خريطة التحالفات الجديدة في المنطقة والمفهوم الجديد للأمن القومي الإسرائيلي

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
أعاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فتح النقاش بشأن شكل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، بعدما عرض خلال إحاطة أمنية لتصوره الجديد للأمن القومي الإسرائيلي خريطة ملونة تقسم المنطقة إلى ثلاثة محاور رئيسية، في مشهد بدا وكأنه محاولة لتقديم تصور إسرائيلي جديد لموازين القوى والتحالفات التي تتشكل بعد سنوات من الحروب والتحولات الإقليمية.

الخريطة التي ظهرت خلال عرض نتنياهو قسمت الشرق الأوسط إلى محور أزرق تدور نواته حول إسرائيل والإمارات، ومحور أخضر، أُطلق عليه التحالف السني الماسي، يضم السعودية وتركيا ومصر وباكستان، ومحور ثالث باللون الأرجواني تقوده إيران وتندرج في إطاره القوى والجماعات المرتبطة بما يعرف بمحور المقاومة. كما عرضت الخريطة للمناطق التي يمكن اعتبارها “صديقة” لكل محور، أو تلك التي يمكن أن تدخل في أطر مشتركة أو متداخلة مع المحاور والمناطق المختلفة.
الخريطة لم تُصمم داخل مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بل تعود في أصلها إلى تحليل نشرته مؤسسة «فريدريش إيبرت شتيفتونج» الألمانية قبل أشهر، في محاولة لاستشراف التحالفات والتوازنات الجيوسياسية الجديدة في المنطقة. لكن قرار نتنياهو استخدامها خلال عرض رسمي لتحديث مفهوم الأمن الإسرائيلي، منحها دلالة سياسية أكبر، وجعلها أقرب إلى مرآة تعكس الطريقة التي تريد القيادة الإسرائيلية من خلالها قراءة الشرق الأوسط الجديد.
الضربات الاستباقية والتحرك العسكري المبكر في الرؤية الجديدة
الوثيقة التي خرجت من مكتب نتنياهو وقدمها في العرض المذكور تتضمن 10 مبادئ للأمن الإسرائيلي تشمل: منع امتلاك الأعداء سلاحا نوويا حتى بعمل هجومي منفرد إذا لزم الأمر، وتعزيز الردع بنيران دقيقة، وإنذار استخباراتي متواصل، ومبادرة وخداع وضربات استباقية، ودفاع متعدد الطبقات ومناطق عازلة عند الحاجة.
وتشمل أيضا رعاية التحالفات، والاستقلال التكنولوجي والأمني عبر توسيع الصناعات الدفاعية وزيادة كبيرة في الميزانية والاستثمار في الذكاء الاصطناعي والفضاء والسيبر والحوسبة الكمومية، إلى جانب الصراع على الوعي، وتحقيق الانتصار بكسر قوة العدو، و«روح الشعب». وشدد نتنياهو على أن إسرائيل يجب أن تبقى دائما خطوة قبل أعدائها.
الجديد في العقيدة الأمنية التي استعرضها نتنياهو لا يتعلق فقط بتحديد مصدر الخطر، بل بطريقة مواجهته. فالتصور الذي طرحه نتنياهو يعطي أولوية أكبر للضربات الاستباقية ومنع الخصم من استكمال قدراته، بدلا من انتظار تحوله إلى تهديد مباشر ثم محاولة ردعه.
فبحسب الرؤية الجديدة، لم يعد الاحتواء كافيا، كما لم يعد ممكنا الاعتماد فقط على قوة الردع التقليدية، بل يجب التحرك عسكريا في مراحل مبكرة إذا رأت إسرائيل أن تهديدا ما يتطور بصورة قد تمس أمنها مستقبلا.
تجدر الإشارة إلى أن هذه الرؤية تتوافق مع الدراسة التحليلية التي نشرها مدير معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) والرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية “أمان”، تامير هايمان (Tamir Hayman)، في أكتوبر 2026. وأبرز ما جاء في هذه الدراسة الخطيرة:
تحويل الحرب إلى حالة دائمة: ترصد الدراسة تحولاً في العقيدة الأمنية الإسرائيلية منذ أحداث 7 أكتوبر 2023، حيث بات يُنظر إلى “الحرب” باعتبارها عنصراً تأسيسياً مستمراً للأمن القومي، وليست مجرد ظرف استثنائي مؤقت يُلجأ إليه ثم يُسعى لإنهاءه.
إضعاف الجوار: تطرح الدراسة مبادئ تقوم على إضعاف الدول العربية المحيطة بدلاً من الرهان على استقرارها، وتوسيع السيطرة المباشرة على الأرض بدلاً من الفصل السياسي أو التسويات السلمية.
أولوية الهجوم والضربات الاستباقية: تمنح هذه القراءة الهجوم والضربات الاستباقية المفاجئة أولوية مطلقة على الدفاع التقليدي، باعتبار أن فترات الهدوء تصبح موضع شك ويُنظر إلى تجنب المواجهة كنوع من الضعف.
ومن المثير أن الدراسة تنظر للولايات المتحدة كقوة متراجعة، وستتخلى عن إسرائيل على أي حال نظرًا للتغيرات السياسية والإجتماعية الجارية فيها حاليًا، ولذلك يجب على إسرائيل تكريس الإعتماد على نفسها حتى لا تقع تحت نفوذ نظام تقدمي أمريكي لا يتواءم مع الشخصية الإسرائيلية اليهودية. لذلك فإن التباعد عن الولايات المتحدة ليس فقط حتميًا، ولكن ضروري لتحقيق استقلال إسرائيل وصلابة هويتها القومية اليهودية!
لذلك يوازي هذا التحول سعي إسرائيلي إلى زيادة الاستقلال في الصناعات العسكرية والذخائر والتكنولوجيا المتقدمة، بما يقلل مستوى الاعتماد على الخارج، ولا سيما الولايات المتحدة والدول الغربية.
وتدرك إسرائيل أن اعتمادها الكبير على الإمدادات العسكرية الأجنبية يمكن أن يتحول في أوقات الأزمات إلى ورقة ضغط سياسية، ولذلك تتحدث العقيدة الجديدة عن تعزيز الإنتاج المحلي والحفاظ على التفوق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والفضاء والحوسبة المتقدمة.
الخريطة وموقعها في مفهوم الأمن الإسرائيلي
تكمن أهمية الخريطة التي عرضها نتنياهو في أنها تتجاوز الصورة التقليدية التي حكمت النظرة الإسرائيلية إلى المنطقة خلال سنوات طويلة، والتي كانت تقوم أساسا على مواجهة بين إسرائيل وحلفائها من جهة، وإيران وشبكة القوى المسلحة المرتبطة بها من جهة أخرى. فالمشهد الذي عرضه نتنياهو يضيف للمرة الأولى بصورة واضحة كتلة ثالثة تضم تركيا والسعودية ومصر وباكستان، ما يعني أن التنافس الإقليمي لم يعد يُختزل في الصراع الإسرائيلي الإيراني وحده.
تجدر الإشارة إلى أن ظهور هذه الدول ضمن لون واحد لا يشير إلى وجود تحالف عسكري رسمي يجمعها، بقدر ما يعكس اتجاهًا نحو تشكل مركز قوة إقليمي مستقل، دخلت في إطار تحالف سياسي جديد، يطلق عليه إعلاميًا R4، يسعى إلى الاحتفاظ بهامش حركة منفصل عن كل من إسرائيل وإيران. وتملك الدول الأربع ثقلا عسكريا واقتصاديا وسياسيا كبيرا، كما ترتبط فيما بينها بعلاقات متنامية، رغم استمرار الخلافات بينها في عدد من الملفات. وتمتد دوائر النفوذ المرتبطة بهذه الكتلة -وفقا للخريطة- إلى سوريا والأردن (مع الضفة الغربية) واليمن والسودان والصومال وغرب ليبيا.
ويبرز في المقابل محور آخر تدور نواته حول إسرائيل والإمارات (المذكورة فيه بوضوح وبشكل عضوي)، وتمتد دوائر النفوذ المرتبطة به -وفقا للخريطة- إلى إثيوبيا وأرض الصومال وغرب السودان وليبيا واليونان وقبرص. وهذا التوزيع يكشف أن مفهوم التحالفات الذي تعكسه الخريطة لا يقوم فقط على العلاقات الرسمية بين الحكومات، وإنما يشمل أيضا القوى المحلية والموانئ والممرات البحرية والقواعد العسكرية ومناطق النفوذ داخل الدول المنقسمة.
كما أشارت الخريطة إلى تقاطع دوائر النفوذ للمحورين المذكورين في أماكن أخرى مثل شرق وجنوب ليبيا وجزء من جنوب اليمن (الخاضع للمجلس الانتقالي) وأذربيجان.
المحور الثالث يشمل إيران ومناطق اليمن الشمالي الخاضعة للحوثيين وجنوب لبنان الخاضع لحزب الله، إضافة لقطاع غزة الخاضع لحماس. طبقًا للخريطة، فإن العراق (عدا كردستان العراق) يعد جزئيا في دائرة النفوذ الإيراني، بينما تتقاطع الهند مع المحاور الثلاثة.
ومن أكثر جوانب الخريطة لفتا للانتباه وضع الإمارات عضويًا في محور واحد إلى جانب إسرائيل، في حين تظهر السعودية ضمن المحور الآخر. ويعكس هذا التصنيف قراءة ترى أن الرياض وأبوظبي، رغم استمرار الشراكة بينهما في ملفات عديدة، لم تعودا تتحركان بالضرورة وفق رؤية إقليمية متطابقة، خصوصا في اليمن والسودان والقرن الأفريقي.
وفي هذا السياق تبدو الإمارات، وفق التصور المعروض، أكثر اندماجا في شبكة سياسية وأمنية متقاطعة المصالح مع إسرائيل، في حين تسعى السعودية إلى بناء موقع أكثر استقلالا، عبر توسيع علاقاتها مع تركيا ومصر وباكستان، إلى جانب المحافظة على شراكاتها التقليدية مع الولايات المتحدة والدول الغربية.
أما تركيا، فتحتل موقعا خاصا في هذه الخريطة. فأنقرة لا تظهر كدولة هامشية أو مجرد طرف في نزاعات شرق المتوسط، وإنما كإحدى القوى الكبرى القادرة على قيادة توازن إقليمي موازٍ. ويأتي ذلك في وقت اتسعت فيه رقعة النفوذ التركي خلال السنوات الأخيرة من سوريا والعراق إلى ليبيا والقرن الأفريقي وشرق المتوسط.
وبالنسبة إلى إسرائيل، فإن تصاعد الدور التركي يخلق نوعا جديدا من المنافسة. فإيران ما تزال تُعامل باعتبارها التهديد العسكري المباشر والأكثر خطورة، لكن تركيا تمثل في المقابل قوة إقليمية منافسة تمتلك جيشا كبيرا واقتصادا واسعا وشبكة تحالفات وقدرة على التأثير في ملفات قريبة من المجال الأمني الإسرائيلي.
ولهذا فإن التحول الأبرز في النظرة الإسرائيلية لا يتمثل في استبدال إيران بتركيا كخصم رئيسي، وإنما في الانتقال من رؤية تقوم على عدو واحد إلى رؤية ترى المنطقة كساحة تدافع بين عدة مراكز قوة في الوقت نفسه.
وتظل إيران، رغم ذلك، في قلب العقيدة الأمنية التي قدمها نتنياهو. فالخريطة تظهرها مركزا لمحور يمتد عبر العراق ولبنان واليمن وساحات أخرى، فيما تؤكد الوثيقة الأمنية الإسرائيلية التي عرض من خلالها نتنياهو تصوره للأمن الإسرائيلي أولوية التعامل مع القدرات العسكرية الإيرانية والتهديدات الصاروخية والطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية.
ولا تتوقف دلالات الخريطة عند حدود القوى الكبرى، بل تكشف أيضا أن الدول المنقسمة والهشة قد تصبح ساحات رئيسية للتنافس بين المحاور الجديدة.
ففي اليمن وليبيا والسودان ولبنان تظهر قوى ومناطق مختلفة داخل شبكات نفوذ متباينة، ما يعني أن الصراع الإقليمي المقبل قد لا يأخذ دائما شكل مواجهة مباشرة بين الدول، بل يمكن أن يجري عبر حلفاء محليين وقوى مسلحة وموانئ وممرات بحرية ومناطق نفوذ.
وهذا ما يمنح البحر الأحمر والقرن الأفريقي أهمية خاصة. فالمجال الأمني الذي تنظر إليه إسرائيل لم يعد محصورا في حدودها المباشرة، بل يمتد إلى باب المندب وطرق الملاحة الدولية والسواحل المقابلة للبحر الأحمر، بعدما أثبتت السنوات الأخيرة أن هجمات تنطلق من مسافات بعيدة يمكن أن تؤثر مباشرة في التجارة والأمن الإسرائيليين.
ومن هنا يمكن فهم إدراج مناطق في إثيوبيا وإريتريا والصومال والسودان واليمن ضمن التصورات المتعلقة بشبكات النفوذ الإقليمية. فهذه المناطق تقع عند تقاطع خطوط التجارة والطاقة والممرات البحرية، وأصبحت جزءا متزايدا من حسابات الأمن القومي لدول الشرق الأوسط.
وتبرز سوريا أيضا باعتبارها نموذجا واضحا لهذا التنافس. فهي تقع في نقطة تقاطع بين المصالح التركية والإسرائيلية والإيرانية والعربية، ويبدو أن مستقبلها سيبقى مرتبطا إلى حد كبير بصراع القوى الإقليمية على منع خصومها من ترسيخ وجود دائم داخل أراضيها. (أنظر مثلا دراستنا حول التنافس والاحتكاك بين سوريا وإسرائيل).
ويمثل ظهور سوريا ضمن المجال القريب من المحور الأخضر في الخريطة إشارة إلى تراجع النفوذ الإيراني فيها لمصلحة قوى عربية وتركيا، لكن هذا لا يعني أن دمشق أصبحت جزءا من تحالف رسمي، وإنما أن موقعها الجيوسياسي أصبح جزءا من صراع أوسع على شكل النظام الإقليمي، تقترب فيه بشكل أكبر مع ما أطلق عليه المحور السني الماسي.
موقع واشنطن بالنسبة لمحاور المنطقة
في الوقت نفسه، تكشف الخريطة عن تحول آخر يتعلق بالدور الأميركي في الشرق الأوسط. فمعظم القوى الرئيسية التي تظهر فيها، بما في ذلك إسرائيل وتركيا والسعودية ومصر والإمارات، تربطها علاقات وثيقة بدرجات مختلفة مع الولايات المتحدة، كما تشير الخريطة التي تعتبر هذه الدول “صديقة” للولايات المتحدة، ومع ذلك تتنافس فيما بينها على النفوذ والقيادة الإقليمية.
وهذا يعني أن الشرق الأوسط لا يتجه بالضرورة إلى انقسام بين معسكر موال لواشنطن وآخر معاد لها، بل إلى نظام أكثر تعقيدا تتنافس داخله دول حليفة للولايات المتحدة نفسها على المصالح والممرات والنفوذ.
وقد يفتح هذا التحول بدوره المجال أمام أدوار أكبر لقوى دولية أخرى مثل الصين، التي حاولت خلال السنوات الماضية توسيع حضورها الاقتصادي والسياسي في المنطقة، مستفيدة من رغبة عدد من العواصم في تنويع شراكاتها وعدم الاعتماد بصورة كاملة على الولايات المتحدة.
الحسابات الانتخابية الإسرائيلية
ولا يمكن، في المقابل، فصل توقيت عرض نتنياهو عن الحسابات السياسية الداخلية في إسرائيل، إذ جاءت الإحاطة قبل أيام من انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول.
ويحاول نتنياهو تقديم نفسه أمام الناخب الإسرائيلي باعتباره الزعيم الذي استطاع، بعد هجوم السابع من أكتوبر والحروب التي أعقبته، نقل إسرائيل من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة، وإضعاف خصومها وتوسيع شبكة تحالفاتها وتحويلها إلى قوة قادرة على التأثير في شكل المنطقة.
ومن هذه الزاوية، لم تكن الخريطة مجرد أداة لشرح البيئة الجيوسياسية ودوائر الأمن الإسرائيلي، بل أصبحت أيضا جزءا من الخطاب الانتخابي. فهي تقدم للناخب صورة لإسرائيل باعتبارها لاعبا مركزيا في إعادة تشكيل الشرق الأوسط، لا دولة تنتظر ما تفعله القوى الأخرى.
الخلاصة
الوثيقة التي عرضها نتنياهو كتحديث لمفهوم الأمن الإسرائيلي، وعرض من خلالها الخريطة التي تضع تصورًا للتحالفات في المنطقة، لا تقدم جديدًا بالنسبة للمتابع للسلوك الإسرائيلي على أرض الواقع في الفترة الأخيرة. إسرائيل أصبحت أكثر هجومية وعدوانية، وانتقلت من تكريس الإنطباع أنها بقعة ضعيفة في وسط غابة من الأعداء الذين يريدون إلقائها في البحر، إلى أنها لاعب رئيس في المنطقة لا تكتفي فقط بالدفاع ولا بالردع أمام كل من يهدد مصالحها، لكنها تشكل تحالفًا قويًا يقوم بالهجوم الاستباقي على أي مصدر تهديد، تحدده هي طبقًا لمصالحها، الذي يعني باختصار كل من يقف أمام طموحها في الهيمنة والسيطرة على المنطقة.
التعامل مع الألوان الثلاثة الواردة في الخريطة باعتبارها أحلافا مكتملة سيكون مبالغة. فلا السعودية وتركيا ومصر وباكستان تشكل حتى الآن تحالفا عسكريا موحدا، ولا جميع الأطراف التي وضعتها الخريطة ضمن المحور الأزرق مرتبطة بإسرائيل والإمارات باتفاقات دفاعية رسمية.
الأدق أن الخريطة ترصد اتجاهات سياسية وتحولات في موازين القوى أكثر مما ترسم حدود تحالفات ثابتة ومستقرة. لكن أهميتها تبقى في كونها تعكس تصورا لمنطقة تتحرك بعيدا عن الثنائية القديمة بين إسرائيل وإيران، نحو نظام أكثر تعددا تتنافس فيه عدة قوى على النفوذ في الوقت نفسه.
وبهذه القراءة، فإن الشرق الأوسط الذي يستعد له نتنياهو ليس منطقة مقسمة ببساطة إلى أصدقاء وأعداء، بل فضاء من التحالفات المرنة والمصالح المتقاطعة والصراعات المتحركة، تمتد ساحاته من شرق المتوسط إلى الخليج ومن سوريا والعراق إلى السودان واليمن والقرن الأفريقي. إلا أن الرسالة التي يمكن أن تكون إسرائيل تريد توجيهها من خلال هذا العرض، هي أن هناك عدوًا واضحا تواجهه الأن متمثلًا في إيران وحلفائها في المنطقة، وهناك أيضًا خصمًا محتملًا يمكن أن تبادر إسرائيل بمواجهته إذا قدَّرت أن هناك تهديدًا محتملًا يمكن أن يواجهها من هذه الجهة.
أما الرسالة الأكثر وضوحا في العقيدة الإسرائيلية الجديدة فهي أن إسرائيل تريد الحفاظ على حرية أكبر في استخدام القوة لفرض نفوذها في المنطقة، ومنع الأخطار قبل اكتمالها، وذلك بالبقاء في حالة حرب دائمة، تسعى لإضعاف الجوار، وتقليص اعتمادها العسكري على الخارج، وفي الوقت نفسه بناء شبكة أوسع من الشراكات الإقليمية.
وبذلك لا تبدو الخريطة التي ظهرت خلف نتنياهو وصفا نهائيا للشرق الأوسط بقدر ما تبدو تصورًا للشرق الأوسط الذي تتوقع إسرائيل أن تتعامل معه خلال السنوات المقبلة: منطقة متعددة الأقطاب، تتراجع فيها التحالفات الجامدة، وتتصاعد فيها المنافسة على الموانئ والممرات البحرية والتكنولوجيا والدول الهشة ومناطق النفوذ، وتتزايد من خلال ذلك الصراعات المحتملة، تكون إسرائيل أثنائها في حالة تحفز، بل وحرب دائمة، وتلجأ فيها لإضعاف خصومها وشن هجمات إستباقية عليهم للقضاء على أي مصدر تهديد محتمل.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.



