الشرق الأوسطتقارير

العدالة الانتقالية في سوريا بين ضغط الشارع ومخاوف السلطة من انفلات الثأر

تعيش سوريا خلال الأيام الأخيرة على وقع موجة احتجاجات متصاعدة طالبت بمحاسبة رموز النظام السابق والمتورطين في الانتهاكات، وسط مخاوف من تحوّل الغضب الشعبي إلى “عدالة شارع” تهدد السلم الأهلي وتضع الحكومة السورية أمام اختبار حساس في ملف العدالة الانتقالية.

وشهدت مناطق عدة، بينها دير الزور وإدلب وحلب وحماة وتدمر  ودمشق وريفها، مظاهرات رفعت شعارات تطالب بمحاسبة “فلول النظام والشبيحة” ورفض إعادة تعويم شخصيات كانت مرتبطة بأجهزة النظام الأمنية والعسكرية. لكن بعض هذه التحركات خرج عن الإطار السلمي، إذ وقعت هجمات على منازل وممتلكات أشخاص متهمين بالارتباط بالنظام السابق، كما سُجلت أعمال حرق وتكسير، إضافة إلى سقوط قتيل وعدد من الجرحى في صدامات متفرقة. 

وكانت نون بوست قد نشرت تقريراً موسعاً عن هذه الاحتجاجات ومسارها في 19 حزيران/يونيو 2026.

دير الزور: الشرارة الأولى

بدأت شرارة الاحتجاجات من مدينة دير الزور في 10 حزيران/يونيو، حين نفذ عدد من الثوار اعتصاماً احتجاجاً على ما وصفوه بـ “التساهل مع فلول النظام وإعادة تعويمهم”، قبل أن تُنصب خيمة حملت اسم “اعتصام الكرامة”. وجاء التحرك بعد أنباء عن عودة أفراد من عائلة محلية كانت، بحسب مصادر نقلها التقرير، على صلة بالأفرع الأمنية للنظام السابق والميليشيات الإيرانية التي سيطرت على المحافظة خلال سنوات الحرب.

وتحوّلت هذه الحادثة إلى رمز لغضب أوسع، إذ رأى المحتجون أن عودة شخصيات متهمة بالانتهاكات، أو إعادة إدخالها إلى الحياة الاجتماعية والاقتصادية من دون محاسبة واضحة، تمثل إهانة للضحايا وتفريطاً بمطالب الثورة. وزاد من الاحتقان أن هذه التطورات جاءت بعد عودة شخصيات أخرى مثيرة للجدل، بينها نواف البشير، المعروف بدوره السابق في دعم المشروع الإيراني في دير الزور ، وامتلاكه ميليشيا قاتلت إلى جانب نظام الأسد.

غير أن القضية في دير الزور لا تقف عند حادثة عائلية أو خلاف محلي على ملكية مقهى، بل تعكس شعوراً متنامياً بأن نظام “التسويات” أتاح لبعض وجوه المرحلة السابقة العودة إلى الواجهة من دون مسار قضائي شفاف.

من الاحتجاج إلى العنف

بعد دير الزور، انتقلت المطالب ذاتها إلى محافظات أخرى. ففي إدلب خرجت احتجاجات في سراقب ومعرة مصرين وكفرنبل وجسر الشغور وكفرتخاريم وأورم الجوز ومعرة النعمان وكفرعويد، مطالبة بمحاسبة المتورطين في الانتهاكات ورفض عودتهم إلى الحياة العامة من دون مساءلة.

وفي حلب، شهدت أحياء شرقية مثل السكري والشعار والشيخ سعيد وصلاح الدين والأنصاري مظاهرات طالبت بطرد من تصفهم بـ “الشبيحة”. أما في ريف دمشق، خصوصاً في قارة والنبك، فقد انتشرت مناشير تحذيرية تطالب المتورطين بالانتهاكات بالمغادرة.

لكن تصاعد الغضب الشعبي سرعان ما أدى إلى انزلاقات خطيرة. ففي بلدة كفرعويد بريف إدلب، هاجمت جموع من المحتجين منازل وممتلكات لأشخاص قيل إنهم مرتبطون بالنظام السابق، وقتل أحدهم وسُحل في الشوارع. وفي تدمر، أصيب عدد من الأشخاص بعد مظاهرة تحولت إلى مواجهات وأعمال حرق طالت منازل وسيارات ومحال تجارية تعود ملكيتها لشخصيات متهمة بالتعاون مع النظام السابق.

أما في دمشق، فكان المشهد الأكثر حساسية في حي المزة 86، حيث حاولت جموع غاضبة اقتحام الحي الذي تقطنه غالبية علوية، قبل أن تتدخل قوى الأمن السورية، بمشاركة مجموعات من أهالي دير الزور، لمنع توسع الصدام. وقد تعرضت بعض المحال والسيارات في الحي للتحطيم، ما أثار مخاوف من انتقال المطالب المحقة بالعدالة إلى توترات ذات طابع اجتماعي أو طائفي.

الحكومة بين التفهم والتحذير

حاولت السلطات السورية احتواء الموقف عبر نشر قوى الأمن في المناطق الساخنة، بالتوازي مع خطاب رسمي يؤكد تفهم مشاعر الغضب، لكنه يرفض في الوقت نفسه أي ممارسة انتقامية خارج القانون. وقالت وزارة الداخلية إن المحاسبة مسؤولية حصرية للدولة ومؤسساتها، ودعت المواطنين إلى عدم الانجرار وراء “عدالة الشارع”.

وكشف المتحدث باسم الوزارة، نور الدين البابا، أن إدارة مكافحة الإرهاب تحتجز 5,989 موقوفاً من عناصر النظام السابق بمختلف الرتب العسكرية، مؤكداً أن المحاسبة يجب أن تقوم على المسؤولية الفردية والأدلة القانونية، لا على العقاب الجماعي. وتداولت وسائل إعلام ومنصات محلية تصريحات الوزارة بشأن هذا الرقم في سياق حديثها عن ملاحقة المتورطين بجرائم النظام السابق.

كما وصفت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية مطالب الأهالي بأنها مشروعة، لكنها شددت على رفض الثأر والعقاب الجماعي، لأنهما يفتحان الباب أمام مظالم جديدة ويتعارضان مع مبادئ حقوق الإنسان.

وفي دير الزور، أعلن ممثلو المعتصمين تعليق اعتصام “السبع بحرات” بعد تلقي وعود من السلطات بتنفيذ مطالبهم. وبالتزامن مع ذلك، أعلنت وزارة الداخلية القبض على عدد من رموز النظام السابق والمتعاونين معه، في خطوة بدت موجهة أيضاً لامتصاص غضب الشارع وطمأنته بأن الملف لم يُغلق.

أزمة ثقة لا أزمة إجراءات فقط

تكشف الاحتجاجات الأخيرة عن أزمة ثقة عميقة بين الشارع الثوري والحكومة في ملف العدالة الانتقالية. فالمشكلة لا تكمن فقط في بطء المحاكمات أو نقص الإجراءات، بل في غموض السياسة الحكومية تجاه رموز النظام السابق، خصوصاً حين تتعامل السلطات بصرامة مع بعض المتهمين، بينما تجري تسويات مبهمة مع شخصيات أخرى لها نفوذ مالي أو عشائري أو أمني.

ويرى منتقدون أن هذا التباين يمنح انطباعاً بأن المحاسبة لا تطال الجميع بالمعايير نفسها. فهناك شخصيات مرتبطة في ذاكرة السوريين بالقمع والابتزاز ودعم النظام السابق، لكن ظهورها مجدداً في الحياة العامة أو الاقتصادية يثير شعوراً بالاستفزاز لدى الضحايا وذويهم.

ومن هنا، فإن تأخر العدالة لا يُقرأ في الشارع باعتباره ضعفاً إدارياً فقط، بل باعتباره تساهلاً أو إعادة تدوير للوجوه القديمة. وهذا ما قد يدفع بعض الفئات إلى محاولة أخذ العدالة بأيديها، وهو أخطر ما يمكن أن تواجهه دولة خارجة من حرب طويلة ومجتمع مثقل بالجراح.

بين العدالة والثأر

المعضلة الأساسية اليوم أن الشارع يطالب بحق مشروع: محاسبة المتورطين في الانتهاكات. لكن تحويل الشارع إلى محكمة ميدانية يهدد بتقويض فكرة العدالة نفسها. فالعدالة الانتقالية لا تعني الانتقام الجماعي، ولا استهداف عائلات أو طوائف أو مناطق، بل تعني كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين فردياً، وجبر ضرر الضحايا، ومنع الإفلات من العقاب.

وإذا لم تتحرك الدولة بسرعة وشفافية، فإن الفراغ القانوني قد يملؤه الغضب الشعبي. أما إذا تعاملت مع المطالب الأمنية بمنطق القمع أو التأجيل، فقد توسع فجوة الثقة أكثر. لذلك تبدو الحكومة مطالبة بمسار مزدوج: منع الانفلات والثأر من جهة، وتسريع المحاسبة وكشف الحقائق من جهة أخرى.

ما المطلوب؟

تحتاج سوريا اليوم إلى رؤية وطنية واضحة ومعلنة للعدالة الانتقالية، لا إلى إجراءات متفرقة تأتي كرد فعل على الاحتجاجات. ويبدأ ذلك بتقديم إحاطات دورية للرأي العام حول أعداد الموقوفين، وطبيعة التهم، ومراحل التحقيق والمحاكمة، مع ضمان عدم تحويل الملف إلى أداة سياسية أو وسيلة انتقام.

كما ينبغي إشراك ذوي الضحايا والمنظمات الحقوقية في المسار، وتعزيز استقلال القضاء، ووضع جدول زمني واضح للمساءلة وكشف الحقيقة. كذلك يبدو تفعيل العزل السياسي ضرورة مؤقتة لمنع الشخصيات المتهمة بالانتهاكات أو دعم القمع من العودة إلى مناصب عامة أو واجهات اقتصادية تستفز المجتمع.

ومن الضروري أيضاً إعادة النظر في نظام التسويات، بحيث لا يتحول إلى ممر آمن لعودة المتورطين إلى الحياة العامة من دون محاسبة. فالبلاد تحتاج إلى مصالحة قائمة على الحقيقة والعدالة، لا إلى طيّ الصفحات بالقوة أو عبر تفاهمات غامضة.

احتجاجات “طرد الشبيحة” ورمزية “قشرة الموز” تكشف هشاشة المرحلة الانتقالية

شهدت محافظات عدة، بينها دير الزور وحلب وإدلب وتدمر  ودمشق وريفها، مظاهرات متزامنة ضد ما يصفه المحتجون بـ “عودة الشبيحة” أو إعادة تعويم شخصيات كانت مرتبطة بأجهزة النظام السابق الأمنية والعسكرية. ورفع المتظاهرون شعارات تطالب بالمحاسبة وتطبيق العدالة الانتقالية، معتبرين أن عودة بعض المتورطين إلى مدنهم وقراهم من دون مساءلة تمثل استفزازاً لذوي الضحايا وإهانة لذاكرة الثورة.

لكن هذه الاحتجاجات لم تبقَ دائماً في إطارها السلمي. فقد رافقتها في بعض المناطق تهديدات مباشرة، وأعمال عنف، وهجمات على منازل وممتلكات أشخاص اتُّهموا بالارتباط بالنظام السابق، ما أعاد فتح النقاش حول حدود العدالة الانتقالية، ومن يملك حق المحاسبة: الدولة بمؤسساتها وقضائها، أم الشارع الغاضب الذي يشعر أن العدالة الرسمية بطيئة أو غائبة؟

“قشرة الموز”: من سخرية سوداء إلى رمز للاغتيال

أحد أبرز الرموز التي رافقت هذه الموجة الاحتجاجية كان استخدام صورة قشرة الموز في منشورات وتهديدات وُجهت لمن يوصفون بـ “الشبيحة”. وقد تحولت عبارة “تزحلق بقشرة موز” خلال الأشهر التي تلت سقوط النظام إلى تعبير متداول على وسائل التواصل للإشارة إلى عمليات اغتيال تستهدف أشخاصاً يُتهمون بالانتماء إلى شبكات التشبيح أو التعاون مع النظام السابق.

وفي دير الزور، ظهر مقطع مصور يسمي بعض الشخصيات المتهمة بالتشبيح بشكل واضح، بينما حمل أحد المتظاهرين موزة في إشارة رمزية إلى تلك العبارة. أما في إدلب، فقد وُزعت منشورات تحذيرية تتضمن رسائل مباشرة مثل “هاجروا أو الزموا بيوتكم”، مرفقة بصورة قشرة موز، في ما بدا تهديداً صريحاً بالاستهداف.

وتكمن خطورة هذا الرمز في أنه لا يبقى في حدود السخرية السياسية أو الغضب الشعبي، بل يرتبط بسلسلة عمليات قتل نفذها مجهولون، خصوصاً في حلب، حيث تتحدث تقارير عن اغتيالات ينفذها ملثمون على دراجات نارية، ثم تتولى صفحات مجهولة نشر الاتهامات بحق الضحايا لتبرير قتلهم. وقد تناولت تقارير محلية هذه الظاهرة بوصفها تهديداً مباشراً لمسار العدالة وسيادة الدولة، لأنها تحول الاتهام الشعبي إلى حكم وتنفيذ خارج القانون.

دير الزور وإدلب وحلب: غضب واحد بأشكال مختلفة

تبدو دير الزور إحدى أبرز نقاط انطلاق هذا الغضب. فقد شهدت المدينة اعتصاماً ومظاهرات بعد أنباء عن عودة شخصيات محلية متهمة بصلات سابقة مع أجهزة النظام والميليشيات الإيرانية. واعتبر المحتجون أن عودة هؤلاء تحت حماية أمنية أو عشائرية تعني عملياً إعادة تدوير رموز القمع بدل محاسبتهم.

وفي إدلب، خرجت احتجاجات في عدة بلدات ومدن، وظهرت خطابات شعبية حادة ترفض وجود “الشبيحة” داخل المجتمع المحلي. وفي بعض المقاطع، طالب محتجون بطردهم من البلدات أو منعهم من العودة إلى الحياة العامة، بينما يرى مؤيدو هذه التحركات أن من تورط في الوشاية أو التعذيب أو القتل لا يمكن أن يعود إلى موقعه السابق وكأن شيئاً لم يحدث.

أما في حلب، فقد أخذت الاحتجاجات طابعاً أكثر توتراً، خاصة في أحياء مثل الشيخ سعيد ومناطق أخرى، حيث رُفعت هتافات قاسية ضد من يوصفون بالشبيحة. كما ارتبط اسم المدينة بسلسلة اغتيالات مجهولة سابقة، ما يجعل أي تصعيد جديد فيها مرشحاً للتحول من احتجاج شعبي إلى موجة عنف يصعب ضبطها.

مشكلة التعريف: من هو “الشبيح”؟

تكمن إحدى أخطر المعضلات في اتساع معنى كلمة “الشبيح” داخل الوعي الشعبي السوري. فالمصطلح لم يعد يشير فقط إلى المسلحين الذين مارسوا القتل أو التعذيب المباشر، بل بات يشمل المخبرين، وكتّاب التقارير الأمنية، والمستفيدين من الفساد، ورجال الأعمال المرتبطين بالنظام، والوجهاء المحليين الذين وفروا غطاء اجتماعياً أو أمنياً للسلطة السابقة.

هذا الاتساع يجعل المحاسبة خارج القضاء شديدة الخطورة، لأن الاتهام قد يتحول إلى أداة انتقام شخصي أو تصفية حسابات عائلية أو سياسية أو مناطقية. فحين يصبح الشارع هو من يحدد من هو “الشبيح”، ومن يستحق الطرد أو الضرب أو القتل، تنهار الحدود بين العدالة والثأر، وبين المحاسبة والفوضى.

وهنا تظهر الحاجة إلى مسار قضائي واضح، يفرّق بين المسؤولية الفردية المباشرة، والانتماء الاجتماعي أو الطائفي أو المناطقي، ويمنع تحويل الجرائم التي ارتكبها أفراد أو مؤسسات إلى إدانة جماعية تطال مكونات كاملة من المجتمع.

حملة “لست شجرة”: عندما يتحول الغضب إلى خطاب طائفي

بالتوازي مع احتجاجات “طرد الشبيحة”، أثارت حملة إلكترونية تحمل اسم “لست شجرة” جدلاً واسعاً بعد نشرها دعوات إلى مقاطعة اجتماعية واقتصادية لأبناء الطائفة العلوية، من خلال الامتناع عن التعامل معهم في العمل والسكن والطبابة والخدمات والمشتريات اليومية.

وتقوم الحملة، وفق ما نشر عنها، على تعميم المسؤولية عن جرائم النظام السابق على مكون اجتماعي كامل، وهو ما يمثل انحرافاً خطيراً عن جوهر العدالة الانتقالية. فالعدالة تقوم على المسؤولية الفردية وملاحقة من أمر ونفذ وشارك وغطى الجرائم، لا على معاقبة الناس بسبب طائفتهم أو اسم عائلتهم أو مكان ولادتهم. وقد حذرت تقارير من أن هذه الحملة تحوّل مطلب المحاسبة إلى دعوة للعزل الجماعي، بما يضرب أسس العدالة الانتقالية ويغذي الانقسام الأهلي.

ولا تقتصر خطورة الحملة على استهداف العلويين جماعياً، بل تمتد إلى تشويه صورة السنة أيضاً، عبر تصويرهم ككتلة تقف خلف خطاب التحريض. وبهذا المعنى، فإن الحملة تؤذي الطرفين: تضع العلويين في موقع الاتهام الجماعي، وتربط السنة بخطاب طائفي مجهول المصدر، وتحوّل قضية الضحايا من مطلب عادل إلى مادة صراع أهلي.

كما أن ظهور حملات مجهولة المصدر، بهوية بصرية موحدة وخطاب تحريضي متناسق، يطرح أسئلة حول الجهات المستفيدة من دفع السوريين إلى مواجهة داخلية، خصوصاً في بيئة رقمية مشحونة يسهل فيها تضخيم الغضب وتوجيهه نحو سرديات قابلة للانفجار.

عدالة الدولة أم عدالة الشارع؟

أمام هذا المشهد، تبرز الأزمة المركزية: السوريون يريدون العدالة، لكنهم لا يثقون تماماً بسرعة الدولة وقدرتها على إنجازها. فبطء المحاكمات، وغموض نظام التسويات، وعودة بعض الوجوه المرتبطة بالنظام السابق إلى الواجهة، كلها عوامل تغذي الشعور بأن الجناة قد يفلتون من العقاب.

في المقابل، فإن ترك الشارع يقرر من يُحاسب وكيف يُحاسب يهدد بتحويل الضحايا إلى جلادين، ويعيد إنتاج منطق القوة الذي ثار السوريون عليه أصلاً. فالعدالة الانتقالية لا تعني الانتقام، ولا تعني التسامح المفتوح، بل تعني كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، وجبر ضرر الضحايا، وضمان عدم تكرار الجرائم.

وقد شددت الحكومة السورية، بحسب ما نقلته تقارير عن الاحتجاجات الأخيرة، على أن المحاسبة يجب أن تبقى من اختصاص مؤسسات الدولة، لا عبر الانتقام الفردي أو “عدالة الشارع”. كما تؤكد السلطات أن مسار الملاحقة قائم، بينما يرى المحتجون أن الخطوات لا تزال بطيئة وغير شفافة، وأنها لا تطال جميع المتورطين بالمعايير نفسها.

الخطر الطائفي: دمشق نموذجاً

تظهر خطورة الانزلاق الطائفي بوضوح في دمشق وبعض الأحياء ذات الطابع العلوي، مثل عش الورور والمزة 86، حيث ارتفع منسوب الخوف والتوتر مع انتشار دعوات طرد الشبيحة أو محاسبتهم ميدانياً. ويصبح الأمر أكثر حساسية حين تنتقل المطالب من محاسبة أفراد متهمين بجرائم محددة إلى تهديد جماعات سكانية كاملة.

إن حماية السوريين من بعضهم البعض في هذه المرحلة ليست تفصيلاً أمنياً، بل مؤشر على هشاشة السلم الأهلي. فالمجتمع الخارج من عقود الاستبداد والحرب يحمل ذاكرة مثقلة بالقتل والإذلال والوشاية والاعتقال، لكن تحويل هذه الذاكرة إلى عقوبة جماعية قد يفتح الباب أمام حرب أهلية بصيغة جديدة، لا تبدأ بالضرورة بجبهات عسكرية، بل بتحريض اجتماعي، ومقاطعة طائفية، واغتيالات مجهولة، وثأر محلي متنقل.

من يعطل العدالة الانتقالية؟

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: لماذا يغضب الشارع؟ بل أيضاً: من يستفيد من تحويل هذا الغضب إلى فوضى؟ فتعطيل العدالة الانتقالية لا يحدث فقط عبر إبطاء المحاكمات أو التسويات الغامضة، بل يحدث أيضاً عبر دفع الناس إلى اليأس من القانون، ثم استخدام هذا اليأس لتبرير القتل والتهجير والمقاطعة على الهوية.

وهنا تلتقي مصلحتان خطيرتان: مصلحة بعض المتورطين السابقين الذين يريدون تمييع المسؤولية داخل جماعات واسعة، ومصلحة الجهات التي ترغب في إفشال المرحلة الانتقالية عبر إثبات أن ما يجري ليس عدالة، بل انتقام جماعي. وفي الحالتين، يكون الضحايا هم الخاسر الأكبر، لأن قضيتهم تُسحب من مسار القانون إلى ساحة الفوضى.

ما المطلوب الآن؟

تحتاج سوريا إلى خطوات عاجلة وواضحة تمنع انفلات الشارع، من دون قمع الغضب المشروع. وأول هذه الخطوات إعلان خطة وطنية مفصلة للعدالة الانتقالية، تتضمن جدولاً زمنياً للمحاسبة، وآليات لكشف الحقيقة، وضمانات لمشاركة ذوي الضحايا والمنظمات الحقوقية، وإحاطات دورية للرأي العام حول مسار التحقيقات والمحاكمات.

كما ينبغي تفعيل العزل السياسي والقانوني بحق الشخصيات المتهمة بالانتهاكات أو دعم القمع، بحيث لا تعود إلى مناصب عامة أو واجهات اقتصادية قبل البت في ملفاتها. فظهور رموز النظام السابق في المشهد العام من دون محاسبة لا يهدد فقط ذاكرة الضحايا، بل يضرب ثقة الناس بالدولة الجديدة.

وفي الوقت نفسه، يجب التعامل بحزم قانوني مع خطاب الكراهية والتحريض الطائفي، سواء صدر عن حملات مجهولة أو منابر دينية أو صفحات إلكترونية. فمكافحة الطائفية لا تعني قمع المطالبة بالعدالة، بل تعني حماية العدالة من أن تتحول إلى انتقام جماعي.

خلاصة

تكشف الاحتجاجات السورية الأخيرة عن معادلة شديدة الحساسية: لا يمكن بناء سلام من دون عدالة، ولا يمكن بناء دولة إذا حلّ الثأر مكان القانون. فالغضب من عودة رموز النظام السابق مفهوم ومشروع، خاصة لدى ذوي الضحايا والمعتقلين والمفقودين، لكن تحويل هذا الغضب إلى طرد جماعي أو اغتيالات أو مقاطعة طائفية يهدد بتقويض كل ما يفترض أن تحققه العدالة الانتقالية.

سوريا اليوم ليست فقط أمام ملف قانوني اسمه محاسبة الشبيحة، بل أمام اختبار وطني أعمق: هل تستطيع الدولة الجديدة أن تُقنع الناس بأن العدالة آتية فعلاً، وبأن الجناة لن يفلتوا من العقاب؟ وهل يستطيع الشارع أن يحافظ على عدالة قضيته من دون أن ينزلق إلى منطق الانتقام؟

الجواب عن هذين السؤالين سيحدد ما إذا كانت سوريا تتجه نحو مصالحة صعبة لكنها ممكنة، أم نحو دائرة جديدة من العنف، عنوانها الظاهر “محاسبة الشبيحة”، وجوهرها الأخطر انهيار الثقة بين السوريين أنفسهم. (انظر) (انظر) (انظر)

نحن نرى أن ما شهدته سوريا خلال الأيام الماضية ليس مجرد موجة غضب عابرة، ولا يمكن اختزاله في “مؤامرة” أو “انفلات شارع”. إنه تعبير عن جرح وطني مفتوح، وعن خوف عميق من أن يفلت المتورطون في الانتهاكات من العقاب.

لكن في المقابل، فإن العدالة التي تُمارس خارج القانون قد تتحول سريعاً إلى ثأر، والثأر قد يفتح الباب أمام دوامة عنف تهدد السلم الأهلي في بلد لا يزال هشاً. لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام الحكومة السورية اليوم هو أن تثبت للناس أن الدولة قادرة على محاسبة الجناة، وحماية الضحايا، ومنع الانتقام الجماعي في الوقت نفسه.

فالعدالة الانتقالية ليست ملفاً قانونياً فقط، بل هي أساس بناء الثقة بين المجتمع والدولة الجديدة. وكلما تأخر هذا المسار، اتسعت الفجوة بين الشارع والسلطة، وازدادت احتمالات أن ينفجر الغضب في صور أكثر خطورة.

يمكن مراجعة بعض الاقتراحات عن تطبيق العدالة الانتقالية، قمنا بتقديمها في مرحلة مبكرة بعد سقوط نظام الأسد في إطار مقترحات لمواجهة التحديات التي تواجهها سورية الجديدة.

صوفيا خوجاباشي

صحفية وباحثة في العلاقات الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى