اعتقالات المنطقة الخضراء تهز بغداد.. حملة فساد أم إعادة ضبط لشبكات النفوذ؟

دخل العراق مرحلة سياسية وأمنية جديدة بعد حملة اعتقالات واسعة نفذتها قوات أمنية عراقية، بينها جهاز مكافحة الإرهاب، داخل المنطقة الخضراء ومناطق أخرى، مستهدفة مسؤولين ونواباً ورجال أعمال على خلفية ملفات فساد مالي وإداري. وتُعد العملية واحدة من أكبر التحركات التي شهدتها بغداد منذ تشكيل حكومة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، وفتحت سريعاً باب التأويل حول ما إذا كانت مجرد حملة قانونية ضد الفساد، أم بداية لإعادة هندسة موازين القوة داخل الدولة العراقية.
وذكرت وكالة رويترز أن قوات النخبة في جهاز مكافحة الإرهاب داهمت منازل داخل المنطقة الخضراء شديدة التحصين، واعتقلت سياسيين ومسؤولين كباراً ضمن حملة أوسع لمكافحة الفساد صدرت بأوامر مباشرة من رئيس الوزراء الزيدي، بعد إصدار مذكرات توقيف قضائية. ونقلت الوكالة عن وكالة الأنباء العراقية أن عدد الموقوفين بلغ 47 شخصاً، بينهم نواب ومسؤولون حكوميون.
كما أفادت وكالة أسوشيتد برس بأن الاعتقالات شملت 12 نائباً حالياً، ونائباً سابقاً، ومستشاراً سابقاً لرئيس الوزراء الأسبق محمد شياع السوداني، ومسؤولاً رفيعاً في وزارة النفط. وأوضحت أن القضية بدأت بعد إفادات أدلى بها وكيل وزير النفط السابق عدنان الجميلي، الذي اعتُقل الشهر الماضي، وأن رئيس البرلمان رفع الحصانة عن النواب المشمولين قبل تنفيذ أوامر القبض.
وتشير المعطيات الأولية إلى أن ملف النفط كان أحد مفاتيح العملية. فقد ذكرت رويترز أن من بين الموقوفين علي معارج، وكيل وزير النفط لشؤون التوزيع، الذي فرضت عليه واشنطن عقوبات في أيار/مايو بتهمة المساعدة في تحويل النفط العراقي لصالح إيران وفصائل مرتبطة بها، وهي اتهامات نفتها وزارة النفط العراقية سابقاً.
في المقابل، بقي الدور الأمريكي في العملية موضع جدل. فبينما تحدثت تقارير عربية عن تنسيق فني مع مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي FBI في تعقب الأموال والتحويلات والشبكات الخارجية، لم تبرز في تقارير رويترز وأسوشيتد برس تفاصيل حاسمة عن دور مباشر للمكتب داخل المداهمات. وأوردت يورونيوز أن “تقارير” أفادت بتنفيذ العملية بالتنسيق مع الـ FBI، لكنها نسبت ذلك إلى تقارير لا إلى إعلان رسمي أمريكي أو عراقي مفصل.
رسمياً، تصر الحكومة العراقية على تقديم العملية بوصفها ضربة قانونية ضد الفساد لا تصفية سياسية. وقال رئيس الوزراء علي الزيدي، بحسب ما نقلت الجزيرة عن مكتبه الإعلامي، إن ما جرى يمثل “مرحلة أولى” في الحرب على الفساد، مؤكداً أن الحكومة ستواصل استرداد المال العام والعمل على حصر القوة والسلاح بيد الدولة.
لكن البعد السياسي للعملية لا يمكن فصله عن طبيعة المستهدفين. فالاعتقالات طالت شخصيات من داخل الطبقة السياسية التي حكمت العراق لسنوات، وبعضها قريب من كتل شيعية وسنية نافذة. وترى قراءات سياسية أن العملية تستهدف جزءاً من شبكات المال والنفوذ المرتبطة بالفصائل والقوى القريبة من إيران، لكنها لا تصل بالضرورة إلى كامل البنية التي تمسك بالاقتصاد والأمن والقضاء والسياسة منذ عام 2003.
من هنا جاء التشكيك في الشارع السياسي المعارض. فبعض المراقبين يرى أن ما يجري قد يكون “ضربة انتقائية” تطال جزءاً قابلاً للتضحية من الشبكات العميقة، ربما لإعادة ترتيب المشهد لا لتفكيكه بالكامل. ووفق هذا الرأي، اعتادت الساحة العراقية كل عدة سنوات على موجات حظر وتصنيف واعتقالات تطال بعض الواجهات، بينما تبقى الشبكة الأوسع قادرة على إعادة إنتاج نفسها عبر المال، السلاح، القضاء، والعلاقات الإقليمية.
وتعزز هذه القراءة حقيقة أن الفساد في العراق لا يعمل كملف إداري منفصل، بل كمنظومة حكم موازية. فهو يتداخل مع تمويل الأحزاب، وتسليح الفصائل، وتوزيع المناصب، وعقود الطاقة، والانتخابات، وحتى الولاءات الإقليمية. ولذلك فإن اعتقال عشرات المسؤولين، مهما كان كبيراً، لا يكفي وحده لإثبات أن الدولة دخلت فعلاً مرحلة تفكيك الشبكة الأخطبوطية.
مع ذلك، تحمل العملية رسالة قوة غير مسبوقة. فإغلاق مداخل المنطقة الخضراء، وتحريك جهاز مكافحة الإرهاب ضد شخصيات من الصفوف العليا، وتنفيذ أوامر قضائية بحق نواب بعد رفع الحصانة عنهم، كلها مؤشرات إلى أن حكومة الزيدي تريد إظهار قدرتها على تجاوز “الخطوط الحمراء” التي كانت تحمي كبار المتنفذين. وقد وصفت الجزيرة العملية بأنها “زلزال المنطقة الخضراء”، مشيرة إلى أنها الأبرز لحكومة عراقية لم يمضِ على تشكيلها سوى شهرين.
لكن التحدي الحقيقي يبدأ بعد الاعتقالات لا قبلها. فالمعيار لن يكون عدد الموقوفين، بل ما إذا كانت الملفات ستصل إلى محاكمات شفافة، واسترداد أموال، وكشف شبكات الحماية السياسية، ومنع إعادة تدوير الفساد داخل تحالفات جديدة. فالعراق شهد سابقاً حملات كثيرة بدأت بشعارات كبيرة وانتهت بتسويات مغلقة أو صفقات صمت.
أما التعليق الشعبي القائل إن “من عيّن الفاسدين يعتقل الفاسدين بالفاسدين”، فيلخص مستوى انعدام الثقة لدى شريحة واسعة من العراقيين تجاه أي حملة تأتي بغطاء أمريكي أو بترتيبات من داخل النظام نفسه. هذا المزاج لا ينفي أهمية الضربة، لكنه يضعها تحت سؤال صارم: هل نحن أمام تفكيك حقيقي للمنظومة، أم أمام إعادة تدوير للنفوذ بوجوه وأدوات جديدة؟
الأهم هو السؤال حول من يمكن أن تطالهم الحملة، إن استمرت، وصولاً لرؤوس وقيادات كبيرة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالميليشيات المسلحة، ومن وراءها إيران. إن حدث ذلك، فيمكن أن يكون ذلك مؤشراً على قرارٍ أمريكي بالسعي لتغيير المشهد العراقي بالفعل في غير صالح إيران. لكن بالنظر إلى قوة الميليشيات المسلحة، فسيكون ذلك تصعيداً كبيراً يفتح المجال لقدر كبير من الفوضى في العراق، فهل لدى أمريكا خطة للتعامل مع هذه المخاطر؟ أم أن إثارة مثل هذا الصراع، إن حدث، سيكون مقصوداً في حد ذاته، ليرتبط بشكل أو بأخر بجولة جديدة من القتال تعد لها الولايات المتحدة مع إيران، خاصة في ظل بعض التقارير التي تتحدث عن حشد نحو 60 ألف من القوات الأمريكية للمشاركة في غزو بري لاحق لإيران؟
في المحصلة، تبدو اعتقالات المنطقة الخضراء أكبر من حملة فساد عادية، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى “ثورة مؤسساتية” مكتملة. إنها لحظة اختبار للدولة العراقية: إما أن تتحول إلى بداية مسار طويل لاستعادة القرار والمال والسلاح، في إطار قرار أمريكي بتغيير شامل يرتبط بالصراع مع إيران، أو تصبح فصلاً جديداً في تاريخ طويل من تصفية بعض الرؤوس وترك الجسد العميق كما هو؟



