تقارير

نظرية الاعتماد على وسائل الإعلام: الأسس والمنطلقات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 قدم كل من “ديفلير وروكيتش” Defleur & Ball Rokeach نموذج الاعتماد على وسائل الإعلام (Dependency Model of Mass Communication or Media Dependency ) لأول مرة عام (1976) ( 1)، ويمكن تناول النظرية عبر العديد من المحاور الأساسية:

أولاً: أهمية النظرية/ النموذج:

ويعد هذا النموذج من أبرز التحولات في مجال بحوث التأثير وضع ملامح محدده لبناء نظريات الإعلام التي تقدم نظرة شاملة لدور وسائل الإعلام في إطار ما يسمى بالنظريات المتكاملة Integrated Theories وذلك للأسباب التالية (2 ):

  • تتضمن نظرية “الاعتماد على وسائل الإعلام” بعض العناصر من علم الاجتماع Sociology وبعض المفاهيم من علم النفس.
  • تفسر نظرية الاعتماد على وسائل الإعلام العلاقات السببية بين الأنظمة المختلفة في المجتمع مما يؤدى لتكامل هذه الأنظمة مع بعضها البعض.
  • تجمع نظرية الاعتماد على وسائل الإعلام بين العناصر الرئيسية لنموذج “الاستخدامات والإشباعات” من جانب ونظريات التأثير التقليدية من جانب آخر.. وذلك على الرغم من أن محور اهتمامها لا ينصب على معرفة تأثيرات وسائل الإعلام في حد ذاتها بقدر ما يهدف لتفسير لماذا تتراوح تأثيرات هذه الوسائل بين القوة والمباشرة أحيانا والضعف وغير المباشرة أحيانا أخرى.
  • تقدم هذه النظرية نظرة فلسفية تجمع بين الاهتمامات التقليدية بمضمون الرسائل الإعلامية والتأثيرات التي تصيب الجمهور نتيجة التعرض لهذا المضمون.

وتعتبر نظرية “الاعتماد على وسائل الإعلام” في مجملها نظرية بيئية حيث تركز على العلاقات القائمة بين الأنظمة المختلفة بالمجتمع الواحد انطلاقًا من قاعدة أن المجتمع عبارة عن تركيب عضوي متعدد الأنظمة ما بين “أنظمة صغيرة وأخرى كبيرة” تترابط وتتفاعل سويا في علاقات متبادلة ومن بينها علاقة وسائل الإعلام بالأفراد والجماعات والمنظمات والنظم الاجتماعية ( 3).
وهكذا يشكل منظور اعتماد الفرد على وسائل الإعلام جزءا من نظرية الاعتماد المتبادل بين وسائل الإعلام والنظم الاجتماعية والذي يشكل بدور علاقات الجمهور مع وسائل الإعلام داخل المجتمع (4 ).

ثانياً: النظرية وأهداف وسائل الإعلام:

ويقوم نموذج أو نظرية الاعتماد على وسائل الإعلام على ركيزتين أساسيتين هما الأهداف والمصادر (5 )، حيث أنه لكي يحقق الأفراد والجماعات والمنظمات المختلفة أهدافهم الشخصية والاجتماعية فإن عليهم الاعتماد على موارد يسيطر عليها أشخاص أو جماعات أو منظمات أخرى والعكس صحيح ويرى كل من “ديفلير وروكيتش” أن الأهداف التي يسعى الأفراد إلى تحقيقها هي (6 ):

  • الفهم Understand social world ، ويقصد به معرفة الذات من خلال التعلم والحصول على الخبرات وذلك بالاحتكاك المباشر بالنظام الاجتماعي وكذلك الفهم الاجتماعي للبيئة المحيطة ومحاولة تفسيرها.
  • التوجيه والإرشاد Act Meaning Fully &_ Effectively ، وتعنى التفاعل بين الأفراد في المجتمع بما يضمنه من توجيه ذاتي باتجاه القرارات المناسبة مثلا أو المشاركة السياسية، وكذلك التوجيه الجماعي التفاعلي كما في كيفية التعامل مع المواقف الجديدة أو الطارئة
  • التسلية والهروب Fantasy & Escape ، ويعنى هنا بالتسلية المعنى السلبي أو ما يطلق عليه التسلية المنعزلة مثل التماس الراحة والاسترخاء، بينما يقصد بالهروب التسلية الاجتماعية وذلك بالتعامل المكثف مع وسائل الإعلام بالذهاب للسينما برفقة الأصدقاء أو مشاهدة التليفزيون برفقة الأسرة.
  • توفير المعلومات: فوسائل الإعلام عبارة عن نظام معلومات يسعى إليه الأفراد من أجل بلوغ أهدافهم، وتتحكم وسائل الإعلام في ثلاثة أنواع من مصادر المعلومات هي: تجميع المعلومات عن طريق المندوبين والمراسلين المكلفين بذلك. وتنسيق المعلومات؛ أي تنقيح ما تم تجميعه من معلومات لكي تخرج بالصورة المناسبة، ونشر المعلومات عن طريق توزيع ما سبق تجميعه وتنسيقه من معلومات إلى عدد غير محدود من الجمهور (7 ).

ثالثاً: فروض نظرية الاعتماد على وسائل الإعلام: ـ

تقوم هذه النظرية على عدد من الافتراضات هي (8 ):

  • تختلف المجتمعات وفقا لدرجة استقرارها وكلما زادت حالات الاضطراب وعدم الاستقرار في مجتمع ما كلما زاد اعتماد أفراد المجتمع على وسائل الإعلام.
  • كلما كان النظام الإعلامي القائم في مجتمع ما قادرا على تحقيق أهداف الجمهور في هذا المجتمع وإشباع احتياجاته كلما زاد اعتماد الجمهور على وسائل الإعلام.
  • تختلف درجة الاعتماد على وسائل الإعلام بين الجمهور وفقا لظروفهم وخصائصهم وأهدافهم.

رابعاً: تأثيرات وسائل الإعلام:

(1) التأثيرات المعرفية: ـCognitive Effects

وتشتمل الآثار المعرفية لوسائل الإعلام وفقا لنظرية الاعتماد على وسائل الإعلام ما يلي:

  • الغموضAmbiguity ، حيث يصادف الشخص مشكلة الغموض هذه في حال نقص المعلومات المتاحة لدى الجمهور مما يدفعه للجوء إلى وسائل الإعلام المختلفة لإزالة هذا الغموض ولاسيما في أوقات الأزمات أو الكوارث والحروب والثورات.
  • تكوين الاتجاهات Attitude Formation ، حيث تقوم وسائل الإعلام بدورها في عملية تشكيل اتجاهات الأفراد تجاه الموضوعات والقضايا المختلفة وذلك من خلال دفعها بالعديد من الآراء والأفكار والشخصيات التي تثير اهتمام المتلقي وخاصة في الأحوال الاستثنائية أوقات الحروب والاضطرابات
  • ترتيب الأولويات Agenda Setting ، وذلك من خلال دور وسائل الإعلام في ترتيب اهتمامات جمهور المتلقين من بين ما تثيره من موضوعات وأفكار بحسب ترتيب الوسائل ذاتها لهذه الموضوعات.
  • اتساع المعتقدات (Enlargement Ideas )، وذلك بالتأثير على نظم معتقدات الأفراد بزيادتها إما من خلال زيادة الفئات التي تنضم لهذه المعتقدات وتقوم بتنظيمها في إطار محدد أو من خلال زيادة المعتقدات في كل فئة.
  • القيم Values ، وهي مجموعة القيم والمبادئ التي يشترك فيها أفراد جماعه ما يرغبون في ترويجها والحفاظ عليها كقيم التسامح والمساواة وتقوم وسائل الإعلام بدور كبير في توضيح أهمية هذه القيم.

(2) التأثيرات الوجدانية: Affective Effects

وهي التأثيرات المتعلقة بالمشاعر والأحاسيس من الحب والكراهية وغيرها، حيث تلعب وسائل الإعلام دورا كبيرا في التأثير الوجداني والعاطفي من خلال هذه التأثيرات (9 ):

  • الفتور العاطفيDesensitization ، ويشير هذا النوع من التأثير إلى احتمالية حدوث نوع من الفتور العاطفي نتيجة التعرض المفرط لموضوعات ومشاهد العنف في المحتوى الإعلامي مما قد ينتج عنه نوع من الفتور وعدم الرغبة في مساعدة الآخرين، وإن كان علماء الاجتماع لم يبدوا اهتمام بتأثيرات العنف على مشاعر المتلقين للوسائل الإعلامية حيث يرى بعض هؤلاء العلماء أن تأثير التعرض لمشاهد العنف يتناقص بمرور الوقت (10 ).
  • الخوف والقلق Fear and Anxiety ، حيث أن تعرض الأفراد لما تقدمه وسائل الإعلام من مواد تثير الخوف والرعب ومشاعر القلق تنعكس على المتلقين نتيجة الخوف من الوقوع كضحايا لأعمال مماثله لما يشاهدونه من أحداث
  • الدعم المعنوي والاغتراب Morale and Alienation ، ويحدث هذا التأثير نتيجة الرسائل الإعلامية والمعلومات ذات التأثير المباشر على معنويات الأفراد ومستوى الأخلاق لديهم، فالمجتمعات التي تقوم فيها وسائل الإعلام بأدوار اتصاليه لرفع الحالة المعنوية لدى الشعور الجمعي والتوحيد والاندماج ولاسيما إذا ما كانت هذه الوسائل تعكس الفئات الاجتماعية التي ينتمي إليها المتلقي، ويزداد اغتراب الفرد حينما لا يجد معلومات معبره عن نفسه وثقافته وانتماءاته العرقية والدينية والسياسية من خلال وسائل الإعلام (11 ).

(3) التأثيرات السلوكية: Behavioral Effects

من أهم التأثيرات السلوكية لوسائل الإعلام الفعل أو فقدان الرغبة في هذا الفعل وهذان التأثيران هما نتيجة مباشرة للتأثيرات المعرفية والوجدانية، وتنقسم التأثيرات السلوكية بحسب نموذج الاعتماد إلى: (التنشيط Activation ، وهو يعنى قيام الفرد بعمل ما نتيجة التعرض للوسيلة الإعلامية وهو المنتج النهائي لربط الآثار المعرفية والوجدانية وقد يكون التنشيط عمل مفيد اجتماعيا كما في الإقلاع عن التدخين، المشاركة السياسية، أو ضار اجتماعيًا كما في محاكاة السلوكيات السيئة كالعنف والجريمة)(12 )، (الخمول Deactivation ، والخمول هو تجنب القيام بالفعل وقد يحدث هذا التأثير نتيجة تغطية إعلامية مبالغ فيها بما ينعكس على السلوك الشخصي للمتلقي مثل العزوف عن المشاركة السياسية، أو الابتعاد عن الأنشطة المجتمعية ).

خامساً: تقييم النظرية:

(1) مميزات نظرية الاعتماد على وسائل الإعلام كمدخل نظري:

  • تقدم نظرية الاعتماد نموذجا مفتوحا يشمل العديد من التأثيرات المحتملة مع تجنب النماذج الداعمة لعدم وجود تأثيرات لوسائل الإعلام، مما دعا البعض إلى تسميتها بالنموذج العارض في بعض الأحيان Contingency Model (13 ).
  • يهتم النموذج بالحالات البنائية والظروف التاريخية أكثر من المتغيرات الفردية ولذلك تعد نظرية الاعتماد من أفضل النماذج الاتصالية والأكثر ملائمة للتعامل مع النظام الاجتماعي والأسئلة النفسية (14 ).
  • يؤكد نموذج نظرية الاعتماد على وسائل الإعلام على حقيقة هامة مفادها: أن التأثير الواقع على الجمهور المتلقي من قبل وسائل الإعلام من شأنه أن يؤثر على النظام الاجتماعي بأكمله وكذلك على النظام الإعلامي ذاته في مرحلة تالية ( 15).

(2) أوجه النقد الموجهة لنظرية الاعتماد على وسائل الإعلام:
حيث يكمن ضعف هذه النظرية في مبالغتها في تقييم اعتماد الأفراد على وسائل الإعلام الجماهيري، وإغفالها لدور وسائل الاتصال الشخصي رغم أهميته في التأثير على معارف واتجاهات الأفراد (16 ).
ورغم منطقية هذه الانتقادات إلا أن الردود عليها بدت أكثر منطقية، فالنظرية تقدم تفسيرا لذلك، حيث أن هناك زيادة في الاعتماد على وسائل الإعلام إبان الأزمات والكوارث وظروف القلق وعدم الاستقرار، وقد أثبتت البحوث والدراسات ذات الصلة تحقق هذه الفرضية، كما يحسب لأصحاب النظرية الوعي بأهمية التفرقة بين استخدامات وسائل الإعلام وبين الاعتماد عليها كمصادر للمعلومات ( 17).


الهامش

1 (17) سلوى محمد العوادلي، “صورة الولايات المتحدة الأمريكية لدى الشباب الجامعي بعد أحداث 11 سبتمبر: دراسة ميدانية على عينة من طلاب جامعة القاهرة ” ، المجلة المصرية لبحوث الإعلام، (القاهرة: كلية الإعلام، جامعة القاهرة، العدد الرابع عشر، يناير ـ مارس 2002، ص ص 139، 711)، ص 143.

2 (18) أماني السيد فهمي، “الاتجاهات العالمية الحديثة لنظريات التأثير في الراديو والتليفزيون “، المجلة المصرية لبحوث الإعلام، (القاهرة، كلية الإعلام، جامعة القاهرة، العدد السادس، أكتوبر ـ ديسمبر، 1999، ص ص 207 ـ245)، ص ص 228 ـ229.

3Loges . W. E. “Canaries in The Coal Mire ، Perception of Threat and Media system Dependency Relations” ، in Communication Research ، (Vol. 21 ، 75.1 ، 1994) p.6.

4 (20) نائلة إبراهيم عمارة “دور وسائل الإعلام في تشكيل معارف واتجاهات الجمهور المصري نحو الانتخابات الرئاسية في مصر ديسمبر 2005، في أعمال المؤتمر العلمي السنوي الثاني عشر بكلية الإعلام، (القاهرة: كلية الإعلام، جامعة القاهرة الجزء الأول 2ـ4 مايو 2006)، ص ص 257 ـ 304)، ص 261.

5 (21) ليلى حسين محمد السيد، “دور وسائل الاتصال في إمداد طلاب الجامعات المصرية بالمعلومات عن الأحداث الجارية في إطار نظرية الاعتماد على وسائل الإعلام “، في أعمال المؤتمر العلمي الرابع عشر لكلية الإعلام، (القاهرة: كلية الإعلام، جامعة القاهرة، في الفترة من 25 ـ 27 مايو 1998، ص ص 173 ـ 208)، ص 177.

6 Baran ،Stanley J. &Daves ، Dennis. K.” Mass Communication Theory: foundations ، ferment ، & future ” ، (Canada: Thomson width worth ، 2003) p 227.

7 Halpern ، p.  “Media Dependency and Political Perceptions in an Authoritarian Political system “، Journal of communication ، (Vol. 4 ، No. 4 ، 1994) ، PP 40 – 41.

8 ) ( Melvin ، l. Defleur ، sandarac ، J. Ball Rokeach ، ” Theories of Mass communication ” ، (U. S. A: N. y ، long man ، 5 Th Ed ، 1989) p ،   240.

(9) رانيا أحمد محمود مصطفي، ” دور قناة النيل للأسرة والطفل في تعريف الأطفال بالقضايا والمشكلات البيئية”، رسالة ماجستير غير منشورة، (القاهرة: كلية الإعلام، جامعة القاهرة، 2003)، ص 46.

(10) لمياء سمير سيد ” تأثير التعرض للأخبار والبرامج الإخبارية بالقنوات الفضائية على المستوى المعرفي للجمهور المصري: دراسة مسيحية ” رسالة ماجستير غير منشورة، (القاهرة: كلية الإعلام، قسم الإذاعة والتليفزيون، جامعة القاهرة 2007)، ص 35.

(11) هبه ربيع رجب، ” استخدامات الشباب المصري للمواقع الإخبارية العربية على شبكة الإنترنت: دراسة مسحية “، رسالة ماجستير غير منشوره، (القاهرة: كلية الآداب، جامعة عين شمس، 2009)، ص 128.

(12) حسن عماد مكاوي وليلى حسين، “الاتصال ونظرياته المعاصرة”، (القاهرة: المكتبة المصرية اللبنانية، 1998)، ص 329.

(13) أماني السيد فهمي، 1999، مرجع سابق، ص ص 230 ـ 231

(14) لمياء سمير سيد، 2007، مرجع سابق، ص 25.

(15) أماني السيد فهمي، 1999، مرجع سابق، ص 231.

(16) عبير حمدي، ” دور الإنترنت والراديو والتليفزيون في إمداد الجمهور المصري بالمعلومات “، رسالة ماجستير غير منشورة، (القاهرة: كلية الإعلام، جامعة القاهرة، 2001)، ص 53.

(17) الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *