الذكاء الاصطناعي.. هل تقترب الآلة من التفكير كالإنسان؟

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
في 1 يوليو 2026، قدم سيد جبيل، وهو صحفي وصانع محتوى مصري، يشغل منصب مساعد رئيس تحرير ورئيس قسم الاقتصاد في جريدة الوطن المصرية، في قناة “نعرف” Ne3raf التي يبثها على موقع يوتيوب، حلقة هامة ناقش فيها آخر تطورات الذكاء الاصطناعي، وذلك تحت عنوان: “قسوة التكنولوجيا: إما أن تستعين بـ “وكلاء الذكاء الاصطناعي” اليوم.. أو تخرج من التاريخ غداً!”
يقول سيد جبيل في مقدمة الحلقة: “أنا كصحفي مهتم بالسياسة الدولية وبالاقتصاد لا أجد مطبوعة واحدة معنية بالسياسة الدولية، ولا حتى السياسة المحلية، ولا الاقتصاد، ولا المسائل العسكرية، ولا حتى القضايا الاجتماعية الموجودة في كل دولة من دول العالم إلا ويُطرح فيها تأثير الذكاء الاصطناعي على هذه المستويات، وغيرها من المستويات الأخرى. المشكلة في أن تأثير الذكاء الاصطناعي مربك جداً، لأنه تأثير واسع ومتغير، تقريباً يوماً بيوم، بسبب التطورات الهائلة.
وحول اهم التطورات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي ، استضاف سيد جبيل في حلقة هامة الدكتور أحمد بهاء الدين، أستاذ الذكاء الاصطناعي والموجه الاقليمي لشركه مايكروسوفت في منطقه الشرق الأوسط، وهو ضيف شبه دائم مع سيد جبيل على قناة Ne3raf.
في بداية حديثه، يقول د. بهاء الدين إن ما يعرف “بالذكاء العام” (General Intelligence)، الذي تتسابق الشركات العالمية للوصول إليه، هو محاولة أن نجعل الكمبيوتر أو الحاسب الآلي قوة حاسوبية تفكر أو تتعامل بحواس الإنسان الخمس، بالإضافة إلى الإدراك والتفكير. الذكاء العام هو أن أجعل الكمبيوتر في منتهى الاستقلالية وفي منتهى القدرة على الخلق والابداع مثله مثل البشر بكل أشكال الحواس، بكل أشكال العواطف، بكل أشكال الإدراك، بكل أشكال التفكير. نحن نحاول أن نطور الذكاء الاصطناعي شيئاً فشيئاً، والهدف النهائي أن يصل إلى مرحلة من مراحل الذكاء العام مع وجود بعض المحاذير بالتأكيد على ذلك.”
ويضيف د. بهاء الدين: “تناولنا في السابق تجارب الخداع، وهل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يخادع البشر أم لا؟ وهل يستطيع أن يتمرد على البشر أم لا؟ وهل يستطيع أن يدمرهم أم لا؟ وهل يستطيع أن يحاربهم أم لا؟ نعم.. هذا كله من المخاوف والمحاذير لدى كل مؤسسات الذكاء الاصطناعي والمؤسسات البحثية وشركات انتاج الذكاء الاصطناعي. وسواء كانت المؤسسات الصناعية في مجال الذكاء الاصطناعي أو الهيئات البحثية؛ فجميعها حريصة كل الحرص على أن يكون التطور في اتجاه الذكاء العام لا يصل بالذكاء الاصطناعي إلى قوة تمردية تجعله يتمرد على الإنسان ويحاربه. ولكن الهدف النهائي لكل عمالقة الذكاء الاصطناعي، الذين أصبحت قيمتهم السوقية الآن تريليونات الدولارات، يمكن تلخيصه في أن كل هذا السباق والصراع بينهم، سواء على مستوى الشركات أو على مستوى الدول، هو الوصول إلى مستوى الذكاء العام…”
وفيما يلي نستعرض أهم ما جاء في هذا المحتوى حول هذا الطرح بشكل مجمل وشامل، وذلك على النحو التالي:
يشهد الذكاء الاصطناعي تحولاً متسارعاً بوتيرة لم تكن متصورة منذ سنوات قليلة. لم يعد هذا التحول مقتصرًا على تحسين أدوات البحث أو الإجابة عن الأسئلة أو إنتاج النصوص والصور والمعلومات. فالتطور المتسارع الذي تستعرضه هذه الحلقة ينتقل بالذكاء الاصطناعي تدريجياً من كونه أداة يستخدمها الإنسان إلى كونه طرفاً مستقلاً قادراً على تنفيذ المهام، ثم إلى زميل عمل رقمي، ثم إلى موظف يعمل بصورة مستمرة داخل المؤسسة، وصولاً إلى تصور تصبح فيه المؤسسات نفسها معتمدة بدرجة كبيرة على مجموعة من الوكلاء المستقلين، بينما يقتصر دور البشر بدرجة أكبر على الإشراف والإدارة واتخاذ القرار النهائي.
وينطلق هذا التحول من سباق عالمي بين شركات ودول لتطوير ما يسمى “بالذكاء الاصطناعي العام” (General Artificial Intelligence)، أي الوصول بالحاسوب إلى مستوى من القدرة والمرونة والاستقلال والقدرة على التفكير والإبداع يقترب من القدرات البشرية. غير أن الطريق إلى الوصول لهذا الهدف، وفق الطرح الذي قدمه جبيل وضيفه في هذه الحلقة، يمر بمحطة أساسية هي الذكاء المستقل (Autonomous Intelligence)، الذي أصبح محوراً رئيسياً في تطورات الصناعة خلال الأشهر الأخيرة.
الذكاء التقليدي والذكاء العام: يُعرَّف الذكاء الاصطناعي باعتباره محاولة لجعل الحاسوب أو القوة الحاسوبية تتعامل مع العالم بصورة تشبه تعامل الإنسان، ليس فقط من خلال الحواس الخمس، وإنما أيضاً عبر الإدراك والتفكير. أما الذكاء الاصطناعي العام فيمثل مرحلة أكثر تقدماً بكثير، يصبح فيها الحاسوب مستقلاً بدرجة كبيرة وقادراً على الخلق والإبداع، مع امتلاك أشكال متعددة من الإدراك والتفكير والعواطف والقدرات التي تشبه الإنسان.
وبهذا المعنى، فإن الهدف النهائي للسباق بين عمالقة الذكاء الاصطناعي، سواء على مستوى الشركات أو الدول، يتمثل في الاقتراب من مستوى الذكاء الإنساني العام: نظام يستطيع التفكير بدرجة من القدرة والاستقلال قريبة من الإنسان من خلال الحاسوب. لكن الوصول إلى هذا الهدف يواجه مجموعة من المحاذير الكبرى؛ فهناك أسئلة تتعلق بإمكانية أن يخدع الذكاء الاصطناعي البشر، أو يتمرد عليهم، أو يدمرهم، أو يحاربهم. ولذلك تحرص المؤسسات الصناعية والبحثية العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي على أن يكون التطور باتجاه الذكاء العام مصحوباً بضمانات تحول دون وصول الذكاء الاصطناعي إلى قوة تمردية تجعله ينقلب على الإنسان ويحاربه.
وهنا تظهر مشكلة أخرى أكثر جوهرية.. فالإنسان نفسه لا يعرف بصورة كاملة كيف يعمل عقله. فهناك أمور داخل الدماغ لا تزال تُكتشف باستمرار، وبالتالي فإن محاولة فصل تكنولوجيا قادرة على التفكير بالطريقة نفسها التي يفكر بها الإنسان تواجه حقيقة أن الإنسان لا يعرف بنسبة مائة في المائة كيف يفكر هو نفسه.
ومع ذلك، فإن الإجابة الواردة في هذه المناقشة عن سؤال ما إذا كان الوصول إلى أقرب صورة ممكنة من الذكاء الإنساني يمثل الهدف النهائي للسباق هي: نعم. غير أن المرحلة التي يعيشها العالم الآن لا تسمى الذكاء العام، وإنما تتجه بصورة واضحة نحو الذكاء المستقل، بحسب ما يوضح د. بهاء الدين.
الخطوات الأولى: ولفهم التحول الحالي في مجال الذكاء الاصطناعي، يعود النقاش بالحلقة إلى المرحلة التي بدأت تقريباً في أواخر عام 2022 واستمرت حتى عام 2025. فخلال تلك الفترة صعد الذكاء الاصطناعي التوليدي، وأصبح الاستخدام السائد يتمثل في الدخول إلى نماذج مثل ChatGPT وGemini وClaude وCopilot وغيرها، وطرح الأسئلة أو إعطاء الأوامر لها للحصول على إجابات أو تنفيذ طلبات محددة.
لقد كانت هذه ثورة حقيقية لأنها نقلت الإنسان من مرحلة البحث التقليدي عبر محركات البحث إلى مرحلة يستطيع فيها أن يخاطب نموذجاً للذكاء الاصطناعي بلغة طبيعية، فيفهم طلبه ويقدم له إجابة. فبدلاً من البحث عن المعلومات بنفسه، أصبح المستخدم يستطيع أن يطلب من النموذج مثلاً تلخيص كتاب كامل، أو تنفيذ مهمة محددة، أو مساعدته في عمله. وأصبح النموذج قادراً على فهم اللغة التي يخاطبه بها الإنسان، وعلى الدخول معه في حوار، والأخذ والرد، واسترجاع المعلومات، ومساعدته في أداء مجموعة كبيرة من الأعمال. هذه المرحلة يمكن تعريفها بأنها مرحلة Prompt-based AI Agents؛ أي الوكلاء الذين يعتمد عملهم بصورة أساسية على البرومبت، أو الطلب، والسؤال والجواب. لكن هذه المرحلة لم تعد تمثل الحد الأقصى للتطور.
القفزة الثانية: الذكاء الاصطناعي لا ينتظر السؤال: حيث يقوم التحول الجديد على فكرة مختلفة تماماً عن الخطوات السابقة. فبدلاً من أن يسأل الإنسان الذكاء الاصطناعي ثم ينتظر الإجابة، يستطيع الإنسان أن يكلف الوكيل الذكي بمهمة، ثم يتركه ينفذها بصورة مستقلة على مدى فترة زمنية. وهنا يظهر مفهوم AI Agents أو وكلاء الذكاء الاصطناعي المستقلين. فالفرق الأساسي بين المرحلتين هو أن النموذج التقليدي ينتظر من الإنسان سؤالاً ثم يجيب عنه، بينما الوكيل المستقل يحصل على مهمة، ثم يبدأ هو في تنفيذها دون الحاجة إلى أن يظل الإنسان أمامه يطرح سؤالاً بعد آخر.
وتقدم الحلقة مثالاً على ذلك من بيئة التجارة الإلكترونية. فقد تكلف شركة أحد الوكلاء الذكيين مثلًا بمتابعة عمليات تسليم البضائع التي تأخرت لأكثر من اثنتي عشرة ساعة خلال أسبوع كامل، ثم تطلب منه معرفة أسباب التأخير، وتحليلها، واقتراح حلول، وإعداد عرض تقديمي حول النتائج مع بداية الأسبوع التالي، بل وإرسال العرض إلى الفريق ودعوة أعضائه إلى اجتماع في الوقت المناسب.
وهنا لا يتعامل الإنسان مع الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة للإجابة عن سؤال سريع، بل باعتباره مساعداً مكلفاً بمهمة طويلة الأمد. ويبدأ الوكيل في متابعة الأنظمة، ورصد عمليات التسليم، ومعرفة ما تأخر منها، وتحليل أسباب التأخير، وإجراء الاستدلال، وإعداد التقرير والعرض التقديمي، ثم العودة إلى الإنسان بالنتيجة. وهذه هي النقلة الأساسية، حيث التحول من السؤال والجواب إلى التكليف والتنفيذ.
من المساعد إلى زميل العمل: المرحلة التالية من تطور الذكاء الاصطناعي هو ما يسمى Co-worker Agent، أو الوكيل زميل العمل. وقد أعلنت Microsoft عن هذا النوع من الوكلاء، في حين تطرح مؤسسات أخرى، ومنها Anthropic، أشكالاً مشابهة بالتعاون مع مايكروسوفت وأمازون وغيرها.
والفكرة هنا أن الوكيل لم يعد مجرد أداة تؤدي وظيفة محددة في لحظة معينة، بل أصبح أقرب إلى مساعد يعمل على مهمة ممتدة، ويمكن أن يستغرق في تنفيذها أياماً، بحسب طبيعة المهمة. وهذا يقود إلى تغيير مهم في النظرة إلى الذكاء الاصطناعي؛ فبدلاً من النظر إليه باعتباره برنامجاً أو أداة عمل، يتحول تدريجياً إلى مساعد، ثم إلى زميل عمل.
ويستند هذا التصور إلى فكرة أوسع تُسمى Intelligence on Tap؛ أي أن الذكاء الاصطناعي يصبح متاحاً بصورة مستمرة، مثل الكهرباء أو المياه أو الأكسجين الموجود حول الإنسان. وبذلك لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد برنامج يفتح عند الحاجة، وإنما يتحول إلى منفعة متاحة باستمرار ويمكن الاعتماد عليها في أداء الأعمال.
من زميل العمل إلى الطيار الآلي: المستوى التالي في التطور في استقلالية الوكلاء هو ما يسمى الطيار الآلي Autopilot Agent أو Always-on Agent وهذا الوكيل لا يُكلف بمهمة واحدة ثم يعود بعد الانتهاء منها، وإنما يعمل بصورة مستمرة، أربعاً وعشرين ساعة في اليوم وسبعة أيام في الأسبوع، ضمن وظيفة محددة مسبقاً.
ويستعير هذا التصور اسم “الطيار الآلي” من تشغيل الطائرات. ففي الرحلات الطويلة يمكن للطائرة أن تتولى جزءاً كبيراً من عملية القيادة بعد أن يحدد الطيار مسار الرحلة، بينما يتولى الإنسان المهام الأساسية المتعلقة بالإقلاع والهبوط والمتابعة. وبالمثل، يُحدد للوكيل المستقل دوره ووظيفته، ثم يترك له العمل المستمر في إطار تلك الوظيفة. وهنا يصبح الوكيل أقرب إلى موظف دائم داخل المؤسسة، وليس مجرد مساعد مؤقت.
كيف يتم تعيين الموظف الرقمي؟ عند تعيين وكيل مستقل داخل مؤسسة ما، يحدد له الإنسان، وفق النص، ثلاثة عناصر أساسية: أولاً، الشخصيةPersonality التي سيتعامل بها داخل المؤسسة. ثانياً، الأنظمة التي يستطيع الوصول إليها والصلاحيات الممنوحة له. فقد تكون صلاحياته محدودة مثل موظف عادي، وقد تكون أعلى بكثير، بحيث يستطيع مثلاً العمل كمدير لقواعد البيانات، وتنفيذ عمليات النسخ الاحتياطي، واستعادة النسخ عند سقوط قاعدة البيانات، أو القيام بوظائف ذات حساسية أكبر. ثالثاً، نموذج الذكاء الاصطناعي الذي سيستخدمه لفهم السياق الموجود داخل المؤسسة، ومعرفة طبيعة العمل، وفهم الطريقة التي يريد بها مديره أداء المهام والتصرف فيها.
وبذلك يصبح تعيين الوكيل شبيهاً بتعيين موظف بشري جديد: يتم تعريفه ببيئة العمل، وتحديد وظيفته، ومنحه الصلاحيات والتكاملات التي يحتاج إليها، ثم يُترك للعمل ضمن المؤسسة. وقد يستطيع هذا الموظف الرقمي، وفق التصور المطروح، تقديم التقارير في الأوقات المطلوبة، والتفاعل عبر البريد الإلكتروني مع الموظفين، والتواصل مع وكلاء ذكاء اصطناعي آخرين، والدعوة إلى الاجتماعات، وإعداد العروض والتقارير. وهكذا لا يعود الحديث عن Prompt Agent، وإنما عن مستويات متدرجة من الاستقلال.
العمال الرقميون: يقود هذا التطور إلى ظهور مفهوم Digital Workers، أي الموظفون الرقميون. ففي المؤسسة التقليدية يكون زملاء العمل بشراً: شخص مسؤول عن التصوير، وآخر عن الإنتاج، وآخر عن الحسابات، وغيرهم. أما في المؤسسة الجديدة، فقد يكون بعض هؤلاء الزملاء وكلاء ذكاء اصطناعي مستقلين يؤدون وظائف محددة كاملة. وبذلك يصبح الفريق مزيجاً من البشر والوكلاء الرقميين.
ولا يتعلق الأمر هنا، وفق هذا الطرح، بشركات صغيرة تخوض تجربة غير محسوبة، وإنما بأمثلة لشركات ضخمة جداً وجدت أن التوسع في استخدام الوكلاء المستقلين أصبح اتجاهاً ضرورياً. ومن الأمثلة المذكورة شركات مثل Nestlé في صناعة الغذاء، وأحد أكبر شركات تصنيع الإنسولين في العالم، وبنك Barclays في القطاع المصرفي، وErnest & Young في المحاسبة والمراجعة المالية، وLevi’s في مجال الموضة والملابس الجاهزة، وMastercard في الصناعة المالية،.. إلخ. والجامع بين هذه المؤسسات ليس كونها تنتمي إلى قطاع واحد، وإنما كونها تتوسع في استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي بدرجات مختلفة من الاستقلال.
لماذا أصبح هذا التحول ضرورياً؟ ربط د. أحمد بهاء الدين هذه الثورة في الذكاء الاصطناعي بما سماه فجوة القدرات. فبحسب الدراسات التي تشير إليها الحلقة، يرى 82% من المديرين في العالم أن عامي 2025 و2026 ينبغي أن يكونا عصر صعود الذكاء الاصطناعي بصورة كبيرة داخل المؤسسات، ويرتبط ذلك بالضغوط التضخمية والمشكلات الاقتصادية التي تدفع المؤسسات إلى زيادة ربحيتها وأعمالها. وفي المقابل، يقول 56% من الموظفين إنهم وصلوا إلى الحد الأقصى تقريباً لقدرتهم البشرية على العمل.
كما يشير النقاش إلى أن الموظف أصبح يتعرض لتقاطعات وتشويشات عديدة خلال يومه، تصل في المتوسط إلى 240 مرة، نتيجة الرسائل والمقاطعات وغيرها. وبذلك يصبح هناك حد لقدرة البشر على زيادة إنتاجيتهم، وفي الوقت نفسه لا تستطيع المؤسسات ببساطة الاستمرار في توظيف المزيد من البشر إلى ما لا نهاية. ومن هنا يأتي تصور Frontier AI Firms أو الشركات التي تدفع الذكاء الاصطناعي إلى حدود جديدة، والتي تقوم على استخدام الوكلاء المستقلين باعتبارهم جزءاً من الحل لهذه الفجوة.
مراحل إعادة بناء المؤسسة: قسّم د.أحمد بهاء الدين هذا التحول في الذكاء الاصطناعي إلى ثلاث مراحل رئيسية:
المرحلة الأولى، وهي مرحلة الوكيل المساعد. ففي هذه المرحلة الأولى تستخدم المؤسسات وكلاء الذكاء الاصطناعي بوصفهم مساعدين. ويمكن أن يكون الوكيل مكلفاً بقراءة رسائل البريد الإلكتروني، أو حذف رسائل معينة، أو إرسال تنبيه عند وصول رسالة من شخص محدد، أو تنفيذ مجموعة من المهام المكتبية. ويظل الوكيل هنا منفصلاً عن البنية الأساسية للموظفين، لكنه يستطيع تنفيذ مهام محددة بدرجة من الاستقلال عن الإنسان.
المرحلة الثانية، وهي مرحلة الموظف الرقمي أو الطيار الآلي. ففي المرحلة الثانية يتحول الوكيل إلى موظف كامل داخل المؤسسة. فهو لا ينتظر سؤالاً من الإنسان، ولا ينفذ مهمة واحدة ثم يتوقف، بل يعمل بصورة مستمرة، ويتعامل مع الأنظمة والبريد الإلكتروني والموظفين الآخرين، ويشارك في الاجتماعات ويقدم التقارير والعروض، ويؤدي الوظيفة التي عُيّن من أجلها. وهنا تبدأ المؤسسة في إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي: حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة يمتلكها الموظف، وإنما أصبح بمثابة زميل له.
المرحلة الثالثة، المؤسسة التي يديرها الوكلاء. ففي المرحلة الثالثة، وهي الأكثر أهمية؛ يصبح الجزء الأكبر من العمل داخل المؤسسة قائماً على الوكلاء المستقلين، بينما يتولى عدد أقل من البشر إدارة هؤلاء الوكلاء. وهنا يظهر مفهوم Agent Boss، أي المدير البشري الذي يدير مجموعة كبيرة من وكلاء الذكاء الاصطناعي. وفي هذه المرحلة لا يعود الإنسان بالضرورة هو المنفذ المباشر لكل مهمة، وإنما يصبح دوره هو الإشراف على مجموعة كبيرة من الأنظمة والموظفين الرقميين، والحفاظ على استمرار العمل واتخاذ القرارات النهائية.
وكلاء صانعو قرار؟ تطرح الحلقة هنا سؤالاً بالغ الأهمية يتعلق بالسلطة داخل المؤسسة: هل يصبح الوكلاء هم صانعي القرار في المؤسسات؟ ففي مجال إدارة الأعمال توجد مراحل مختلفة لصنع القرار، ومن بينها Decision Maker، أي صانع القرار، و Decision Taker، أي متخذ القرار. وفي التصور المستقبلي المطروح بالحلقة، يمكن أن يصل الوكلاء المستقلون إلى مرحلة يصبحون فيها Decision Makers؛ أي أنهم يقدمون للمدير البشري كل ما يحتاج إليه لاتخاذ القرار، وقد يصل دورهم إلى صناعة القرار نفسه، بينما يظل القرار النهائي، في الرؤية المطروحة، بيد المدير البشري. وبذلك لا يختفي الإنسان من المؤسسة، وإنما يتغير موقعه فيها: من منفذ مباشر للمهام إلى مدير ومشرف على منظومة واسعة من الوكلاء.
التواصل مع الموظفين الرقميين: إذاً، كيف سيتواصل الإنسان مع موظفيه الرقميين؟ فإذا أصبح لدى المدير البشري عدد كبير من الموظفين الرقميين، فإن السؤال التالي يصبح: كيف سيتواصل معهم؟ حتى الآن يستخدم الإنسان الهاتف الذكي والبريد الإلكتروني والتطبيقات للتواصل مع زملائه وعملائه. لكن ظهور الموظف الرقمي يخلق حاجة إلى وسائل اتصال جديدة.
ومن هنا يأتي الحديث عن “Project Solara”، وهو مشروع يهدف إلى إنتاج أجهزة أو وحدات اتصال جديدة تطور عالم الاتصالات، وتمكن الإنسان من التواصل مع وكلاء الذكاء الاصطناعي المستقلين. وأشار د.بهاء الدين إلى ظهور نوعين من هذه الأجهزة في مرحلة التصميم والعرض: النوع الأول، وهو جهاز مكتبي يمكن أن يكون فيه وكلاء الذكاء الاصطناعي المشاركون في اجتماع حاضرين مع البشر على الطاولة. والنوع الثاني، وهو جهاز يشبه التاج الصغير أو جهازاً يُرتدى، ويعتمد على تكنولوجيا تسمى Chip to Cloud، بحيث تتم نسبة كبيرة من المعالجة على السحابة الرقمية. ويضم الجهاز كاميرا وميكروفوناً وشاشة، بما يسمح للإنسان بالتحدث إلى وكيله الذكي، وإظهار شيء له، والحصول على رأيه.
وتذكر الحلقة مثالاً على ذلك، كالطبيب الذي يستطيع تصوير حالة أو شيء يتعلق بالمريض، ثم يطلب من الوكيل الذكي إبداء رأيه. ويستطيع الوكيل، وفق هذا التصور المطروح، الوصول إلى السجل الطبي المتاح، ومراجعة التاريخ المرضي، وتحليل المعلومات والصورة، ثم تقديم رأيه للطبيب بوصفه مساعداً طبياً. وبذلك تتحول العلاقة من التعامل مع تطبيق ذكي إلى تفاعل بشري أكثر مباشرة مع وكيل مستقل يستطيع أن يرى، ويتحدث، ويفكر، ويقدم توصيات.
الكائنات الرقمية المستقلة: وكما تبين الحلقة، فإن هذا التحول يجعل فكرة التطبيقات الذكية نفسها أقل مركزية؛ لأن المستقبل المطروح يقوم على وكلاء أذكياء مستقلين قادرين على التفاعل بصورة أكبر مع الإنسان. وهذا يعيدنا إلى نقطة البداية: الاقتراب من الذكاء العام. فكلما أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على التفاعل، والاستيعاب، والتفكير، وإعطاء التوصيات، والعمل بصورة مستقلة، أصبح أكثر اقتراباً من الذكاء الإنساني العام. لكن هذا لا يعني أن الذكاء العام قد تحقق، وإنما يعني أن التطور الحالي يتحرك في اتجاه أقرب إلى هذا الهدف.
ماذا بعد الموظفين الرقميين؟ يمتد التصور هنا إلى ما هو أبعد من مجرد وجود عمال رقميين. فإذا أصبحت المؤسسة تضم بشراً وعمالاً رقميين، فإن الحاجة ستظهر إلى وظائف وأنظمة تعنى بمشكلات هؤلاء العمال الرقميين وإدارتهم؛ حيث يطرح النقاش بالحلقة تصوراً لوجود قسم شبيه بقسم الموارد البشرية، ولكن مخصص للعمالة الرقمية، يتولى إدارة الوكلاء والتعامل مع مشكلاتهم وضمان عدم حدوث اضطرابات في عملهم. ومع استمرار تطور هذا التصور، تطرح الحلقة سؤالاً حول الحقوق التي يمكن أن تظهر لهؤلاء الوكلاء مستقبلاً. وهنا ينتقل النقاش من مجرد التكنولوجيا إلى العلاقة الاجتماعية والتنظيمية بين الإنسان والكيانات الرقمية المستقلة.
بين الإنسان والآلة: تطرح الحلقة هنا تصوراً أكثر إثارة للجدل، وهو إمكانية وصول العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي والروبوتات إلى أشكال من الارتباط العاطفي والاجتماعي. فإلى أي مدى يمكن أن يتطور الارتباط بين الإنسان والآلة؟ وهذا الطرح يشمل تصوراً مستقبلياً مفاده أنه: كما توجد اليوم مطالبات ومظاهرات في بعض الأماكن بشأن الاعتراف القانوني بأشكال من الزواج ترفضها بعض المجتمعات وتقبلها مجتمعات أخرى، فقد تظهر خلال عشرين أو ثلاثين عاماً مطالبات بتنظيم زواج الإنسان من وكلاء الذكاء الاصطناعي والروبوتات المزودة بالذكاء الاصطناعي! النقاش هنا لا يقدم ذلك باعتباره واقعاً قائماً، وإنما باعتباره امتداداً محتملاً لمسار التطور الذي يناقشه.
عصر المنصات متعددة الوكلاء: وهناك تحول آخر لا يقل أهمية، وهو انتقال الذكاء الاصطناعي من العمل الفردي إلى العمل ضمن Multi-Agent Platforms، أي منصات تضم مجموعة من الوكلاء. وفي هذه البيئة يستطيع وكيل ذكاء اصطناعي أن يتفاعل مع وكيل آخر أو مع نظام آخر من خلال وسائل التفاعل البرمجية.
وبالتالي يمكن للإنسان أن يعطي وكيله مهمة، ثم يقوم هذا الوكيل بالتواصل مع أنظمة أو وكلاء آخرين لإنجاز المهمة والوصول إلى حل وإعادته إلى الإنسان. وهذا يعني أن الوكلاء لا يصبحون مستقلين فقط في تنفيذ المهام، وإنما يستطيعون أيضاً التعاون فيما بينهم.
وتضرب الحلقة مثالاً بالمهندس الذي يعمل على مشروع، ويريد إعداد تصور لتعديل تصميم فلل أو شقق، سواء بتقليل المساحات وتقليل الميزانية أو بتوسيعها. ففي المستقبل يمكن للمهندس أن يتواصل من خلال وسيلة الاتصال الجديدة مع مجموعة الوكلاء الذين يعملون معه، ويطلب منهم إعداد التصور. ويمكن أن يعمل بعضهم كمساعدين أو مهندسين معماريين أو مهندسي ديكور أو مهندسين مدنيين، وأن ينفذوا أجزاء مختلفة من المشروع.
لكن هناك طرفاً آخر مهماً في العملية، ألا وهو العميل. وهنا يستطيع الوكلاء الذين يعملون مع المهندس التواصل مع وكيل الذكاء الاصطناعي الخاص بالعميل، وفهم طلباته بصورة أكثر تفصيلاً، ثم استخدام تلك المعلومات لإعداد التصور المطلوب، بحيث يعرضه المهندس لاحقاً على العميل. وهكذا تتحول العملية من تفاعل إنسان مع نظام واحد إلى شبكة من الوكلاء الذين يتواصلون مع بعضهم بعضاً وينسقون المهام فيما بينهم.
وفي نهاية الحلقة، يذكر د. بهاء الدين مثالاً آخر على الاتجاه نحو الاستقلال، وهو السيارة ذاتية القيادة. حيث يشير بهاء الدين إلى تجربة في سان فرانسيسكو مع شركة Waymo، حيث يمكن للمستخدم تنزيل التطبيق، وطلب السيارة، وتحديد المكان، والدفع بالبطاقة، ثم انتظار السيارة وفتح الباب عبر التطبيق والركوب، بينما تتولى السيارة القيادة والوصول إلى المكان المحدد. ويشير د. بهاء الدين إلى وجود تجارب مماثلة في الصين أيضاً. وتكتسب هذه التجربة أهميتها داخل سياق النقاش لأنها تقدم مثالاً عملياً على انتقال بعض المهام التي كان الإنسان يقوم بها بصورة مباشرة إلى نظام مستقل يعمل بدلاً منه.
الخلاصة: يمكن تلخيص التصور الذي تعرضه حلقة النقاش عن تطور الذكاء الاصطناعي لسيد جبيل مع الدكتور أحمد بهاء الدين في انتقال الذكاء الاصطناعي عبر سلسلة متدرجة من المراحل، من حيث: التحول من أداة إلى موظف ثم إلى منظومة. فقد بدأت الثورة الحديثة في عالم الذكاء الاصطناعي عندما أصبح الإنسان قادراً على سؤال النموذج والحصول على إجابة. ثم انتقل التطور إلى مرحلة يستطيع فيها الإنسان تكليف الوكيل بمهمة فينفذها بصورة مستقلة. وبعد ذلك ظهر مفهوم الوكيل الذي يعمل كمساعد أو زميل عمل، ثم الوكيل الذي يصبح موظفاً رقمياً يعمل بصورة مستمرة ومستقلة، وصولاً إلى مرحلة يمكن أن تضم المؤسسة فيها أعداداً كبيرة من الوكلاء المستقلين، بينما يتولى البشر إدارتهم والإشراف عليهم.
وبالتوازي مع ذلك، ينتقل الذكاء الاصطناعي من العمل منفرداً إلى العمل ضمن منصات متعددة الوكلاء، حيث يتواصل الوكلاء مع بعضهم بعضاً ومع الأنظمة الأخرى، وينسقون المهام فيما بينهم. أما الإنسان، فلا يختفي من الصورة في هذا التصور، وإنما يتغير دوره تدريجياً. فبدلاً من أن يكون المنفذ المباشر لكل مهمة، يتحول إلى مدير ومشرف، وقد يصبح في المرحلة الثالثة مديراً لمجموعة ضخمة من الوكلاء المستقلين.
ويصبح السؤال المركزي عند هذه النقطة ليس فقط: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟ وإنما أيضاً: من يديره؟ و ما الصلاحيات التي يحصل عليها؟ و من يتخذ القرار النهائي؟ و كيف يتواصل البشر معه؟ و كيف ستتغير المؤسسات عندما يصبح جزء من العاملين فيها كيانات رقمية مستقلة؟
ويبقى الهدف الأكبر الذي بدأ به النقاش في هذه الحلقة وهو: الوصول إلى أقرب صورة ممكنة من الذكاء الإنساني العام. وبينما لا يزال هذا الهدف في النص هدفاً نهائياً وليس واقعاً مكتملاً، فإن التطور الحالي نحو الوكلاء المستقلين يمثل، وفق الطرح الوارد فيه، خطوة جديدة وجوهرية في هذا الاتجاه.
والفكرة الأساسية من وراء كل هذه التحولات التي طرحتها الحلقة هي أن الذكاء الاصطناعي لم يعد يتطور فقط ليكون أداة يستخدمها الإنسان، بل يتجه إلى أن يصبح طرفاً مستقلاً في عملية العمل نفسها: مساعداً، ثم زميلاً، ثم موظفاً رقمياً، ثم جزءاً من منظومة تديرها مجموعة من الوكلاء، مع بقاء الإنسان في موقع الإدارة واتخاذ القرار النهائي – على الأقل في هذا التصور الذي طرحته الحلقة للمرحلة المقبلة.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




