fbpx
قلم وميدان

د. عمرو دراج: شهادات ومراجعات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

تقديم عام للحلقات بقلم د. عمرو دراج:

تلقيت في صيف عام 2017 دعوة كريمة من د. عزام سلطان التميمي لتسجيل عدد من الحلقات لبرنامجه القيم “مراجعات” على قناة الحوار الفضائية في لندن، وقد جاءت هذه الدعوة في وقتها، حيث أفكر منذ وقت طويل في توثيق تجاربي وخبراتي وما مر بي من أحداث وأحوال كنت شاهدا رئيسيا عليها، ولكن تحول الانشغالات والالتزامات بيني وبين تخصيص الوقت اللازم لهذا الأمر، على ما له من أهمية، ولذلك رأيت في هذه الدعوة فرصة طيبة للقيام بالخطوة الأولى على الأقل من هذا التوثيق، وذلك برواية أهم المحطات التي مررت بها على مدار ما يقرب من 60 عاما، سنوات عمري التي عشتها حتى كتابة هذه السطور، أملا في أن يتسع الوقت في مرحلة تالية لتدوين هذه التجارب على شكل كتاب أو أكثر يحوي حصيلة هذه الخبرات والتجارب التي لا يوجد مع الأسف من وثق عددا منها بشكل دقيق تحتاجه الأجيال القادمة للاستفادة بالدروس والعبر المتضمنة فيها.

وقد أخذتنا الأحداث والمحطات التي مررت بها لتسجيل سبع عشرة حلقة كاملة طول كل منها يقترب من الساعة، وتم هذا التسجيل بشكل مركز في شهر سبتمبر 2017 وأذيعت الحلقات بعد ذلك أسبوعيا على مدى نحو أربعة شهور من نوفمبر 2017 حتى مارس 2018. ورغم الجهد المبذول في هذا الإنتاج، فقد استمتعت بالعمل كثيرا، وأثرى ذلك فكري وذاكرتي، بل ومشاعري وأشجاني، وأنا أمر على أهم محطات حياتي كاملة في هذا المدى الزمني القصير، مستعرضا أهم تجاربي ونجاحاتي أو فشلي، مما ألقى في النهاية الكثير من الأضواء، بشكل بانورامي، على مرحلة هامة من تاريخ الوطن أمكن استعراض عدد من جوانبها الهامة من خلال سرديتي المتواضعة.

وقد طافت بنا الحلقات حول بدايات حياتي عام 1958 وما تلاها من سنوات مررت فيها بالنصف الثاني من الحقبة الناصرية، واستعدت ذكريات الطفولة والشحن الشعبي على أنغام أغنيات أم كلثوم وعبد الحليم حافظ الوطنية، مرورا بذكريات هزيمة 1967 ووفاة جمال عبد الناصر وانتصارات أكتوبر واتفاقيات كامب دافيد وصولا إلى اغتيال السادات، حيث انتهت كل هذه الأحداث بنهاية مرحلة دراستي الجامعية.

وقد رصدت مرحلة المد الإسلامي في الجامعات المصرية في فترة السبعينيات وكيف أني كنت فقط مراقبا لما يحدث وليس جزءا منه، وكيف ساهمت نشأتي المختلفة إلى حد كبير عن “الإخواني التقليدي” في تكوين شخصيتي وطريقتي في التعامل مع الناس حتى الآن بشكل مختلف إلى حد ما عن النمط المعروف عن الإخوان مما أهلني لسهولة التقارب والتواصل مع أطياف مختلفة في مراحل لاحقة مما تقتضيه قواعد العمل السياسي في التواصل مع الأخرين. وتعرضت بعد ذلك لمرحلة دراسة الدكتوراه في الولايات المتحدة وكيف شهدت هذه المرحلة بداية التزامي الديني الحقيقي على عكس ما قد يراه الناس حول طبيعة الحياة في أمريكا، وكيف وصلت في نهاية هذه المرحلة للقناعة التامة بمنهج الإخوان المسلمين كما وضعه الإمام البنا وذلك بشكل مباشر من خلال قراءاتي في المصادر الأصلية، وليس بإقناع أو تمهيد من أحد، مما أسهم أيضا في مرحلة لاحقة في قناعاتي وإدراكي حول مقدار ابتعاد تنظيم الإخوان بشكله الحالي عن كثير من المبادئ التي وضعها الإمام البنا، على عكس ما يتصوره أو يقول به الكثيرون من قيادات الإخوان في الوقت الحالي.

وقد طافت بي الحلقات بعد ذلك في كثير من مراحل حياتي المهنية وأيضا العمل العام بعد عودتي إلى مصر، حيث ساهم كل هذا، فضلا عن عوامل نشأتي السابقة، إلى تفضيلي العمل العام المنفتح والعلني من خلال الإخوان، وليس في أي إطار تنظيمي أو سري ضيق، وقد حافظت على هذه المنهجية طوال فترة عملي بالإخوان، وأخذني هذا إلى الكثير من المواقف والآراء التي أتبناها الان حول المنهجية التي سار عليها تنظيم الإخوان منذ نشأته الثانية في مرحلة السبعينيات من القرن الماضي، فلم أنخرط في الأطر التقليدية أو المسئوليات الإدارية بالجماعة ولو على مستوى نقيب أسرة أو مجلس شعبة أو أدنى من ذلك أو أكبر.

وركزت الحلقات بالطبع في جانب كبير منها على مرحلة ثورة يناير 2011 وما بعدها، وهي الفترة التي شهدت أكثر مراحل حياتي السياسية نشاطا بدءا بالمشاركة في تأسيس حزب الحرية والعدالة وتولي أمانته العامة في محافظة الجيزة، مرورا بعملي في لجنة العلاقات الخارجية بالحزب ثم تولي رئاستها، ثم عملي كأمين عام للجمعية التأسيسية التي أعدت الدستور المصري في 2012 ومشاركتي في انتخابات مجلس الشعب والعمل مع الرئيس مرسي، فك الله أسره، وصولا إلى تقلدي منصب وزير التخطيط والتعاون الدولي لمدة تقل عن شهرين قبل الانقلاب العسكري في يوليو 2013 مباشرة. وقد شهدت هذه الفترة، القصيرة زمنا والثرية نشاطا، الكثير من الأحداث الجسام التي كنت إما مشاركا في صنعها أو شاهدا مباشرا عليها أو طرفا أصيلا فيها، مما سمح بعرض الكثير من الأحداث والخبرات، وبعضها تم كشفه لأول مرة من خلال الحلقات، وهو ما أحسبه ذو فائدة كبيرة لمن يبحث في تأريخ هذه المرحلة الهامة وتوثيقها بشكل متجرد ونافع.

واستعرضت الحلقات بعد ذلك مرحلة ما بعد الانقلاب العسكري الدموي في مصر، وعن مسئوليتي في هذه الفترة عن التباحث مع الأطراف الدولية التي أرادت أن تبدو وكأنها تسعى لحل “الأزمة” الناشئة، وتحدثت عن الكثير من التفاصيل والأحداث التي كنت طرفا مباشرا فيها، وعن كيفية تولد قناعتي اللاحقة أن المجتمع الدولي الرسمي لم يكن يسعى الا لتثبيت أركان النظام الحاكم الجديد والتخلص من أية منظومة حاكمة تنتمي لثورة يناير بأي شكل من الأشكال. كما تطرقت الحلقات بشكل مفصل لملاحظاتي وتعليقاتي وقناعاتي الحالية فيما يتعلق بتنظيم الإخوان والأخطاء التي وقع فيها، وما يقتضيه ذلك من مراجعات معمقة وتغيير حقيقي وشامل على كل مستويات أداء الجماعة إذا أرادت البقاء على الساحة بعد تسعين عاما من العمل الضخم والمضنى في مجالات كثيرة. وفي النهاية أشرت وناقشت رؤيتي للمستقبل بعد تركيزي وتفرغي للعمل البحثي من خلال المعهد المصري، بعد إعلاني اعتزال كافة أشكال العمل الإداري أو الرسمي أو الحزبي في بداية عام 2017.

رحلة طويلة وحافلة استعرضتها الحلقات على مدار نحو سبع عشرة ساعة، رأيت من الفائدة وضعها على موقع المعهد المصري للدراسات لتوسيع نطاق مشاهدتها والاستفادة منها، عسى أن أكون ساهمت بجهد ولو بسيط، بفضل تهيئة الأسباب من قناة الحوار الفضائية ومديرها د. عزام التميمي، في إتاحة بعض العلامات الهامة من تاريخنا الحديث على مدار نحو ستين عاما من خلال استعراض تجربتي الشخصية.

د. عمرو دراج شهادات ومراجعات

الحلقة الأولى: تلخيص فريق المعهد المصري

بثت قناة الحوار الفضائية، عدداً من الحلقات التليفزيونية، تحت عنوان “مراجعات” مع الأستاذ الدكتور/ عمرو دراج وزير التخطيط والتعاون الدولي المصري، في حكومة الدكتور هشام قنديل، وتناولت الحلقة الأولى (رابط)، التي تم بثها بتاريخ 13 نوفمبر/ تشرين الثاني 2017، السنوات الأولى من نشأة الدكتور عمرو درّاج والتي أثرت كثيرا على تكوينه لاحقا، حيث تحدث فيها عن ميلاده عام 1958 لأب مصري من مدينة منيا القمح محافظة الشرقية ولأم مصرية من (أبو حماد) محافظة الشرقية أيضا، وإن كانوا يعيشون كما عاش طوال حياته في حي الدقي بالقاهرة، وكانت والدته قريبة للدكتور أحمد الملط أحد الرعيل الأول لجماعة الإخوان المسلمين، فهو عمها. وقد اختلف والداه على تسميته “أحمد” على اسم عمه الأخ الأكبر لوالده أم “عمرو” لرؤية والدته سيدنا عمرو بن العاص في المنام، واتفقا في النهاية على تسميته “أحمد عمرو”.

وتحدث عن المناخ في تلك الفترة من حكم عبد الناصر الذي شهد انغلاقاً تاما في المجال السياسي، تحول فيها والده -الذي كان وفدياً ليبراليا قبل الثورة، على حال معظم المصريين- إلى ناصري قومي كما تحول أيضا معظم المصريون، والذي علت فيه النبرة القومية في توعية وتوجيه الجماهير.

وعن النشأة يقول إنه تربى على الاقتداء بوالديه دون توجيه مباشر. ودرس أولا في مدرسة “أسماء فهمي القومية الابتدائية المشتركة”، وأشار إلى أنه تربى على علاقات متوازنة مع المسيحيين، في إشارة لسمة التداخل الاجتماعي في تلك الفترة دون حساسيات كبيرة، حيث كان له أصدقاء مسيحيين، واهتم به مدرسون مسيحيون.

وكان منذ صغره محباً للموسيقى والغناء ويعطيهما قيمة كبيرة، ويتأثر بالأغاني الوطنية التي شكلت وعى المجتمع آنذاك، واهتم بها جمال عبد الناصر، الذي استقطب لها نخبة متنوعة في الموسيقى والفن والمسرح والأدب. وأشار إلى قصور استخدام الإسلاميين مؤخراً لهذه الأدوات الهامة في خدمة قضايا الأمة، حيث واجهها إسلاميون بفتاوى التحريم تارة، وحاربته أنظمة الحكم لضرره عليها تارة أخرى.

وتحدث عن مدى تأثير الأغنية في الحس الوطني مستشهداً بقصيدة لنزار قباني غنتها أم كلثوم بعد تأسيس حركة المقاومة الفلسطينية، قال فيها: “أصبح عندي الآن بندقية، إلى فلسطين خذوني معكم، إلى ربىً حزينة، كوجه المجدلية، إلى القباب الخضر، والحجارة النبيَّة”، وأغنيات عبد الحليم حافظ حول السد العالي وشحذ الهمم وحتى “بستان الاشتراكية”.

كما أشار لتأثر المجتمع بصناعة الأفلام وازدهارها في هذه الفترة، وذكر مثلا فيلم “رد قلبي” قصة يوسف السباعي عن تمجيد الثورة وتكريسها في نفوس الناس.

وأكد على أن مستوى شحن الشعور الوطني بالفن والإعلام بلغ حد صناعة الحلم بتحرير فلسطين، وتدمير تل أبيب، الحلم الذي حطمته هزيمة يونيو 1967 القاسية، والتي تساقطت فيها الطائرات كالذباب وتساقط الجنود، وهزم الجيش واحتلت الأرض. ثم عرج بتوالي أحداث تلك الفترة إلى تنحى عبد الناصر، والذي اختلف عليه الناس أهو تمثيلية لاستعادة الشعبية أم لا؟ ومع هذا يرصد الشعور الحقيقي لرفض الشعب للتنحي وتجاوز الهزيمة، في إشارة أخرى للأداة الإعلامية –محمد حسنين هيكل- التي روجت لاعتبار الهزيمة واحتلال سيناء على أنه مجرد “نكسة”، وأن تنحي عبد الناصر هو “الهزيمة”.

وأشار إلى أن استخدام سلاح الفن والإعلام في عهد عبد الناصر شيء يستحق الدراسة لما كان له من أثر كبير في توجيه المجتمع خلف أهداف القيادة، بغض النظر عن صحة أو خطأ تلك التوجهات، وأن السيسي الذي يطمح للزعامة لا يملك ولا يستطيع أن يوظف الأدوات التي كان يملكها عبد الناصر للتأثير على الشعب، رغم سعيه لذلك.

وعرج إلى مظاهرات لطلاب جامعة القاهرة للمطالبة بمحاكمة من تسببوا في هزيمة يونيو، والتي خرج بعدها عبد الناصر ببيان 30 مارس 1968. وتساءل عن تخوف الشعب من احتمال غياب الزعيم رغم الهزيمة، وذكر أنه هو نفسه فكر في ذات الموضوع قبيل موت عبد الناصر رغم أنه كان لا يزال في مرحلة الطفولة. وانتهت الحلقة بذكره رؤيته والدته وقريباته والنساء عموما يلبسون السواد لموت عبد الناصر، واعتباره مشهد الجنازة معبراً عن تأثر الشعب بوفاة الزعيم وشعوره بالضياع من بعده*.


* الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close