fbpx
قلم وميدان

زلزال قادم في الشرق الأوسط

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

نشرت مجلة نيوزويك الأمريكية، عدد 1 نوفمبر 2018 مقالا بعنوان “زلزال قادم في الشرق الأوسط”، للدكتور عمرو درّاج، رئيس المعهد المصري للدراسات، وفيما يلي ترجمة نص المقال باللغة العربية:
من منا لم تحرك مشاعره صور الاحتجاجات والمظاهرات التي اجتاحت العالم العربي عام 2011؟
حينها، وقف المجتمع المدني العربي في وجه الفساد والطغيان، وليؤكد على أهمية تشكيل الحكومات على أساس الانتخاب، في واحدة من أكثر الفعاليات التي جسدت الحراك الشعبي الإيجابي الواعد في هذا العصر. لقد دفعت تضحية محمد البوعزيزي بنفسه في تونس الملايين للخروج إلى الشوارع، وكانت هذه التضحية أيقونة الثورات المتتالية التي أطاحت بأربعة من الحكام المستبدين في العالم العربي.
لكن العواقب التي آلت إليها هذه الثورات لم تكن أبداً على مستوى الأهداف التي قامت من أجلها، ففي غياب التوافق بين رفقاء الثورة، وبدون القضاء على الدولة القديمة العميقة، سادت الفوضى، وظهر نظام جديد – يسيطر عليه جنون العظمة، والقمع، وقوة المال، واستُبدلت القوى الرئيسية التقليدية في الشرق الأوسط المتمثلة في مصر، والعراق، وسورية، بالإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، التي عُرفت أنظمتها منذ فترة طويلة بسياساتها السلطوية وثروتها النفطية. واليوم، في الوقت الذي تواجهنا فيه قضية مقتل جمال خاشقجي، فإننا نستطيع أن نرى بوضوح كيف أن المملكة العربية السعودية تسعى إلى استغلال موقعها الجديد.
لقد أصبحت الديمقراطية نفسها مهددة الآن في كل العالم، بل إن منطقة الشرق الأوسط، مهد الحضارة، أصبحت أكثر عرضة للخطر. وعلى الرغم من أن الغرب كان شاهداً على هذا الاستبداد الذي يسيطر تماماً على منطقة الشرق الأوسط، فقد أخفق في اتخاذ الإجراءات المناسبة حيال ذلك. وفي الحقيقة، فقد قدم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من خلال تصريحاته دعماً كبيراً للحكام المستبدين في المنطقة أمثال الجنرال عبد الفتاح السيسي في مصر، وما زال يصر على استمرار العلاقات الاستراتيجية للولايات المتحدة مع المملكة العربية السعودية وزعيمها الفعلي، محمد بن سلمان، لكن هذا التسامح مع الحكم المطلق لن يحقق الاستقرار الإقليمي كما أنه لن يؤدي إلى تعزيز المصالح الأمريكية.
وفي الواقع، فقد تسبب ترامب في إضعاف المسئولية الأخلاقية للولايات المتحدة وحلفائها في وقت حرج بالنسبة لهم ولمنطقة الشرق الأوسط على السواء، حيث دأب على إدانة الملايين الذين يئنون تحت نير القمع الخانق الذي يمارسه الطغاة الذين يدعمهم في الأساس. لقد أظهر ترامب الازدراء للديمقراطية، ومن خلال ذلك عزز مفهوماً انتشر على أوسع نطاق – وهو ما يروج له الطغاة في العالم العربي – بأن الديمقراطية ليست دائماً الأفضل من الناحية الأخلاقية وأنها قد لا تمثل الخيار الأمثل.
وبسبب هذا الدعم، بالإضافة إلى عدم القدرة على التنبؤ، والتناقض وعدم التجانس الهائل في سلوك إدارة ترامب، استمر السيسي وغيره في تطبيق سياساته القمعية التي تتزايد يوماً بعد يوم. لقد سيطر الحكام الطغاة على الدول العربية التي عاشت ثورات الربيع العربي واستغلوا عالماً مليئاً بالاضطراب، وغرباً غارقاً في الشعبوية، من أجل التنكيل بكل من يجرؤ على مقاومتهم. أفلت السيسي تماماً من العقاب تحت إدارة أوباما، حتى بعد ذبح أكثر من 1000 مصري في ساحة رابعة في أغسطس 2013. والآن، يواصل تسليط سيف انتقامه على رقاب المعارضين والناشطين يومياً. وأصبحنا نتابع بشكل اعتيادي عمليات الاعتقال غير القانونية، وحالات الاختفاء القسري، والقتل خارج إطار القانون، في حين تهدد حربه الخفية في شبه جزيرة سيناء بحدوث أزمة إنسانية كبرى.
إن هذا الانهيار في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى الاستهتار المتزايد لدى حكومة كوريا الشمالية، وصعود الصين، والغضب السائد في أوروبا بشأن الهجرة غير الشرعية، وانخفاض النمو الاقتصادي، يجعلنا نعيش في عالم مضطرب – يتطلب قيادة أخلاقية قوية تضمن ترسيخ القيم الأخلاقية المطلقة مثل الديمقراطية وحرية التعبير والمبادئ التي تقوم عليها المعايير الدولية والقانون.
لكن هناك ما يدعو إلى التفاؤل رغم كل ذلك. إن الشعور بالاشمئزاز الذي أعقب القتل الوحشي لجمال خاشقجي يثبت أنه لا يزال هناك خط أحمر لا يمكن تجاوزه، حيث تشير الأدلة المتواترة إلى أن خاشقجي قد تعرض للتعذيب والقتل وتقطيع جثته على أيدي قتلة سعوديين محترفي الإجرام داخل قنصليتهم على أرض دولة أجنبية ذات سيادة. هذه الجريمة تنتهك كل المعايير الدولية والأخلاقية والقانونية، وتهدد الأمن الدولي إذا لم يتم تقديم مرتكبيها إلى العدالة. وشيئاً فشيئاً تحوّلت تهديدات ترامب ضد المملكة العربية السعودية إلى ما يشبه الإذعان، ولكن المواطنين الذين يزعم أنه يمثلهم لا يشاركونه هذا الاستهتار.
وعلى وجه العموم، فإن الغرب يدرك خطورة هذه الجريمة وآثارها على النظام الدولي وما حدث مع الربيع العربي. لكن، هل يدرك الغرب أيضاً مدى اعتماد الحكام المستبدين مثل بن سلمان والسيسي على الغطاء الذي يقدمه المجتمع الدولي على ما يحدث لمواصلة ارتكاب جرائمهم؟ وكيف لا يزال السيسي يُستقبل استقبالا حافلا كما حدث هذا الأسبوع في ألمانيا بينما لا تزال الجرائم تُرتكب كل يوم في مصر بناء على أوامره؟ بالطبع، يجب أن نرفع أصواتنا عالية مطالبين بالعدالة لجمال خاشقجي، وأن يمثل القتلة مهما علا شأنهم أمام القضاء. لكن الأهم من ذلك، علينا أن نقول بوضوح أن العالم يجب ألا يسمح بأن نستيقظ بعد بضعة أسابيع أو أشهر على نبأ مقتل جمال آخر. دعونا نحاول ألا نضيع ما ضحى جمال خاشقجي بنفسه من أجله.
لكن القصة لم تنته بعد. هناك زلزال قادم – ولكنه أكبر بكثير من الذي بدأ في تونس. يجب حماية الديمقراطية ودعمها كفضيلة أخلاقية مستقلة عن أية ثقافة أو سياقات محلية. وفي الوقت نفسه، فإن إعادة تقييم الدبلوماسية فيما يتعلق بالشرق الأوسط، والتركيز من جديد على مواجهة الأنظمة القمعية في المنطقة، أمر شديد الأهمية إذا كنا نرغب في أن يستمر النظام العالمي، أو إن شئت أن يتم استعادته من جديد. لقد حدثت تغييرات عميقة في العالم العربي ولا تزال تحدث، ولا يمكننا ببساطة أن نعود إلى النظام القديم. أما العالم الغربي، فمهما بذل من جهد لتجاهل إرهاصات سيطرة النزعة الشعبوية على الساحة الدولية، فبكل تأكيد لا يمكنه أن يتجاهل التطورات التي تحدث في المنطقة، فإرهاصات هذا الزلزال لا تراوح مكانها، ولكنها تتصاعد باستمرار (* ).


(*) الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. حادثة خاشقجي مؤشر على ضياع الأمل في حياة أفضل وبداية عصر الانحطاط والقمع!
    عكس ما يتوقع كاتب المقالة أرى أن التوجه العام سيكون نحو الدكتاتورية والقمع اللا محدود.. فموقف الكاتب عبارة عن رغبات وأمنياتو لا يكس الوقائع على الأرض!
    توقعاتي أن المستقبل سيكون للقمع والدكتاتورية، ويحصل ذلك بسبب ازدياد الضغوط والمطالب الشعبية وغياب الحلول المناسبة، الحكام الذين لا يجيبون إلا بالقمع ثم القمع، سوريا خير مثال!
    من العوامل أيضا نهب الثروات وتفقير الشعوب والبلدان، وهو أمر حصل فعليا خلال العقود الماضية، فالعصر القادم سيأتي بحكام لا يعرفون إلا القمع والقتل دون شفقة ورحمة وحادثة خاشقجي عنا ليست ببعيدة؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close