ترجمات

فخ التصعيد الداخلي – تصاعد العنف داخل الولايات المتحدة


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


في 21 سبتمبر 2026، قدم البروفيسور روبرت بيب (Robert Pape) محاضرة بعنوان: “تصاعد العنف في أمريكا” ضمن سلسلة محاضرات له يبثها عبر قناته (Prof Robert Pape) على منصة يوتيوب “حول سياسات القوة: الاستراتيجية والتصعيد وضبط النفس في العنف السياسي”.

روبيرت بيب هو أستاذ العلوم السياسية البارز في جامعة شيكاغو، وأحد أهم الخبراء في مجالات الأمن الدولي، والاستراتيجيات العسكرية، وقضايا الإرهاب، وعمل مستشارًا لعدد من الإدارات الأمريكية؛ والذي اشتهر مؤخراً بمقالاته ومداخلاته حول نموذجه التحليلي الذي أطلق عليه “فخ التصعيد”، وطبقه على الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على إيران.

يتناول البروفيسور روبرت بيب في هذه المحاضرة الخطر المتزايد للعنف السياسي في الولايات المتحدة، حيث يرى أن أمريكا تشهد حالياً شكلاً من أشكال الشعبوية العنيفة، ويرى في العنف السياسي والتطرف والكراهية ظواهر تتطور وتنتقل من الهامش إلى صلب التيار السائد في المجتمع. ويميز البروفيسور بيب هنا هذه الظاهرة عن الاستقطاب السياسي المعتاد، مؤكداً أن مصدر القلق الأكبر يكمن في تزايد “التطبيع مع العنف السياسي Normalization of Political Violence”، واستعداد بعض الأمريكيين لاعتبار العنف السياسي وسيلة مشروعة لتحقيق أهداف سياسية. ويرى بيب أن القاعدة المحتملة للمتعاطفين مع العنف السياسي أكبر بكثير من العدد المحدود نسبياً للأفراد الذين يمارسون أعمال العنف فعلياً.

ويحدد بيب عدة عوامل قد تساهم في هذا التطور، تشمل التغيرات الديموغرافية، والتفاوت الاقتصادي وتركز الثروة، والاستقطاب السياسي، وتراجع الثقة في المؤسسات الديمقراطية. ويشير إلى أن هذه الضغوط الهيكلية يمكن أن تولد مظالم سياسية ومخاوف بشأن التغيرات في المكانة الاجتماعية ومستقبل البلاد. ويؤكد كذلك أن وسائل التواصل الاجتماعي والجهات الفاعلة الخارجية هي في المقام الأول بمثابة عوامل مسرّعة تزيد من حدة الانقسامات القائمة، وليست هي الأسباب الجذرية للعنف السياسي.

ويستند بيب إلى نتائج استطلاعات رأي أجراها “مشروع الأمن والتهديدات” التابع لجامعة شيكاغو (CPOST) لإثبات أن تأييد العنف السياسي يتجاوز نطاق المجموعة الصغيرة من الأفراد الذين يرتكبون أعمال العنف؛ إذ يشدد على ضرورة التمييز بين من يمارسون العنف فعلياً، وبين شريحة أوسع قد تتعاطف معه أو تتسامح بشأنه أو تبرره.

كما يتناول بيب أحداثاً سياسية أمريكية حديثة – مثل الاحتجاجات المرتبطة بمقتل المواطن الأمريكي الأسود جورج فلويد، وهجوم السادس من يناير (2021) على مبنى الكابيتول، والنزاعات المصاحبة للاحتجاجات الجامعية – وذلك لتوضيح كيف يمكن لحركات ذات طابع سياسي أو سلمي في الغالب أن تفرز عناصر تمارس العنف. ويدحض بيب الافتراض القائل بأن العنف السياسي يُمارس بالضرورة من قبل متطرفين معزولين اجتماعياً، مشيراً إلى أن المشاركين فيه قد ينتمون أيضاً إلى الطبقة الوسطى، ويكونون متعلمين وذوي أوضاع مهنية مستقرة.

ويناقش بيب في المحاضرة التحولات الديموغرافية وتزايد التفاوت الاقتصادي كمصادر للقلق السياسي. ويرى أن القادة السياسيين يمارسون تأثيراً كبيراً في مسألة تحول العنف إلى أمر مقبول أو معتاد، لا سيما عندما يفشلون في رفض العنف الذي يرتكبه أفراد من قواعدهم السياسية بوضوح وحزم.

ويؤكد بيب على ضرورة فهم التهديد المتمثل في العنف السياسي بوصفه ظاهرة اجتماعية وسياسية أوسع نطاقاً، وليس مجرد مشكلة ناجمة عن مجموعة من المتطرفين المعزولين، وهو يستخدم في ذلك تشبيه “حرائق الغابات”؛ حيث يمثل القبول الواسع النطاق للعنف السياسي بأنه “المادة القابلة للاشتعال”، بينما يمكن لحدث سياسي كبير أن يعمل بمثابة “الشرارة” التي تشعل فتيل العنف واسع النطاق.

