fbpx
قلم وميدان

مصر بين صندوقين الانتخابات والذخيرة

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مع إقتراب انتخابات الرئاسة القادمة في 2018، يبدو أن سؤالاً رئيسياً يجب ان نبحث له عن إجابة قبل الخوض في اي تفاصيل اخرى تتعلق بالانتخابات القادمة وهو مدى إمكانية إنتصار صناديق الإنتخاب على صناديق الذخيرة بمعنى آخر أكثر وضوحاً هل يمكن من خلال الإنتخابات، إزاحة الجيش من السلطة والإنتقال إلى حكومة مدنية منتخبة تتمتع بالسلطة الكافية لتشريع السياسات، وليس فقط مجرد الانتقال إلى حكومة تمثل واجهة مدنية للجيش في السلطة وهو ما لا يمكن اعتباره تغييراً يذكر عن واقع وجود الجيش في السلطة بشكل مباشر.

التجربة من تشيلي:

تُمثل تجارب الشعوب لإسقاط الديكتاتوريات ومقاومة الإستبداد مادة ثرية للاستفادة ولإكتساب الخبرات وتلمُس الشعوب التي لا تزال تحت وطأة حكم سلطوي لطريق الحرية، ويبقى التعامل مع ملامح هذه التجارب من الاهمية بمكان مع الأخذ في الاعتبار عدم التعامل معها بمنهجية تجعل من مسارات تلك التجارب قواعد ثابتة، فلكل تجربة سياقاتها الزمانية والمكانية وظروفها المختلفة وخصوصيتها وتفاصيلها الدقيقة، مع الانتباه أيضاً إلى خطورة التعامل مع تجارب بعينها دون الإلتفات إلى تجارب أخرى في نفس السياق وهو ما يشكل احيانا تبني رؤية او تقديم حلول ذات بعد واحد .

وتأتي التجربة التشيلية في مقدمة تجارب التحول الديمقراطي التي شهدتها أميركا الجنوبية في ثمانينيات القرن الماضي وربما تتميز عن نظيرتها باحتكامها إلى صناديق الانتخاب في طريقها إلى اسقاط رأس السلطة المستبدة الجنرال “أوجستو بينوشيه”، قدمت التجربة التشيلية بارقة أمل عن جدوى الفعل السياسي في إسقاط الديكتاتوريات إلا أن التجربة تحتاج إلى فهم الظروف والخطوات التي سبقت الإطاحة بالجنرال “بينوشيه” عبر صناديق الإنتخاب ومن ثم إستنتاج إمكانية تكرارها في الحالة المصرية أم لا.

ولم يأت الإحتكام إلى صناديق الانتخاب في التجربة التشيلية دون أن تسبقه خطوات ضرورية للوصول إلى لحظة المشاركة في الاستفتاء على حكم الجنرال بينوشيه، كان أبرز تلك الخطوات خطوتين رئيسيتين: توحد المعارضة في جبهتين رئيسيتين، واحتجاجات واسعة والضغط من اجل إصلاحات سياسية .

وصاحب تلك الخطوتين ضغوط خارجية وسخط عالمي من انتهاكات بينوشيه. في ظل هذه الأجواء وصلت جهود المعارضة إلى الحلقة الأخيرة وهي الضغط من أجل المطالبة بإجراء استفتاء على تجديد مدة حكم بينوشيه والتي انتهت بهزيمة بينوشيه وإقصائه من رأس السلطة .

يبدو من هذا التسلسل في الخطوات أمرين هامين لابد من اخذهما في الاعتبار عند الحديث عن التجربة التشيلية ومحاولة اسقاطها على الحالة المصرية الراهنة :

الاول: ان إحتكام المعارضة إلى صناديق الإنتخاب لم تكن الخطوة الأولى بل جاءت كحلقة أخيرة من سلسلة مجهودات سبقتها من تحالفات وقدرة على فعل سياسي واحتجاجات ومطالبات بإصلاحات .

الثاني: أن المجتمع الدولي والولايات المتحدة مارستا في سنوات بينوشيه الأخيرة ضغوطاً حقيقية عليه ساهمت في إرغامه مع الضغوط الداخلية على إجراء بعض الاصلاحات وانتهت بقبوله بإجراء استفتاء على تجديد مدة حكمه .

إن البيئة التي توفرت أثتاء الاحتكام لصناديق الانتخاب تختلف بشكل كبير عن البيئة الحالية في الواقع المصري فلا توجد ثمة معارضة موحدة يصاحبها إحتجاجات واسعة مع غياب ضغوط دولية حقيقية على إنتهاكات وممارسات النظام المصري، وهو ما يصعب معه تصور تكرارر لنموذج التجربة التشيلية في الحالة المصرية، على اقل تقدير في الوقت الحالي.

الرهان على توحد قوى الثورة والمعارضة

إن الحديث عن قوى الثورة والمعارضة لا يشمل تلك النخب السياسية والثقافية التي انساقت وانحدرت مع الإستبداد والسلطوية فالرهان على تلك النخب أصبح لا يُمثل قيمة كبيرة وقد تجاوزهم الواقع والزمان، من الناحية الأخرى يتبقى قطاع من النخب السياسية والثقافية التي تمثل الثورة والمعارضة، لا يزال يقاوم الإستبداد والسلطوية وان كانت مقاومته لا تتعدى مرحلة النقد وفقط، فهو لا يمتلك مشروع مقاومة واضح الملامح لمواجهة نظام سلطوي ولا يُقدم أيضا رؤية متكاملة عن الفترة التي تعقب الإطاحة بالنظام الحالي، فضلاً عن أن توحد تلك المعارضة من اليمين إلى اليسار تحت مظلة جامعة يبدو أمراً بعيداً عن الواقع في ظل اخفاقات وجراحات ما بعد ثورة يناير وفي نفس الوقت لا نستطيع أن نغفل أن هذا القطاع فقد الكثير من قدراته وامكانياته بسبب تواجد جزء كبير منه خارج البلاد.

يبدو هنا أن الرهان على توحد قوى الثورة والمعارضة وامتلاكها فاعلية وقدرة على الفعل السياسي في ظل الأوضاع الحالية أمراً يبدو صعباً، والفرضية التي تبدو مقنعة لي، أنه ليست العبرة في توحد واجتماع قوى الثورة والمعارضة في جبهة واحدة، ولكن العبرة في فاعلية وقوة تلك الجبهة وقدرتها في جذب قطاعات شعبية تلتف حولها وقدرتها في الضغط على النظام.

الزمن كجزء من الحل

ربما يراهن البعض نتيجة غياب الظروف الملائمة لإحداث تغيير في مصر، على أنه لا حلول للأزمة المصرية في الوقت الحالي وأن عامل الزمن كفيل بإحداث تغيير ما ننتظره ولا نعرف على وجه الدقة ملامحه وربما هذا الرهان يعتمد على أن نماذج كثيرة لأنظمة سلطوية، قد تهاوت وسقطت بسبب أحداث مفاجئة تبدو في ظاهرها بسيطة للغاية ولكنها تصبح وقود لغضب عارم يقضي على تلك الأنظمة، لكن يغيب عن هذا التصور أن هذه الأنظمة المستبدة عادة ما تستمر في السلطة لعقود طويلة تحدث خلالها تشوهات حادة في مؤسسات الدولة فضلاً عن حالة الخلل والإضطراب “الإجتماعي” الذي يضرب بجذوره في عمق المجتمعات المحكومة بمثل تلك الأنظمة.

الواقع أن الزمن ليس جزء من حل المشكلة بل على العكس تماما يبدو عامل الزمن في صالح تثبيت دعائم الأنظمة الإستبدادية وعلى الرغم من أن إخفاقات تلك الأنظمة تظهر بوضوح أكثر على المستوى السياسي والاقتصادي مع مرور الزمن إلا أن قوة القبضة الأمنية التي تتزايد وتتوحش مع الزمن تعرقل وتزيد من صعوبة أي عمليات تغيير محتملة، وهو ما يدفعنا للاعتقاد بأن تكلفة سقوط تلك الأنظمة يتناسب طرديا مع فترة الحكم التي تقطعها وتسمح فيها بترسيخ لأجهزتها القمعية والآتها الإعلامية، بمعنى أدق إن التكلفة تزداد كلما زادت مدة بقاء تلك الانظمة في السلطة.

من أين نبدأ؟

هل البحث عن الحلول الجزئية أم علاج أصل الأزمة؟

يمثل هذا التساؤل المفتاح الرئيس في بداية التعامل مع الأزمة المصرية بواقعية، وقبل الإستغراق في طرح مقاربات لحلول جزئية سيكون من المفيد فهم أن تلك الحلول لن تُغير من واقع الأزمة الحالية مادامت هناك سلطة مستبدة لا تأخذ في اعتبارها أي احترام لسيادة القانون والدستور ولا تعي فقط إلا قوة التضييق والقمع والملاحقات الأمنية في إطار من الفساد الذي يحكم علاقتها الداخلية والخارجية، ويبدو أن الافضل والأجدى هنا هو توجيه الجهود إلى معالجة أصل الأزمة وهي إقصاء النظام والجيش من السلطة.

الحديث عن إقصاء قوة إستبدادية تمتلك كل أدوات القمع لمعارضيها لن يأتي إلا من خلال قوة تواجهها، هذه القوة قد تختلف أشكالها وأحجامها باختلاف سياق كل تجربة الزماني والمكاني، ربما تكون هذه القوة هي قوة الحشد الجماهيري في وقت من الأوقات أو ربما تكون قوة السلاح أو قوة العملية الإنتخابية وصناديق الإنتخاب أو قوة جماعات الضغط ومنظمات المجتمع المدني، أو ربما بعض هذه القوة مجتمعة بإختلاف أوزانها النسبية لكن تبقى في النهاية إلزامية وجود قوة تقف أمام قوة الاستبداد وتعرقل استمرارها إلى أن تصل إلى المرحلة التي تستطيع ان تقصيها من السلطة.

خارج الصندوق

ربما يكون الشكل الأكثر ملاءمة للحالة المصرية في الوقت الحالي هو ظهور حركة نضال مجتمعية لا تتخذ شكل سياسي أو حزبي وتتسم بشكل جديد يغاير الصورة التقليدية للحركات المجتمعية، تدفع في اتجاه مناصرة وترسيخ لمباديء وقيم وتبلور أنماط مختلفة من الاحتجاج، ويمكن أن يمثل اقتراب انتخابات 2018 فرصة سانحة لإستغلال هوامش الحريات التي سيضطر إليها النظام تزامناً مع الإهتمام الإقليمي والدولي بأحداث ونتائج الإنتخابات. ولكي تكون هذه الحركة فاعلة لابد أن تتبنى فكرة وقضية واضحة، وتحدد خصمها الذي ستواجهه دون مواربة أو مهادنة، وتسعى من خلال خطابها إلى جذب أكبر عدد من المشاركين مع تنوع أطيافهم المجتمعية، واختلاف أيديولوجياتهم وأن يقدم خطابها طرحاً للمستقبل يخلو من المنافسة الإنتخابية والحزبية ويعرض كيفية إدارة البلاد بعد إقصاء النظام الحالي، مع الأخذ في الإعتبار أن هذا الطريق طويل ومضني ولا يصل إلى نتائج سريعة قبل أن تصبح هذه الحركة قوة حقيقية تستطيع مواجهة النظام. (1)

———————

الهامش

(1) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

 

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. التحليل الموضوعى والرصين قد يكون صادما ومؤلما ولكنه يقينا مفيد فى تلمس المسار الصحيح للتحرك والخروج من دائرة الوهم والأمانى الكاذبه الى دائرة الوعى الصحيح بإستراتيجيات التحرك وآليات المواجهه – المقال حقيقة يثير التفكير لأنه يضع أمامك التجارب الدوليه ليصل بك الى خصوصية الوضع المصرى الذى يتطلب تفصيل مسار محدد برؤيه واضحه وآليات عمل تتناسب معها — البحث فى مجمله يدعو الى التفكير والمجال مفتوح للإضافه والتعديل — تحياتى للباحث وللمعهدالمصرى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close