fbpx
قلم وميدان

جوليو ريجيني ومرت ستة أشهر

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

بعدما عُثر على طالب الدكتوراه بجامعة كامبريدج جوليو ريجيني مقتولاً وملقىً في حفرة في القاهرة في الثالث من فبراير 2016، وبعد سبعة أيام من التعذيب المتواصل، وعدت السلطات المحلية في القاهرة بأن تبذل قصارى جهدها للقبض على القاتل، ولكن سرعان ما أدركت إيطاليا بأن ذلك لن يحدث مطلقًا، عندما صرحت مصادر الشرطة قائلة: سوف نتعامل مع تلك القضية كما لو كانت قضية مواطن مصري!

فحتى الآن تلقت إيطاليا عدة تفسيرات لعملية القتل؛ حيث قال المحققون في البداية أن السبب هو حادث سيارة، ثم بعد ذلك قالوا إنها عملية للموساد للإضرار بالعلاقة بين مصر وإيطاليا، ثم قالوا: إنها مؤامرة من الإخوان المسلمين لزعزعة استقرار البلاد؛ ثم قالوا .. إنها داعش! ثم قالوا: لقد كان شجارًا مخمورًا في حفلة كوكايين! وبعدها قالوا: ربما قُتل على يد شريك شاذ له! أو إنه قُتل بسبب دين غير مدفوع! وفي النهاية، وفي 24 مارس قتلت الشرطة المصرية في القاهرة خمسة من اللصوص في تبادل لإطلاق النيران، بعد أن زعمت أنهم عصابة متخصصة في استهداف الأجانب! وأن جواز سفر ريجيني عثر عليه في منزل أحدهم: في غرفة المعيشة على صينية فضية! ولكن طبقًا لسجلات الهاتف الجوال في اليوم الذي اختفى فيه ريجيني فإن زعيم العصابة لم يكن في القاهرة بالأساس.

ومرت ستة أشهر، ولكن إيطاليا التي خاضت معركة قانونية قاسية وطويلة مع الهند حول اثنين من المارينز اتهموا بقتل اثنين من الصيادين الهنود، لم تفعل في تلك القضية سوى استدعاء سفيرها من القاهرة. ولكن اليوم فإن تفاصيل عملية القتل أصبحت تتكشف ببطء؛ فوراء قتل ريجيني يبدو أن هناك صراعا بين الأجهزة السرية في مصر، فريجيني كان يعيش في القاهرة لدراسة نقابات العمال، وهو موضوع حساس للغاية في مصر، لأن ثورة 2011 بدأت بعد إضرابات العمال، وتمت متابعة ريجيني منذ وصوله في سبتمبر من ذلك العام على أيدي الأمن الوطني ثم المخابرات العسكرية بعد ذلك، وهي التي كان يترأسها في ذلك الوقت الجنرال عبد الفتاح السيسي.

وخطوة بعد أخرى وكلما ازدادت متابعة ريجيني للنقابات العمالية، كلما ازدادت قناعة تلك الأجهزة بأن ريجيني جاسوس، وفي النهاية تم اعتقاله وتعذيبه حتى الموت ثم رموه على قارعة الطريق. ولكن الأكثر صدمة هو أن تلك المعلومات لم يقدمها المحققون، ولكنها جاءت عبر أحد الوشاة والذي لم يعد مجهولاً بالكلية، فبعض المعلومات المسربة يعتقد أنها تعتمد على تسجيلات هاتفية لا يمكن الوصول إليها سوى عن طريق جهاز الاستخبارات العامة.

وبين الأجهزة الأمنية المصرية الثلاثة، فإن هذا الجهاز هو الجهاز الرئيسي الذي كان يقوده اللواء عمر سليمان، الرجل القوي الذي كان نائبًا لمبارك بعد اندلاع الثورة وقبل تنحيه عن الحكم، والذي كان يعتقد أنه الأكثر حظًا في خلافة مبارك. ولهذا السبب وقفت المخابرات العامة مع الثورة؛ ليس بسبب الديموقراطية ولكن لأن خليفة مبارك سيكون ابنه جمال، ولكن المخابرات العامة أرادت مزيدًا من السلطة وليس تقليصًا لصلاحياتها.

ومن المؤكد أن السيسي أراد أن يكبح جماحها عبر ابنه محمد والذي يعمل الآن ضابطًا في المخابرات العامة. لذلك نحن لسنا بحاجة إلى مزيد من الوشاة، ففي النهاية فإن حقيقة مقتل ريجيني هي حقيقة صادمة وتعرفها إيطاليا بالفعل: إنها حقيقة مئات المصريين.

فخلال العام الماضي تم سحق 1840 ريجيني، بمعدل خمسة كل يوم، وجاء تقرير منظمات حقوق الإنسان واضحًا: النظام الذي يقوده الجنرال عبد الفتاح السيسي أكثر حشية من نظام مبارك، فاليوم يتعرض الناشطون والمحامون والصحفيون كلهم للخطر، بما في ذلك بالطبع المواطنون العاديون.

فيمكن أن تتعرض للقتل لأتفه الأسباب، من أجل 3 دولارات و83 سنتا، مثل سائق التاكسي الذي قتله رجل شرطه في فبراير الماضي بعد نزاع حول الأجرة. أو حتى على أقل من ذلك، على 40 سنتًا، مثل بائع الشاي الذي قتله شرطي في أبريل.

وعندما صرح رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي في مقابلة مع الجزيرة في 8 يوليو 2015 بأنه فخور بصداقته مع السيسي، فإنه كان يعلم عنه كل شيء. ولكنه ببساطة لم يكن لديه شيء يستطيع الاعتراض عليه، فطبقًا لسيرجيو رومانو، الكاتب المعروف بصحيفة “كوريري ديلا سيرا” الإيطالية، فإن مصر هي حليف: إنها تحارب الإرهاب نيابة عنا جميعًا، وضد الإرهاب فإن القوات الأمنية لديها كل الحجج للمناورة، لذلك فإن الأحداث المؤسفة مثل مقتل ريجيني قد تقع في أي وقت.

وإيطاليا أبعد من أن تكون استثناءً؛ فالعديد من الدول ترى الرجال الأقوياء مثل السيسي على أنه السبيل الوحيد للاستقرار في الشرق الأوسط المضطرب. ولكن مصر التي خيم عليها مقتل ريجيني هي أبعد ما تكون عن الاستقرار، فوراء ذلك الطالب الإيطالي البالغ من العمر 28 عامًا والذي قُتل في أول بحث ميداني يقوم به، تكمن قبضة حديدية تمسك بحكم البلاد، ولذلك فإن ما يحدث هو علامة على نظام مضطرب وقلق، نظام على إدراك كامل بنقائصه وثغراته، ويخاف من كل شيء وكل شخص؛ نظام مزقته صراعات وحشية على السلطة، حيث لا قانون ولا تراتبية وظيفية، فقط شبكة من الابتزازات المتبادلة، شيء مختلف تمامًا عن نظام مبارك، والذي كان فاشيًا ولكنه كان يقايض الأمن والاستقرار بالحريات، وبالنسبة لإيطاليا فإن النظام الحالي يشبه حرب المافيا وعداءها بين بعضها البعض.

في أبريل 2016 عندما وقع الشعب المصري بين مطرقة الفقر وسندان القمع، نزلوا مرة ثانية إلى الشوارع، وحينئذ التحمت القوى الأمنية الرئيسية ووقفت كلها إلى جوار بعضها البعض، ولكن الاستخبارات العامة تنحت جانبًا. فقد لاحظ الكثير من النشطاء أن الاستخبارات العامة وقفت بصورة أساسية ضد السيسي، وفي هذه النقطة تحديدًا كان نظام السيسي بالفعل مثل نظام مبارك، ولكن في أيامه الأخيرة.

إن إيطاليا هي شريك تجاري رئيسي لمصر، التي يخضع حوالي 60% من اقتصادها بصورة مباشرة أو غير مباشرة لسيطرة الجيش، ولهذا السبب كانت أحجية صمت حكومة روما، والتي تبدو أنها تنتظر فقط مرور الوقت لكي ينسى الناس ريجيني، ومن ثم يركز المحللون على “إيني” ENI، عملاق الطاقة الإيطالية التي لا تزال مملوكة جزئيًا للدولة ومتورطة في العديد من قضايا الفساد.

ففي سبتمبر 2015، اكتشفت شركة إيني حقولاً غازية هي الأضخم على الإطلاق قبالة سواحل الإسكندرية المصرية، في تلك المنطقة التي اكتشف فيها الغاز حديثًا ولكن لم يرد أحد أن يغامر باستخراجه، مخافة المغامرة في شراكة مع دولة متعطشة للطاقة، وهذا لن يفي بفواتير الاستكشاف. فديون مصر فيما يتعلق بإمدادات الغاز والنفط تقلصت مؤخرًا من 9 إلى 3 مليارات دولار، والفضل يعود بالطبع إلى المساعدات المالية من السعودية، فالاقتصاد المصري في ركود، ونصف السكان تحت الحد الأدنى من المعيشة، وطبقًا لخالد عبد البديع، رئيس شركة “إيجاز” EGAS المصرية، فإن شركة إيني وافقت على بيع كل الغاز إلى القاهرة.

وما تم الإعلان عنه باعتباره مقايضة كبرى، بدا في أفضل الحالات على أنه مقامرة، والآن، فإن الشيء الوحيد المؤكد هو أن “إيني” حاولت أن تبيع جزءًا من حقلها الغازي العملاق، بالرغم من أنه لم يظهر أي مشتر حتى الآن؛ وبالنسبة لإيطاليا فإن مصر تعني ببساطة ليبيا، والتي كانت مستعمرة سابقة لإيطاليا، والتي هي الآن واحدة من الدول القليلة التي لا تزال مهمة لروما، ولمصر علاقة وطيدة مع الجنرال حفتر، قائد الجيش الذي يعارض الخطة التي دعمتها الأمم المتحدة لحكومة وحدة وطنية.

وحفتر هو الرجل الذي تتعلق مصير خطة الأمم المتحدة للسلام بقراره، وبالطبع بالنسبة لإيطاليا فإن مصر تعني أيضًا مهاجرين، ففي الأسابيع الأخيرة، تصاعدت عمليات الخروج من مصر مرة ثانية، ربما كان ذلك فقط بسبب أننا في الصيف، أو ربما أيضًا بسبب أن الرجال الأقوياء مثل السيسي، يرون أنهم بيادق في كشوف حساب رواتب الحكومات الغربية، فمن الصعب فهم من الذي يستغل من، السيسي أم الغرب؟ (1).

————————————

الهامش

(1) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

 

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close