ويشدد بيب بشكل خاص على أهمية الإقرار بشرعية الانتخابات وعمليات الانتقال السياسي، موضحاً أن الانتخابات التي تحوم حولها الشكوك أو المزاعم بعدم الشرعية يمكن أن تشكل نقاط ارتكاز لعمليات الحشد والتعبئة. وبالتالي، فإنه يشير إلى أن الحيلولة دون التصعيد تتطلب الحفاظ على ثقة الجمهور في المؤسسات الديمقراطية، والرفض الصريح للعنف السياسي، ومعالجة المظالم الاجتماعية والاقتصادية الكامنة التي تساهم في حالة الاستقطاب السياسي.

ويصور بيب تصاعد العنف السياسي باعتباره نتاجاً للتفاعل بين تغيرات اجتماعية هيكلية، ومظالم سياسية، وانعدام الثقة في المؤسسات، وتطبيع العنف. ويؤكد في نهاية محاضرته على أهمية الأعراف الديمقراطية والقيادة السياسية المسؤولة في منع تحول الصراع السياسي إلى عنف مستمر.

وفيما يلي نستعرض هذا المحتوى الهام الذي قدمه البروفيسور روبرت بيب حول هذا الطرح بشكل مجمل وشامل، وذلك على النحو التالي:

في هذه الحلقة يقول روبرت بيب في مستهل محاضرته: ” العنف السياسي والتطرف والكراهية؛ إنها ظواهر تتطور وتنتقل من الهامش إلى صلب التيار السائد في المجتمع، وهي أقرب مما تظنون. لقد صمدت إيران، وكان ذلك سبباً في تغيير كل شيء. أما خطأ بوتين الفادح في أوكرانيا فينبع من سوء فهمه لطبيعة القوة ذاتها. ولا تقتصر مساعي الصين على التركيز على شركة واحدة فحسب، بل إنها تعمل على الارتقاء بحضارة بأكملها. أما أمريكا، فهي مقبلة على حقبة جديدة من العنف السياسي.. أهلاً بكم في برنامج “بايب حول سياسات القوة” (Pape on the Politics of Force).

ويضيف: “أود اليوم أن أتحدث إليكم عما يحدث داخل الولايات المتحدة نفسها. فالعنف السياسي والتطرف والكراهية – أياً كانت التسمية التي تطلقونها عليها – في حالة تطور مستمر. وعلى مدى عقود –وحتى على مدار حياتنا– كنا قد اعتدنا على النظر إلى العنف السياسي والتطرف والكراهية باعتبارها ممارسات تستهدف الأمريكيين من أصل أفريقي، أو اليهود، أو الأقليات. وبعبارة جوهرية، كنا نراها تنبع من هوامش المجتمع. وللعلم، فإنه لا تزال تلك الكراهية موجودة بيننا اليوم. لكن ظاهرة العنف السياسي والتطرف والكراهية تتطور وتتغير في الولايات المتحدة؛ فهي تنتقل من الهوامش لتصبح جزءاً من التيار الأعم السائد في البلاد. وهي أقرب إليكم مما تظنون، لا سيما مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي.”

ثم يقول: “لنلقِ نظرة على السياق التاريخي الحديث. دعوني أعود بكم ولو للحظات إلى أحداث اقتحام مبنى الكابيتول في السادس من يناير 2021. لقد رأيتم صوراً كهذه مراراً؛ تلك الحشود الضخمة التي تقتحم المبنى. وهناك أيضاً امرأة تظهر في المشهد وهي تلكم شرطياً في ذلك اليوم. دعوني أُعرّفكم بهذه المرأة: إنها الدكتورة جاكلين ستار، طبيبة نساء وتوليد من منطقة بوسطن، وهي حاصلة على شهادة في الطب. لقد كرّست عقوداً من حياتها لتحسين الرعاية الصحية وعملت في واحدة من أبرز المستشفيات في منطقة بوسطن. تلك هي المرأة التي كانت تلكم الشرطي في السادس من يناير 2021. وهناك المئات مثلها.”

“من خلال عملي، قمتُ بدراسة كل فرد من الأفراد الـ 1575 الذين تمت ملاحقتهم قضائياً على خلفية أحداث السادس من يناير 2021، وذلك بالتعاون مع فرق بحثية؛ وهو ما يمثل أكثر من 100 ألف وثيقة قضائية. وتزخر هذه الوثائق بمعلومات تكشف هوياتهم وخلفياتهم، والصورة التي تتشكل نتيجة لذلك ليست مفاجئة فحسب، بل هي مقلقة أيضاً. إذ نجد أن 45% منهم كانوا أطباء ومحامين ورؤساء تنفيذيين لشركات، بينما لم تتجاوز نسبة المنتمين إلى ميليشيات 10% فقط. وكانت تلك الفئة -التي تشكل 45%- في الغالب من المتبرعين للحزب الجمهوري؛ ولدينا صور لبعضهم وهم يحضرون حفل عيد الميلاد في البيت الأبيض في العام السابق لتلك الأحداث.

“هذا هو وجه العنف السياسي في أمريكا اليوم. لويجي مانيون؛ اسم ربما تعرفونه جيداً. إنه يجسد هذه الصورة؛ ليس لأنه هاجم الكابيتول، بل لأن العنف السياسي -كما ذكرتُ- يتطور وينتشر. وانظروا إلى خلفيته: حياة مرفهة في فيلادلفيا وثروة متوارثة عبر الأجيال، ودرجة الماجستير من إحدى أرقى جامعات ال Ivy League في أمريكا، فضلاً عن كونه الطالب المتفوق الأول في مدرسته الثانوية. ومع ذلك، نجده يقتل بدم بارد رئيساً تنفيذياً لشركة رعاية صحية، وقد أقرّ بذنبه في هذه الجريمة. فلا داعي للتساؤل أو التخمين.”

“والأكثر إثارة للقلق هو وجود عشرات الملايين من الأمريكيين الذين يرون أن مقتل الرئيس التنفيذي لشركة الرعاية الصحية أمرٌ مقبول؛ إذ تبلغ النسبة 17% من البالغين الأمريكيين، وهو ما يعادل 44 مليون شخص يجدون في مقتل الرئيس التنفيذي لشركة “يونايتد هيلث كير” (United Healthcare) أمراً مقبولاً. ولم يحدث هذا قبل عامين، بل وقع حرفياً قبل شهر واحد فقط. إن رد فعل الرأي العام هذا يجسّد تماماً ما يبدو عليه تطبيع العنف السياسي في أمريكا…”

العنف كظاهرة

لقد تحول العنف السياسي في الولايات المتحدة إلى ظاهرة سائدة في البلاد بدأت تحظى بالدعم الشعبي، والتطبيع الاجتماعي، والشعبوية العنيفة. حيث تتناول هذه المحاضرة الطبيعة المتغيرة للعنف السياسي والتطرف وخطاب الكراهية في الولايات المتحدة، وتركز بشكل رئيسي على أن العنف السياسي لا ينبغي أن يُفهم حصراً على أنه ظاهرة تنبع من جماعات هامشية أو متطرفة؛ بل إن عناصر العنف السياسي أصبحت ترتبط بشكل متزايد بالأوساط السياسية والاجتماعية السائدة. ويستند البروفيسور بيب في طرحه هذا على أمثلة تشمل الهجوم على مبنى الكابيتول الأمريكي في 6 يناير 2021، ومقتل مسؤول تنفيذي في قطاع الرعاية الصحية، وتقارير متناقلة حول محاولات اغتيال دونالد ترامب، ونتائج استطلاعات الرأي المتعلقة بتأييد الجمهور للعنف السياسي.

ويُشبّه بيب العنف السياسي بحرائق الغابات. ووفقاً لهذا التشبيه، فإن التأييد الشعبي للعنف يمثل مادة قابلة للاشتعال، بينما تعمل الأحداث غير المتوقعة بمثابة محفزات لإشعال هذا العنف. ويرى بيب أن القبول الاجتماعي الواسع – أو حتى الاعتقاد بوجود هذا القبول – من شأنه أن يقلل من الحواجز النفسية والاجتماعية التي تثني الأفراد عادةً عن الانخراط في أعمال العنف.

“دعنا نغوص الآن في الأمر أكثر قليلاً ونحاول فهم الشعبوية العنيفة. حيث تشبه الشعبوية العنيفة والعنف السياسي إلى حد كبير “حرائق الغابات”؛ ففي حرائق الغابات، توجد مواد قابلة للاشتعال يمكن التنبؤ بها – مثل كميات كبيرة من الأخشاب الجافة التي يمكن قياسها – وهذا ما يتيح لنا معرفة الوضع. لكن حريق الغابة لا يقتصر على المواد القابلة للاشتعال فحسب، بل يقترن بمحفزات لا يمكن التنبؤ بها: كصاعقة برق، أو سقوط خط كهرباء، أو إلقاء بقايا سيجار. هذا هو جوهر حريق الغابة: مواد قابلة للاشتعال يمكن توقعها، ومحفزات لا يمكن توقعها. وينطبق الأمر ذاته على العنف السياسي؛ ففي سياق العنف السياسي، تُمثّل تلك “الأخشاب الجافة” أو المواد القابلة للاشتعال… الرأي العام السائد.”

ولكن البروفيسور بيب يستدرك في الوقت نفسه بالتأكيد على أن معارضة العنف السياسي لا تزال واسعة النطاق، مشيراً إلى أن الرفض الاجتماعي لهذا العنف يمكن أن يشكل آلية مهمة للحد من تحوله إلى أمر طبيعي ومقبول.

تطور العنف

تتناول المحاضرة تطورات العنف السياسي والتطرف وخطاب الكراهية، تلك الظاهرة التي تفاقمت مؤخراً في الولايات المتحدة. حيث يشير بيب إلى أنه على الرغم من ارتباط العنف السياسي تاريخياً بأعمال موجهة ضد جماعات عرقية ودينية وأقليات، وبجهات فاعلة تقع على هوامش المجتمع، فإن تطوره في العصر الراهن يتطلب فهماً أوسع مما كان من قبل. حيث يرى أن العنف السياسي أصبح ينتقل بشكل مضطرد من “هوامش” المجتمع نحو التيار الأعم السائد في المجتمع الأمريكي.

ويأتي هذا النقاش في سياق سلسلة من الأحداث ذات الأهمية السياسية ونتائج استطلاعات الرأي؛ حيث يورد بيب هذه الأمثلة في سياق تقديمه لتفسير أشمل لكيفية تطبيع العنف السياسي اجتماعياً، وكيف يمكن للمواقف العامة أن تساهم في تهيئة البيئة التي ينشأ فيها هذا العنف.

وبالتالي، فإن السؤال الجوهري هنا لا يقتصر ببساطة على وجود العنف السياسي من عدمه، بل يمتد ليشمل كيفية تفاعل الدعم الاجتماعي، وعمليات التطبيع، والاستقطاب السياسي، وتوقعات القبول الاجتماعي، لخلق ظروف مواتية لحدوث العنف السياسي.

السياق الاجتماعي

ويتناول د. بيب في محاضرته العنف السياسي وسياقه الاجتماعي المتغير. حيث يميز بين مفهوم للعنف السياسي كان سائداً قديماً، وبين الظاهرة التي يصفها بأنها تطورٌ معاصرٌ لذلك المفهوم. ويوضح بيب أنه، من منظور تاريخي، كان يُنظر إلى العنف السياسي وخطاب الكراهية عادةً على أنهما موجَّهان ضد المواطنين الأمريكيين الذين ينتمون للأقليات على غرار: الأمريكيين من أصل أفريقي واليهود والأقليات وفئات أخرى، وأنهما ينبعان في الغالب من هوامش المجتمع وليس من سواده الأعظم.

وبحسب بيب، فإنه على الرغم من أن أشكال الكراهية القديمة لم تختفِ كليةً؛ إلا أن جوهر المسألة التي يتناولها هنا إنما تتمثل في أن العنف السياسي قد اكتسب بُعداً إضافياً، حيث بات بإمكان أفرادٍ ينتمون إلى السواد الأعظم من المجتمع الأمريكي المشاركةُ في أعمال عنفٍ ذات دوافع سياسية أو حتى دعمها على نطاق واسع.

ويحتج بيب بهجوم 6 يناير 2021 على مبنى الكابيتول الأمريكي، ويورده هنا كحالة هامة ينبغي دراستها لاستكشاف مدى دقة الافتراضات السائدة حول الخلفية الاجتماعية للأفراد المتورطين في العنف السياسي. وهنا يشير البروفيسور بيب إلى أبحاث تناولت أفراداً خضعوا للملاحقة القضائية على خلفية أحداث 6 يناير. ويقدم وصفاً لعملية فحص جرت على وثائق المحكمة المتعلقة بهؤلاء الأفراد. حيث تفيد تقارير بأن 45% من المشاركين الذين شملهم الفحص كانوا أطباء أو محامين أو رؤساء تنفيذيين لشركات، في حين كان 10% منهم أعضاء في جماعات أشبه بالميليشيات.

ويبني بيب على هذه الأرقام للتدليل على أن فهم العنف السياسي لا يمكن أن يقتصر على الصورة النمطية للمتطرف المنعزل أو عضو الميليشيا المنظمة؛ بل يُقدَّم هذا المثال كدليل على أن الأفراد الذين يتمتعون بمكانة مهنية أو وضع اجتماعي واقتصادي مرموق يمكنهم أيضاً الانخراط في العنف السياسي. وفي سياق متصل، يربط بيب هذه الحجة بقضايا أخرى تنطوي على عنف ذي دوافع سياسية، مع التركيز على الخلفيات الاجتماعية والتعليمية للأفراد المتهمين بممارسة العنف.

تطبيع العنف

ويتناول الدكتور روبرت بيب هنا التطبيع الاجتماعي مع العنف السياسي كعامل رئيس في تطور الظاهرة في المجتمع الأمريكي. حيث يشير إلى المواقف العامة تجاه مقتل مسؤول تنفيذي في قطاع الرعاية الصحية، ويوضح أن 17 في المائة من الأشخاص البالغين الأمريكيين – وهو ما يعادل، وفقاً لحسابات البروفيسور بيب، حوالي 44 مليون مواطن أمريكي – اعتبروا عملية القتل أمراً مقبولاً.

ويفسّر بايب هذا المستوى المُسجَّل من القبول باعتباره دليلاً على عملية “التطبيع” مع ظاهرة العنف السياسي. وفي هذا السياق، لا يعني التطبيع بالضرورة أن غالبية المواطنين يؤيدون العنف؛ بل يكمن القلق في احتمالية أن تعتبر أقلية كبيرة بما يكفي بعض أعمال العنف السياسي المحددة أعمالاً مشروعة أو مقبولة. وتكمن أهمية ذلك في العلاقة بين أعمال العنف الفردية والبيئة الاجتماعية الأوسع التي تقع فيها تلك الأعمال.

