فعل مقصود يقع بمثير سواءً أكان شخصًا أو شيئًا. وحريّ بنا أن نذكر أنّ المعاجم القديمة قد خلت من كلمتي “إرهابيّ” و “إرهاب” ولهذا دلالته التي سنراها لاحقا. ويرادف “الإرهاب” في اللّغة الفرنسية مصطلح Terrorisme، الذي يتشكّل من الكلمة اللاّتينيّة terror مضافا إليها المقطع « isme » وهو من أصل يوناني قديم يعبّر عن مفهوم عقلانيّ أو نظام ذهنيّ.

ويرى بعض الدّراسين8 أنّ هذا المصطلح قد اِرتبط في نشأته بالثورة الفرنسية9، فتحوّلت كلمة الرّعب terreur إلى كلمة إرهاب terrorisme كنظام تتوخّاه الحكومة نتيجة لأحداث تاريخيّة معيّنة. وعرّف القاموس الفرنسي Dictionnaire Français الإرهاب بكونه اللّجوء إلى الرّعب وإلى العنف لفرض أفكار أو سياسات أو سلطة10 وهو ما ينسجم مع تعريف المعجم الإنجليزي11 إذ عرّف الإرهاب بكونه اِستخدام العنف والتهديد للتخويف والإرغام وخاصّة لأغراض سياسيّة وبكونه حالة من الخوف والخضوع ينتجها إرهاب أو ترهيبٌ. وهكذا نرى أنّ لفظ الإرهاب مرتبط بالتّرويع والإخضاع والإكراه.

ومن خلال النظر في آيات القرآن الكريم وورود مشتقات الإرهاب في المعجم المفهرس لألفاظ القرآن.(12) نلاحظ أن القرآن الكريم لم يستعمل مصطلح (الإرهاب) بهذه الصيغة، وإنما اقتصر على استعمال صيغ مختلفة الاشتقاق من نفس المادة اللغوية، بعضها يدل على الإرهاب والخوف والفزع، والبعض الآخر يدل على الرهبنة والتعبد، حيث وردت مشتقات المادة (رهب) سبع مرات في مواضع مختلفة في الذكر الحكيم لتدل على معنى الخوف والفزع كالتالي: (يَرْهَبُون): “وَفِي نُسْخَتِهَا “هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ” [الأعراف:154]. (فارْهبُون): )وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ( [البقرة:40]. )إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ( [النحل:51]. (تُرهِبُونَ): )تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ( [الأنفال:60]. (اسَتْرهَبُوهُم): )وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ( [الأعراف:116]. (رَهْبَةً): )لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللهِ( [الحشر:13]. (رَهَبًا): )وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ( [الأنبياء:90].

بينما وردت مشتقات نفس المادة (رهب) خمس مرات في مواضع مختلفة في القران لتدل على الرهبنة والتعبد كالتالي: ورد لفظ (الرهبان) في سورة [التوبة:34]، كما ورد لفظ (رهبانا) في [المائدة82]، ولفظ (رهبانهم) في [التوبة: 31] وأخيرا (رهبانية) في [الحديد:27].

ومشتقات كلمة الإرهاب التي وردت في بعض آيات القرآن الكريم في مناسبات متعددة من سوره، وبصيغ مختلفة، منها قول الله عز وجل في سورة البقرة: )يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ( [البقرة: 40]. قال ابن كثير في تفسيره: “وإياي فارهبون” (أي فاخشون، ترهيبٌ، والرهبة من أجل الرجوع إلى الحق، والاتعاظ بما عسى أن ينزل بهم من العقاب). (13)

وفسر قوله تعالى في سورة النحل: )وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ( [النحل: 51] (أي ارهبوا أن تشركوا بي شيئًا وأخلصوا لي الطاعة). (14) وكذلك في تفسيره لقوله تعالى: )وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا( [الأنبياء 90]. قال: (رغبا فيما عندنا، ورهبة مما عندنا، خائفين، الخشوع هو الخوف المستمر، خاشعين أي متواضعين).(15)

وفسرابن كثير رحمه الله قوله تعالى: )وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ( [الأنفال: 60] فسرها بقوله: (ترهبون أي تُخَوِّفُون به عدو الله وعدوكم، هم المنافقون).(16) وقال القرطبي: (17) )تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ( يعني تخيفون به عدو الله وعدوكم من اليهود وقريش وكفار العرب. وورد في تفسير المراغي عند شرحه لقول الله عز وجل: )وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ( [الأنفال: 60]. قال: (الإرهاب والترهيب: الإيقاع في الرهبة، وهي الخوف المقترن بالاضطراب).(18)

ويزداد معنى الآية وضوحًا عند النظر إليها في ضوء الآية التي سبقتها، وذُكِر فيها الخوف من خيانة المعاهدين بسبب نقضهم العهود، قال تعالى: )وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ( [سورة الأنفال آية: 58]، كما يزداد المعنى وضوحًا أيضًا وتأكيدًا، عند مواصلة القراءة إلى تمام الآية التي تليها، وهي قوله تعالى: )وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا(… [سورة الأنفال آية: 61]، فيظهر أنَّ معنى “ترهبون به عدو الله وعدوكم” هو من أجل منع العدوان والظلم، ولحماية أمة الإسلام التي أُمرت بالتزام الحق والعدل، وأمرت بتحصيل القوة لتثبيتها إزاء الناس كافة، ولأن الاستعداد المستمر للجهاد عند الاقتضاء يدفع الحرب ويمنع وقوعها بسبب خوف من يعتزم نقض العهود، ويبيت الاعتداء، ويضمر الخيانة والغدر، وإرهابه إرهابٌ مشروع، ولا يتحقق له ذلك، ويحصل له الخوف والرهبة الزاجرة إلا متى أدرك بشدة قوة المسلمين.

فالآية التي تأمر المسلمين بوجوب تحصيل القوة، وتوفير أسبابها ومقوماتها، بما يتناسب مع كل عصر، إنما لتكون رادعًا وزاجرًا يرهب كل من ينوي مباغتتهم بالحرب، فيتضرر المسلمون، وتتعطل رسالة الإسلام الذي جاء لينشر السّلم والأمان، ويأمر بالجنوح له؛ لأنه – أي: الإسلام- من بين مقاصده وغاياته، وفي تحصيل القوة سدٌّ لأبواب المفاسد والحروب، وحفظ للأمن، وجلب مصالح ومنافع العباد، فيهنأ الجميع باتقاء الفتن، وينعم جميع النّاس بحياة قائمة على التعاون والسّلام وتعمر الأرض، قال تعالى: )لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ( [الممتحنة: 8].

ونتبين من ذلك أن الإرهاب المأمور به الوارد في القرآن الكريم، إنما هو خاص، يتعلق بالمعتدين، لصدهم عن عدوانهم متى حصل منهم، وليس ترويعا ظالما للنّاس كما هو حاصلٌ اليومَ وهو ما يتعارض مع ما نصّت عليه الشّريعة الإسلاميّة. وفي القرآن الكريم، قال تعالى: )وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ( [الأنفال:60]. وقال تعالى: )لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ( [الحشر:13]. قال ابن كثير في التفسير: أي يخافون منكم أكثر من خوفهم من الله.

وقال تعالى حكاية عن سحرة موسى: )وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ( [الأعراف:116] أي أفزعوهم وأرهبوهم إرهابًا شديدًا، حيث خيلوها لهم أنها حيات تسعى وأتوا بسحر عظيم (19)، وقال تعالى: )وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ( [الأنفال:60] أي أعدوا – أيها المؤمنون- عدة وآلات الحرب لمقاتلة الأعداء وتخويفهم، ورد عدوانهم حسب الطاقة والإمكان، حتى لا يعتدوا على بلاد المسلمين أو لا يقفوا أمام انتشار الدعوة الإسلامية أو تبليغ رسالة الإسلام، والقوة تشمل أول ما تشمل الرمي، وهو أهم عنصر في القتال: “ألا إن القوة الرمي”(20).

وقال تعالى: )وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ( [الأنبياء:90] أي يعبدوننا طمعًا في رحمتنا، وخوفاً من عذابنا، وكانوا خاضعين مذللين لله رب العالمين.(21) وقال تعالى مخاطبًا نبيه موسى عليه السلام: )وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ( [القصص:32] أي من الفزع والرعب. (22) وقال تعالى: )لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ( [الحشر:13] أي يخافون منكم، أي خوف المنافقين وخشيتهم إياكم أيها المؤمنون أعظم وأشد في صدورهم من خوفهم وخشيتهم من الله.(23)

أما لفظ (الرهبان) فقد ورد مرتين فقط في القرآن الكريم في سورة التوبة، قال تعالى منددًا ومنكرًا على أتباع أحبار اليهود وأحبار النصارى في إتباعهم في التحليل والتحريم، مما يعني اتخاذهم أربابًا من دون الله؛ لأن التشريع خاص برب العالمين، قال تعالى: )اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ( [التوبة:31]. وقد عاب الله تعالى على علماء أهل الكتاب أكلهم أموال الناس بالباطل ومنعهم الناس من الدخول في دين الإسلام، قال تعالى: )إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ( [التوبة:34].

والإسلام دين العدل والاعتدال والوسطية، فلا رهبانية فيه، قال تعالى: )وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا( [الحديد:27]. وقال تعالى مخاطبًا اليهود: )وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ( [البقرة:40]. أي فاخشون، قاله قتادة وغيره. (24) وقال تعالى: )إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ( [النحل:51] أي خافوا الله ربكم دون سواه. (25) وقال تعالى: )وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ( [الأعراف:154] أي للخائفين من ربهم، الذين يخشون عقابه، وفيه تضمين الرهبة معنى الخضوع.

نلاحظ ممّا سبق أنّ كلمة الإرهاب التي وردت في القرآن وما تعلّق بها من مشتقّات اِتّخذت معنى الخوف لكنّه خوف محفوف بالمحبّة والخشية، واتّخذت في مواضع أخرى معنى العبادة واعتزال ملذّات الدّنيا، واتّخذت كذلك معنى إرهاب أعداء المسلمين باعتباره عملا وقائيّا لتجنّب اِعتدائهم على ثغور المسلمين. وبهذا، فإنّ الإرهاب الوارد بالنّص القرآني بعيد تماما عن الأعمال الإجراميّة العدوانيّة، وإنّ الإسلام من التّهم التي تُلصَقُ بها في هذا المضمار بَرَاءٌ. ومن الواضح أنّ إلحاق تهمة الإرهاب بالإسلام إنّما هي عَمَلٌ كيدي القصد منه تشويه صورة دين السّلام، فالدّين الذي بدأ بـ “ا ِقرأ ” لا يُمكن أن يتعارض مع العلم، والذي ختم أوامره بـ “اتّقوا …” لا يمكن أن يكون دين قتْلٍ، والذي أقرّ بـ “لا إكراه في الدّين” وبـ “لكم دينكم ولي دين” و”جادِلْهُم بالتي هي أحسَنُ” … يستحيل أن يكون جوهرُه قائما على سفك الدّماء وإهدار دم المخالف، ورغم ما عرفه تاريخه في فترات مختلفة على مرّ العصور من تعثرات في التعايش السّلمي سواءً أكان من المسلمين فيما بينهم أو بينهم وبين الآخرين المخالفين لهم فإنّ المسؤولية في ذلك لا ترجع إلى الدّين نفسه وإنّما إلى معتنقيه وتأويلاتهم المختلفة للنّص وخصوصا إلى تغميد السّياسي في الد”يني.

إن التّأمّل في معنى الآيات يوضح لنا أنّ القرآن الكريم استعمل (الرهبة).. (وترهبون) في هذه الآية، لزرع الخوف والرعب في نفس العدو وإشعاره بقوة الآخر، حماية للمسلمين.. وهذا الإرهاب هو عمل وقائي ذو دلالات إيجابية بعيد كلّ البعد عن إدخال الرّعب في نفوس البشر واِرتكاب جرائم بحقّهم.

سادساً: مفهوم الإرهاب في السنة النبوية:

من الملاحظ أن مشتقات مادة (رهب) لم ترد كثيرا في الحديث النبوي الشريف، ولعل أشهر ما ورد هو لفظ (رهبة) في حديث البراء بن عازب  الذي يرويه في الدعاء: “وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك”. (26) قال الحافظ في الفتح: أي رغبة في رفدك وثوابك، (ورهبة) أي خوفًا من غضبك وعقابك.(27)  وقال صاحب النهاية في الحديث المذكور: الرهبة: الخوف والفزع. (28)

ولمّا كان مقصد القرآن الكريم من اِستعمال اِشتقاقات مختلفة لمادّة “رهب” مرتبطا بسياقات معلومة، ودالاّ في مواضع على الإرهاب والترويع وفي أخرى على الرّهبنة والتعبّد، فقد بات من الواضح أمر الأخذ بهذه المعاني إلى معاني “إجراميّة” أخرى ثمّ إلصاقها بالدّين الإسلاميّ الحنيف خصوصا بعد أحداث سبتمبر 2001، وهو ما جعل المجمع الفقهيّ الإسلاميّ يعقد اِجتماعا في 10 يناير 2002 في رابطة العالم الإسلامي بمدينة مكّة المكرّمة ليصرّح بأنّ التطرّف والعنف والإرهاب ليس من الإسلام من شيء، وأنّها أعمال خطيرة لها آثار فاحشة، وفيها اِعتداء على الإنسان وظلم له، ومن تأمّل مصدريْ الشريعة الإسلاميّة كتاب الله الكريم وسنّة نبيّه صلّى الله عليه وسلّم، فلن يجد فيها شيئا من معاني التطرّف والعنف والإرهاب الذي يعني الإعتداء على الآخرين دون وجه حقّ.

وأجمع العلماءُ في بيانهم على أنّ “الإرهاب” ظاهرة عالميّة، لا يُنسَبُ لدين، ولا يختصّ بقومٍ، وهو ناتج عن التطرّف الذي لا يكاد يخلو منه مجتمع من المجتمعات المعاصرة، … وهو العدوان الذي يمارسه أفرادٌ أو جماعاتٌ أو دُوَلٌ بَغْيًا على الإنسان (دينه ودمه وعقله وماله وعرضه) ويشمل صنوف التخويف والأذى والتهديد والقتل بغير حقّ …، وعدّ جرائم الإرهابيّين من صور الفساد في الأرض التي نهى الله سبحانه وتعالى المسلمين عنها في قوله “ولا تبْغ الفسَادَ في الأرض إنّ الله لا يحبُّ المفسدين”29.

ولكنّ الواقع في دول الشّرق الأوسط، وهي الدّول التي يدين أغلب سكانها بالدّين الإسلاميّ، عرفت ولا تزال تعرف أعمالا إرهابيّة مروّعة يتذرّع أصحابُها بالدّين لتبرير جرائمهم، وهذا ما يحدث فجوةً كبرى بين حقيقة الإسلام وجوهره من ناحية وواقع المسلمين وسلوكات بعضهم من ناحية أخرى:

المحـور الثاني : جدالات الواقع: فجوة الفكر والممارسة:

أوّلا: أسباب انتشار الفكر المتطرّف في الشّرق الأوسط

1ـ الاحتلال الأجنبي:

يُعتبر الاحتلال  أحد أبرز الأسباب الخارجيّة التي تغذّي التطرّف الدّيني وتبنّي سلوك إرهابيّ ينْهجه المستعمَرُ لمواجهة المستعمِرِ أمام اِنعدام التوازن في القوى، وتُكرّس مشاعر العداء والكراهية للآخر، فتتحوّل المعركة من معركة سياسيّة اِقتصاديّة لتتخذ طابعا دينيّا فتصبح معركة بين الإسلام والمسيحيّة أو اليهوديّة .. فممارسات المحتلّ الصّهيوني مثلا في فلسطين قد أثّرت بشكل مباشر في ملايين العرب الواقعين تحت “سيطرة الاحتلال الإسرائيليّ والأمريكيّ وفي ملايين المتعاطفين معهم.

وقد ذكر أحمد يوسف التلّ هذا السّبب وتجلّياته إذ قال “سيطرة دولة على دولة أخرى، واستخدام القوّة وأمام الشّعور بالضعف أمام المحتلّ، وبعجز الحكومات العربيّة عن اتّخاذ قرارات حازمة في مثل هذه المسائل ذات البعد القوميّ، وبتهاون المنظّمات الإقليميّة والدّولية في أداء دورها لإنصاف الشعوب المضطهدة، يتنامى الإحساسُ بالنقمة ليتّخذ طابعا عنيفا متطرّفا ويقبلُ الشباب العربيّ والإسلاميّ على الفكر المتطرّف وعلى ممارسة العنف بأشكالٍ تصل إلى الوحشيّة أحيانًا وقد تطالُ في أحيان كثيرة مدنيّين أبرياء لا ذنب لهم إلاّ الانتماء للدّول المهيمنة، وممارسة القمع والعنف والتهجير وعدم التوازن في النّظام الاقتصادي العالميّ والاستغلال الأجنبيّ للموارد الطبيعيّة للدّول النامية، واِنتهاك حقوق الإنسان السياسية والاقتصادية والاجتماعيّة والثّقافية بالتعذيب أو السّجن أو الانتقام، والجوع والحرمان والبؤس والجهل، وتجاهل معاناة شعب ما يتعرّض للاضطهاد”30.

2ـ الواقع السياسيّ:

تفتقر أنظمة الحكم – بتفاوت – في دول الشّرق الأوسط إلى تطبيق الدّيمقراطيّة بما تفرضه من مساحات حرّية يتمتّع بها الأفراد والجماعات المنتمون إلى هذه الدّول، ويُعتبر عود الدّيمقراطية فيها هشّا وقد يكون مصطلح “الدّيمقراطية” أصلا غريبا في بعض الدّول، وهذا ما يضيّق قنوات التواصل والحوار، وقبول الآراء المخالفة ممّا يؤدّي بالضّرورة إلى وضع فئات كاملة اجتماعيّة أو سياسيّة أو دينيّة على هامش الواقع السياسيّ والفعل المؤثّر. وتبعا لهذا، تنشأ حالةٌ من الإحساس بالتهميش وبالغُبْنِ ستكون بدورها سببًا للانخراط في أعمال عنيفة أو تخريبيّة ضدّ أجهزة الدّول والمرافق العامّة.

فكلّما أغلقت الدّولة أبواب الحوار مع معارضيها ومع شبابها خصوصا وعجزت عن اِحتوائهم أو قعدتْ عن ذلك، كلّما ساهمتْ في تغلغل ظاهرة التطرّف السّياسيّ أو الدّينيّ خصوصًا في الدّول التي تتعدّد فيها الأديان أو الطوائف، وتتجاهل فيها الحكومات أصوات الشباب والأقلّيات والمعارضين.

3– الواقع الاقتصادي والاجتماعي:

إنّ العلاقة بين الاقتصادي والاجتماعيّة هي علاقة ذات اِتّجاهيْن Réciproque، يؤثّر الواحد منهما في الآخر ويتأثّر به في آن. لقد عرفت دول شرق أوسطيّة كثيرةٌ ظاهرة الهجرة الدّاخليّة، من القرى والأرياف باتّجاه العواصم والمدن الكبرى، مِمَّا نشأ عنه اِنتشارُ للأحياء الفقيرة والعشوائيّة التي تفتقر إلى أبسط مقوّمات العيش الكريم، والتي يجد سكّانها صعوبة كبرى في التأقلم مع الحياة في المدينة وفي الاندماج مع المنظومة القيميّة والسّلوكيّة والاقتصاديّة فيتنامى الشّعور بالعزلة والتهميش مع تفشّي الفقر في صفوف هذه الفئات خصوصا بين الشباب وهو ما ييسّر اِستقطابهم من قبل الجماعات المتطرّفة والعنيفة أو انخراطهم التلقائي في تلك المجموعات التخريبيّة31.

فـ”قد يرجع اِرتباطُ الشّخص بالجماعات المتطرّفة واِنضمامه إليها واِستجابته لاتّجاهاتها المذهبيّة المتطرّفة إلى أنّه قد وجد لنفسه بداخل هذه الجماعات المتطرّفة مكانة متميّزة لا يجدها في المجتمع الذي يعيش فيه خاصّة إذا كان هذا المجتمع لا يحقّق له الأمان الاقتصادي ولا يتيح له الفرصة لتحقيق طموحاته وتكون النتيجة إحساسه بالضّغوط وتعرّضه لمشاعر الفشل والإحباط ممّا يجعله مهيّأ للاندماج في الجماعات المتطرّفة التي تمنحه الإحساس بالرّاحة والقوّة وتحقيق المكانة المتميّزة التي حُرمَ منها.”32

فالفقر والتهميش وتدنّي مستوى الطبقات الفقيرة المعيشي نتيجة لانتشار البطالة وتردّي الخدمات والتفاوت الطّبقي والشعور بالاضطهاد وبالظلم الاجتماعيّ، كلّها عوامل خطيرة وفعّالة في نشأة التطرّف واللّجوء إلى حاضنة الإرهاب، وللعامل النفسي هنا دورٌ لا يستهان به إذ يصبح الإرهابُ عمليّة إعلاء يفجّر من خلالها المنتمون إليه طاقاتهم ومشاعرهم السّلبيّة التي رافقتهم في مناطق عيشهم.

4– الواقع الثّقافيّ:

يعدُّ التّعليم اللّبنة الأولى لتكوين العقل وتنمية ملكة النّقد، وإنّ المتأمّل في أنظمة التعليم في دول الشرق الأوسط يجد أنّ جلّها قائم على التّلقين والحفظ وبعيد عن النّقاش البنّاء والنّقد الهادف ممّا يخلق جيلا من المتعلّمين الذين تعوّدوا على التقبّل الأعمى وهذا ما ييسّر على المستقطبين حشو ذهنه بأفكار متطرّفة تنسب زورا إلى الدّين فيغدو أداة طيّعةً في أيادي العابثين بالأرواح وبالمرافق.

وبالإضافة إلى هنات التعليم الرّسمي، فإنّنا نشير إلى ما يمكن اِعتباره تعليما موازيًا ينتشر في دور العبادة التي تخرج في بعض الدّول عن سيطرة الحكومات ومراقبتها فتتحوّل إلى بُؤَر تنتج فكرًا متطرّفا خصوصا في ظلّ اِكتفاء البرامج الدّينيّة المدرسيّة على حفظ القرآن والأحاديث النبويّة الشريفة بعيدا عن الخوض في مسائل الحريّة في الإسلام مثلا والجوانب السّلوكيّة التي ينصّ عليها هذا الدّين، وهو ما يساهم في نشر التطرّف وفي تعبئة الشباب لأغراض لا يدركون خطرها إلاّ بعد فوات الأوان.

كما أنّ الدّول التي تتصدّى لتعليم التّعاليم الدّينيّة السّمحة بذريعة المدنيّة والتطوّر، وتعادي هذا التّعليم وتحطّ من شأن القائمين عليه إنّما تغذّي بالمقابل الرّغبة في الإقبال على هذا التّعليم، فيسقط الشّباب في براثن حواضن الإرهاب بدل أن توفّر لهم مؤسّسات الدّولة تعليمًا دينيّا متوازنًا صحيحًا بعيدا عن المآرب الإيديولوجيّة وعن الأفكار المتطرّفة الدّاعية إلى التزمّت والعنف وعن العمل السرّي.

وهكذا، فإنّ للإرهاب أسبابا متعدّدةً وروافد متنوّعة منها الخارجيّ ومنها النّابع من ظروف الدّول الدّاخليّة على المستويات الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة والثقافيّة وإنّ هذه الظّاهرة إنّما تتستّر بغطاء الإسلام وهو منها براءٌ، إذ طرح هذا الدّين نفسَهُ دين سلام ومحبّة وقبول للآخر، دينا يدعو بالموعظة الحسنة ويحترم الحريّة الفرديّة الدّينيّة ويوفّر الأمن لمعتنقيه ولمعارضيه أيضا.

ثانيا: الحُلُولُ المُقْتَرَحَةُ:

إنّ ظاهرة الإرهاب في دول الشّرق الأوسط ظاهرة معقّدة متشعّبة، تتداخّل فيها عوامل عديدة، ورغم تعقّد هذه الظّاهرة، فإنّ الحلول التي من شأنها أن تتصدّى لها وتحدّ منها – إن لم تقضِ عليها نهائيّا – موجودة، على مستويات عديدة:

1– خارجيّا: على الدّول العظمى أن تسعى إلى تقليص الهوّة والحدّ من الهيمنة على الشّعوب الضّعيفة، حتّى يتقلّص منسوب الكراهيّة وأن تكفّ عن الممارسات القمعيّة والعنف والتّهجير واِنتهاك حقوق الإنسان، فكلّ هذا من شأنه أن يضع حدّا لحقد المضطهدين على مستعمريهم وعلى الموالين لهم، وهو الحقد الذي قلنا آنفا إنّه ينحول بالصّراع السّياسي إلى صراع دينيّ يتطوّر ليتّخذ شكلا عنيفا وإجراميّا.

2ـ على المستوى السّياسي: من الضّروري للأنظمة الحاكمة في دول المنطقة أن تنخرط في المشروع الحداثي وتتبنّى فعليّا أسس الدّيمقراطيّة ومبادئها، فتحتوي شبابها وتعمل على تفعيل مشاركتهم في الشّأن السّياسيّ وفي اِتّخاذ القرار، وأن تؤمن بالتعدّديّة وتقبل بها. وتعتبرها أمرا طبيعيّا “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةَ وَاحِدَةَ وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ” (هود 118 – 119)، فهذا من شأنه أن ينتج مجتمعا مسالما تقوم العلاقات بين مواطنيه على الاحترام وعلى قبول المختلف ويساهم في إرساء السّلم  والاستقرار.

كما على هذه الأنظمة أن تشجّع على نشأة الجمعيّات غير الحكوميّة والأحزاب السّياسيّة لتضطلع بدورها في تنمية حسّ المواطنة وإبعاد منطق الفكر الواحد والحزب الواحد الذي لا ينتج إلا” التّزمّت والتطرّف، وفي فتح قنوات الحوار بين مختلف الشّرائح الفكريّة والعقديّة والسّياسيّة.

3ـ على المستوى الاقتصادي والاجتماعي: بات من الضروري اليوم أن تعمل الحكومات على الحدّ من التوزيع العادل في تقسيم الثروات بين مناطق البلد والواحد ممّا يشعر المواطنين بأنّهم سواسية وبأنّهم يتمتّعون بنفس الحقوق كما يؤدّون نفس الواجبات، وهذا ما سيضع حدّا للهجرة الدّاخليّة التي تُعتبر السّبب المباشر في ظهور الأحياء الفقيرة المهمّشة على أطراف المدن الكبرى، وهي كما هو معلوم تعدُّ بيئة خصبة لتفريخ الإرهاب ولاستقطاب الشّباب الفقير ذي المستوى التّعليميّ المحدودِ. وحرِيّ بنا أن نذكّر بأنّ المسؤوليّة هنا لا تلقى على الأجهزة الرّسميّة للدّولة وإنّما يعاضدها مجهود رجال الأعمال الذين لا بدّ من توعيتهم بدورهم الوطني في هذا المجال وبمسؤوليتهم في خلق مواطن شغل في المناطق الدّاخليّة للمساهمة في تقليص الفجوة بين المدن الكبرى وغيرها، وتقليص الشعور بالغبن وبالظّلم الاجتماعيّ ممّا يغذّي مشاعر الحقد والكراهيّة بين أبناء الشّعب الواحد. كما على الحكومات أيضا أن تضع مشاريع لإصلاح مواطن الخلل في النّظم الاجتماعيّة.

4ـ دور الإعـلام: لا يمكن أن نتحدّث عن مواجهة حقيقيّة للإرهاب دون أن ننصرف إلى الدّور الذي يمكن للإعلام أن يضطلع به في عصر هيمنة الصّورة على المكتوب، فللإعلام دورٌ مهمّ في نشر الوعي بخطر الإرهاب والتطرّف على أمن الأفراد والمجتمعات، وله دورٌ شديد الأهمّية في التصدّي لخطابات المتطرّفين بعدم الوقوع في فخّ نشر فيديوهات جرائمهم التي من شأنها أن تبثّ الرّعب في النّفوس وأن تستقطب الشّباب المهمّش إذ يشعر بإمكانية وجود مجال ينتقم فيه لنفسه النّاقمة على وضعها الاجتماعي والاقتصادي والثّقافي.

ويمكن للإعلام أن يلعب دورَا مهمّا من خلال عدم بثّ البرامج التحريضيّة والبرامج التي تستفزّ المشاعر الدّينيّة لمعتنقي دين معيّن، وأن تُعدّل هذا المنهج وتقرّ بضرورة تقديم مادّة دينيّة تنخرط في صلب الحياة المعاصرة وتساهم في تكييف النّاشئة مع واقعهم بالاستنارة بتعاليم دينهم، هكذا يكون النّاشئة المتعلّمون مشبعين فعلا بمبادئ شريعتهم قادرين على فهم واقعهم. وحبّذا أن يتمّ التّفاعل بين مختلف المؤسّسات التربويّة والدّينية والإسلاميّة حتّى تنتج خطابا موحّدا منسجما متناغما فلا يتيه الشباب في تفاصيل اختلافات الخطابات الإسلاميّة، ويتفطّن بيسْر لحيف الخطابات المتطرّفة ويدرك بسهولة اِنزياحها عن روح الإسلام.

5ـ دُورُ الثقافة والشّباب: لا بدّ من تكثيف وتفعيل الدور التوعوي لنوادي االشّباب الثّقافيّة والرّياضية، حتّى يحسن هؤلاء اِستثمار أوقات فراغهم ويوجّهوا طاقاتهم نحو المجالات الإبداعيّة التي من شأنها أن تزرع فيهم ثقافة الحياة وقبول الآخرين والمنافسة الشّريفة بينهم دون الوقوع في الأحقاد والتعصّب.

خلاصة

لقد تطرّقنا في هذه الورقة إلى بيان مفهومي “الأمان” و”الإرهاب” في الإسلام اِستنادا إلى النّص القرآني وإلى الأحاديث النبويّة الشريفة، وتبيّنا أنّ الإسلام أكّد ضرورة الشّعور بالطمأنينة وكفلها للأفراد والمجتمعات وضمنها حتّى للمخالفين له الذين يعيشون في ظلّ الدّولة المسلمة، ورأينا أنّ مفهوم الإرهاب الوارد بالنّص القرآني بعيد تمام البعد عن الجرائم المرتكبة بحقّ الأبرياء والمضرّة بالمرافق، وهي التي تندرج ضمن الإرعاب والإفزاع اللذين يسعى القائمون عليهما إلى إلصاقهما بالإسلام ضمن حملة شرسة تستهدف هذا الدّين الحنيف ومعتنقيه.

ومن المؤسف أن يكون بعض أبناء هذا الدّين هم بيادق هذه الحملة ووسائلها، وقد ساهمت في ذلك مجموعة من العوامل التي ذكرنا ما رأيناه منها مباشرا في ظهور هذه الآفة. لكن، رغم قتامة صورة الإرهاب في دول الشرق الأوسط – وحتّى في باقي دول العالم – فإنّ الحلول متاحةٌ وعلى هذه الدّول أن تتّخذ الإجراءات العملية الكفيلة بالمواجهة وبالحدّ من اِستقطاب شبابنا إلى دوائر العنف والإجرام.

كذلك تأتي أهمية التأكيد على أنّ الأطراف المتدخّلة في التصدّي للفكر المتطرّف متعدّدة، وأنّه على كلّ الجهات أن ترعى مؤسّساتها الرّسميّة والمدنيّة لتؤدّي رسالتها التوعويّة على الوجه الأكمل، وأن توحّد جهودها وتنسّق فيما بينها لخلق آليات كفيلة بمقاومته وحماية شبابها من الانزلاق في جبّ الجرائم المروّعة التي يتنامى خطرها كلّ يومٍ.

الهامش

(1) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

(2) ابن منظور، لسان العرب، مادّة (أمن).

(3) الفيروز بادي، القاموس المحيط، مادّة (أمن)

(4) نميري علي، الأمن والمخابرات ؛ نظرة إسلامية، الدّار السّودانية مكتب، الخرطوم، ط 1، 1996) صص  6 – 10.

(5) شوقي ضيف، العصر الجاهلي، دار المعارف، مصر 2003 ص 62.

(6) صحيح البخاري، طبعة دار الشّعب، القاهرة، ج 8، ص 12.

(7) اِبن منظور، لسان العرب، المجلّد الأوّل، دار صادر بيروت 1955 م، ص 436 – 439.

(8) على سبيل المثال : بليشكو زادانوف، الإرهاب والقانون الدّولي، ص 22.

(9) “الإرهاب” كمصطلح ظهر عندما ضمّ دير الرّهبان اليعاقبة ممثّلي 48 دائرة وقرّروا جميعا بأنّه لا بدّ من إرهاب كلّ المتآمرين فأصبح الخوف نظاما رسميّا للحكومة ووصل إلى معناه “إرهاب”.

(10) Dictionnaire Français : www.linternaute.com

(11) Dictionary. Com

(12) انظر المعجم المفهرس لألفاظ القرآن، محمد فؤاد عبدالباقي، دار الأندلس، بيروت، مادة رهب، ص325.

(13) تفسير القرآن العظيم، (الحافظ عماد الدين أبو الفداء إسماعيل ابن كثير)، دار المعرفة، بيروت، ط1، (1407هـ / 1987 م، ج1، ص 79-80.

(14) المرجع السابق ج2، ص 355.

(15) نفس المرجعج3، ص 188.

(16) تفسير القرآن العظيم، إسماعيل بن كثير: ج2، ص 308.

(17) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي (أبو عبدالله محمد بن أحمد الأنصاري)، دار إحياء التراث، بيروت، 1405 هـ / 1985م، ج 8 ص 38.

(18)  تفسير المراغي، أحمد المصطفى المراغي، دار إحياء التراث العربي، بيروت 1985م، ج10  ص 22.

(19) محمد على الصابوني،  التفسير الواضح الميسر، مؤسسة الرسالة) بيروت) الطبعة الثالثة 2002م. ص391.

(20) صحيح مسلم / لمسلم بن الحجاج، القاهرة، دار الريان للتراث، 1407ه، وبيروت دار الكتب العلمية، 1349هـ، ج3، ص1522، حديث رقم: 1917.

(21) التفسير الواضح الميسر، ص808.

(22) التهذيب، ص1018.

(23) التفسير الواضح الميسر، ص545.

(24) المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير، ص56.

(25) التفسير الواضح، ص663.

(26) صحيح مسلم بشرح النووي، مجلد 9، ج 17، دار الفكر للطباعة والنشر، 1401 هـ / 1981م، ص 33. البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب: إذا بات طاهرًا، حديث رقم:6311.

(27) فتح الباري، شرح صحيح البخاري،ابن حجر العسقلاني، ترقيم محمد فؤاد عبدالباقي، مكتبة دار الصحابة، دمشق، ج11، ص111.

(28) النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، مادة: رهب.

(29) سورة القصص، الآية 77.

(30) التّل (أحمد يوسف)، الإرهاب في العالميْن العربي والغربي، عمّان – الأردن، ط، 1998.

(31) أنجز المعهد التونسي للدّراسات الإستراتيجية دراسة حول السّلفيّة الجهاديّة في تونس تعمّقت في أسباب التطرّف من خلال النموذج التونسيّ وهو نموذج يمكن أن ينسحب على باقي الدّول الشرق أوسطيّة التي تتشابه به فيها الأوضاع الدّاخليّة والخارجيّة.

(32) أبو الرّوس (أحمد)، الإرهاب والتطرّف والعنف في الدّول العربيّة، المكتب الجامعي الحديث، الإسكندرية، 2001، ص 13.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close