عسكري

قادة المؤسسة العسكرية تحصين أم تأميم؟

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

 

تمهيد:

وافق أعضاء مجلس النواب المصري يوم الثلاثاء الموافق 03 يوليو 2018م،على مواد مشروع قانون «معاملة بعض قادة القوات المسلحة»، الذي قام السيسي كونه القائد الأعلى للقوات المسلحة بتحويلة الي البرلمان كي يتخذ قراراً تجاهه.1

أولاً: مشروع القانون:

تضمن مشروع القانون عدداً من النصوص الأساسية، والتي جاءت على النحو التالي2 :

المادة الأولى: يُستدعى الضباط من كبار قادة القوات المسلحة، الذين يصدر بأسمائهم قرار من السيسي لخدمة القوات المسلحة مدى حياتهم، ويكون الاستدعاء لمن يشغل منهم منصبًا أو وظيفة خارج القوات المسلحة فور انتهاء شغله لهذا المنصب أو تلك الوظيفة.

المادة الثانية: يعامل المعاملة المقررة للوزير كل من لم يشغل من كبار قادة القوات المسلحة المشار إليهم في المادة الأولى من هذا القانون، منصب الوزير أو منصبًا أعلى، ويتمتع بجميع المزايا والحقوق المقررة للوزراء في الحكومة .

المادة الثالثة: يحدد بقرار من السيسي المزايا والمخصصات الأخرى التي يتمتع بها المخاطبون بأحكام هذا القانون، ويجوز الجمع بين المزايا والمخصصات المقررة بناءً على أحكام هذا القانون، وبين أي ميزة مقررة بموجب أي قانون آخر.

المادة الرابعة: يتم منح المشار إليهم في المادة الأولي بقوة هذا القانون الأوسمة التي يصدر بتحديدها قرار من السيسي.

المادة الخامسة: لا يجوز مباشرة أي إجراء من إجراءات التحقيق أو اتخاذ أي إجراء قضائي في مواجهة أي من المخاطبين بأحكام هذا القانون عن أي فعل ارتكب خلال فترة تعطيل العمل بالدستور، وحتى تاريخ بداية ممارسة مجلس النواب لمهامه أثناء تأديتهم لمهام مناصبهم أو بسببها، إلا بإذن من المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

المادة السادسة: يتمتع المخاطبون بأحكام هذا القانون أثناء سفرهم خارج البلاد بالحصانات الخاصة المقررة لرؤساء وأعضاء البعثات الدبلوماسية، طوال مدة خدمتهم، وكذا مدة استدعائهم، وعلى وزارة الخارجية اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لذلك.

المادة السابعة: ينشر هذا القانون في الجريدة الرسمية، ويعمل به اعتبارًا من اليوم التالي لتاريخ نشره. يبصم هذا القانون بخاتم الدولة، وينفذ كقانون من قوانينها.

ثانياً: مبررات النظام:

قال اللواء ممدوح شاهين، مساعد وزير الدفاع للشئون القانونية والدستورية، وهو أحد قيادات المجلس الأعلي للقوات المسلحة الحالي، أن قانون معاملة كبار قادة القوات المسلحة ليس به أي تمييز، مستشهدًا بقانون رقم 35 لسنة 79 لتكريم قادة حرب أكتوبر، والذي أصدره الرئيس الراحل أنور السادات تكريماً لقادة حرب أكتوبر، وأكد “شاهين”: “صدرت تكريمات أخرى في مناسبات متعددة، وتكريم بعض القادة هو تكريم للقوات المسلحة قائلًا:” هذا ليس تمييز إنما تكريم، ونحن نقدم الشكر والتقدير للبرلمان على ما تبذلوه لدعم القوات المسلحة وتطويرها والتي ستظل درع الوطن وسيفه”.

ومن جانبه؛ قال على عبد العال، رئيس مجلس النواب، أن قانون معاملة كبار قادة القوات المسلحة ليس به أي تمييز، ويعتمد على أساس دستوري، واستكمل قائلًا: “من ضحى بروحه فداء هذا الوطن، فتكريمه لا يعد بأي صور من الصور تمييز “. ولفت عبد العال إلى أن قادة حرب أكتوبر تم تكريمهم ولم يُعد هذا تمييزاً، متابعًا: “بالفعل تم الطعن على هذا القانون أمام المحكمة الدستورية، إلا أن المحكمة لم تستجب لهذا الطعن قائلًا:” أطمئن أنه ليس هناك تمييز على الإطلاق في هذا القانون “.

وقال النائب صلاح حسب الله، المتحدث الإعلامي لمجلس النواب، “منذ يناير 2011 تعرضت مصر لمنعطفات خطيرة وانفلات أمنى، وهذا الجيش الوطني وقف بجوار شعبه وسانده وانحاز له، وأي قانون لتكريم أي فرد في القوات المسلحة من أصغر جندي لأكبر قائد أنا موافق عليه، وهذا واجب وطني “.

ثالثاً: الدلالات والتفسيرات:

1- قانون 35 لسنة 79 وقانون معاملة كبار القادة مفارقات وتباينات :

استدل اللواء ممدوح شاهين مساعد وزير الدفاع للشئون الدستورية والقانونية بالقانون الذي أصدره الرئيس انور السادات عام 1979 والذي حمل رقم 3 35 ورأي ان قانون معاملة كبار القادة الذي قدمة السيسي للبرلمان كي يتم الموافقة عليه هو مستوحى من ذلك القانون، وهذا الذي رآه البعض مغالطاً تماماً للواقع، حيث ان القانون رقم 35 لسنة 79 ينص علي التالي:

المادة الأولى: نصت على أن يستمر قادة الأفرع الرئيسية وهم كلاً من “وزير الدفاع، رئيس الأركان، قائد القوات الجوية، قائد الدفاع الجوي، قائد القوات البحرية” يضاف إليهم رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة في حرب السادس من أكتوبر في الخدمة بهذه القوات مدى الحياة، اي بإجمالي عدد 6 قيادات عسكرية، أبدت وقتها اللجنة التشريعية لمجلس الشعب موافقتها على القانون وذكرت في مسودته أن القانون ينطبق على عدد محدود من كبار القادة، حيث إنه من الصعب التوسيع في تطبيق القانون. وذكرت أنها ترى في تكريم هؤلاء القادة تكريماً لكل أفراد القوات المسلحة . وذكر نص القانون في المادة الثانية على أن هؤلاء القادة يقومون بتقديم المشورة وإبداء الرأي عندما يطلب منهم ويعتبرون مستشارين مدى الحياة في النواحي العسكرية.

وعند النظر الي متن القانون رقم 35 لسنة 79 نرى أن الرئيس السادات قام بتسمية كبار قادة القوات المسلحة في نص القانون بعكس ما قام به السيسي في القانون الذي تم تمريره حيث نص القانون فقط على أن هناك أسماء سيسميهم السيسي فيما بعد، وهذا الذي فسره البعض أن السيسي سيضع قادة وربما سيكونون جميع قادة المجلس العسكري الذين انضموا للمجلس منذ ثورة يناير حتى الآن، وهم نحو 71 قائد عسكري (ملحق 1).

ولم يقم الرئيس السادات بتحصين القادة العسكريين وقت حرب أكتوبر من اي ملاحقات قضائية عند ارتكابهم لأي أعمال ضد القانون، ولكن اكتفي السادات بإعتبارهم قيادات عسكرية مدي الحياة مع إعطائهم بعض الإمتيازات المالية، بعكس ما قام به السيسي في واقعة تعد الأولي من نوعها بتحصين القادة العسكريين من أي ملاحقات قضائية.

وجدير بالذكر ان الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك كان قائد القوات الجوية وقت حرب السادس من أكتوبر وينطبق عليه هذا القانون (رقم 35 لسنة 79)، ولم يحل دون وقوفه أمام القضاء بعد ثورة 25 يناير عندما قام بارتكاب جرائم حتي ولو تمت تبرئته فيما بعد، ولكنه وقف أمام القضاء، وبالتالي حتى لو كانت هذه القرارات هي قرارات تحصين فإنه عند وقوع ثورات أو تغييرات جذرية في الوضع السياسي في البلاد، فإن هذه القوانين هي والعدم سواء، يذكر ان المحامي فريد الديب لجأ الي قانون رقم 35 لسنة 1979م، كمحاولة لإنقاذ مبارك من الحساب على جرائمة. وهو الدفاع الذي فنده القانونيون بأنه استدلال خاطئ.

2- رسالة تطمين وتخفيض حدة الصراعات:

يأتي مشروع قانون معاملة كبار ضباط القوات المسلحة بعدما عمل السيسي علي إعادة تركيب المجلس العسكري بشكل جديد، فالمجلس العسكري الذي شارك السيسي في الانقلاب العسكري علي الرئيس محمد مرسي تم تغييره بشكل شبه كامل تقريباً ولم يتبق من تلك القيادات سوي ثلاثة قيادات فقط (هم أمين عام وزارة الدفاع السابق ورئيس الأركان الحالي الفريق محمد فريد حجازي، ومساعد وزير الدفاع للشئون الدستورية والقانونية اللواء ممدوح شاهين، ورئيس هيئة الشؤون المالية للقوات المسلحة المصرية اللواء محمد أمين نصر).

ومن بين القادة الذين تم استبعادهم عدد غير راض عن تلك القرارات، ويعتقدون أنهم قد تمت التضحية بهم، وينتابهم الخوف من الملاحقات الداخلية أو الخارجية عند حدوث أي تغيير في الوضع الداخلي في مصر، مع وجود العديد من المؤشرات التي قد تدفع لهذا التغيير، وأنه ربما أراد السيسي أن يُطمئن تلك القيادات التي خرجت من الخدمة، أنهم في مأمن من أي تنكيل قد يلحق بهم داخلياً وخارجيا، ولذلك قام بتحصينهم، مع إعطائهم الكثير من الامتيازات الشخصية.

أي أنه، وفق هذا التفسير، فإن السيسي قد عمل على اتخاذ هذا القانون في الوقت الحالي كرغبة منه في تهدئة مخاوف قيادات الجيش بعد عزله لوزير الدفاع المحصن طبقا للدستور “كما أشيع” من دوائر السيسي المخابراتية منذ تعيين صدقي صبحي وزيراً للدفاع في مارس 2014م، بأنه لم يتجاوز الدستور وان إجراء تغيير صدقي هو إجراء طبيعي وجميعهم أصبحوا يتميزون بكل مزايا الوزراء.

ويري البعض أن السيسي أراد أن يعطي تلك القيادات التي تم إخراجها من المجلس العسكري امتيازات بشكل كبير حتى لا تقوم بأي أعمال عدائية ضد السيسي قد تؤثر على حكمه ونظامه مع الاحتفاظ بحق المجلس العسكري الذي قام السيسي بتركيبه بشكل جديد بالموافقة عند محاكمة كبار القادة بمعني سياسة “العصا والجزرة” أن يعطي لهم امتيازات حتى يكسب ولاءهم مع الاحتفاظ بكل أدوات التنكيل التي سيستخدمها عند الحاجة ضد أي أحد منهم، كما فعل السيسي مع رئيس الأركان الأسبق الفريق سامي عنان عندما أعلن عن نيته للترشح ضد السيسي فيما سُمي “انتخابات الرئاسة 2018م”، وعدم أخذ موافقة المجلس العسكري، وذلك كان واضحاً في المادة الخامسة من قانون معاملة كبار القادة والتي جاء في متنها بأنه لا يجوز مباشرة أي إجراء من إجراءات التحقيق أو اتخاذ أي إجراء قضائي في مواجهة أي من المخاطبين بأحكام هذا القانون عن أي فعل ارتكب خلال فترة تعطيل العمل بالدستور، وحتى تاريخ بداية ممارسة مجلس النواب لمهامه أثناء تأديتهم لمهام مناصبهم أو بسبها، إلا بإذن من المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

3- قواعد تعامل جديدة بين القادة العسكريين:

يقوم هذا التفسير على أن القيادات العسكرية التي خرجت من المجلس العسكري قامت بالضغط علي السيسي حتى يكون هناك قوانين تقوم بتحصينهم من التنكيل والملاحقات القضائية، وذلك بعد ما رأوا كيف قام السيسي بإخراجهم من المجلس العسكري بدون أي إجراءات تؤمنهم من الملاحقات الداخلية والخارجية، كما حدث مع الفريق محمود حجازي أثناء زيارته الي بريطانيا عام 2016 والأحداث التي شهدتها تلك الزيارة في بريطانيا وما قيل وقتها ان الفريق محمود حجازي كان سيتم توقيفه بسبب بعض القضايا التي رفعها بعض الحقوقيين علي قيادات المجلس العسكري لما قامت به المجلس من جرائم منذ 03 يوليو 2013م.

وبالتالي فإن ما فعله السيسي برئيس الأركان الأسبق الفريق سامي عنان قد أحدث توتر اً داخل أوساط كبار قادة القوات المسلحة، ومن تلك القادة من رفض فكرة التنكيل بالفريق عنان بذلك الشكل، وان صورة المؤسسة العسكرية تراجعت بشكل ما أمام الرأي العام؛ فلذلك قاموا بالضغط لوضع قوانين تسير عليها المؤسسة العسكرية في حالات الاختلاف مع الاحتفاظ بقدر كبير من الامتيازات لكبار قادة القوات المسلحة.

خلاصة

في إطار التفسيرات السابقة يمكن القول إن السيسي يقوم بمزيد من الإجراءات التي تمنح كبار قادة الجيش المصري الكثير من الامتيازات الشخصية حتى يكسب ولاءهم لكيلا تكون لهم أي تطلعات أو محاولات عدائية ضد السيسي قد تؤثر على حكمه في فترته الرئاسية الثانية، وذلك بعد أن اكتسب الكثير من العداوات داخل المؤسسة العسكرية بسبب سياسته التي تعامل بها معهم خلال الأعوام الخمس الماضية. وبالمقابل يقوم السيسي بفرض إجراءات مشددة للسيطرة على كبار قادة الجيش المصري بعد إخراجهم من مناصبهم العليا من داخل المؤسسة العسكرية للتحكم بهم والسيطرة عليهم.

ومن خلال التطورات التي شهدتها المؤسسة العسكرية خلال السنوات الخمس الماضية، نجح السيسي في السيطرة بشكل كبير على كافة الأجهزة الأمنية والمعلوماتية وعلى مراكز القوي ومفاصل التحكم داخل المؤسسة العسكرية، وبناء على تلك السيطرة لا ينظر السيسي إلى أي أصوات معارضة داخل المؤسسة العسكرية، ويقوم بالتنكيل بكل من يظن انه قد يسبب له أي تهديد.

ملحق (1)

قادة القوات المسلحة الذين يمكن أن يشملهم مشروع قانون «معاملة بعض قادة القوات المسلحة”

جدول 1: القادة العسكريون الذين خدموا في الجيش المصري وتم إخراجهم من الخدمة ويشملهم القانون:

جدول ـ 2: قادة المجلس العسكري (يونيو 2018) وهم:


الهامش

1 تعرف على سبب تأجيل الموافقة النهائية على مواد «كبار قادة القوات المسلحة، الشروق، تاريخ النشر 03 يوليو 2018م، تاريخ الدخول 09 يوليو 2018م، الرابط

2 نص قانون معاملة قادة القوات المسلحة.. وممدوح شاهين: لا يوجد به أى تمييز، مصر العربية، تاريخ النشر 03 يوليو 2018م، تاريخ الدخول 09 يوليو 2018م، الرابط

3 ننشر نص قانون “استثناء قادة أكتوبر” الذى أعلن عنه الديب لحماية مبارك من العقاب، بوابة الأهرام، تاريخ النشر 19 يناير 2012م، تاريخ الدخول 09 يوليو 2018م، الرابط

 

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *