fbpx
تقارير

ما بعد ضرب الشعيرات: ماذا سيفعل ترامب؟

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

تنويه:

تمت كتابة هذا التقرير قبل الضربة الأميركية التي تعرض لها مطار الشعيرات في سوريا، بصواريخ توما هوك، لتدمر المطار، ويستعرض التقرير عرضاً لعدد من اتجاهات الرأى حول الموقف الأميركي من سوريا، واحتمالات قيام ترامب بضرب سوريا.

ففي كتابه “سوريا: حرب من أجل لاشي” (2017)1 على غرار الخلاصة الجيوبوليتيكية التي وصل إليها الباحث فريدريك بيشون  والقاضية بخسارة جميع اللاعبين سواء المحليين، الإقليمييين والدوليين على المسرح السوري بما يعني ذلك حتما استمرار أفق الصراع إلى أجل مديد، إلا أن طرحه “للدولة البربرية أو البربرية دون الدولة” ‘État de barbarie ou barbarie sans État’ كأحد الثنائيات المتعارضة في أحد فصول كتابه لخّص جوهر الصراع القائم ليس فقط بين مختلف المكونات الثقافية في عالما العربي ولكن لأي دراسة مستقبلية لمستقبل ما آلت إليه سوريا.

هل سيفعلها ترامب؟ هل سيوجّه ضربة عسكرية للنظام السوري؟

هو سؤال لا يكاد يفارق ألسنة وعقول كل الأطراف سواء المشاركة أو المراقبة للشأن السوري. هو سؤال تبادر مباشرة للأذهان بعد تصريح كل من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الأربعاء الرابع من أبريل “بأن الاسد عبر “خطا حمراء” تنفيذه لهجوم كيماوي على مدينة خان شيخون في إدلب يوم الثلاثاء الرابع من أبريل”. وتصريح نائب الرئيس ترامب، مايك بينس، “بأن “كل الخيارات” مطروحة للاستجابة الامريكية، وبعد تلميح المندوبة الأميركية لدى الأمم المتحدة، نيكي هيلي، في جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي، إلى أن بلادها ربما تتحرك منفردةً، في حال بقي المجلس عاجزاً عن التصدي للانتهاكات ضد المدنيين في سورية.

قبل الخوص في تفاصيل الإجابة عن هذا السؤال المجزرة التي ارتكبت في مدينة خان شيخون والتي خلّفت ما يتجاوز الـ100 قتيلا و500 جريحا نفّذت بقصف جوي حسب تأكيدات الأمم المتحدة طرح توقيت تنفيذها أسئلة أكبر وربما تكون الإجابة عنها أكثر صعوبة على خلاف الأولى.

لماذا وفي الوقت بالذات؟ ما هي مضامين الرسالة التي وجّهها منفذو المجزرة؟

هذا الهجوم جادل البعض بأنه كان وفي آن واحد استفزاز واختبارا:

أولا،  لمدى صحة إدعاءات الادارة الأمريكية التي صرّحت السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة وقبل يوم واحد من تنفيذ المجزرة “بأن الحكومة الأمريكية لم تعد تركّز على بقاء الأسد بل المشكلة الحقيقية هي داعش”. فيما اعتبر البعض الآخر بأن المجزرة هي رسالة لحلفاء الرئيس بشار الاسد خاصة إيران وروسيا، وان كانت ايران تنظر للصراع السوري من خلال منظور مصالحها الإقليمية المحلية الضيّقة إلا أن روسيا وضعت سوريا في سياق موقفها الدولي واتفاقها السابق سنة 2013 مع الولايات المتحدة بإخراج الأسلحة الكيميائية من سوريا يفترض ضمنا حصولهم على التزام من الأسد باحترام ذلك. هذا العمل حسب هذا أصحاب هذا الرأي هو تبيان لحدود ومقدار السلطة الروسية على النظام السوري ومدى قدرتهم على تقديم تنازلات نيابة عنه. لذا من المحتمل أن تكون رسالة موجّهة لروسيا أكثر منها لأمريكا.2

وثانيا، هذا الهجوم هو في الأساس محاولة لإضفاء الصبغة الرسمية على سياسة الغرب المؤيدة للأسد من خلال إظهار بأنه لا يوجد شيء يمكن أن يفعله دونهم. وهي رسالة تهدف الى عرض مدى حصانة الاسد من ضغوط المجتمع الدولي وعدم اكتراث المجتمع الدولي بتنفيذ معاييره الخاصة، فقد قيل للشعب السوري بأنهم وحدهم في نضالهم وأنه لا توجد قيود على الدكتاتور، وبالتالي يجب عليهم التخلي عن كل مقاومة. لذا الغرب عموما وأوروبا على وجه الخصوص مشاركة في الحملة التي تسعى ومنذ مدة لتصوير حكم الأسد على أنه راسخ وثابت وضروري للراغبين في تحقيق الاستقرار في سوريا. بل وأكّد اصحاب هذا الرأي بأنه وفي حالة ما فشل الغرب في الرد بشكل جاد على هذه المجزرة الأخيرة وإذا وجدت الأموال الغربية طريقها لنظام الأسد باسم استقرار سوريا، فإن ذلك سيكون إعلانا وبصوت عال لما كانت سياسة أوروبية ضمنية لسنوات عديدة.3

هل سيفعلها ترامب إذا؟

أحدث التحليلات العسكرية جادلت بان أي هجوم أمريكي على الاسد هو مقامرة عالمية غير مضمونة النتائج. بل وستفتح المجال لسيناريوهات ثلاث: صراع روسي-أمريكي، مواجهات انتقامية من الجانب الروسي خارج الحدود السورية خاصة على حدود الناتو الأوروبية وتحوّل سوريا الى ليبيا اخرى في حالة سقوط نظام الاسد.

في مقال لغراهام باكر G.Baker واوليفيا الابستر O.Alabaster نشر على موقع عين الشرق الأوسط Middle East Eye’’ خلص الباحثان وبعد الاستماع الى أراء مجموعة من الخبراء والمحللين العسكريين إلى أن عملا عسكريا في الوقت الحالي يعتبر مستحيلا بسبب الوجود الروسي في سوريا، وفي حالة حدوثه فإن ذلك سيحوّل البلاد الى دولة فاشلة ومن شأنه أن يشعل المواجهات الانتقامية من جانب روسيا خارج حدود سورية.

نيكولاس  دروموند N.Drummond المحلل في مجال الدفاع والأمن والضابط السابق في الجيش البريطاني قال بأن الرئيس ترامب يملك ثلاث خيارات عسكرية تتلخص في: قيامه بضربات جوية دقيقة باستخدام صواريخ كروز وقاذفات القنابل واستخدام طائرات هجومية لإضعاف القدرات العسكرية السورية، إرسال فرقة عمل تابعة للقوات البحرية على الأرض للسيطرة على المناطق الاستراتيجية وإزالة الأسد ميدانيا أو إرسال قوات خاصة  لقتل أو اعتقال الرئيس السوري الاسد.

 أما جوستين برونك J. Bronk، وهو زميل باحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن، قال بأن الولايات المتحدة تملك خيارات عسكرية “لا تعد ولا تحصى”، إلا أن أي إجراء قد يثير عواقب غير مقصودة وبعيدة المدى. فأمريكا تمتلك منصات جوية وقوات خاصة واستخبارات لجمع المعلومات واستهداف جميع أنحاء سوريا، اي أنهم يعلمون جيدا الأماكن التي يجب استهدافها إن هم أرادوا ذلك، إلا انه فقط عدد قليل من الاسلحة مثل القاذفات الشبحية من طراز اف -22 والقاذفات الاستراتيجية من طراز بى -2 ستكون قادرة على القيام بضربات دون اكتشافها، ويمكن أن تواجه قوات روسية متقدمة تحمي الاسد بالفعل.

نعم يمكننا. لكن هل يجب علينا فعلها؟

سؤال طرحه كاتبا المقالة ليجيبا بأن روسيا تمتلك صواريخ أرض-جو – S-300 و S-400 –قوية جدا- في قاعدتها الجوية في اللاذقية وقاعدتها البحرية في طرطوس، فضلا عن أسلحتها المتنقلة. تلك التي يتراوح نطاقها الى الـــ250 كلم. “كما ان هنالك تفوقا روسيا جويا في اللاذقية بما في ذلك الطائرات المقاتلة ذات القدرة الفائقة على المناورة مثل سوخوي 30 وسوخوي “35. الأهداف المحتملة للولايات المتحدة ستكون مستودعات الأسلحة السورية وسلاح الجو السوري في المجال الجوي السوري. ولكن احتمالية وجود الخبراء الروس في تلك المواقع وارد جدا وهناك احتمال كبير يتمثل في ملاحقة تلك الأهداف.

“بعبارة اخرى الطائرات الامريكية المقاتلة ذات القدرة الفائقة يمكن ان توجّه ضربات محدودة مع مخاطر انخراط روسي منخفض نسبيا”. “لكن هناك أسلحة قليلة يملكها التحالف الغربي يمكن أن تقوم بضربات على أهداف الحكومة السورية دون أخذ الاذن الروسي، ستعمل في مجال جوي مزدحم جدا وستحلّق من خلال ممرات صغيرة لذا سيكون من الخطر استخدام طائرات مقاتلة نادرة لإحداث تأثير عسكري غير مؤكّد.

وأضاف برونك بأن خيار فرض منطقة حظر جوي على القوات الجوية السورية ومنع المزيد من الهجمات الكيميائية هو خيّار يحمل مشاكل كثيرة، ومن دون تعاون روسيا بالكامل في ذلك، والذي اعتقد الباحث بأنه مستحيل تماما تقريبا دون تقديم نوع من المساومة على عدد من القضايا الأخرى، فإنك (اي أمريكا) ستحاول فرض منطقة حظر الطيران ضمن مجموعة من المقاتلات الروسية، ضد القوات الجوية السورية حيث تعمل الطائرات الروسية على نفس المسرح. بذلك هناك احتمال كبير لانتقام روسيا حسب برونك.

إن لروسيا تاريخ طويل من التصعيد الأفقي وليس العمودي، عندما يتم مواجهتها، فهذا يعني توقع ظهور مشاكل في أماكن أخرى سواء كانت في جورجيا وأوكرانيا أو قيامها باستفزازات في جميع أنحاء البلطيق – وبعبارة أخرى، سيكون هناك رد روسي”.

ومن ناحية أخرى، ذكر كل من برونك ودروموند مسألة أخرى تتمثل في العواقب طويلة الأمد على سورية، وبأنه مهما فعل ترامب، فسيحتاج إلى خطة لإعادة بناء البلاد. فكل نهاية مطلوبة تطرح إشكالا – ما الذي تتحرك صوبه الولايات المتحدة؟ وقال برونك إن أي محاولة للإزالة الشاملة للأسد ستؤدي على الفور إلى ظهور الخيار الليبي-أي خلق الفوضى والضغط للقيام بشيء حيال ذلك.

ويقول: “إنكم تنظرون إلى النتائج المحتملة والتي لا تبدو أي منها جيدة؛ فاذا ما وجّه الناتو أو أي تحالف ضربة لنظام الاسد سنة 2013 فالنتيجة كانت ستكون ليبيا أخرى وسيلقى اللوم عليكم بسبب الفوضى الاجمالية التي كانت ستشهدها سوريا حتى الآن. وهذا هو السبب الأساسي في أن الضربات لم تتقدم أبداً”.

وقال إن خيارا ثالثا لدعم الجماعات المتمردة المناهضة للأسد يمكن أن يساعد أيضا مجموعات مثل تنظيم الدولة الاسلامية. فأنت تخلق مساحة غير خاضعة للحكم ستستثمر فيها جماعات مثل داعش بل وستتوسّع فيها. كما قال دروموند “بأن خطر الضربات الجوية غير المدعومة من القوات البرية يعني دمارا شاملا سيترك نوعا من الفراغ كما حدث في العراق بما سيفتح الباب لتنظيمات مثل داعش او لنظام أسوأ من الأسد”.

في آخر طرح لمقالهما طرح الباحثان مفهوم “فن الصفقة” للإشارة إلى التنازلات التي يجب تقديمها لروسيا في حال ما إذا وافقت الأخيرة على ضرب الاسد. حسب برونك، روسيا راهنت كثيرا على سمعتها الدولية بأنها المدافع عن الأسد والتي بدورها تبعث برسالة إلى أي دولة تريد أن تكون شريكتها مستقبلا بان لروسيا القدرة على تثبيتها في الحكم حتى ولو كان الغرب كله ضدها. فروسيا تعمل من موقع القوة الجيوبوليتيكية وإن كانت ستتحدث عن اي نوع من الصفقات مقابل التخلي عن الاسد فمن المرجح أن تطالب بتنازلات كبيرة خارج سوريا: على أشياء مثل أوكرانيا، الاعتراف بشرعية ضمها لشبه جزيرة القرم، ونزع سلاح قوات حلف شمال الاطلسي في دول البلطيق.

وأضاف “اذا نظرتم الى المكاسب المحتملة مقابل ما ستكلّفه، فلا يمكن  لأي رئيس عقلاني يفهم ما الذي يعنيه توازن القوى بين حلف شمال الاطلسي وروسيا أن يتخذ مثل هذا النوع من الاتفاق. لذا يعتقد الباحث بان هذا الأمر هو مستبعد. وأضاف “بدون اى نوع من المساومة مع روسيا، لا اعتقد بوجود خيار عسكري جيّد، ولا يعتقد برغبة اي طرف تحمّل نتائج سيكون مداها طويلا”.

أما دروموند يعتقد بأن ترامب سيحاول إشراك بوتين مباشرة ليمنح روسيا فرصة أخرى لتحسين مكانتها بين حلفاء حلف شمال الأطلسي، وأن ترامب ومستشاريه في السياسة الخارجية يجب عليهم أن ينظّموا خطة محكمة لتجنب إصابة القوات الروسية والتي في حال حدوثها فإنها ستزيد من حدّة التوتر مع اوروبا لذا قد تؤدي سياسة ترامب الى تدهور الوضع السّيء مسبقا”.

لذا الوضع المثالي هو أن تقوم الولايات المتحدة بنشر قوة كافية لإزالة الأسد، وتحييد داعش وتحقيق الاستقرار في المنطقة بما سيمهّد الطريق للأمم المتحدة لنشر قوات حفظ السلام متعددة الجنسيات للحفاظ على المناطق الآمنة في حين يتم إعادة بناء سوريا لكن ذلك يتطلب قوى عاملة ضخمة، والتزاما بتقديم المعدّات. وأضاف “هناك الكثير من المتغيرات في سوريا التي تجعل من الصعب توقع احتمالية مسار عسكري من بينها ترامب نفسه، فمن الصعب جدا قراءة أو توقّع ما الذي يريده، لكن تحقيقه لنجاح ملحوظ في السياسة الخارجية سيساعده كثيرا”.

4

خلاصة

في الأخير، ينتهي التقرير إلى أن الأزمة السورية ومنذ بدايتها أجبرت الباحثين للوقوف طويلا أمام الثنائية التي طرحها بيشون، ولعل هذا المقال وإن كان بلسان الخبراء والمحللين العسكريين يقع في سياق هذا التخييّر بين واقعين كل منهما يعتبر أسوأ من الآخر. فإن هذا المقال لا يعتقد جازما بحدوث الضربة العسكرية من عدمها.

أما وقد قامت إدارة ترمب بتوجيه عملية نوعية دقيقة إلى مطار الشعيرات التابع للنظام السوري، وقصفته بنحو 59 صاروخاً من نوع “توماهوك”، دمرت أركان المطار، فجر الجمعة 7 أبريل 2017، بما خالف كثير من التوجهات التي تناولت موقف إدارة ترامب، قبل الضربة، يكون السؤال الرئيس الذي يجب التفكير فيه الآن، ما بعد ضرب الشعيرات: ماذا سيفعل ترامب؟ وما دلالات ذلك على مستقبل السياسة الأميركية في سوريا(5).

في محاولة للإجابة على جانب من هذه التساؤلات جاء المقالان المنشوران على موقع المعهد المصري للدراسات بعد الضربة الأميركية مباشرة، الأول بعنوان: الضربة الأميركية: هروب ترامب إلى الأمام، للدكتور عمرو دراج، والثاني بعنوان: هل ترامب جاد في إسقاط الأسد؟ للدكتور سعيد الحاج.

————————————

هوامش

(1) Frédéric Pichon, Syrie, une guerre pour rien (Paris : Editions Du Cherf, 2017)

(2) http://www.npr.org/2017/04/05/522756837/middle-east-analyst-discusses-syria-attacks-and-bashar-al-assads-strategy

(3) http://www.telegraph.co.uk/news/2017/04/04/idlib-attack-effort-regime-formalise-wests-pro-assad-policy

(4) http://www.middleeasteye.net/news/syria-gas-attack-us-military-russia-397363186

(5) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

ما بعد ضرب الشعيرات: ماذا سيفعل ترامب؟

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close