fbpx
قلم وميدان

محمد بن سلمان: ماذا بعد عام على ولاية العهد؟

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

في 21 يونيو 2018، تمر سنة كاملة على عزل الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز لابن أخيه ولي العهد ووزير الداخلية السابق محمد بن نايف بن عبد العزيز، ليحل محله في ولاية العهد نجله السادس محمد بن سلمان. وقد اتسمت هذه الفترة بالعديد من الأحداث والمتغيرات على الساحة السعودية الداخلية والخارجية، لعل من أبرزها، ظهوره في شخصية الإصلاحي المنفتح من خلال إقدامه على تغييرات ثقافية واجتماعية كانت من الطابوهات في المجتمع السعودي، على غرار إحياء الرياض لحفلات غناء صاخبة والسماح للمرأة بدخول الملاعب الرياضية وقيادة السيارات وتنظيم مسابقات للعبة الورق… هذه التغييرات السريعة والمتلاحقة لم تكن بالنسبة لولي العهد الشاب إلا مقدمة في مشروعه الهادف لمكافحة ما أسماه “التشدد الديني” الذي اعتبره دخيلا على المجتمع السعودي، كما أنه اعتبر “الفكر الوهابي” مشروع تبنته المملكة وروجته لعقود بطلب من حلفائها الغربيين لمواجهة الخطر السوفييتي إبان الحرب الباردة(1 ).

كما أعلن عن عزمه لمكافحة التربح غير المشروع والفساد المالي والاقتصادي حيث شن حملة اعتقالات واسعة في صفوف العديد من رجال الأعمال والمسؤولين وأفراد من الأسرة الحاكمة، وسرعان ما أعفى عن بعضهم كالأمير الوليد بن طلال والوليد الإبراهيم مقابل تسويات مالية دفعوها له من خلالها مليارات الدولارات. ولم تهدأ تلك الحملة حتى أعلنت تقارير إعلامية عربية وغربية عن اقتناء ابن سلمان بأكثر من مليار دولار ليخت “سيرين” ولوحة دافينشي “مخلص العالم” وقصر بمدينة فيرساي الفرنسية(2 ).

ولم تقف هذه التغييرات التي يقف وراءها بن سلمان عند الصعيد الداخلي فقط، بل تجاوزته إلى الجوار الخليجي والإقليمي والدولي، حيث واصلت السعودية غرقها في مستنقع الحرب اليمنية وطفت اختلافاتها وتباين أهدافها مع دولة الإمارات، ولم تستطع بعد أكثر من ثلاث سنوات من إعلان ولي ولي العهد آنذاك وولي العهد الحالي الحرب على الحوثيين في اليمن لإعادة حكم الشرعية. كما تم احتجاز رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري بالرياض شهر نوفمبر 2017 وإجباره على تقديم استقالته، وقد صرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للقناة الفرنسية “BMF Tv ” أنه: “لو لم تتدخل بلاده في أزمة احتجاز رئيس وزراء لبنان سعد الحريري في السعودية، لربما كانت هناك حرب الآن في لبنان”. وأضاف أنه توجه للرياض لإقناع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بحل أزمة الحريري(3 ).

كما تمر سنة على قطع السعودية وحلفائها الثلاث للعلاقات مع قطر بعد اتهامها بتمويل الإرهاب وقد اشترط بن سلمان وحلفاءه إغلاق قناة الجزيرة لتطبيع العلاقات معها. وواصل ولي العهد السعودي في سياساته المخالفة لنهج أعمامه الملوك السابقين عندما اعتبر القضية الفلسطينية لم تعد ذي أولوية لبلده وطالب الفلسطينيين بقبول ما يعرض عليهم من تسويات والمتمثلة في “صفقة القرن”( 4).

هذه الصفقة التي تقوم على إقامة سلام بين الفلسطينيين و”إسرائيل” في مرحلة أولى ولاحقا بين “تل أبيب” والدول العربية، وقد أشارت مصادر غربية إلى أن “صفقة القرن” أعـدت برعاية صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومستشاره جاريد كوشنر، وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، والمبعوث الأمريكي لعملية السلام في الشرق الأوسط جيسون غرينبلات. وقد وجه المسؤول السعودي انتقادات لاذعة للرئيس الفلسطيني محمود عباس لرفضه مشروع الصفقة حيث اقترح على الأخير القبول بقرية أبو ديس عاصمة محتملة للدولة الفلسطينية المفترضة عوضا عن القدس الشرقية المتفق عليها بين الأطراف الموقعة على اتفاقية أوسلو للسلام(5 ).

كما واصل ضغوطاته على الأردن بعد رفضها للصفقة ونقل السفارة الأمريكية للقدس المحتلة من خلال وقف المساعدات السعودية لعمّان، حيث ذكرت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية أن السعودية سبب تأزم الوضع الاقتصادي في الأردن والذي نتج عنه احتجاجات شعبية ضد قانون ضريبي مثير للجدل انتهى بإقالة العاهل الأردني عبد الله الثاني لرئيس حكومته هاني الملقي وسحب رئيس الحكومة المكلف عمر الرزاز هذا القانون(6 ).

وواصل الأمير الشاب التفريط في حلفائه عندما قام مسؤول هيئة الرياضة في بلده بالتصويت ضد ملف المغرب لاستضافة كأس العالم 2026 بل وقاد الأخير حملة لصالح الملف الأمريكي المنافس، فبالرغم من أن هذا الموقف ظاهريا مرتبط بالمجال الرياضي، إلا أن الرياضة خاصة في هذه الدول ما هي إلا مرآة عاكسة للسياسة وقراراتها.

هي سنة واحدة فقط تمر لحد الآن منذ تولي محمد بن سلمان لولاية العهد في السعودية، حاول خلالها على المستوى الداخلي التقرب من شريحة الشباب السعودي( 7)، من خلال ما تبناه من خطوات اقتصادية وثقافية بغية الحصول على “المشروعية” والدعم في مواجهة بقية أفراد الأسرة المالكة والتي ترفض توليه ولاية العهد والحكم. ولم يكن الدعم الداخلي كافيا بالنسبة له عندما توجه للولايات المتحدة والغرب لإرضائهم بما أقدم عليه داخليا على حساب الهوية والأعراف والتقاليد المحافظة في السعودية. كما قام بالتودد لـ”إسرائيل” وترامب بعد قبوله “لصفقة القرن” على حساب القضية الفلسطينية العادلة ودخوله في خصومة مع من رفض تلك الصفقة على غرار قطر والأردن ولبنان.

إن هذه السياسات، وإن كانت تسعى السعودية من خلالها ظاهريا إلى عزل إيران عن محيطها، لكن ما أقدمت عليه خلال الأشهر الماضية ساهم في عكس ذلك، إذ أعادت قطر علاقاتها الدبلوماسية مع إيران، وتفوق حزب الله على خصومه في الانتخابات التشريعية اللبنانية شهر مايو الفارط، وفقد الحريري العديد من المقاعد مقارنة بآخر انتخابات برلمانية سنة 2009، إضافة إلى ارتفاع الأصوات المنادية بوقف الحرب على الشعب اليمني(8).


الهامش

1 صحيفة القدس العربي، 27 مارس 2018.

2 بلال الخالدي، “يخت من ابن زايد لابن سلمان مقابل لوحة المخلص”، مقال منشور على الموقع الالكتروني: الرابط، تاريخ دخول الموقع: 21/06/2018.

3 “ماكرون: تدخلنا ضد احتجاز الحريري بالسعودية جنب لبنان حربا”، مقال منشور على موقع الالكتروني: الرابط، تاريخ دخول الموقع: 22/06.2018.

4 مرتضى الشاذلي، “تسريبات ابن سلمان.. هل بدأ الفصل الأخير من “صفقة القرن”، مقال منشور على الموقع الالكتروني: الرابط، تاريخ دخول الموقع: 20/06/2018.

5 زهير حمداني، “صفقة القرن من عبد الناصر إلى ابن سلمان”، مقال منشور على الموقع الالكتروني: الرابط، تاريخ دخول الموقع: 22/06/2018.

6 واشنطن بوست، “أن السعودية سبب تأزم الوضع الاقتصادي في الأردن”، ترجمة: منال حميد، مقال منشور على الموقع الالكتروني: الرابط، تاريخ دخول الموقع: 20/06/2018.

7 وفقا للتعداد الكلي لإجمالي المواطنين السعوديين من الذكور والإناث المسجلين في مركز المعلومات السعودي، فقد بلغت نسبة الفئة العمرية لهما لأقل من 30 سنة 67 في المائة من إجمالي السكان. للمزيد أنظر: جريدة الحياة، 05 نوفمبر 2014.

8 الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close