تقديرات

مصر.. إعلام الأزمة وأزمة الإعلام

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مصر.. إعلام الأزمة وأزمة الإعلام

يُعتبر ملف إدارة الأزمات من الناحية الإعلامية واحدا من أهم الملفات التي يتوجب على صانع القرار مراعاتها أثناء الأزمة، إذ أصبح للإعلام دور بارز في التعامل مع الأزمات ومواجهتها، وظهر مصطلح “الإعلام والأزمات” أو “إعلام الأزمات” باعتبارها أحد الموضوعات الرئيسية التي يتم مناقشتها عند الحديث عن الأزمة باعتباره أحد العناصر الرئيسية في احتوائها والحد من تأثيرها.1
ويمكن القول إن معالجة الأزمات إعلاميا يشمل القيام بـ”كافة الانشطة الاتصالية التي تمارس أثناء المراحل المختلفة للأزمة بغض النظر عن الوسائل والمضامين المستخدمة فيها، بما في ذلك أنشطة العلاقات العامة والأدوار الاتصالية التي تقوم بها المنظمات أثناء مراحل الأزمة، وكذلك الأنشطة الاتصالية التي تقوم بها وسائل الإعلام”2 . لكن ماذا إذا كانت الأزمة متعلقة أساسا بوسائل الإعلام التي أصبحت تفتقد بصورة تدريجية قدرتها على التأثير في الرأي العام، الأمر الذي يفقدها أهميتها التي وجدت من أجلها في الأساس في مخاطبة الجمهور وإجراء عمليات اتصالية ناجحة. ولذلك يكتسب مصطلح “الأزمة” بعدا خاصا إذا تعلق بوسائل الإعلام.
وقد شهدت الساحة الإعلامية في مصر على مدار الأشهر الماضية العديد من التطورات والأحداث المتلاحقة والمتزامنة، والتي توجت خلال الأيام الماضية بعمليات تغيير كبرى، شملت تغيير ملكية بعض وسائل الإعلام، والاستغناء عن أعداد كبيرة من العاملين، ودمج وسائل إعلام، بالإضافة إلى متغيرات أخرى شملت مجال الصحافة المكتوبة، في مؤشر على تعمق أزمة الإعلام المصري التي بدأت قبل سنوات، وأصبح بسببها يسير في طريق مجهول.
كانت أبرز تلك الأحداث استحواذ مجموعة إعلام المصريين (المملوكة لمجموعة إيغل كابيتال التي تؤكد عدة تقارير إعلامية أنها مملوكة لأجهزة أمنية وسيادية مصرية) على مجموعة قنوات سي بي سي3 ، بعد شرائها حصة حاكمة بنسبة 51% من أسهم مجموعة المستقبل القابضة للإعلام والاتصالات التي يمتلكها محمد الأمين. وهي عملية توجت عمليات الاستحواذ التي قامت بها المجموعة على وسائل إعلام أخرى، مثل مجموعة قنوات أون وشبكة قنوات الحياة وشبكة راديو النيل وقناة العاصمة، وموقع وجريدة اليوم السابع، كما تمتلك شركات أخرى تعمل في مجال العلاقات العامة والإعلانات والتسويق والإنتاج.

أولا: الإعلام في عهد السيسي

منذ الإعلان عن عزل الرئيس السابق محمد مرسي في 3 يوليو 2013، أصبح ملف الإعلام أحد أهم الملفات التي تهتم السلطات الجديدة بالسيطرة عليها وتوجيهها في خدمة سياساتها، وقد أعرب السيسي أكثر من مرة عن اهتمامه بملف الإعلام وتقديره لأهميته في تشكيل الرأي العام، كما أعرب في إحدى المرات عن حنينه لوضع الإعلام المصري في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وعن رغبته في أن تحتذي وسائل الإعلام في مصر حذو نظيرتها في ذلك العهد، أي أن تكون خادمة للسلطة ومنفذة لأوامرها.
ولذلك شهد سوق الإعلام المصري العديد من التغييرات منذ تولي السيسي منصب الرئاسة، توجت بالسيطرة شبه الكاملة على وسائل الإعلام في داخل مصر، كما اتبعت السلطات أساليب متنوعة لضمان تلك السيطرة ومعاقبة الخارجين عليها، وشملت تلك الإجراءات استهداف صحفيين عبر قتلهم واعتقالهم ومنعهم من العمل، وإغلاق مؤسسات إعلامية والقبض على مالكيها ومديريها، وحجب مئات المواقع الإلكترونية، والتشويش على وسائل الإعلام الأجنبية والعاملة في خارج مصر، واستغلال القضاء في ملاحقة الصحفيين بتهم جنائية، وغيرها من الأساليب التي تغيرت بعضها عما كان متبعا في عهد عبد الناصر، لكن بقي مضمونها واحدا. وللاطلاع على تفاصيل أكثر بخصوص التغيرات التي حدثت في المشهد الإعلامي المصري وأساليب السلطات لإحكام السيطرة عليها.

ثانيا: مظاهر الأزمة

تزامنت أنباء استحواذ مجموعة إعلام المصريين على مجموعة قنوات سي بي سي مع الاستغناء عن عشرات العاملين في قناة أون تي في، إحدى أبرز الفضائيات المصرية خلال السنوات الماضية، والتي انتقلت ملكيتها كذلك إلى “إعلام المصريين” منذ أشهر، كما سبق أن أعلنت إعلام المصريين عن إغلاق قناة “أون تي في لايف” بشكل مفاجئ في يوليو/تموز الماضي4 ، وتم الاستغناء عن قرابة نصف العاملين في شبكة قنوات الحياة بعد استحواذ مجموعة إعلام المصريين عليها.
وكانت قناة الحياة قد شهدت عدة أزمت قبل استحواذ “إعلام المصريين” عليها، إذ واجهت حكما قضائيا بالحجز على ممتلكاتها بسبب عجزها عن سداد مديونياتها لشركات الإنتاج الإعلامي، كما قطعت مدينة الإنتاج الإعلامي نفسها البث عن القناة بسبب مديونياتها، وتسببت تلك المديونيات في استقالة المذيع عماد أديب بسبب عدم تقاضيه راتبه منذ التحاقه بالقناة قبل 3 أشهر، كما استقالت المذيعة جيهان منصور، التي قالت إنه كان من المفترض أن تتولى رئاسة قناة جديدة تابعة للشبكة ناطقة بالإنجليزية، لكن تم إلغاء الفكرة بسبب تعثر القناة. كما دخل العاملون في اعتصام مفتوح قبل عدة أشهر بسبب عدم تقاضيهم أي رواتب منذ نحو عام كامل.5 وتحدث عاملون في مجال الإعلام عن إغلاق قريب لقناة “سي بي سي إكسترا نيوز” التي تعتبر إحدى أبرز القنوات الإخبارية في الوقت الراهن6 . وتشهد فضائيات أخرى خططا لتقليص النفقات وتخفيض رواتب لعاملين وإلغاء بعض البرامج وتقليص الميزانيات الممنوحة لباقي البرامج.
ثم نشرت مواقع إخبارية بما يفيد وجود أزمة داخل قناة دي إم سي أدت إلى الإطاحة برئيسها طارق إسماعيل، بسبب الفشل الذي منيت به القناة في مخاطبة المشاهدين رغم مرور عدة أشهر على إطلاقها والأموال الطائلة التي أنفقت في عمليات التجهيز والإطلاق والتشغيل، الأمر الذي أدى إلى إلغاء إطلاق قناة دي إم سي الإخبارية التي كان من المفترض أن تستهدف منافسة القنوات الإخبارية الكبرى مثل الجزيرة. 7 ومن المرجح أن تكون هذه التقارير ذات مصداقية، نظرا لوجود قرار سابق نفذ فعلا داخل الشبكة بإغلاق قناة دي إم سي سبورت الرياضية بشكل نهائي وتسريح العاملين بها.
واللافت في التطورات الأخيرة أنها شملت الاستغناء عن عدد من الإعلاميين المعروف عنهم تأييدهم المطلق للنظام بل والتحريض على معارضيه وتخوينهم، مثل المذيع تامر عبد المنعم الذي استغنت قناة العاصمة عن خدماته، وزميله بالقناة عزمي مجاهد، وتامر أمين المذيع في قناة الحياة، وزميله خالد أبو بكر، كما تم استبعاد أماني الخياط ويوسف الحسيني ومعتز عبد الفتاح، ولبنى عسل بعد إغلاق قناة أون تي في لايف.8 وهو ما يشير إلى عمق الأزمة التي يمر بها الإعلام المصري من جهة، وعدم اهتمام النظام من جهة أخرى بالاحتفاظ طويلا بوجوه إعلامية تحسب عليه، وفشل هؤلاء من جهة ثالثة في الوصول إلى المشاهدين وتحقيق التأثير المنشور عليهم.
ولم يقتصر الأمر على مجرد الاستغناء، بل امتد إلى التنكيل أيضا بمن تجرأ وأفصح عن تذمره، مثل تامر عبد المنعم الذي صدر حكم بحبسه لمدة 3 سنوات بتهمة إصدار شيك بدون رصيد بعد أيام قليلة من قيامه ببث مقطع فيديو هاجم خلاله ياسر سليم9 ، الضابط السابق ورئيس مجلس إدارة قناتي العاصمة والحياة وراديو drn ، لتتم إزالة مقطع الفيديو بعد ساعات من نشره ثم إصدار الحكم القضائي بالحبس بحق تامر عبد المنعم الذي اضطر للهرب إلى الإمارات بعد صدور الحكم10 . كما منعت لميس الحديدي المذيعة بقناة سي بي سي من الظهور على الشاشة، وتحدثت تقارير صحفية عن أن رفضها الانتقال إلى قناة أون تي في هو السبب في ذلك المنع11 . كما تعرضت لهجوم كبير في وسائل إعلام تابعة للدولة وجهت إليها عدة اتهامات. 12 لدرجة أن الصحفي والمذيع مصطفى بكري حذر في برنامجه من أن هؤلاء الإعلاميين الذين تم الاستغناء عنهم سيتحولون إلى “قنابل موقوتة” ضد الدولة، وأن هذا الأمر ليس في صالح السيسي.13
أما في مجال الصحافة المكتوبة فظهرت أزمة متعلقة بارتفاع تكلفة طباعة الصحف نتيجة ارتفاع أسعار الورق والأحبار، وعدم قدرة الصحف على تغطية تكاليف الطباعة والإصدار وصرف رواتب الصحفيين، ما نتج عنه وجود مديونية بملايين الجنيهات على تلك الصحف، الأمر الذي أدى إلى وقف إصدار صحيفة الأهالي14 وصحف حزبية أخرى، ورفع أسعار جميع الصحف الورقية بنحو 50 في المائة، ليصل سعر الصحيفة اليومية إلى 3 جنيهات بدلا من جنيهين، والأسبوعية إلى 4 بدلا من 3 جنيهات، مع تقليل عدد الصفحات الملونة وتخفيض كميات النسخ المطبوعة، على أن يبدأ العمل بالقرار خلال أيام. وهي الزيادة الثانية في عهد السيسي بعد زيادة الأسعار للمرة الأولى في مارس/ آذار 2015، وذلك رغم تراجع توزيع تلك الصحف وتفاقم خسائرها، فبعد أن كانت الصحف المصرية توزع ما يقرب من مليون نسخة عام 2010، انخفض العدد إلى رقم لا يتجاوز 300 ألف15 ، ومن المتوقع أن تفاقم زيادة أسعار الصحف من الأزمة. ويعد السبب الرئيسي وراء ارتفاع أسعار الورق ومستلزمات الطباعة إلى قرار تحرير سعر صرف الجنيه، ورفع التعرفة الجمركية، وتطبيق قانون ضريبة القيمة المضافة، ورفع أسعار الوقود، خاصة أن معظم تلك المستلزمات تأتي من الخارج.16
أما صحيفة “المصري اليوم” والتي تعد أحد أبرز الصحف الخاصة، فتواجه عدة أزمات منذ عدة أشهر، بدءا من إجبار رئيس تحريرها محمد السيد صالح على الاستقالة بسبب تغطية الصحيفة للانتخابات الرئاسية الأخيرة، كما أعفي رئيس التحرير الحالي حمدي رزق من مهام منصبه بعد تغطية الصحيفة لأزمة بناء إحدى الكنائس في محافظة المنيا، ومن المتوقع أن تستمر أزمات الصحيفة حتى يتم إجبار مالكيها على بيعها للنظام لتلحق بغيرها من وسائل الإعلام، وفقا لمراقبين.17

ثالثا: أسباب الأزمة

يمكن إرجاع الأزمة الحالية إلى عدة أسباب، هي:

1ـ أسباب سياسية

هو السبب الأهم والأكثر تأثيرا، فالسلطة الحالية تبدو مصممة على التحكم بشكل كامل في وسائل الإعلام عبر نقل ملكيتها إلى الدولة بشكل مباشر، وبالفعل استحوذت الدولة عبر شركات تابعة لها على الشبكات التلفزيونية الرئيسية، أما المرحلة الثانية فهي التي بدأت فيها الدولة بإغلاق القنوات وتقليص أعداد العاملين لتحقيق رؤيتها المتمثلة في الاكتفاء بعدد محدود من وسائل الإعلام المتحكم فيها والبعيدة عن السياسة18 . وتتسق تلك التوجهات مع ميول السيسي نفسه الذي سبق أن عبر عن تلك الرغبة حتى في مجال السياسة، عندما أعرب عن رفضه وجود عشرات الأحزاب السياسية، داعيا إلى الاكتفاء بعدد محدود منها بعد دمجها.19
ولم يكتف النظام بالسيطرة المباشرة، بل عمد إلى إصدار قوانين مقيدة للعمل الإعلامي وتسمح له بعقاب وسائل الإعلام والإعلاميين الذين قد يخرجوا عن النص، مثل قانون الجريمة الإلكترونية، الذي اعتبرته مؤسسة حرية الفكر والتعبير تقنينا للرقابة على الإنترنت، وقانون تنظيم الصحافة الجديد الذي يتضمن عقوبات بحق الصحفيين والإعلاميين، بل وحتى المواطنين الذين يمتلكون صفحات يتابعها أكثر من 5 آلاف شخص. 20 وأطلق عليه صحفيون لقب “قانون إعدام الصحافة”21 . واللافت أن القانون يتحدث في عدة مواد منه عن المواقع الإلكترونية، رغم أنه يعرف الصحفي بأنه المقيد في كشوف نقابة الصحفيين، أي يجب أن يكون عاملا في صحيفة ورقية، وهي طريقة أخرى لتوسيع نطاق المحاسبة وفي نفس الوقت نفي صفة الصحفي عن العاملين في المواقع الإلكترونية ليسهل على النظام اعتقالهم بتهم جنائية. كما أن قانون الجريمة الإلكترونية على سبيل لا يعاقب فقط من كتب المادة، بل يعاقب أيضا كل من دخل عمدا أو بغير قصد إلى موقع أو حساب محظور.22 فضلا عن حجب المئات من المواقع الإلكترونية التي وصل عددها إلى أكثر من 500 موقع.
وتمثل قرارات الحجب خيارا جيدا للسلطة، فهي تحقق المطلوب (منع الرسالة الإعلامية من الوصول إلى الجمهور) بدون الاضطرار إلى اعتقال الصحفيين أو التنكيل بهم بشكل مباشر، مع ما سيؤديه ذلك من ردود أفعال غاضبة من المنظمات الحقوقية المحلية والدولية.
وثمة جانب آخر مهم تستهدفه السلطة بعد تقليص وسائل الإعلام، يتمثل في إبعادها عن مناقشة الأمور السياسية قدر الإمكان، إذ ويبدو أن النظام أدرك حقيقة انعدام تأثير وسائل الإعلام وعدم قدرتها على إقناع المصريين بسياساته وقراراته، وقرر أنه لم يعد بحاجة إلى هذا العدد من الصحف والفضائيات في ضوء فشلها، وبالتالي لجأ إلى خطة بديلة للقضاء على أي مناقشات للأمور السياسية وإلهاء المصريين بالترفيه والرياضة. ففي الوقت الذي أعلن فيه عن إغلاق قناة أون تي في لايف، أعلن عن استبدالها بقناة رياضية أخرى (أون سبورت 2) كما أن المذيع عمرو أديب الذي يعتبر أحد كبار المؤيدين للنظام بشكل مطلق سيقدم برنامجا جديدا يتحدث عن موضوعات خفيفة لا علاقة لها بالسياسة أو بالشأن العام. وكشفت مصادر أن لميس الحديدي وضعت أمام خيارين: إما الانتقال إلى أون تي في أو الاكتفاء ببرنامج أسبوعي فني واجتماعي مسجل دون التطرق إلى السياسة23 . وكان محمود سعد قد سبق هؤلاء بتقديم برنامج اجتماعي بعد عودته للشاشة عقب منعه من الظهور لأكثر من عامين، كما يقدم إبراهيم عيسى برنامجا دينيا على قناة الحرة بعد منعه من تقديم برامج سياسية.

2ـ أسباب مهنية

أدت سيطرة الدولة على وسائل الإعلام إلى انصراف نسبة كبيرة من الجمهور عن متابعتها، فالإعلام ينشط ويجذب الجمهور عندما يتحدث عن الموضوعات الهامة والمشكلات التي يعاني منها المواطن، أما إذا قام بالتعتيم على أي مشكلات فإن المحتوى يصبح لا قيمة له، وبالتالي ينصرف المواطن عن متابعته يتجه إلى وسائل إعلام أخرى تتحدث عن الموضوعات التي تهمه. وقد شهدت السنوات الماضية –منذ ما قبل ثورة يناير- ما يمكن تسميته العصر الذهبي للإعلام، بعد أن أنشئت العشرات من وسائل الإعلام بعد ثورة يناير نتيجة اهتمام المصريين بالسياسة، وكانت وسائل الإعلام أحد أبرز اللاعبين على الساحة السياسية، كما كانت أحد العوامل الرئيسية في تأليب الرأي العام على الرئيس المعزول محمد مرسي وحشد المواطنين للتظاهر ضده في 30 يونيو 2013، وكان الإعلاميون بعد الانقلاب يذكرون السلطة عدة مرات بتلك الحقيقة في سياق استعطافها والتدليل على أهميتهم لها ودعوتهم للسلطة بعدم الاستغناء عنهم أو التنكيل بهم. لكن يبدو أن السلطة لم تعد تهتم بالاحتفاظ بخدمات هؤلاء الإعلاميين خلال المرحلة القادمة.

3ـ أسباب تكنولوجية

تتقلص شيئا فشيئا مساحة اهتمام ومتابعة الجمهور للصحف والفضائيات مع الاتجاه لمواقع التواصل الاجتماعي التي تنشر الأخبار فور حدوثها، وبالتالي لا حاجة للجمهور بشراء الصحف أو تشغيل التلفزيون لمتابعة الأخبار. وحتى في حالة الأعمال الدرامية فإنه يمكن تحميلها ومشاهدتها في أي وقت عبر الإنترنت، وهي ظاهرة عالمية لا تتعلق بالسوق المصري، وإن كانت ستستغرق وقتا أطول في مصر نتيجة الظروف الاقتصادية التي لا تسمح لأغلبية المصريين بامتلاك هواتف ذكية، وكذلك لوجود نسبة كبيرة من الأميين الذين يستمدون معرفتهم بالعالم عبر قنوات التلفزيون. لكن على المستوى العالمي اتخذت عدة صحف ومجلات قرارات بوقف نسختها المطبوعة نتيجة تراجع الطلب عليها، مثل صحيفة إندبندنت البريطانية ومجلة نيوزويك الأمريكية، بالإضافة إلى النسخة الآسيوية والأمريكية من صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية.24

رابعا: السيناريوهات

السيناريو الأول: توقف الأزمات وازدهار الإعلام

هو السيناريو التفاؤلي الذي نستبعد حدوثه، ويفيد بتخلص الإعلام المصري من أزماته وازدهاره من خلال نجاحه في تحقيق معايير المصداقية والمهنية ووجود مناخ يدعم حرية الرأي والتعبير، وتمكنه من اكتساب ثقة الجمهور، وبالتالي تحقيق مكاسب وأرباح نتيجة هذا الازدهار. لكن هذا السيناريو يتطلب وجود وسائل إعلام مستقلة، وسلطة راغبة في وجود مثل هذا الإعلام، وقوانين تشجع على إتاحة حرية الرأي والتعبير وتمنع عقاب الصحفيين والإعلاميين في قضايا النشر، لكن الوضع الحالي في مصر لا يوجد به أي من تلك العوامل.

السيناريو الثاني: انتفاضة إعلامية في وجه السلطة

يقضي هذا السيناريو بأن تواجه السلطة موجة مقاومة قوية من الصحفيين والإعلاميين، خاصة الذين تم الاستغناء عنهم خلال الموجة الأخيرة، دفاعا عن حرية الصحافة والإعلام وحريتهم في العمل. وهو سيناريو يتطلب وجود كفاءات إعلامية، ووعي إعلامي ومؤسسات إعلامية قوية تستطيع أن تكسب صف الرأي العام في مصر إلى صفها في معركتها مع السلطة. لكن هذا السيناريو مستبعد، نظرا لأن السلطة نجحت في امتلاك معظم وسائل الإعلام الرئيسية تحت ملكيتها المباشرة، واستبعدت معظم الكفاءات، وبالتالي أصبحت كلها في جانب السلطة ويديرها صحفيون وإعلاميون موالون للسلطة بالكامل، وأصبح بالإمكان فصل أي صحفي يغرد خارج السرب، كما يواجه الصحفيون ترسانة من القوانين القمعية التي تعتبر سيفا مسلطا على رقابهم في حالة وجود أي مقاومة، وحتى المواقع الإلكترونية المستقلة التي يمكن أن تقدم خطابا مختلفا قليلا عن خطاب السلطة تم حجبها عن الجمهور، ويتطلب الوصول إليها إمكانيات تقنية ووعيا معرفيا لا يتوفر لدى غالبية المستخدمين، ولا يوجد أي متنفس حاليا إلا مواقع التواصل الاجتماعي، والفضائيات الأجنبية، ووسائل الإعلام المصرية المعارضة التي تبث من الخارج.
وقد شهدت الفترة الماضية عدة أحداث لم تنشر أو تبث نهائيا في وسائل الإعلام المصرية، ولم يعرف بها إلا نسبة صغيرة من المصريين عبر وسائل إعلام أخرى، مثل خبر تدهور صحة سامي عنان رئيس أركان حرب القوات المسلحة السابق والمعتقل حاليا بعد إعلان ترشحه للرئاسة25 ، وهو خبر نشرته وكالة رويترز، وأيضا هجوم المرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي على النظام خلال مؤتمر الحركة المدنية الديمقراطية، وهو مؤتمر لم تقم بتغطيته أي وسائل إعلام مصرية، ولم تنشر عنه أي أخبار إلا في وسائل إعلام أجنبية مثل قناة الجزيرة، أو وسائل الإعلام المعارضة في تركيا، ولم يجد القائمون على المؤتمر إلا التصوير بكاميرات هواتفهم المحمولة في محاولة لإيصال صوتهم إلى الخارج. لكن الإعلام المصري بدأ في شن هجوم منسق على حمدين بعد تصريحاته تلك26 ، وهي سمة أخرى من سمات الإعلام المصري حاليا، هي أن الإعلام لا ينشر الخبر الأصلي (هجوم صباحي على النظام مثلا)، وإنما يقوم فجأة بشن حملة ضد الشخص أو الأشخاص أو الكيانات المعارضة في سيناريو موحد يتم توزيعه على وسائل الإعلام. وتمثل قضية السفير معصوم مرزوق مثالا إضافيا، فالإعلام المصري لم ينشر أي أخبار عن مبادرته الأخيرة، ولم يتحدث عن حادث إلقاء القبض عليه، وإنما بدأت وسائل الإعلام –بعد القبض عليه- في حملة هجوم عليه واتهامه بالعمالة والخيانة.
والجدير بالذكر أن القائمين على وسائل الإعلام يتحملون جانبا كبيرا من المسؤولية عما آلت إليه أوضاعهم الحالية، فقد جعلوا من أنفسهم ووسائل إعلامهم في خدمة السلطة وداعمين لها في كل الإجراءات التي قامت بها منذ الانقلاب وحتى اليوم، وكان لهم دور كبير في التحريض ضد خصوم النظام والدعوة لقتلهم والتنكيل بهم، بدءا من الإخوان وانتهاء بكافة التيارات والشخصيات والكيانات المعارضة، لكن مع توالي إخفاقات النظام وتردي الأوضاع الاقتصادية، لم يعد الخطاب الإعلامي المؤيد للسلطة والمبرر لأفعالها يقنع الجمهور، بل وأصبح في بعض الأوقات مثيرا للغضب والسخرية، وأصبحت وسائل الإعلام الأجنبية والمعارضة تعتمد على المادة التي يبثها أو ينشرها الإعلام المصري في صناعة تقارير وفقرات وبرامج كاملة مخصصة للسخرية منها، الأمر الذي أدرك معه النظام أن الإعلام أصبح عبئا عليه 27، سواء من ناحية الأموال المخصصة للإنفاق على تلك الوسائل، أو الضرر الذي يلحق بصورة النظام جراء ممارسات هؤلاء الإعلاميين، وبالتالي قرر التضحية بهم والاستعانة بوجوه جديدة للمرحلة القادمة.

السيناريو الثالث: استمرار الأزمة

يفيد هذا السيناريو باستمرار الأزمات التي تضرب الإعلام المصري وتعمقها، وهو السيناريو المرجح في الوقت الراهن لعدة أسباب:
أولا: عدم وجود أي رغبة من السلطة في التخلي عن امتلاك وسائل الإعلام بشكل كامل والإشراف المباشر على عملها، بل يسير النظام وفق خطة ممنهجة للاستحواذ على باقي وسائل الإعلام ودمجها، وبالتالي من المتوقع استمرار موجة الاستغناء عن عدد كبير من العاملين ودمج وسائل إعلام أخرى خلال الفترة المقبلة. ومن المتوقع أن يقتصر الأمر في النهاية على شبكتين رئيسيتين: الأولى “أون تي في” وغيرها من القنوات التي يمتلكها جهاز المخابرات العامة، وهي التي ستركز على مجال الرياضة وبرامج التوك شو، والثانية شبكة دي إم سي في مجال الأخبار، والمدعومة بقوة من السلطة28 ، وهي مملوكة لجهاز الاستخبارات الحربية، وبالتالي يمكن القول إن الوصول إلى تلك الحالة هو الهدف الرئيسي للنظام أصلا.
ثانيا: تشابه محتوى جميع وسائل الإعلام إلى حد التطابق، وعدم وجود أي خطاب نقدي أو تناول للقضايا الحقيقية التي تهم المواطن المصري، وبالتالي سيستمر انصراف الجمهور عن متابعة الإعلام المصري، والاعتماد على مصادر معلومات أخرى تقدم خطابا نقديا للسلطة مثل وسائل الإعلام المصرية التي تبث من الخارج، لأنها تقدم صوتا آخر ونبرة مختلفة عن مثيلاتها داخل مصر. وعلى الرغم من أن وسائل الإعلام تلك تمثل عادة ردة فعل على سياسات النظام إلا أنها تتمتع بميزة باعتبارها آخر من يعلق على تلك السياسات، وبما أن النظام لا يتفاعل مع الإعلام الخارجي لأنه يعتبرها عميلة وخائنة، فإن ذلك الخطاب من المتوقع أن يجد صدى لدى المواطنين الذين يسمعون ذلك الخطاب ولا يسمعون رد النظام عليه، كما أنهم يجدون لهذا الخطاب شواهد يعانون منها على أرض الواقع، ما يعزز من مصداقيته على الرغم من العيوب التي يعاني منها ذلك الخطاب.
ثالثا: التنكيل المستمر بالصحفيين، وحبس العشرات منهم إما بتهم تتعلق بحرية التعبير، أو بتهم جنائية، بالإضافة إلى حجب المواقع الإلكترونية، وهو ما سيجعل الصحفيين والإعلاميين أمام 3 خيارات: إما الانصياع الكامل لرغبات السلطة، أو الهروب إلى الخارج للعمل في وسائل إعلام أجنبية، أو اعتزال العمل الإعلامي نهائيا والالتحاق بمهن أخرى، وهي خيارات تصب كلها في صالح النظام، ولا تصب في صالح الإعلام المصري الذي سيشهد نزيفا في الكفاءات وسيؤدي إلى انحدار مستواه أكثر.
رابعا: ارتفاع أسعار السلع والخدمات في مصر، وانخفاض مستوى معيشة قطاع عريض من المصريين جراء ذلك، الأمر الذي سيؤدي إلى عزوف المصريين عن شراء الصحف، خاصة مع قرار رفع سعرها الأخير.

خاتمة:

من واقع ما تم به الباحث من رصد وتحليل، يمكن القول إن من أبرز ملامح الفترة القادمة في مجال الإعلام: موجة دمج جديدة لعدد من وسائل الإعلام، الاستمرار في تسريح المئات من العاملين، استمرار انخفاض أرقام توزيع الصحف، إغلاق عدد من الصحف أو تحولها إلى مواقع إلكترونية فقط، مع تخفيض رواتب العاملين أو تسريح بعضهم، زيادة اعتماد المصريين على مواقع التواصل الاجتماعي، ووسائل الإعلام الأجنبية، ووسائل الإعلام المصرية التي تبث من الخارج في معرفة الأخبار. وقد كشف تقرير لشركة “إبسوس” لأبحاث المشاهدة قبل أكثر من عام عن تحول المصريين لفضائيات إخبارية غير مصرية، واحتلت قناة “الشرق” الفضائية المعارضة المركز الرابع بين القنوات الإخبارية الأكثر مشاهدة.29
وكذلك تأثر قطاعات أخرى مرتبطة بسوق الإعلام، مثل المطابع وموزعي الصحف وبائعيها.30 ، وتزايد الضغوط على ملاك وسائل الإعلام الأخرى لإجبارها على بيعها للدولة، خاصة صحيفة المصري اليوم الخاصة، وكذلك فضائيات أخرى مثل دريم، التي أعلن مالكها رجل الأعمال أحمد بهجت عن نيته الدخول فيما سماها “شراكة” مع الدولة31 ، مبررا ذلك بأنها رغبة الدولة نفسها (32 ).


الهامش

1  منى الحديد، “الإعلام ومواجهة الأزمات”، الإعلام والمجتمع العربي، 17 فبراير 2018.

2  هويدا مصطفى، “دور الإعلام قبل وأثناء وبعد الأزمات والصراعات المسلحة”، الإعلام والمجتمع العربي، 17 فبراير 2018.

3  رسمياً.. “إعلام المصريين” تستحوذ على مجموعة قنوات الـ”CBC ” (بيان).

4 ماذا في كواليس إغلاق قناة “أون تي في” الإخبارية بمصر؟ https://goo.gl/vX7yYJ

5  أزمات مالية تضرب القنوات المصرية.. وقف رواتب وتسريح للعمالة. https://goo.gl/T7x7DL

6  ما السر وراء إغلاق قنوات إخبارية يديرها نظام السيسي؟ https://goo.gl/CfZkVs

7  مصادر: إعفاء طارق إسماعيل من رئاسة «دي إم سي» والتراجع عن إطلاق قناة «دي إم سي نيوز».

8  السيسي يطيح بمؤيديه من الإعلاميين ويحلم بزمن “إعلام ناصر “.

9  تامر عبدالمنعم يكشف اسرار لأول مرة تتعلق بقناة العاصمة وايقاف برنامجه.

10  بعد تأكيد الحكم بحبسه.. تامر عبدالمنعم يوجه رسالة إلى «الشامتين»

11  مصادر: رفض الانتقال إلى «أون» وراء غياب لميس عن «هنا العاصمة».. والبديل منعها من «الهواء».

12  اعتزال لميس الحديدى (١-٢)

13  رابط.

14  نقيب الصحفيين يكشف تفاصيل أزمة وقف صحيفة “الأهالي ” .

15    رفع أسعار الصحف بمصر.. هل هو مسمار بنعش الصحف القومية؟

16 مصر تتجه لرفع أسعار الصحف القومية

17  سليم عزوز، الحساب الرسمي

18  المرحلة الثانية من إعادة هيكلة “إعلام السيسي”… وداعاً للسياسة. https://goo.gl/FZH2aJ

19  يبدو أن ثقافة “الاستحواذ” لا تقتصر فقط على مجال الإعلام، بل تمتد أيضا إلى كافة جوانب الحياة في مصر. على سبيل المثال، استحوذ جهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة على 95% من أسهم شركة “حديد المصريين” التي تسيطر على 22% من إنتاج الحديد بمصر. كما استحوذ الجهاز أيضا على مصنعين للصلب في مايو/أيار الماضي، ليصبح بذلك متحكما في 50% من سوق الحديد في مصر، فضلا عن عشرات المجالات الاقتصادية الأخرى، وبذلك لا تنفصل التطورات الأخيرة في مجال الإعلام عن سياسة النظام في المجالات الأخرى . للمزيد انظر: جيش مصر يستحوذ على 3 مصانع حديد ويوسع قبضته الاقتصادية .

20  ترسانة القوانين تقمع ما يُحزن السيسي.

21  السيسي يكتب شهادة وفاة الصحافة المصرية بعد اغتيالها.
http://www.noonpost.org/content/24673

22  مصر.. مدير مركز حقوقي ينتقد قانون تنظيم الصحافة والإعلام. https://goo.gl/aPgxwG

23  مصادر: رفض الانتقال إلى «أون» وراء غياب لميس عن «هنا العاصمة».. والبديل منعها من «الهواء».
https://goo.gl/9gkuj2

24  رفع أسعار الصحف الورقية بمصر “دواء مر” لصناعة “في مهب الريح “

25 Egypt’s ex-military chief of staff Sami Anan in ‘critical’ condition: sources .

26  كلمة صباحي في مؤتمر الحركة المدنية تحرك البلاغات ووسائل الإعلام ضده

27    القفز من مركب السيسي إلى مركب آل الشيخ.

28  مصادر: رفض الانتقال إلى «أون» وراء غياب لميس عن «هنا العاصمة».. والبديل منعها من «الهواء».

29  السيسي يهمش أذرعه الإعلامية.. هل يتحولون للمعارضة؟ https://goo.gl/jN8GNo

30  مصر تتجه لرفع أسعار الصحف القومية.

31  الدولة لا تريد إعلامًا خارج السرب .

32 الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *