إثيوبيا على وشك الانفجار

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
مقدمة
تتجه إثيوبيا نحو حرب كارثية مع تصاعد التوترات بين إقليم اً (الذي يقع في شمال إثيوبيا ويحده من الشمال إريتريا ومن الغرب السودان ومن الشرق عفر ومن جنوبها إقليم أمهرة الإثيوبيين) ودولة إريتريا، مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد”.
وقد قدم سيمون ويسلر، وهو صانع محتوى ومقدم برامج بريطاني شهير على قناة WarFronts التي يبثها على موقع يوتيوب، حلقة هامة يناقش فيها التطورات الجارية حالياً في إثيوبيا والتوترات المتصاعدة هناك داخلياً وخارجياً؛ حيث يرى أن إثيوبيا تتجه نحو حرب كارثية .
والحلقة التي تم بثها في العشرين من يونيو 2026، ونستعرض من خلالها أهم هذه التطورات، جاءت بعنوان: ” إثيوبيا على وشك الانفجار “، حيث تناول سيمون ويسلر فيها التطورات التي تجري حالياً في إثيوبيا، وناقش تصاعد التوترات الإقليمية، والقوى الوكيلة، وتداعيات الأزمة السودانية على التطورات في إثيوبيا، والسبب وراء احتمالية انفجار القرن الأفريقي بأكمله قريباً.
ويقول ويسلر إنه نظراً لانشغال العالم بالحرب في أوكرانيا وتطورات الحرب على إيران وصراعات أخرى، فإن خطر انزلاق إثيوبيا الوشيك إلى “حرب شاملة” لم يتصدر عناوين الأخبار العالمية بعد. “لكن خبراء عالميين يتابعون الوضع في إثيوبيا منذ سنوات يحذرون من هذا الخطر؛ حتى إن قادة إثيوبيا أنفسهم بدأوا يتوقعون ما سيحدث هناك”.
يؤكد ويسلر أنه بالنسبة لإثيوبيا، وبقية دول المنطقة كذلك، فإن المخاطر تبدو جسيمة للغاية. فقد “أسفرت الحرب في السودان المجاور عن مقتل مئات الآلاف من الأرواح، وهي على وشك الامتداد إلى ما وراء حدود السودان. ويبدو أن إريتريا في الشمال تتوقع اندلاع الحرب في المستقبل القريب. أما الصومال في الجنوب، فهي على وشك الانهيار الداخلي. وقد بدأت القوى المؤثرة في الشرق الأوسط تراقب الوضع عن كثب، وتختار مواقفها، ومنها السعودية وإسرائيل وتركيا والإمارات ومصر وغيرها”.
ويخلص ويسلر إلى أن السلام يبدو هو الاحتمال الأقل ترجيحاً في إثيوبيا، سواءً بقى أبي أحمد في السلطة في البلاد، كما يبدو مرجحاً حالياً، أم انهارت حكومته. فقد تنخرط الحكومة الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير اً في صراع (محدود) بحيث لا تتدخل إريتريا في الصدام بشكل مباشر. وقد تدخل إريتريا وجبهة تحرير شعب اً في صراع أكبر مع أديس أبابا، مما يحفز قبائل الفانو (ميليشيا قومية عرقية من الأمهرة في إثيوبيا) والأورومو (أكبر مجموعة عرقية في البلاد) على حمل السلاح وبدء فترة أطول بكثير من عدم الاستقرار الداخلي في إثيوبيا.
المثلث المتفجر
خلال شهر يونيو 2026، تزايد القلق بين المحللين الإقليميين والحكومات وخبراء الأمن بشأن احتمال بدا قبل سنوات قليلة بعيد المنال: إثيوبيا، ثاني أكبر دولة في أفريقيا من حيث عدد السكان وإحدى أهم الفاعلين الجيوسياسيين في القارة، قد تتجه نحو حرب مدمرة أخرى. والأكثر إثارة للقلق هو احتمال ألا يقتصر هذا الصراع على حدود إثيوبيا، بل قد يُشعل أزمة أوسع تمتد عبر القرن الأفريقي بأكمله، وتجرّ معها قوى منافسة من الشرق الأوسط وخارجه.
وفي قلب هذه الأزمة الوشيكة، يكمن مثلث متفجر يضم رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، وجبهة تحرير شعب تيجراي، وإريتريا المجاورة. إلا أن الوضع يتجاوز بكثير هذه الأطراف الثلاثة. تتضافر عوامل عديدة، منها التمردات الداخلية، والتنافس الإقليمي، والصراعات بالوكالة، والتنازع على الممرات المائية الاستراتيجية، والتداعيات المستمرة للحرب الأهلية في السودان، لتخلق ما يعتبره العديد من المراقبين أحد أخطر بؤر التوتر الجيوسياسي في العالم اليوم.
إرث حرب تيجراي
ولفهم الأحداث الجارية، لا بد من استذكار حرب تيجراي، التي اندلعت أواخر عام 2020، واستمرت قرابة عامين؛ حيث وضع هذا الصراع الحكومة الفيدرالية الإثيوبية في مواجهة جبهة تحرير شعب تيجراي، القوة السياسية المهيمنة في منطقة تيجراي شمال إثيوبيا. انضمت إريتريا لاحقاً إلى الحرب إلى جانب الحكومة الإثيوبية، وساعدت أديس أبابا في شن حملة عسكرية واسعة النطاق ضد قوات تيجراي.
وكانت الخسائر البشرية فادحة. حيث تشير تقديرات موثوقة إلى أن ما يصل إلى 600 ألف شخص ربما لقوا حتفهم، مما يجعل هذا الصراع، بلا شك، الحرب الأكثر دموية في القرن الحادي والعشرين حتى الآن. نزح ملايين آخرون، بينما تدهورت الأوضاع الإنسانية في جميع أنحاء شمال إثيوبيا. دُمّرت مجتمعات بأكملها بسبب المجاعة والعنف والانهيار الاقتصادي.
وانتهت الحرب رسمياً بالتوصل إلى اتفاقية بريتوريا، وهي تسوية سلام تهدف إلى تسريح المقاتلين، وإعادة الإدارة الإقليمية، ومنع تجدد الأعمال العدائية. ومع ذلك، لم يُسفر الاتفاق عن التوصل إلى حل كامل للخلافات السياسية والعرقية والأمنية العميقة التي غذّت الصراع. وبدلاً من إرساء سلامٍ دائم، جمّد الاتفاق الصراع فعلياً. وبحلول عام 2026، بقيت العديد من التوترات الكامنة دون حل، بل ازداد بعضها خطورة.
تصاعد التوترات في تيجراي
ظهرت الجذور المباشرة للأزمة الحالية خلال عام 2025. فقد استولى فصيلٌ داخل جبهة تحرير شعب تيجراي على السلطة عبر صراعٍ سياسي داخلي، مُنشئاً هيكلاً قيادياً جديداً في تيجراي. وصوّرت السلطات الإثيوبية القيادة التيجراية الجديدة بشكلٍ متزايد على أنها تهديدٌ متنامٍ للاستقرار الوطني.
وفي غضون ذلك، اتهمت جبهة تحرير شعب تيجراي الحكومة الفيدرالية بدعم الميليشيات والجماعات المنشقة المناهضة لها، والتي كانت تشنّ هجماتٍ ضدّ القوات التيجراية. وردّت أديس أبابا باتهام عناصر تيجراية بتنفيذ هجماتٍ ضدّ المدنيين في المناطق المجاورة. وسرعان ما تصاعدت الاتهامات.
وزعم مسؤولون من تيجراي أن غارات الطائرات المسيّرة الإثيوبية أسفرت عن مقتل جنودٍ ومدنيين. و ردّت السلطات الفيدرالية بتحذير من أن الاستعدادات العسكرية التي يقوم بها التيجراي تُخالف روح اتفاقية بريتوريا.
وبحلول أوائل عام 2026، ازداد الوضع عسكرةً. وأفادت التقارير بأن قوات التيجراي سيطرت على عدة بلدات وتبادلت إطلاق النار مع القوات الحكومية. وردّت إثيوبيا بتحريك قوات عسكرية كبيرة شمالاً، بينما بدأت قوات التيجراي جهودها الخاصة للتعبئة. في الوقت نفسه، ادّعت إثيوبيا أن القوات الإريترية كانت تعبر إلى تيجراي لدعم القوات المحلية. وبحلول فبراير 2026، اعتقد العديد من المراقبين أن حرباً كبرى أخرى باتت وشيكة.
كيف أخرت أزمة مضيق هرمز الحرب
الغريب أن العامل الذي حال دون نشوب الصراع مؤقتاً لم يكن الدبلوماسية. بل كانت أزمة جيوسياسية على بُعد آلاف الكيلومترات. وابتداءً من أواخر فبراير 2026، أدى صراعٌ بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران إلى اضطراب أسواق الطاقة في جميع أنحاء المنطقة. وأدى إغلاق مضيق هرمز إلى حالة من عدم اليقين الشديد بشأن إمدادات النفط العالمية.
وكانت التداعيات بالنسبة لإثيوبيا فورية وخطيرة. فعلى عكس الدول الكبرى المنتجة للنفط، تعتمد إثيوبيا اعتماداً كبيراً على استيراد النفط المكرر. ويأتي جزء كبير من هذا الوقود من سلاسل إمداد مرتبطة بالخليج العربي ومضيق هرمز. وبدون واردات وقود موثوقة، يصبح دعم حملة عسكرية واسعة النطاق أكثر صعوبة. وواجهت القوات التيجراية التحدي نفسه.
وتتطلب الحرب وقوداً للمركبات والخدمات اللوجستية والنقل والعمليات العسكرية. ومع عدم اليقين بشأن شحنات النفط، واجه كلا الجانبين احتمال نفاد احتياطياتهما من الوقود. ونتيجة لذلك، أصبح التصعيد العسكري فجأةً أقل جاذبية. وبدلاً من شنّ هجمات، جمّد الطرفان خططهما فعلياً بانتظار تطورات الأزمة الأوسع نطاقاً في الشرق الأوسط.
الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي تستغلّ الهدنة
وقد أتاح التجميد المؤقت للأعمال العدائية فرصةً للجبهة الشعبية لتحرير تيجراي. وإدراكاً منها أن إثيوبيا لن تُخاطر على الأرجح بحربٍ كبرى خلال أزمة الطاقة، بدأ قادة تيجراي باختبار حدود تسامح الحكومة الفيدرالية.
وفي أبريل 2026، طرحت الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي إمكانية إعادة هياكل الحكم الإقليمي التي كانت قائمةً قبل حرب تيجراي. كانت هذه خطوةً استفزازيةً للغاية، لأن تلك المؤسسات كانت تُمثّل نظاماً سياسياً أمضت أديس أبابا سنواتٍ في تفكيكه.
واتهمت الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي الحكومة الفيدرالية بحجب رواتب موظفي الخدمة المدنية ومحاولة توطيد سلطتها بشكلٍ أحاديّ داخل المنطقة. اللافت للنظر أن إثيوبيا لم تردّ بالقوة العسكرية. وبدا أن هذا الصمت قد أقنع قادة تيجراي بأن الحكومة الفيدرالية غير راغبة أو غير قادرة على التحرّك.
وفي مايو ، أعادت جبهة تحرير شعب تيجراي رسمياً هيكلها الحكومي الذي كان قائماً قبل الحرب، وانتخبت ديبريتسيون جبريمايكل رئيساً إقليمياً. من وجهة نظر الجبهة، مثَّل هذا استعادةً للسلطة الإقليمية الشرعية. أما من وجهة نظر أديس أبابا، فقد بدا الأمر وكأنه تحدٍّ مباشر للسيادة الفيدرالية.
توطيد آبي أحمد للسلطة
ومع تصاعد التوترات في تيجراي، ركّز رئيس الوزراء آبي أحمد على تأمين مستقبله السياسي. في يونيو 2026، فاز آبي بولاية ثانية في انتخابات وُجهت إليها انتقادات واسعة لافتقارها إلى منافسة ديمقراطية حقيقية. ووفقاً للمنتقدين، جرت الانتخابات في ظل ظروف حدَّت بشدة من التغطية الإعلامية المستقلة ومشاركة المعارضة. فقد استُبعدت منطقة تيجراي تماماً، بينما أفادت التقارير بتقييد الوصول إلى مراكز الاقتراع في مناطق المعارضة.
لم تكمن أهمية الانتخابات في نتيجتها بقدر ما كشفته عن النظام السياسي. فمنذ توليه السلطة عام 2018، حظي آبي في البداية بإشادة واسعة باعتباره مُصلحاً وصانع سلام. وقد نالت مبادراته المبكرة استحساناً دولياً، بما في ذلك جائزة نوبل للسلام. لكن بحلول عام 2026، بدأ المنتقدون يصوّرونه بشكل متزايد كزعيم استبدادي أضعف قوى المعارضة بشكل ممنهج، وقيد حرية الصحافة، وركز السلطة في شبكته السياسية.
ومثّلت الانتخابات اختباراً لمدى بقاء مقاومة فعّالة داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة. ويبدو أن الإجابة هي لا. ومع تعزيز سلطته، بات بإمكان آبي التركيز بشكل متزايد على التحديات الأمنية في مناطق أخرى من البلاد.
تحذيرات عودة الحرب
جاء أوضح مؤشر على اقتراب الصراع من جديد من مصدر غير مألوف؛ من خلال مقال رأي كتبه كل من مسؤول المخابرات الإثيوبي البارز رضوان حسين والرئيس المؤقت السابق لتغراي، غيتاشيو رضا.
يقول التقرير إن جبهة تحرير شعب تيجراي كانت تُعدّ لهجوم على إثيوبيا بدعم إريتري؛ وأن عناصر متشددة من جبهة تحرير شعب تيجراي قامت بتفكيك الإدارة المؤقتة المنشأة بموجب اتفاقية بريتوريا، واستبدلتها بهيكل حكومي غير شرعي. كما زعموا أن قوات تيجراي تُجنّد وتُدرّب وتُسلّح أعداداً كبيرة من المقاتلين بمساعدة إريتريّة مباشرة.
وأعادت جبهة تحرير شعب تيجراي تشكيل حكومتها. وتزايد التجنيد العسكري. كما قيل بأن المعدات الثقيلة كانت تتحرك نحو خطوط المواجهة المحتملة. وبدأ تطبيق إجراءات التعبئة الإجبارية. وواجه منتقدو جهود التجنيد قيوداً متزايدة. وأصبح من غير المهم تقريباً ما إذا كانت هذه الإجراءات تمثل استعدادات لهجوم أو دفاع. فقد بات كلا الجانبين ينظران إلى الحرب على أنها احتمال وارد، ويستعدان وفقاً لذلك.
دور إريتريا المتغير
يُعدّ دور إريتريا أحد أهم الفروقات بين أي نزاع مُحتمل وحرب تيجراي السابقة. فخلال الحرب الأولى، حاربت إريتريا إلى جانب إثيوبيا ضد جبهة تحرير شعب تيجراي. أما اليوم، فالوضع يبدو مختلفاً تماماً. إذ يعتقد العديد من المحللين أن إريتريا تُفضّل الآن إثيوبيا الضعيفة والمنقسمة على جار قويّ ومتمركز. لذلك، قد يخدم التعاون مع جبهة تحرير شعب تيجراي المصالح الاستراتيجية لإريتريا من خلال خلق منطقة عازلة ضد النفوذ الإثيوبي.
وإذا نسّقت إريتريا وجبهة تحرير شعب تيجراي العمليات العسكرية، فستواجه إثيوبيا خصماً أكثر توازناً بكثير مما واجهته خلال النزاع السابق. كما يمتلك جيش تيجراي خبرة قتالية كبيرة اكتسبها خلال سنوات من الحروب الضارية. وبالتالي، قد يكون النزاع الثاني أطول أمداً وأكثر تدميراً وأصعب على أديس أبابا إدارته.
التهديدات الداخلية الأخرى لإثيوبيا
يؤكد ويسلر في تحليله أنه حتى لو كانت إثيوبيا تُحارب جبهة تحرير شعب تيجراي فقط، فإن المخاطر ستكون جسيمة. ومع ذلك، تواجه الحكومة الفيدرالية تحديات أمنية متعددة ومتزامنة. ويُعدّ الوضع في منطقة أمهرة الأكثر خطورة، حيث تواصل ميليشيات “فانو” تمردها النشط ضد السلطات الفيدرالية.
وتفتقر حركة “فانو” إلى قيادة مركزية وتعاني من انقسامات داخلية. ومع ذلك، فإن هذا التشرذم يُصعّب على الحكومة قمعها بشكل كامل. وإذا تركزت الموارد العسكرية الفيدرالية في تيجراي، فقد تستغل قوات فانو الثغرات في مناطق أخرى. تشير التقارير الأخيرة إلى أن نشاط فانو قد ازداد بالفعل مع تحويل إثيوبيا تركيزها العسكري شمالاً.
ويأتي تحدٍ ثانٍ من أوروميا، أكبر مناطق إثيوبيا ومعقل جيش تحرير أورومو. ويواصل جيش تحرير أورومو شنّ الهجمات ولا يزال قوةً مُزعزعةً للاستقرار. وبالنظر إلى هذه الصراعات مجتمعة، يزداد احتمال مواجهة إثيوبيا لأزمات متزامنة في تيجراي وأمهرة وأوروميا. وسيُشكّل هذا السيناريو ضغطاً هائلاً على الدولة ويزيد بشكل كبير من خطر عدم الاستقرار الوطني على نطاق أوسع.
الحرب بالوكالة
يتجاوز الخطر حدود إثيوبيا، إذ تنظر القوى الإقليمية والدولية بشكل متزايد إلى القرن الأفريقي من منظور التنافس الجيوسياسي الأوسع. تتشكل عدة تحالفات متنافسة، يضم أحدها إثيوبيا والإمارات العربية المتحدة وإسرائيل والمغرب والهند، ويتألف تحالف آخر من دول مثل مصر والسعودية وتركيا وقطر وباكستان. ولا تُعد هذه التحالفات رسمية، إلا أنها تؤثر بشكل متزايد على الصراعات في السودان وليبيا والصومال واليمن وسوريا وغيرها. وأصبحت الأزمة الإثيوبية جزءاً من هذا التنافس الجيوسياسي الأوسع.
الخلاف مع مصر
يُعدّ دور مصر بالغ الأهمية في منطقة القرن الأفريقي. فعلى مدى سنوات، تصادمت القاهرة وأديس أبابا حول قضايا تتعلق بنهر النيل وسد النهضة، والنفوذ الإقليمي، والوصول إلى الممرات المائية الاستراتيجية. وأصبح سد النهضة الإثيوبي رمزاً لهذا التنافس، مما زاد من مخاوف مصر بشأن الأمن المائي.
ونتيجة لذلك، تنظر مصر إلى إريتريا كقوة موازنة طبيعية لإثيوبيا. وقد تعززت العلاقات بين القاهرة وأسمرة بشكل ملحوظ، بينما يُقال إن صانعي السياسة المصريين ينظرون إلى جبهة تحرير شعب تيجراي كشريك مفيد في موازنة النفوذ الإثيوبي. وفي حال اندلاع صراع، يعتقد العديد من المراقبين أن مصر ستقدم دعماً، ولو غير مباشر، لإريتريا، وربما للقوات المتحالفة ضد أديس أبابا.
موقف تركيا المُعقّد
كما يتسم موقف تركيا بالتعقيد الشديد. فبحسب تقارير، فإنها بصفتها مورداً هاماً للمعدات العسكرية لإثيوبيا، ساعدت أنقرة في تعزيز القدرات العسكرية الإثيوبية في السنوات الأخيرة. ومع ذلك، تشير التقارير بشكل متزايد إلى أن الدعم التركي قد لا يقتصر على الحكومة الفيدرالية.
ويزداد موقف تركيا تعقيداً مع تقارير عن احتفاظها بعلاقات مع جهات فاعلة متعددة داخل إثيوبيا، وقد يصبح ذلك مثالاً على كيفية تحوط القوى الإقليمية في بيئات مضطربة. حيث تجعل هذه الديناميكيات احتواء النزاعات وحلها أكثر صعوبة.
الحرب الأهلية في السودان
وتضيف الحرب الأهلية المستمرة في السودان بُعداً آخر من المخاطر. فعلى الرغم من أن الصراع في السودان لم يُزعزع استقرار المنطقة بأكملها كما كان يخشى البعض، إلا أنه لا يزال مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالدول المجاورة.
وتشير التقارير الأخيرة إلى أن إثيوبيا سمحت لقوات الدعم السريع السودانية بتنفيذ عمليات انطلاقاً من أراضيها. وقد عزز هذا من التصورات بأن إثيوبيا تقترب أكثر من دولة الإمارات العربية المتحدة، الداعم الخارجي الرئيسي لقوات الدعم السريع. ورداً على ذلك، أفادت تقارير متداولة بأن القيادة العسكرية السودانية حسّنت علاقاتها مع كل من إريتريا وجبهة تحرير شعب تيجراي.
وإذا انزلقت إثيوبيا إلى الحرب، فقد ينظر كلا الفصيلين السودانيين إلى الصراع على أنه ذو صلة مباشرة بمصالحهما الاستراتيجية. وقد تتصاعد تدفقات الهجرة، وتهريب الأسلحة، وحركات اللاجئين، والنشاط العسكري عبر الحدود بسرعة. وبدلاً من أن تبقى أزمات منفصلة، يمكن أن تتحول حرب السودان وحرب إثيوبيا إلى صراعات تعزز بعضها بعضاً.
الوضع في الصومال
ويمثل الصومال مصدراً رئيسياً آخر لعدم الاستقرار. حيث يواجه هذا البلد توترات سياسية متزايدة تحيط بالرئيس حسن شيخ محمود، ونزاعات حول الحكم والشرعية السياسية. ويدعم الفاعلون الإقليميون بالفعل فصائل متنافسة داخل الصومال.
وبينما تحالفت إثيوبيا ودولة الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل عموماً مع “أرض الصومال” وبعض قوى المعارضة، قدمت الجمهورية التركية والمملكة العربية السعودية الدعم للحكومة الفيدرالية الصومالية. لذا، فإن أي صراع إثيوبي كبير قد يتردد صداه مباشرة في السياسة الصومالية، مما قد يؤدي إلى تفاقم الانقسامات القائمة وتشجيع التصعيد المسلح.
جنوب السودان
ولا يزال جنوب السودان من أكثر الدول هشاشة في العالم. فمؤسساته السياسية ضعيفة، والتنافس بين النخب لا يزال قائماً، واتفاقيات السلام عرضة للخطر. وأي أزمة إقليمية كبرى تشمل إثيوبيا أو السودان أو إريتريا أو الصومال قد تزيد الضغط على النظام الهش أصلاً في جنوب السودان. وعلى الرغم من أن جنوب السودان قد لا يصبح ساحة معركة رئيسية، إلا أنه قد يصبح بسهولة ضحية أخرى لعدم الاستقرار الإقليمي.
توقعات وسيناريوهات
هناك عدة سيناريوهات محتملة للوضع في إثيوبيا وأثره الإقليمي. فأبسط هذه السيناريوهات يتمثل في نشوب صراع محدود بين إثيوبيا وجبهة تحرير شعب تيجراي، مع بقاء إريتريا في الظل إلى حد كبير. وفي هذه الحالة، ستكون هذه الحرب مدمرة، لكنها ستبقى محصورة جغرافياً.
والسيناريو الأكثر خطورة فيتمثل في مشاركة إريتريا المباشرة إلى جانب جبهة تحرير شعب تيجراي، مما يخلق صراعاً دولياً أوسع نطاقاً، ويشجع في الوقت نفسه نشاط المتمردين في أمهرة وأوروميا.
أما أسوأ السيناريوهات فيتمثل في اندماج صراعات إقليمية متعددة في حرب أوسع نطاقاً في القرن الأفريقي. قد تقدم قوى خارجية الأسلحة والتمويل والمعلومات الاستخباراتية والدعم الدبلوماسي لشركائها المفضلين، محولةً النزاعات المحلية إلى صراع إقليمي بالوكالة. وفي ظل هذه الظروف، قد تصبح إثيوبيا مركزاً لصراع يمتد من السودان إلى الصومال، ويضم العديد من الجهات الفاعلة الخارجية.
الخلاصة:
منطقة القرن الإفريقي عامة، وإثيوبيا بشكل خاص، تقترب من نقطة الانهيار. حيث يُشير التحذير الرئيسي المُستخلص من التطورات الحالية إلى أن العديد من الأطراف المعنية تبدو وكأنها تعتقد أنها قادرة على السيطرة على التصعيد.
فمن المرجح أن يعتقد آبي أحمد أن إثيوبيا قادرة على إدارة مواجهة أخرى مع تيجراي. وقد تعتقد جبهة تحرير شعب تيجراي أن خبرتها العسكرية ودعم إريتريا يُوفران مساراً عملياً نحو الأمن. وقد يعتقد القادة الإريتريون أن بإمكانهم رسم مستقبل إثيوبيا دون التسبب في عواقب وخيمة. لكن التاريخ يُشير إلى عكس ذلك.
لقد أثبت القرن الأفريقي مراراً كيف يُمكن للنزاعات المحلية أن تتطور بسرعة إلى كوارث إنسانية وأزمات إقليمية. وقد أسفرت حرب تيجراي السابقة عن واحدة من أكثر الصراعات دموية في العصر الحديث. واليوم، يُمكن القول إن البيئة الجيوسياسية أكثر قابلية للاشتعال.
لا تزال هناك حركات تمرد متعددة نشطة داخل إثيوبيا. وقد تدهورت العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا بشكل كبير. وتستمر الحرب الأهلية في السودان على مقربة من ذلك. بينما يواجه الصومال توترات سياسية متصاعدة. ويتزايد انحياز القوى الإقليمية إلى أحد الأطراف.
ربما ساهم التقييد المؤقت الذي فرضه نقص الوقود والاضطرابات في مضيق هرمز في تأخير الصراع، لكنه لم يحل المشكلات الأساسية. فإذا ما استقرت إمدادات الطاقة وأصبحت الحسابات العسكرية أكثر ملاءمة، فقد تزول العوائق التي تحول دون تجدد الحرب سريعاً.
لا يكمن الخطر الأكبر في مجرد احتمال اندلاع صراع إثيوبي آخر، بل في احتمال استهانة القادة المعنيين بصعوبة احتواء هذا الصراع بمجرد اندلاعه؛ ففي منطقة مثقلة أصلاً بأزمات متداخلة، قد تؤدي حتى حرب محدودة إلى عواقب تتجاوز بكثير نوايا أي حكومة بمفردها.
ولهذا، ينظر العديد من المحللين اليوم إلى إثيوبيا لا كمجرد منطقة صراع أخرى، بل كبؤرة محتملة لانفجار إقليمي أوسع نطاقاً، قد تُعيد آثاره تشكيل القرن الأفريقي لسنوات قادمة.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