“فالأمر يكمن في أن وجود دعم شعبي كبير للعنف السياسي يدفع الأفراد المندفعين أو المتقلبين لتجاوز الخط الفاصل نحو الفعل العنيف؛ إذ يمنحهم ذلك شعوراً مسبقاً بوجود “قبول اجتماعي” لتصرفاتهم. وبمجرد اقتران هذا التوقع بالقبول الاجتماعي، تتشكل “التركيبة” التي تفضي فعلياً إلى العنف السياسي.”

ويتناول بيب دراسة حالة لشخص يُدعى “كول ألين”، ويقدمه كنموذج لما يصفه بـ “المتطرف العادي”؛ حيث يركز على خلفيته الميسورة في الضواحي ومستواه التعليمي، ويصف بياناً يُزعم أنه تم تداوله قبل تنفيذ هجومه في البيت الأبيض.

“لنلقِ نظرة الآن على أحدث هؤلاء الأشخاص الثلاثة الذين حاولوا اغتيال دونالد ترامب: كول ألين. إنه الشخص الذي أطلق النار خلال حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض في شهر أبريل، وهو يبدو شخصاً عادياً لدرجة تثير القلق؛ فهو يقيم في ضاحية راقية بولاية كاليفورنيا – وهي ضاحية مخصصة للطبقة الميسورة – كما أنه تلقى تعليمه في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (Caltech). ولعلك تتساءل عن دوافعه؛ فقد نشر بياناً أرسله إلى عائلته وأصدقائه قبيل هجومه مباشرة، موضحاً فيه أسبابه، حيث كان يرى ضرورة وضع حد للأضرار السياسية التي يتسبب فيها الرئيس ترامب وإدارته. والآن، ما الذي دفعه للقيام بذلك؟ ولماذا أقدم على إرسال هذا البيان متوقعاً أن يُنظر إليه كبطل شعبي على غرار روبن هود؟”

ويبدو أن بايب إنما يهدف من ذكر هذا المثال إلى توضيح أن الأفراد الذين يمارسون العنف السياسي قد لا ينطبق عليهم بالضرورة النمط السائد أو الصورة النمطية المعتادة للمتطرفين. حيث قد ينشأ العنف السياسي في بيئات مندمجة اجتماعياً واقتصادياً في صلب المجتمع العام.

الدعم الشعبي

 ويركز البروفيسور بيب في سرديته حول انتشار ظاهرة العنف السياسي بشكل كبير على الأبحاث القائمة على استطلاعات الرأي حول الدعم الشعبي للعنف السياسي. حيث يوضح أن سلسلة من الاستطلاعات الوطنية، التي أُجريت على مدار خمس سنوات، بحثت في مدى تأييد الأمريكيين للعنف السياسي. ووفقاً لبيب، فقد أفاد أحدث استطلاع بأن 25% من الأمريكيين يرون أن استخدام القوة ضد دونالد ترامب يُعتبر أمراً مبرراً. كما قدم بيب في سياق المحاضرة تقديرات رقمية توضح عدد الأمريكيين ونسبة الديمقراطيين الذين يمثلهم هذا الرقم.

“تكشف أحدث استطلاعاتنا -التي أجريناها في إطار مشروع جامعة شيكاغو المعني بالأمن والتهديدات، والذي شمل 20 استطلاعاً وطنياً على مدار السنوات الخمس الماضية حول تأييد العنف السياسي بين الأمريكيين- أن 25% من الأمريكيين (أي حرفياً واحد من كل أربعة أمريكيين) يعتقدون أن استخدام القوة ضد ترامب أمر مبرر. وهذا الرقم يعادل 65 مليون أمريكي، بمن فيهم 44% من الديمقراطيين. أهلاً بكم في عصر الشعبوية العنيفة في أمريكا…”

ومن خلال هذه الإحصاءات، يدلل بيب على ما طرحه من مفهوم “الشعبوية العنيفة”، كموضوع محوري لبحثه الأوسع حول المسألة. وبالإضافة إلى ذلك، يشير بايب إلى تزايد تأييد العنف السياسي في أوساط كل من اليمين واليسار السياسيين، واصفاً هذا المستوى الذي تم رصده بأنه أعلى مما كان عليه في الاستطلاعات السابقة التي كان قد أجراها من قبل.

وتُعدُّ المقارنة بين العنف السياسي وحرائق الغابات واحدةً من أهم الأطر التي يفسر من خلالها  البروفيسور بايب ظاهرة العنف السياسي. حيث يميز البروفيسور بيب بين عنصرين أساسيين في مثال “حرائق الغابات”: أولاً، المواد القابلة للاشتعال التي تتراكم بمرور الوقت (وهو تأييد حوادث العنف أو قبولها)؛ وثانياً، العوامل المحفزة (أو الشرارات) التي لا يمكن التنبؤ بها، والتي تكون قادرة على إشعال تلك المواد، وبالتالي الانتشار على نطاق واسع.

يُطبَّق بايب هذا الإطار التوضيحي ذاته على ظاهرة العنف السياسي. ففي السياق السياسي، يُوصف الدعم الشعبي للعنف والقبول به بأنه “المادة القابلة للاشتعال”، بينما تعمل الأحداث السياسية أو الاجتماعية غير المتوقعة كمحفزات محتملة أو شرارات تشعل الموقف وتحرق المجتمع كله.

وتكمن قيمة هذا التشبيه في أنه ينقل التركيز من حوادث العنف الفردية والمعزولة إلى الظروف الاجتماعية المحيطة بها. ووفقاً لهذا النموذج التفسيري للعنف، فإنه لا يُنظر إلى العنف السياسي باعتباره نتاجاً لسبب واحد؛ بل ينشأ العنف نتيجة تفاعل بين بيئة قائمة بالفعل تتسم بالتأييد أو التسامح تجاه العنف، وبين حدث محفز محدد يأتي عادة دون سابق إنذار.

الزخم المجتمعي

ينتقل بيب بعد ذلك إلى الربط بين المواقف العامة والسلوك الفردي. فوفقاً للبروفيسور بيب، فإن وجود قدر كبير من الدعم الشعبي للعنف السياسي قد يجعل تبرير الأعمال العنيفة أمراً أسهل؛ ويتمثل ذلك في “الدعم الاجتماعي” للظاهرة، إذ قد يرى الأفراد – المستعدون نفسياً أو سياسياً لممارسة العنف – أن هناك قدراً أكبر من القبول الاجتماعي لأفعالهم.

ويصف بيب هذه العملية بأنها مسار يقوم فيه الدعم العام “بدفع” الأفراد المحتمل تورطهم في العنف نحو اتخاذ إجراء فعلي، وذلك لأنه يولد لديهم توقعاً بالحصول على القبول الاجتماعي. ويذكر المُحاضر وسائل التواصل الاجتماعي كأحد المظاهر المحتملة لهذه العملية. ويشير بيب ايضاً إلى الأفراد الذين يسجلون أو ينشرون مواد مرتبطة بالعنف السياسي، معتبراً استعدادهم للإعلان عن مثل هذه الأفعال كدليل على توقعهم الحصول على تأييد أو قبول من الآخرين.

“إن دعم المجتمع أمرٌ بالغ الأهمية. وبصفتي باحثاً متخصصاً في دراسة العنف السياسي، فهذه ليست مجرد معلومة عامة لديّ، بل هي موضوعٌ نشرتُ أبحاثاً حوله على مدى عقود، وهو أمر يدركه باحثون آخرون أيضاً. وبشكل عام، لماذا يؤدي توفر قدر كبير من الدعم الشعبي للعنف السياسي إلى زيادة في ممارسته؟ السبب يكمن في أن دعم المجتمع يسهّل عملية تبرير ذلك العمل العنيف؛ ونحن كباحثين ندرك تماماً الآليات المحددة التي يحدث من خلالها ذلك.”

ويستنتج بيب أن احتمالية وقوع العنف قد تزداد عندما لا يتوقع الجناة المحتملون مواجهة عزلة اجتماعية تامة أو إدانة شاملة. كما أن هناك جانب هاماً آخر تناوله بيب في المحاضرة يتمثل في التركيز على تجاوز ظاهرة العنف السياسي للانقسامات الأيديولوجية. حيث يؤكد بيب صراحةً أن دعم العنف السياسي موجود لدى كل من اليمين واليسار السياسي، ويشير إلى نتائج استطلاعات حديثة تظهر تزايداً في هذا الدعم لدى كلا الجانبين من الطيف السياسي؛ فلا يحصر العنف السياسي في تيار أيديولوجي بعينه.

كما يتناول بايب محاولة إطلاق النار على دونالد ترامب في يوليو 2024، وإدانة الرئيس جو بايدن العلنية للعنف السياسي. ويثمِّن بايب رد فعل بايدن – وما تلاه من إجراءات تتعلق بالانتقال السلمي للسلطة – باعتباره مثالاً على وجوب رفض النخب السياسية للعنف السياسي، حتى وإن كان هذا العنف مرتبطاً بأفراد ينتمون إلى قاعدتهم السياسية الخاصة.

رفض العنف

ويتناول بيب الرفض للعنف السياسي كآلية مضادة لمحاربة الظاهرة والتغلب عليها. حيث يرى أنه على الرغم من أن أقليات كبيرة في كلا الطرفين المتطرفين سياسياً قد تؤيد العنف السياسي، إلا أن شريحة أكبر بكثير من السكان تعارضه. ويحدد بايب هذه المجموعة بنحو 70 في المائة من الناس، واصفاً هذه الأغلبية بأنها تمثل “التيار الاجتماعي السائد”.

“في الفترة الممتدة من محاولة اغتيال ترامب وحتى موعد الانتخابات، انخفض الدعم الشعبي للعنف السياسي ضد ترامب إلى النصف. لم يسبق لبياناتنا أن أظهرت مثل هذه النتيجة من قبل، ولم تظهرها منذ ذلك الحين. ولماذا لم تظهرها منذ ذلك الحين؟ لأنه لم تكن هناك جهود منسقة ومكثفة للتركيز على تلك الفئة التي تمثل 70% من الناس؛ وهم أولئك الأشخاص الذين -أثناء وقوفهم عند آلة صنع القهوة وسكبهم لكوب من القهوة بينما يمزح زملاؤهم قائلين: “نحن بحاجة إلى تدريب أفضل لأولئك الذين يطلقون النار على ترامب”- يبادرون بالقول: “لا، لا. مهلاً يا جو، هل نحن حقاً بحاجة للحديث في هذا الأمر؟ هل نحن حقاً بحاجة للذهاب إلى هذا الحد؟” هكذا تبدو المواجهة الحقيقية للعنف السياسي في أمريكا، وبهذه الطريقة يمكن الحيلولة دون تفشي الشعبوية العنيفة.”

وهنا يقترح بيب التركيز على الأغلبية التي ترفض العنف السياسي، بدلاً من التركيز حصرياً على الأقلية التي تؤيده. ويُصوّر هذا الرفض السياسي باعتباره شكلاً فاعلاً من أشكال المقاومة الاجتماعية. ففي هذا السياق، لا تقتصر معارضة العنف السياسي على مجرد غياب التأييد، بل يمكن أن تعمل كآلية اجتماعية تثبط مسار تطبيع العنف.

انتخابات 2024

ويقدم البروفيسور روبرت بيب الفترة المحيطة بالانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2024 كدراسة حالة لظاهرة العنف السياسي. ففي أعقاب حادثة إطلاق النار على دونالد ترامب في يوليو 2024، يشير بايب إلى إدانة الرئيس جو بايدن العلنية للعنف السياسي وتأكيده اللاحق على ضرورة الانتقال السلمي للسلطة في الولايات المتحدة. ويقدم بيب هذه التحركات كنموذج لما يجب من رفض النخبة السياسية لجميع أشكال العنف السياسي في البلاد مهما كانت انتماءات المتورطين في حوادث العنف.

“دعوني أستعرض معكم دراسة حالة توضح كيف حدث ذلك بالضبط. لنعد بالذاكرة إلى صيف عام 2024، وتحديداً إلى ظهيرة يوم السبت الموافق 13 يوليو في مدينة “بتلر”؛ حيث تعرض الرئيس دونالد ترامب -الذي كان حينها مرشحاً للرئاسة- لإطلاق نار. وفي غضون يوم واحد، أي في الليلة التالية مباشرة، ألقى الرئيس بايدن خطاباً هاماً من المكتب البيضاوي، مندداً بالعنف السياسي ومستنكراً إياه بغض النظر عن مصدره، رغم إدراكه التام بأن الأيديولوجيا الأرجح لمن أطلق النار على ترامب تنتمي لليسار، وأنه بذلك يدين عنفاً قد يصدر عن ناخبيه ومؤيديه. لقد تكرر هذا الموقف مراراً وتكراراً من جانب الرئيس بايدن، وحتى من جانب المرشحة هاريس طوال تلك الفترة، واستمر ذلك حتى بعد خسارتهم الانتخابات.”

ثم يربط روبرت بايب هذه الإجراءات ببيانات استطلاعات الرأي، مشيراً إلى أن التأييد الشعبي للعنف السياسي ضد ترامب قد انخفض إلى النصف في الفترة الفاصلة بين محاولة الاغتيال والانتخابات، واصفاً هذه النتيجة بأنها غير معتادة ضمن البرنامج البحثي المعروض في سياق المحاضرة. حيث يقترح أن الإدانة السياسية المستمرة للعنف يمكن أن تؤثر في البيئة الاجتماعية الأوسع التي يُنظر فيها إلى العنف السياسي باعتباره أمراً مقبولاً.

“في الفترة الممتدة من محاولة اغتيال ترامب وحتى موعد الانتخابات، انخفض الدعم الشعبي للعنف السياسي ضد ترامب إلى النصف.”

السواد الأعظم

ويربط الدكتور بيب في محاضرته بين أعمال العنف السياسي الفردية والبيئة الاجتماعية الأوسع. فبدلاً من النظر إلى مرتكبي أعمال العنف كأفراد معزولين تماماً، يطرح بايب نموذجاً تتفاعل فيه الاتجاهات العامة، والقبول الاجتماعي المتصوَّر، والخطاب السياسي، والأحداث المحفزة.

ويعد استخدام تشبيه “حرائق الغابات” الذي طرحه بيب أوضح تمثيل لهذا النموذج؛ إذ يمثل القبول أو الدعم الشعبي “المواد القابلة للاشتعال المتراكمة”، بينما توفر أحداث سياسية محددة “المحفزات المحتملة”. وفي ظل هذا الإطار، يصبح الحد من الدعم الشعبي للعنف آليةً لتقليل كمية المواد القابلة للاشتعال المتاحة.

كما يؤكد بيب أن هذه الآلية ليست مرتبطة بالضرورة بجانب أيديولوجي واحد؛ فمناقشته للعنف السياسي لدى كل من اليمين واليسار تشير إلى نهج مفاهيمي أوسع، حيث يكون المتغير المهم هو “دعم العنف السياسي بحد ذاته” وليس الهوية الحزبية للأشخاص الذين يعبرون عن هذا الدعم.

ومن خلال استعراض أهم العناصر التي ركزت عليها المحاضرة، فإن هناك عدة قضايا رئيسية يجب الإنتباه لها، منها:

أولاً، العلاقة بين التيار الاجتماعي السائد والتطرف: وهنا يؤكد بايب أن العنف السياسي لا يقتصر بالضرورة على مجموعات هامشية اجتماعياً. حيث ينخرط في العنف أفراد ذوي خلفيات مهنية أو تعليمية أو اجتماعية واقتصادية تقليدية في ممارسة العنف السياسي.

ثانياً، دور الرأي العام: حيث يتعامل بايب مع التأييد الشعبي للعنف السياسي باعتباره عاملاً مهماً لفهم السلوك العنيف، بل يكون عاملاً محفزاً لمزيد من العنف السياسي.

ثالثاً، دور القبول الاجتماعي: حيث يشير بايب هنا إلى أن القبول الاجتماعي للظاهرة قد يعمل كآلية وسيطة تربط بين المواقف العامة والسلوك الفردي.

رابعاً، الأيديولوجية: حيث يرى البروفيسور بايب أن العنف السياسي وتأييده موجودان لدى طرفي الطيف السياسي في الولايات المتحدة.

خامساً، دور القيادة السياسية: حيث يؤكد بايب على أهمية مواقف القادة السياسيين فيما يتعلق بإدانة العنف، ويتساءل عما إذا كان خطاب النخب السياسية قادراً على التأثير في مستوى القبول الاجتماعي للعنف السياسي.

سادساً، دور التيار السياسي السائد: وهنا يتساءل بايب أيضاً عما إذا كانت النسبة الكبيرة من الأمريكيين الذين يرفضون العنف السياسي يمكن أن تشكل قوة اجتماعية تعزز الاستقرار ونبذ العنف السياسي.

الخلاصة

يقدم البروفيسور بيب في محاضرته العنف السياسي في الولايات المتحدة كظاهرة ترتبط – وفقاً لرؤية المُحاضر – بشكل متزايد بالبيئات الاجتماعية والسياسية السائدة. وتتمثل فكرته الرئيسية في أن العنف السياسي لا ينبغي أن يُفهم حصراً من خلال سلوك المتطرفين المعزولين أو الجماعات الهامشية المنظَّمة.

وفي سياق تفسير الظاهرة، يركز بيب على العلاقة بين الدعم الشعبي، والتطبيع الاجتماعي، والقبول المجتمعي الذي يمكن تصوره، والأحداث المحفزة. ويجسد التشبيه الذي ذكره بيب، “حرائق الغابات”، هذه العلاقة من خلال التمييز بين الظروف القابلة للاشتعال المتراكمة والمحفزات غير المتوقعة.

كما يؤكد بيب في محاضرته على أن العنف السياسي موجود عبر مختلف الانقسامات الأيديولوجية، ويجادل بضرورة توجيه الاهتمام ليس فقط نحو مؤيدي العنف، بل أيضاً نحو المجموعة الأكبر بكثير التي ترفضه.

وهكذا، يخلص البروفيسور بيب في نهاية المطاف إلى الرفض الاجتماعي لظاهرة العنف السياسي من السواد الأعظم من الشعب الأمريكي. ووفقاً لبيب، فإنه يمكن للمعارضة المستمرة للعنف السياسي – من جانب المواطنين العاديين والقادة السياسيين – أن تشكل آلية مهمة لمنع تطبيع هذا العنف والحد من الظروف التي قد تنمو فيها الشعبوية العنيفة.

في حقيقة الأمر، موضوع المحاضرة يكشف جانبًا مهمًا مما يعانيه المجتمع الأمريكي، والذي يعاني أيضًا من تفاوت الثروات، والظلم الإقتصادي والاجتماعي، والتضخم المتصاعد، خاصة في ظل الحرب الأخيرة على إيران، فضلًا عن انتشار المخدرات، والإنحلال الأخلاقي، والعنف الشبابي، وارتفاع معدلات الجريمة، وغير ذلك. هذه العوامل تنخر في المجتمع الأمريكي، وتمزقه من داخله، وقد يكون أثرها السلبي على الولايات المتحدة، ومستقبل ريادتها العالمية أشد كثيرًا من أيٍ من الحروب الخارجية التي تخوضها.


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى