مصر والصين.. من تنويع الشراكات إلى بناء التحالف الاستراتيجي وحدود الضغط الأمريكي

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
مقدمة
تأتي هذه الدراسة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، والانتقال التدريجي من نظام هيمنت عليه الولايات المتحدة لعقود إلى بيئة دولية أكثر تعددًا في مراكز القوة والنفوذ، وهو ما يفرض على الدول ذات الأهمية الاستراتيجية، وفي مقدمتها مصر، إعادة تقييم طبيعة علاقاتها مع القوى الكبرى، بما يحافظ على مصالحها وأمنها القومي ويوسع هامش حركتها الاستراتيجية.
وتهدف الدراسة إلى تحليل مسار العلاقات المصرية الصينية في الوقت الحالي، ورصد التحول الذي شهدته خلال الفترة الأخيرة من التعاون الاقتصادي والسياسي إلى مجالات أكثر حساسية، وفي مقدمتها التعاون العسكري والتكنولوجي. نقوم من خلال الدراسة بقراءة دلالات زيارة الرئيس الصيني الأخيرة إلى مصر من ناحية التوقيت والمخرجات، كما نرصد ونحلل رد الفعل الأمريكي تجاه تنامي العلاقات بين القاهرة وبكين، وما إذا كانت واشنطن تسعى إلى وضع حدود لهذا التقارب أو التأثير في مساره.
وتتناول الدراسة عددًا من المؤشرات الدالة على تنامي العلاقات بين البلدين، وفي مقدمتها التدريبات العسكرية المشتركة، وعلى رأسها تدريبات «نسور الحضارة 2026»، وما شهدته من مشاركة مقاتلات صينية متقدمة وتدريبات جوية مع القوات المصرية، فضلًا عن مساعي القاهرة للحصول على مزيد من القدرات والتكنولوجيا العسكرية الصينية.
كما تبحث الدراسة في ارتباط التحرك المصري الصيني بالتطورات الأوسع في النظام الدولي، وفي مقدمتها تنامي الدور الصيني العالمي وتوسع علاقاتها مع القوى الإقليمية، بالتزامن مع قمة منظمة شنغهاي للتعاون في قرغيستان.
وتنطلق الدراسة من فرضية أساسية قمنا برصدها، مفادها أن مصر في تعاملها مع الصين تسعى إلى الانتقال من مجرد سياسة تنويع مصادر التسليح والشراكات الجديدة، إلى بناء علاقات استراتيجية أكثر توازنًا مع القوة الصينية الكبرى الصاعدة، الصين، بما يمنحها خيارات أوسع ويعزز استقلال قرارها الاستراتيجي. إلا أن هذا المسار يصطدم بحقيقة أخرى، تتمثل في استمرار العلاقات الاستراتيجية والعسكرية العميقة بين مصر والولايات المتحدة، وما تملكه واشنطن من أدوات تأثير وضغط يمكن أن تحد من بعض أوجه التقارب المصري الصيني، خصوصًا في المجالات العسكرية والتكنولوجية الحساسة.
وتخلص الدراسة إلى أن القاهرة لا تبدو بصدد استبدال واشنطن ببكين، وإنما تسعى إلى إعادة صياغة معادلة علاقاتها بالقوى الكبرى على أساس التوازن وتعدد الخيارات. غير أن اتساع التعاون المصري الصيني، ولا سيما في المجال العسكري والتكنولوجي، سيظل أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى الولايات المتحدة، ما يجعل مستقبل هذا التقارب مرهونًا بقدرة مصر على الموازنة بين شراكتها الاستراتيجية القائمة مع واشنطن ورغبتها المتزايدة في الاقتراب من بكين.
وبذلك، فإن القضية الأساسية التي تطرحها الدراسة ليست ما إذا كانت مصر ستتعاون مع الصين، فقد أصبح ذلك واقعًا متناميًا، وإنما إلى أي مدى تستطيع القاهرة تطوير هذه العلاقة إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية دون أن تتحول الضغوط الأمريكية إلى قيد على خياراتها، ودون أن تفقد في الوقت ذاته علاقاتها الاستراتيجية القائمة مع الولايات المتحدة.
أولًا: زيارة تحمل دلالات تتجاوز العلاقات الثنائية
لم تأتِ زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر في توقيت عادي، وإنما في لحظة تشهد إعادة تشكيل واسعة للبيئة الاستراتيجية الدولية والإقليمية، وتراجعًا نسبيًا في قدرة الولايات المتحدة على احتكار التأثير في الشرق الأوسط، بالتزامن مع صعود الصين كقوة دولية تسعى إلى توسيع حضورها السياسي والاقتصادي والأمني، بالتزامن مع إنشغال أمريكا بالحرب الإيرانية التي لم تننه بعد، ولا يظهر أي أفق لانتهائها قريبًا.
وتكتسب الزيارة أهمية إضافية لكونها جاءت عقب مشاركة شي في قمة بيشك لمنظمة شنغهاي للتعاون في قيرغيزستان، حيث التقى عددًا من القادة، من بينهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان والرئيس الهندي ناريندرا مودي. ومن ثم فإن زيارة القاهرة جاءت ضمن تحرك دبلوماسي صيني أوسع لإعادة صياغة علاقات بكين مع القوى الإقليمية والدولية عن طريق بناء شبكة علاقات دولية تسمح لها بتوسيع مفهوم الشراكة خارج المنظومة الغربية.
مصر ليست عضوًا كاملًا في منظمة شنغهاي للتعاون، لكنها ترتبط بها بصفة شريك حوار، وهو ما يجعل القاهرة جزءًا من شبكة أوسع من العلاقات التي تقودها الصين مع دول الشرق الأوسط وآسيا.
وبالتالي يمكن قراءة الزيارة باعتبارها تقع عند تقاطع مسارين:
المسار الأول: توسيع الصين لشبكة علاقاتها مع القوى الإقليمية في مواجهة عالم يتجه بصورة متزايدة نحو التعددية القطبية.
المسار الثاني: تعميق الشراكة المصرية الصينية. كجزء هام من المسار الأول.
والأهم أن الزيارة تزامنت مع احتفال البلدين بمرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما. وكانت مصر أول دولة عربية وأفريقية تعترف بالصين وتقيم معها علاقات دبلوماسية عام ١٩٥٦. كما جاءت الزيارة في أثناء إجراء مصر والصين تدريبات «نسور الحضارة 2026»، التي شهدت تدريبات جوية مشتركة وتدريبًا على التخطيط وإدارة العمليات الجوية المشتركة.
وتزامنًا مع زيارة الرئيس الصيني إلى القاهرة، كتب السيسي مقالًا عن العلاقات المصرية الصينية بعنوان (معًا من أجل مستقبل أكثر ازدهارًا للشعبين المصري والصيني وللإنسانية). واختتم السيسي مقاله بقوله:
“إننا كما سطرنا على مدار الأعوام الماضية صفحات من التعاون والصداقة بين بلدينا الصديقين، فإننا نتطلع لأن نكتب معًا فصلًا جديدًا من فصول الصداقة المصرية-الصينية التي امتدت لآلاف السنوات، متطلعين لعقود جديدة من التطور والازدهار لشعبينا الصديقين. ومتمنيين للعالم مزيدا من الاستقرار والأمن والتنمية”.
ومن جانبه كتب الرئيس الصيني قبل زياراته لمصر بعنوان “ إطلاق مسيرة جديدة بهمة وعزيمة بعد 70 عاما من التآزر والتضامن” ركز فيها على العلاقات المصرية الصينية والتى وصفها بأنها قديمة وتطور ت مع مرور الزمن.
وأختتم الرئيس الصيني مقاله بقوله “ إن الجانب الصينى على استعداد للعمل مع الجانب المصرى على التمسك بالغاية الأصلية ومتابعة أعمال الأسلاف، وفتح أُفق للمستقبل، وتبادل الدعم بعزم لا يلين فى طريق مؤدٍ إلى النهضة والازدهار، والعمل معا على خلق مستقبل أكثر إشراقًا لتنمية البلدين والعلاقات الثنائية”.
ثانيًا: خمسة اتفاقيات ومذكرات تفاهم استراتيجية بين مصر والصين
شهد السيسي و بينغ مراسم توقيع 5 اتفاقيات ومذكرات تفاهم رفيعة المستوى، وذلك في إطار الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس الصيني إلى مصر، إلى جانب التوقيع على أكثر من 20 وثيقة تعاون إضافية شملت مجالات التكنولوجيا، والمالية، والاقتصاد الرقمي، والمواصلات، والإعلام، في خطوة تستهدف تعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين القاهرة وبكين.
أبرز الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الموقعة:
1-ربط التنمية والرؤى الاستراتيجية: مذكرة تفاهم لتحديد قائمة أولويات التعاون في إطار رؤية مصر 2030 ومبادرة “الحزام والطريق” الصينية، وقعها وزير الخارجية والتعاون الدولي المصري بدر عبد العاطي، ورئيس اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح الصينية تشنج شانجيه.
وقد اتفق السيسي والرئيس الصيني على التعميق الشامل للشراكة الاستراتيجية؛ ويشمل ذلك الحفاظ على التبادلات رفيعة المستوى، والاستفادة الفعّالة من الحوار الاستراتيجي بين وزيري خارجية البلدين، وغيره من الآليات. كما اتفقا على مواصلة تعزيز التنسيق الاستراتيجي، وتوطيد التعاون المتبادل المنفعة بين البلدين في جميع المجالات. ولتعميق شراكتهما، اتفق السيسي وجين بينغ أيضًا على توسيع نطاق التنسيق بشأن قضايا الحوكمة العالمية، والجهود المبذولة لحماية مصالح الدول النامية ودول الجنوب العالمي.
وأكد الجانبان أن هذه الشراكة تُسهم في دفع النظام الدولي نحو مسار أكثر عدلاً وإنصافاً. وأعرب الجانبان عن استعدادهما للبناء على التقدم المُحرز في العلاقات الثنائية خلال السنوات الأخيرة، والعمل على تعزيز بناء مجتمع مصري صيني ذي مستقبل مشترك. وأشاد الرئيس الصيني بمبدأ التوازن الاستراتيجي الذي تتبناه مصر، معتبراً إياه داعماً للتعددية.
وهنا تكمن إحدى أهم دلالات الزيارة: العلاقة لم تعد محصورة في الاستثمار والبنية التحتية والتجارة، وإنما تتجه تدريجيًا إلى مجالات التكنولوجيا والأمن وسلاسل الإمداد الاستراتيجية. إلا أن أغلب ما تم التوصل إليه في هذه المجالات كان مذكرات تفاهم، وليس اتفاقات ملزمة للطرفين.
2-التعاون الاقتصادي والفني: اتفاقية لتعزيز الدعم الفني والتنموي بين البلدين، وقعها وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، ورئيس الوكالة الوطنية للتعاون الإنمائي الدولي الصيني تشن شياو دونج.
وفي هذا الإطار، أكد السيسي وبينغ، على تشجيع الشركات من كلا البلدين على التعاون في مشاريع الطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والتصنيع المحلي.
اتفق الجانبان على العمل على تعزيز التوافق بين رؤية مصر 2030 ومبادرة الحزام والطريق. وسيسهم ذلك في تحويل مصر إلى مركز إقليمي للصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي، يربط آسيا بأفريقيا وأوروبا، وفقًا لبيان الرئاسة. ولتحقيق هذه الغاية، سيعمل الجانبان على تعزيز الشراكات المصرية الصينية المشتركة، وتشجيع الشركات الصينية على الاستفادة من المزايا التنافسية لمصر.
كما سيبحثان بنشاط التعاون في مجال التوطين الصناعي، بما في ذلك تصنيع السيارات الكهربائية، وبناء السفن، والطاقة المتجددة مثل الألواح الشمسية وتوربينات الرياح، بالإضافة إلى تحلية مياه البحر.
وسيعمل الجانبان على توسيع نطاق التعاون في التقنيات المتقدمة، بما في ذلك الحوسبة السحابية، ومراكز البيانات واقتصاد البيانات، وأشباه الموصلات، والأمن السيبراني، وتطبيقات الفضاء والاستشعار عن بعد، وسلاسل إمداد المعادن الحيوية، والزراعة، وصناعة السيارات.
في إطار التعاون الإقتصادي بين مصر والصين، سيعمل الطرفان على تعزيز بناء القدرات البشرية وتبادل الخبرات والتقنيات في هذه المجالات، بما يُسهم في التحول الرقمي والتنمية المستدامة في مصر، حيث أعرب السيسي والرئيس الصيني، عن تقديرهما للتعاون المالي القائم بين الجانبين، بما في ذلك إصدار “سندات الباندا” المقومة باليوان الصيني، وتوسيع نطاق اتفاقيات مقايضة العملات المحلية.
وحثّ الرئيسان المؤسسات المالية في كلا البلدين على دعم الاستثمارات الصناعية والتنموية، ومشاريع البنية التحتية، والتحولات الخضراء والرقمية.
وفي هذا الصدد، رحّب السيسي والرئيس الصيني بتجديد اتفاقية مقايضة العملات بين البلدين وزيادة قيمتها. ورحّب السيسي ومضيفه الصيني بتنفيذ البرنامج التنفيذي للشراكة الاستراتيجية الشاملة للفترة 2024-2028. واتفقا على تشجيع استخدام العملات المحلية في التجارة والاستثمار، وتعزيز تسوية المعاملات التجارية والاستثمارية بالعملات المحلية.
3-سلاسل الإمداد والصناعة: مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون الاقتصادي في مجالات سلاسل الصناعة والإمداد، وقعها وزير الاستثمار والتجارة الخارجية المصري محمد فريد صالح، ووزير التجارة الصيني وانج ونتاو.
4-تكنولوجيا المعلومات والتحول الرقمي: مذكرة تفاهم للتعاون التقني والتكنولوجي، وقعها وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات المصري رأفت هندي، ورئيس اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح الصينية تشنج شانجيه.
5-تطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس: مذكرة تفاهم لتعزيز الاستثمارات في محور قناة السويس، وقعها رئيس الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية للقناة مصطفى شيخون، ووزير التجارة الصيني وانج ونتاو.
ثالثًا: حول تدريبات نسور الحضارة 2026
مثل تنفيذ تدريب “نسور الحضارة الجوي بين مصر والصين2026” للعام الثاني على التوالي خطوة مهمة في مسار تطور العلاقات العسكرية بين البلدين، ولا سيما مع اتساع مستوى المشاركة الصينية في التدريب، ليس فقط من حيث الطائرات المقاتلة، وإنما أيضًا من خلال منصات الإنذار المبكر والتحكم الجوي والنقل الاستراتيجي.
وبجسب ما أعلنه المتحدث الرسمي بإسم الجيش المصري، جاءت فعاليات التدريب الجوى المصرى الصينى المشترك (نسور الحضارة- 2026) بمشاركة عدد من الطائرات المقاتلة متعددة المهام من مختلف الطرازات لكلا الجانبين، والذى يتم تنفيذه بعدد من القواعد الجوية بجمهورية مصر العربية. وأضاف المتحدث باسم الجيش المصري أنه تم تنفيذ عدد من الطلعات المشتركة للتدريب على إدارة أعمال القتال الجوى لمهاجمة الأهداف المعادية وحماية الأهداف الحيوية وفقاً لأحدث التكتيكات الجوية بما يسهم فى تبادل الخبرات وتطوير مهارات وقدرات الطيارين على العمل المشترك فى تناغم وتنسيق كامل فيما بينهم، فضلاً عن التدريب على أعمال التزود بالوقود فى الجو. وأضاف المتحدث العسكري المصري ، ان التدريب هدف إلى تحقيق أقصى استفادة ممكنة للعناصر المشاركة فى التخطيط والتنفيذ لإدارة العمليات الجوية الحديثة، وكذا تعظيم الخبرات المتبادلة بما ينعكس على قدرة وجاهزية القوات الجوية لكلا البلدين لتنفيذ كافة المهام الموكلة إليها بكفاءة واقتدار.
وبحسب ما تداولته حسابات متخصصة في استخبارات المصادر المفتوحة ضم التشكيل الجوي الصيني المشارك في التدريب 6 مقاتلات من طراز J-16، إلى جانب طائرة الإنذار المبكر والتحكم الجوي KJ-500G، وطائرة النقل الاستراتيجي Y-20. وتعكس طبيعة هذا التشكيل رغبة في اختبار العمل المشترك بين منصات القتال الجوي ومنظومات القيادة والسيطرة والإنذار المبكر، بما يتجاوز مفهوم التدريب التقليدي بين المقاتلات.
وتكمن أهمية مشاركة هذه المنصات تحديدًا في أنها تتيح للقوات الجوية المصرية التعرف بصورة عملية على مفاهيم تشغيلية مختلفة، خصوصًا في مجالات إدارة المعركة الجوية، والإنذار المبكر، وتبادل المعلومات، وتنسيق العمليات بين الطائرات المقاتلة ومنصات القيادة والسيطرة. كما تمنح الجانب الصيني فرصة لاختبار قدراته في بيئة تشغيلية مختلفة، وفهم طبيعة العمل مع القوات الجوية المصرية.
لكن الأهمية الأكبر لهذا التطور لا ينبغي أن تتوقف عند حدود التدريبات والمناورات المشتركة. فالتدريب العسكري يكتسب قيمته الاستراتيجية الأكبر عندما يتحول إلى مدخل لبناء تعاون دفاعي أكثر عمقًا، يشمل التسليح ونقل التكنولوجيا والصيانة والتدريب وتطوير القدرات المشتركة.
ومن هذه الزاوية، فإن التقارب العسكري المصري الصيني ينبغي أن يتجاوز مرحلة المناورات الدورية إلى مرحلة أكثر تقدمًا تقوم على صفقات تسليح مدروسة، خصوصًا في المجالات التي تحتاج فيها مصر إلى تنويع مصادر تسليحها، وبناء قدرات متقدمة في القتال الجوي والإنذار المبكر والحرب الإلكترونية والاستطلاع والقيادة والسيطرة.
ولا يعني ذلك بالضرورة التحول الكامل نحو التسليح الصيني، وإنما الاستفادة من المنافسة بين مصادر التسليح المختلفة لتعزيز هامش الحركة الاستراتيجية المصرية. فامتلاك مصر خيارات متعددة في مجال التسليح يمنحها قدرة أكبر على التفاوض، ويقلل من مخاطر الاعتماد المفرط على مصدر واحد.
وعليه، فإن استمرار تدريب “نسور الحضارة” للعام الثاني يمثل مؤشرًا إيجابيًا على تطور التعاون العسكري بين القاهرة وبكين، لكن الاختبار الحقيقي لهذا التقارب سيكون في مدى قدرته على الانتقال من التدريب المشترك إلى التعاون الدفاعي الفعلي، ومن المناورات إلى صفقات تسليح وبناء قدرات.
فالمناورات تفتح الباب، لكن الصفقات ونقل التكنولوجيا والتعاون طويل الأمد هي التي تستطيع تحويل التقارب العسكري المصري الصيني إلى شراكة استراتيجية أكثر رسوخًا.
وقد حاولت مصر بالفعل إبرام صفقات مع الصين وروسيا للحصول على مقاتلات شبحية متطورة، إلا أن عدم الترحيب الأمريكي بهذه الخطوات حال دون استمرارها، فتوقفت مصر عن المضي فيها. وما يجري في المنطقة اليوم يفرض على دولها تنويع مصادر تسليحها، وعدم الاعتماد بشكل مفرط على التسليح الأمريكي، خصوصًا في مجال القوة الجوية، في ظل السياسة الأمريكية التي تحرص على الحفاظ على التفوق الجوي النوعي للعدو الصهيوني في المنطقة.
في تدريب “نسور الحضارة الجوي” بين مصر والصين، تم نشر صور للمقاتلات المشاركة في التدريب من الجانبين، والتي شملت مقاتلات ميغ-29 ورافال المصرية، إلى جانب مقاتلات J-16 التابعة للقوات الجوية الصينية. وتكتسب مشاركة مقاتلات رافال المصرية أهمية خاصة، كونها المرة الأولى التي تشارك فيها هذه المقاتلات المتقدمة في تدريب جوي مشترك مع مقاتلات صينية. وخلال آخر تدريب جوي مشترك بين البلدين “نسر الحضارة 2025” ، شاركت مصر بمقاتلات ميغ-29، بينما شاركت الصين بمقاتلات J-10.
والدلالة العسكرية الأهم هنا ليست مجرد مشاركة الرافال، وإنما وضع منصة فرنسية متقدمة في بيئة تدريبية مباشرة مع مقاتلة صينية ثقيلة ومتطورة مثل J-16، بما يتيح اختبار مفاهيم القتال والتنسيق بين فلسفتين مختلفتين في تصميم وتشغيل القوة الجوية.
كما أن الجمع بين الرافال الفرنسية وJ-16 الصينية في تدريب واحد يحمل دلالة استراتيجية تتجاوز حدود التدريب ذاته؛ فهو يعكس قدرة القوات الجوية المصرية والصينية على تشغيل منصات تنتمي إلى مدارس تسليح مختلفة داخل بيئة عملياتية واحدة، واختبار مدى قابلية دمجها وتنسيق أدوارها في إدارة المعركة الجوية. وهذه نقطة مهمة بالنسبة لمصر التي تمتلك أسطولًا جويًا متعدد المصادر، إذ إن القيمة الحقيقية لهذا التنوع لا تتحقق بمجرد امتلاك طائرات من دول مختلفة، وإنما بامتلاك القدرة على توظيفها بصورة متكاملة ضمن مفهوم عملياتي واحد.
ومن هذه الزاوية، فإن مشاركة الرافال إلى جانب J-16 تمنح التدريب قيمة إضافية؛ فالاحتكاك المباشر بين منصات مختلفة في الأداء والتصميم وأنظمة الاستشعار والتسليح يتيح للقوات المصرية فهم نقاط القوة والقيود لكل مدرسة قتالية، كما يوسع خبرتها في التعامل مع تكتيكات وطرق تشغيل غير مألوفة. وقد يكون هذا الجانب تحديدًا أكثر أهمية من مجرد عدد الطائرات المشاركة، لأنه يرتبط ببناء خبرة تراكمية في إدارة قوة جوية متنوعة المصادر.
والأهم أن هذا النوع من التدريبات يفتح لمصر مساحة أوسع لتنويع خياراتها العسكرية والتكنولوجية؛ فالتدريب المشترك مع الصين، بمشاركة الرافال المصرية، لا يعني بالضرورة اتجاه القاهرة إلى استبدال مصدر تسليح بآخر، وإنما يمنحها فرصة لاختبار قدرات وخيارات متعددة، وهو ما يمكن أن يشكل قاعدة للتوسع مستقبلًا في التعاون الدفاعي والتسليحي مع الصين، إذا ما توافرت الإرادة السياسية والجدوى العملياتية.
الخلاصة أن ما يجري في المنطقة اليوم يفرض على دولها تنويع مصادر تسليحها، وعدم الاعتماد بشكل مفرط على التسليح الأمريكي، خصوصًا في مجال القوة الجوية، في ظل السياسة الأمريكية التي تحرص على الحفاظ على التفوق الجوي النوعي للعدو الصهيوني في المنطقة.
وقد نالت المناورات المصرية الصينية تغطية إعلامية عالمية واسعة، فعلى سبيل نشرت مجلة الإيكونوميست تقريرًا شاملًا يتضح منه الفوائد التدريبية الهامة لكلا الطرفين، حيث ذكرت فيه أن: ” المقاتلات الصينية أجرت لأول مرة اشتباكات تدريبية مباشرة مع مقاتلات رافال الفرنسية التابعة للقوات الجوية المصرية، وتضمنت المناورات قتالاً جوياً غير متماثل، بصيغتي مقاتلة ضد مقاتلة ومقاتلتين ضد مقاتلتين، وفق التلفزيون الصيني”.
وذكر التقرير أن ” الطائرات توقفت في كراتشي الباكستانية، بما يبرز إمكانية استخدام باكستان محطة عبور وإسناد للعمليات الصينية باتجاه الشرق الأوسط. الهدف المباشر هو اختبار قدرة القوات الجوية الصينية على نشر قوة قتالية متكاملة بعيداً آلاف الكيلومترات عن أراضيها. مشاركة ناقلة الوقود والتوقف في باكستان اختبرا سلسلة الانتشار كاملة، لا مجرد أداء المقاتلات داخل المجال الجوي المصري”.
كما ذكر التقرير أن: “القتال مع الرافال يمنح الطيارين الصينيين خبرة نادرة ضد مقاتلة غربية لا تستخدمها القوات الصينية أو حلفاؤها التقليديون. يتيح التدريب للطرفين رصد الخصائص التشغيلية للطائرة المقابلة، مثل المناورة والاستشعار والتكتيكات. لهذا تحمل المناورات أهمية خاصة للهند، التي تشغل الرافال وقد تواجه المقاتلات الصينية في نزاع حدودي مستقبلي. ترتبط الحساسية أيضاً بحرب الهند وباكستان عام 2025، وسط ادعاءات متنازع عليها بإسقاط مقاتلة رافال بواسطة طائرة صينية الصنع”.
ترى المجلة كذلك أن التدريبات تمثل عرضاً تسويقياً للصناعة العسكرية الصينية أمام دولة تعتمد تاريخياً على السلاح الأميركي والفرنسي”. “التقرير كاملًا على هذا الرابط”.
ماذا وراء القلق الهندي من تدريب نسور الحضارة (المصري- الصيني)؟
سلّط موقع India Global Review (IGR) الضوء على المناورات الجوية الصينية–المصرية “نسور الحضارة”، معتبرًا أن مشاركة مقاتلات J-16 الصينية ورافال المصرية تمنح التدريب أهمية تتجاوز كونه تمرينًا عسكريًا روتينيًا، خصوصًا أن المناورات تضمنت سيناريوهات تحاكي الاشتباك الجوي القريب والقتال من خارج مدى الرؤية. ويرى التقرير أن أهمية التدريب بالنسبة للهند ترتبط بامتلاكها مقاتلات رافال، إذ يتيح الاحتكاك المباشر بها للجانب الصيني اكتساب خبرة عملياتية وتكتيكية في التعامل مع مقاتلة غربية متقدمة.
ومن منظور عسكري، لا تعني هذه المناورات أن الصين أصبحت تمتلك معرفة كاملة بالرافال الهندية، فهناك اختلافات في التجهيزات والتسليح والحرب الإلكترونية والبرمجيات بين النسخ المصرية والهندية، كما أن نتائج التدريب لا يمكن إسقاطها مباشرة على حرب حقيقية. إلا أن القيمة الحقيقية تكمن في تراكم الخبرة؛ فكل احتكاك تدريبي مع منصة قتالية أجنبية يوفر للطرف الآخر فرصة لفهم أساليب استخدامها وتطوير تكتيكات مضادة لها.
وتزداد حساسية هذا الأمر بالنسبة إلى الهند في ضوء الشراكة الدفاعية الوثيقة بين الصين وباكستان، وما قد يعنيه احتمال حصول إسلام آباد مستقبلًا على مقاتلات J-16. ففي حال تحقق ذلك، يمكن أن تنتقل بعض الخبرات التي راكمتها الصين في التعامل مع الرافال إلى البيئة العملياتية الباكستانية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عبر التدريب وتطوير المفاهيم والتكتيكات، وليس بالضرورة من خلال نقل معلومات تقنية سرية.
ومن ثم، فإن القلق الهندي لا يرتبط بمقارنة J-16 والرافال في مناورة واحدة، وإنما بما يمكن أن ينتج عن هذا النوع من التدريبات من تراكم للخبرة العسكرية الصينية، وما قد تكون له من تداعيات مستقبلية على التوازن الجوي في جنوب آسيا، خاصة إذا تطورت الشراكة الصينية–الباكستانية إلى تشغيل باكستان لمقاتلات J-16.
وبالنسبة لمصر، فإن التدريب يحمل فائدة مقابلة تتمثل في إتاحة فرصة للقوات الجوية المصرية للاحتكاك بمدرسة قتالية ومنصة متقدمة من خارج منظومتها التقليدية، بما يعزز تنويع الخبرة العملياتية. كما أن انتقال المقاتلات الصينية لمسافة تقارب 6 آلاف كيلومتر، بمشاركة طائرات الدعم والإنذار المبكر والتزود بالوقود، يعكس في الوقت نفسه قدرة الصين المتنامية على تنفيذ عمليات جوية بعيدة عن محيطها الإقليمي.
وبالتالي، فإن الأهمية الاستراتيجية لـ«نسور الحضارة» لا تكمن في نتيجة مواجهة تدريبية بين J-16 ورافال، وإنما في الخبرة التي يراكمها كل طرف، وفي التداعيات التي قد تنتقل مستقبلًا من هذا التعاون المصري–الصيني إلى بيئات تنافسية أخرى، وفي مقدمتها جنوب آسيا.
ماذا وراء القلق الإسرائيلي من تدريب نسور الحضارة (المصري- الصيني)؟
يسعى العدو الإسرائيلي بصورة مستمرة إلى الحفاظ على تفوقه الجوي النوعي في المنطقة، ويحظى في ذلك بدعم أمريكي واضح، والأمريكي يحرص من جانبه أيضًا على التفوق النوعي الصهيوني الجوي في المنطقة، ولذلك فإن الإسرائيلي يراقب بحساسية وخوف أي توجه لدى دولة إقليمية نحو تنويع مصادر تسليحها الجوي والبحث عن مقاتلات متقدمة من خارج المنظومة الأمريكية. ومن هذا المنظور، تنظر إسرائيل إلى تدريب “نسور الحضارة، الذي يجرى للعام الثاني على التوالي، بين مصر والصين بقلق وخوف ظاهر، باعتباره من وجهة نظرها أكثر من مجرد تدريب جوي؛ فقد يكون مؤشرًا على توجه مصري متزايد نحو تعميق التعاون العسكري مع الصين، وربما يمثل مقدمة لمحاولات مصرية حثيثة للحصول على مقاتلات صينية متقدمة، وفي مقدمتها J-16، وهو ما قد يثير مخاوف إسرائيلية بشأن مستقبل ميزان القوة الجوية في المنطقة.
ومن منظور الأمن القومي المصري، فإن التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة تجعل تنويع مصادر التسليح، ولا سيما في مجال القوة الجوية، مسألة تتجاوز حدود التعاون العسكري والتدريبات المشتركة إلى كونها أحد متطلبات الحفاظ على القدرة الدفاعية والاستقلالية الاستراتيجية. ولذلك، فإن امتلاك مقاتلات صينية متقدمة يمثل خيارًا مهمًا لمصر، خصوصًا في ظل الحاجة إلى عدم الاعتماد بصورة مفرطة على المصدرين الأمريكي والأوروبي للتسليح الجوي، اللذين يعملان على الحفاظ على التفوق الجوي الصهيوني، وعدم السماح للمخاوف أو الضغوط الأمريكية بأن تحدد وحدها خيارات مصر في بناء قدراتها الجوية. ويكتسب ذلك أهمية خاصة في ضوء المحاولات المصرية السابقة للحصول على مقاتلات روسية وصينية متقدمة، والتي واجهت تحفظات وضغوطًا أمريكية حالت دون المضي فيها.
من خلال قراءتنا، العالم يشهد تحولات استراتيجية كبرى بعد الحرب الإيرانية-الأمريكية، وما كان مستبعدًا في الماضي قد لا يبقى كذلك في المرحلة المقبلة؛ فالتغير في موازين القوى قد يدفع الدول إلى إعادة النظر في سياسات التسليح والتصدير التي حكمت المرحلة السابقة، وقد تتجه الصين وروسيا لتصدير معدات كانت لا تصدرها في الماضي.
رابعًا: لماذا تمثل العلاقات العسكرية البعد الأكثر حساسية؟
إذا كانت العلاقات الاقتصادية بين القاهرة وبكين لا تمثل، في حد ذاتها، تحديًا مباشرًا لواشنطن، فإن الأمر يختلف عندما ينتقل التعاون إلى المجال العسكري والتكنولوجي الدفاعي والاستراتيجي.
وتبرز هنا تدريبات «نسور الحضارة 2026» باعتبارها أحد أهم المؤشرات الجديدة. فالصين لم ترسل مجرد طائرات مقاتلة للمشاركة في تدريب رمزي، بل شاركت بطائرات J-16، إلى جانب طائرات دعم وتمكين، وأجرت طائراتها تدريبات قتالية مع الطائرات المصرية، بما فيها الرافال. بل إن وزارة الدفاع الصينية نشرت رسميًا صورًا ومعلومات عن تدريبات J-16 ضد Rafale في القتال الجوي على المديين المتوسط والقريب.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأنها تمثل انتقالًا من مجرد التعاون التدريبي إلى تبادل الخبرات العملياتية والتكتيكية، وهو مستوى أكثر حساسية في العلاقات العسكرية.
والأهم أن الصين أعلنت أن التدريب يشمل تكتيكات القتال الجوي، وعمليات تحقيق التفوق الجوي، والبحث والإنقاذ القتالي، واستخدام القوات.
ومن ثم فإن السؤال لم يعد: هل تتعاون مصر عسكريًا مع الصين؟ فالإجابة أصبحت واضحة. السؤال الأهم هو: إلى أي مدى يمكن أن يصل هذا التعاون؟
خامسًا: هل تتجه مصر إلى مجرد تنويع مصادر السلاح أم إلى شراكة عسكرية استراتيجية مع الصين؟
خلال السنوات الماضية اتجهت مصر إلى سياسة واضحة تقوم على تنويع مصادر التسليح بين الولايات المتحدة وفرنسا وروسيا وألمانيا وإيطاليا، مع الحفاظ على العلاقات العسكرية التاريخية مع واشنطن.
لكن التطورات الأخيرة مع الصين توحي بأن الأمر قد يتجاوز مجرد التنويع التقليدي.
فالتدريبات الجوية، والحديث المتكرر عن احتمالات حصول مصر على مقاتلات صينية متقدمة، والتعاون في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، كلها مؤشرات يمكن قراءتها باعتبارها محاولة مصرية لبناء مسار بديل أو موازٍ لا يعتمد بصورة كاملة على المنظومة الغربية.
وهنا تظهر قضية الطائرات الشبحية الصينية. فقد تحدثت تقارير خلال السنوات الأخيرة عن اهتمام مصري بمقاتلات صينية متقدمة، بما فيها مقاتلات من الجيلين الرابع والخامس، في ظل تعثر حصول مصر على مقاتلات F-35 الأمريكية. وفي يناير 2026 ظهرت تقارير أكثر تحديدًا تتحدث عن استمرار الاتصالات المصرية الصينية بشأن طائرات J-20، رغم ضغوط أمريكية أدت إلى حالة من التجميد أو الاحتواء للمفاوضات.
سادسًا: لماذا تنزعج الولايات المتحدة من التقارب المصري الصيني؟
في البداية، يجب أن نبدأ برصد الإجابة عن سؤال هام؛ هل تمارس واشنطن ضغوطًا على القاهرة في مجال التسليح؟
هنا يجب أن نفرق بين الضغط الأمريكي المثبت وبين الاستنتاج السياسي.
فمن المعروف أن الولايات المتحدة تستخدم في العادة مجموعة من الأدوات تجاه الدول التي تتجه إلى شراء معدات عسكرية متقدمة من منافسيها، سواء من خلال قوانين العقوبات، أو القيود على التكنولوجيا، أو ربط بعض أنواع التعاون العسكري بشروط تتعلق بالتوافق مع المنظومة الأمريكية.
وقد ظهرت هذه المسألة في حالة سابقة بوضوح في الحالة المصرية الروسية، خصوصًا مع الحديث عن صفقة الطائرات الروسية Su-35، التي أثارت مخاوف أمريكية، وتم تداول الحديث عن احتمال تعرض مصر لعقوبات بموجب قانون CAATSA، خاصة وأن حصول مصر على مقاتلات أمريكية متقدمة مثل F-35 ظل مرتبطًا بحسابات التفوق العسكري النوعي الإسرائيلي والموقف الأمريكي من انتشار هذه التكنولوجيا. الضغوط الأمريكية أدت بالفعل إلى التوقف عن الحديث عن الصفقة، وبالتالي يمكن القول إن القيود الأمريكية على الخيارات العسكرية المصرية ليست افتراضًا نظريًا، وإنما لها سوابق واضحة. أما ربط كل تراجع مصري عن صفقة عسكرية صينية بعقوبة أو ضغط أمريكي مباشر، فيحتاج إلى توثيق مستقل لكل حالة.
المسألة بالنسبة لواشنطن لا تتعلق بالصين وحدها، وإنما بموقع مصر نفسه. فمصر ليست دولة عادية في الحسابات الأمريكية؛ فهي دولة محورية في الشرق الأوسط، وتمتلك قناة السويس، وتتمتع بموقع استراتيجي بين البحرين المتوسط والأحمر، ومجاورة لفلسطين والكيان الصهيوني بشكل مباشر، ولها وزن عسكري وسياسي كبير، كما أنها من أبرز المستفيدين من المساعدات العسكرية الأمريكية. ولذلك فإن انتقال مصر من مجرد تنويع مصادر التسليح إلى بناء علاقة عسكرية وتكنولوجية عميقة مع الصين قد يخلق مشكلة بالنسبة إلى الولايات المتحدة.
القلق الأمريكي يمكن أن يُقرأ من ثلاث زوايا:
الأولى: فقدان الاحتكار التكنولوجي: كلما دخلت التكنولوجيا الصينية إلى المنظومة العسكرية المصرية، تقل قدرة الولايات المتحدة على التأثير في خيارات القاهرة العسكرية.
الثانية: انتقال مصر من مستهلك للسلاح إلى شريك محتمل في التكنولوجيا. وهذه نقطة أكثر حساسية؛ لأن التعاون في الذكاء الاصطناعي، والإلكترونيات، والاتصالات، ومراكز البيانات، والتقنيات العسكرية يمكن أن يخلق ارتباطًا طويل المدى يتجاوز مجرد شراء منظومة سلاح.
الثالثة: الموقع الجغرافي لمصر. وجود الصين اقتصاديًا وتكنولوجيًا وعسكريًا في دولة تسيطر على قناة السويس والبحرين المتوسط والأحمر يجعل المسألة ذات أبعاد جيوسياسية تتجاوز مصر والصين، وتعطي نقاط قوة إضافية للصين في مجال تنافسها المتنامي على النفوذ الدولي مع الولايات المتحدة.
في إطار بحث الضغوط الأمريكية على مصر فيما يتعلق بالتعاون مع الصين، يمكن قراءة عدد من التطورات.
في أثناء زيارة الرئيس الصيني إلى مصر، قام القائم بالأعمال الأمريكي، روبرت سيلفرمان، بزيارة الإسماعيلية للقاء رئيس هيئة قناة السويس، أسامة ربيع، وقاما بجولة في القناة على متن قارب. وشكر القائم بالأعمال الرئيسَ وفريقه على جهودهم في الحفاظ على كفاءة عمل القناة ودعم التجارة الأمريكية. لا يخفى المعنى المستبطن في هذا التصريح، وكأن السفير يقول أن القناة خاصة بالولايات المتحدة وخدمة مصالحها، لذلك يشكر المصريين على جهودهم في خدمتها!
هي رسالة واضحة أرادت الولايات المتحدة إرسالها في ذلك التوقيت، أرادت التأكيد على أن قناة السويس ممر ملاحي استراتيجي للولايات المتحدة، وبالتالي فإن واشنطن تراقب عن كثب أي تنامٍ للحضور الصيني في هذا الممر الاستراتيجي.

أثناء زيارة الإسماعيلية أيضًا، في نشاط لافت للقائم بالأعمال الأمريكي روبرت سيلفرمان خلال الفترة السابقة لزيارة الرئيس الصيني، قام بزيارة منزل فرديناند ديليسبس،صاحب رؤية إنشاء قناة السويس، في رسالة مبطنة أخرى.
ومن اللافت أن الخطاب الأمريكي لم يكن كله تهديدًا أو ضغطًا مباشرًا، بل أخذ شكلًا أخر؛ التذكير بالدور الأمريكي في دعم مصر أثناء حرب السويس، والتعاون معها، بالتزامن مع الحديث عن الشراكة الاقتصادية والتكنولوجية. وظهر سيلفرمان في خطاب عام شديد التركيز على العلاقات المصرية–الأمريكية، فيما تؤكد السفارة أن عودته إلى القاهرة في فبراير 2026 جاءت في مرحلة مهمة للعلاقات الثنائية.
وهو ما وصفه البعض بأنه “التذكير الأمريكي بأوراق النفوذ والشراكة القائمة مع القاهرة”.
ومما يمكن اعتباره من مظاهر الضغط الأمريكي على مصر قبيل زيارة شي جين بينغ وأثناءها، والتي يمكن أن تكون أيضًا في إطار طلبات معينة من مصر خاصة بملفات المنطقة بشكل عام، وليس بالضرورة أنها مرتبطة بالمنافسة الأمريكية–الصينية، يمكن رصد الملفات التالية:
1. معركة مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي :
كشفت تقارير في أغسطس عن تقدم “هواوي” الصينية بعرض لإنشاء بنية لمراكز بيانات للذكاء الاصطناعي لصالح الحكومة المصرية، إلا أن تحركات أمريكية لمنافسة العرض الصيني في السوق المصرية ظهرت مباشرة. تطور الجدل حول الموضوع بصورة أكبر قبيل وأثناء زيارة شي، مع تداول تقارير عن أن المشروع لا يتعلق بمجرد مركز بيانات تجاري، وإنما ببنية حوسبة يمكن أن تخدم تطبيقات حكومية وأمنية وعسكرية، وهو ما يجعل المسألة جزءًا من التنافس الأمريكي–الصيني على التكنولوجيا الاستراتيجية في مصر.
من وجهة نظرنا، واشنطن لا تنظر إلى مركز البيانات باعتباره مشروعًا تكنولوجيًا مصريًا–صينيًا عاديًا، وإنما باعتباره احتمالًا لانتقال الصين إلى طبقة أكثر حساسية من البنية التحتية المصرية: البيانات، الذكاء الاصطناعي، الحوسبة عالية الأداء، وربما التطبيقات الأمنية والعسكرية. ولذلك تحولت القضية إلى ضغط تكنولوجي أمريكي على القاهرة لاختيار موقعها بين المنظومتين الأمريكية والصينية.
هناك سياق أوسع يجب ألا نغفل عنه؛ واشنطن تنظر منذ فترة إلى التكنولوجيا الصينية، خصوصًا تكنولوجيات هواوي، باعتبارها قضية أمن قومي وليست مجرد منافسة تجارية. وهذا يجعل أي توسع صيني في البنية التحتية الرقمية المصرية أكثر حساسية بالنسبة للولايات المتحدة، خصوصًا أن مصر تمثل عقدة اتصالات ومعلومات مهمة بحكم موقعها وشبكاتها البحرية ومراكز البيانات ومشروعات العاصمة الإدارية.
كانت الصين تتوقع توقيع اتفاق المشروع خلال زيارة شي، لكن الحكومة المصرية أبلغتها قبل الزيارة أن الاتفاق لن يُوقّع أثناء وجوده في القاهرة! و أكدت مصادر من «هواوي» أن المشروع وُضع قيد التعليق، وأن الجانب الصيني غير راضٍ عن التراجع المصري. وتُرجع المصادر المختلفة تعليق توقيع الاتفاق للضغوط الأمريكية التي مورست على القاهرة، ومنها الإجراءات التي تم اتخاذها ضد فروع بنك مصر في الإمارات.
2. ملف فروع بنك مصر في الإمارات — الأبرز والأكثر حساسية:
في 28 أغسطس، أي قبل وصول شي إلى القاهرة بأربعة أيام تقريبًا، اتخذت وزارة الخزانة الأمريكية إجراءً ضد فروع بنك مصر في الإمارات، مقترحة قطع وصولها إلى التعاملات بالدولار والنظام المصرفي الأمريكي، بدعوى قيامها بمعالجة نحو 1.8 مليار دولار من المعاملات المرتبطة بشبكات مصرفية إيرانية خاضعة للعقوبات خلال الفترة من يناير 2024 إلى يونيو 2026.
وهنا تكمن أهمية التوقيت؛ الإجراء لم يستهدف إيران أو بنكًا إيرانيًا فقط، وإنما طال أحد البنوك المصرية الحكومية الرئيسية، قبل أيام قليلة من زيارة الرئيس الصيني، وفي وقت كانت القاهرة تستعد لإظهار مستوى مرتفع من الشراكة مع بكين.
لكن تجدر الإشارة إلى أن الإجراء جاء في إطار حملة أمريكية أوسع لعزل إيران ماليًا، ولذلك لا يمكن الجزم بأنه اتُخذ بسبب زيارة شي. لكن من الناحية السياسية والاستراتيجية، يصعب تجاهل أثره على القاهرة، كما يصعب تجاهل سبب اختيار هذا البنك بالذات دون البنوك الإماراتية نفسها، حيث يذكر التحقيق أن كثيراً من المسؤولين المصريين صُدموا من استهداف بنك مصر تحديداً، رغم الدور الواسع للإمارات في التجارة الإيرانية ، خصوصًا أن الاستهداف يُذكّر مصر بمدى قدرة واشنطن على التأثير في القطاع المالي المصري من خلال الدولار والنظام المصرفي الدولي.
بالطبع هناك عامل أكبر من مسألة التعامل مع مصر؛ الحرب الأمريكية على إيران. زيارة شي جاءت في بيئة إقليمية شديدة الحساسية، وفي وقت كانت الولايات المتحدة تستخدم أدوات اقتصادية ومالية متصاعدة ضد الدول والشركات التي ترى أنها تساعد إيران. وهنا يصبح توقيت عقوبة بنك مصر مهمًا للغاية؛ إذ إن الإجراء الأمريكي جاء ضمن حملة مالية على إيران، لكنه في الوقت نفسه وضع مؤسسة مصرية كبيرة في دائرة الضغط.
هذا يعني أن واشنطن تقول عمليًا لدول المنطقة: الانفتاح على أطراف تعتبرها واشنطن خصومًا أو منافسين استراتيجيين قد تكون له كلفة مالية. وهذا مهم جدًا عند قراءة زيارة شي إلى القاهرة.
وفي هذا الإطار، كشف تحقيق معلوماتي مهم لمدى مصر عن شراء مصر بالفعل لنفط إيراني عبر بنك مصر في الإمارات، وعلاقة الصراع الصيني الأمريكية بذلك. يكشف التحقيق أن مصر بدأت، منذ مايو 2025 على الأقل، استيراد شحنات من المنتجات البتروكيماوية الإيرانية لسد نقص إمدادات الوقود الميسّر. ويربط التحقيق التحول المصري نحو إيران لشراء النفط بانتهاء ترتيب نفطي قيمته 23 مليار دولار وقعته القاهرة والرياض عام 2016، حيث قال مسؤول مصري إن الاتفاق تجاوز مدته الأصلية البالغة خمس سنوات، لكنه فقد فاعليته عملياً بحلول 2023، ولم تعد السعودية، وفق المصدر، مستعدة لتوفير الوقود بأسعار مخفضة وسط أزمات مصر الاقتصادية المتكررة وتزايد استحقاقات الديون. دفعت فجوة الإمدادات القاهرة إلى البحث عن حلول غير تقليدية وميسّرة، وكانت المنتجات الإيرانية أحد الخيارات المتاحة.
وتقول مصادر صينية إن البنك تلقى تحذيرات متكررة بشأن معاملاته مع شركات إيرانية منذ فبراير 2026. وقد دفعت الخلافات المصرية-الإماراتية في ملفات السياسة الخارجية مسؤولين مصريين إلى الاشتباه في أن أبوظبي هي التي سرّبت المعلومات لواشنطن، كما يذكر التحقيق.
و في يونيو صعّدت الولايات المتحدة تدخلها، وأُوقف تحويل مالي بقيمة 150 مليون دولار، وفق باحث صيني مطلع. وبعد تعطل المسار التقليدي عبر «سويفت»، أعاد «بنك مصر» توجيه دفعة يونيو عبر نظام المدفوعات الصيني العابر للحدود CIPS. بعد إرسال التحويل بوقت قصير، تلقى «بنك مصر» والبنوك الصينية المشاركة في التسوية والحكومة الصينية تحذيراً بشأن المعاملة، وأثار ذلك توتراً دبلوماسياً بين بكين والقاهرة، لأن المسؤولين الصينيين أرادوا معرفة كيف تمكنت واشنطن من كشف التحويل.
ربطت مصادر مصرية وصينية، طبقًا للتحقيق، الإجراءات الأميركية ضد البنك المصري بتصاعد الغضب في واشنطن من التعاون المصري-الصيني في الرقابة والذكاء الاصطناعي والرقائق، حيث أبلغ مسؤولون أميركيون القاهرة، بعد الإعلان عن استهداف البنك، أنهم لن يسمحوا تحت أي ظرف بإتمام مشروع مراكز بيانات “هواوي”.
3. ملف سد النهضة — تصريحات تيبور ناجي:
قبل زيارة الرئيس الصيني لمصر مباشرة، برزت تصريحات مساعد وزير الخارجية الأمريكي الأسبق للشؤون الأفريقية، والسفير الأسبق للولايات المتحدة لدى إثيوبيا وغينيا تيبور ناجي، الذي دعا مصر إلى تغيير نهجها في التعامل مع أزمة سد النهضة، والانتقال إلى الحوار الفني مع إثيوبيا، معتبرًا أن النهج الحالي يحتاج إلى مراجعة.
هذه النقطة مهمة جدًا ، لأن سد النهضة ليس ملفًا ثانويًا بالنسبة للأمن القومي المصري، وبالتالي فإن صدور تصريحات أمريكية تدفع القاهرة نحو تغيير مقاربتها للملف الإثيوبي يمكن قراءته باعتباره ضغطًا سياسيًا قويًا، حتى لو صدرت عن مسؤول أمريكي سابق وليس عن الإدارة الأمريكية الحالية رسميًا.
جدير بالذكر، أن إثيوبيا والولايات المتحدة الأمريكية اتفقتا خلال شهر أغسطس 2026، على الارتقاء بعلاقاتهما في مجالي الدفاع والأمن إلى مستوى جديد من التعاون الاستراتيجي الشامل، وذلك خلال مشاورات ثنائية عقدت في مقر وزارة الحرب الأمريكية. وجاء الاتفاق عقب زيارة وفد إثيوبي رفيع المستوى إلى الولايات المتحدة يومي 19 و20 أغسطس 2026، برئاسة اللواء تيسومه غيميتشو، المدير العام للعلاقات الخارجية والتعاون العسكري في وزارة الدفاع الإثيوبية.
من خلال قراءتنا، يبدو أن إثيوبيا تتحرك لتوفير غطاء استراتيجي أمريكي قبل الدخول في مرحلة جديدة من ملفات المياه والسدود. إن الاتفاق الإثيوبي الأمريكي على الارتقاء بالعلاقات الدفاعية والأمنية إلى مستوى “التعاون الاستراتيجي الشامل” يمثل تطورًا مهمًا، ليس فقط في سياق العلاقات الثنائية، وإنما بالنظر إلى توقيته وطبيعة الملفات التي تتحرك فيها إثيوبيا خلال المرحلة المقبلة. فإثيوبيا، التي نجحت في فرض سد النهضة كأمر واقع، تبدو وكأنها تعمل على بناء مظلة سياسية وأمنية أوسع قبل الانتقال إلى مرحلة جديدة في إدارة ملف المياه، بما في ذلك التوسع في إنشاء سدود أخرى على النيل وروافده.
ومن هذه الزاوية، فإن رفع مستوى التعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة يمنح أديس أبابا قدرًا أكبر من الثقة والغطاء السياسي والاستراتيجي في مواجهة أي ضغوط إقليمية محتملة، ولا سيما من مصر والسودان، إذا ما انتقلت إثيوبيا من مرحلة استكمال وتشغيل سد النهضة إلى مرحلة بناء مشروعات مائية إضافية، وهذا ما صرح به وزير المياه الأثيوبي الذي اعلن أن أثيوبيا بسدد إنشاء سدود أخرى على نهر النيل.
واللافت أن الاتفاق لا يقتصر على التعاون العسكري التقليدي، وإنما يتحدث عن تعزيز التنسيق الاستراتيجي، وتوسيع التعاون المؤسسي بين مؤسسات الدفاع، وبناء شراكة طويلة الأمد؛ وهذا يعني أن واشنطن وأديس أبابا تعملان على تأسيس علاقة أمنية أكثر عمقًا، ستمتد آثارها إلى ملفات القرن الأفريقي والأمن الإقليمي، وليس فقط إلى التعاون العسكري المباشر.
وبالتالي، فإن السؤال المهم بالنسبة لمصر ليس فقط ماذا تريد إثيوبيا من الولايات المتحدة؟ وإنما أيضًا: لماذا تعمل إثيوبيا الآن تحديدًا على رفع علاقتها الدفاعية مع واشنطن إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية ؟
إثيوبيا تستعد لمرحلة جديدة من مشروعات السدود واستغلال موارد النيل، وبناء علاقة أمنية وسياسية أكثر رسوخًا مع الولايات المتحدة ، ما يمثل من وجهة نظرنا جزءًا من استراتيجية أوسع لتأمين البيئة الدولية والإقليمية اللازمة لتنفيذ هذه السياسة.
جدير بالذكر أن الرئيس الصيني لم يغفل أزمة سد النهضة أثناء زياته للقاهرة، على الرغم من العلاقات القوية بين إثيوبيا والصين. وذكر بيان مصري صيني مشترك عقب قمة السيسي والرئيس الصيني التي عقدت في القاهرة، إن “الجانب الصيني أكد إدراكه للأهمية الحيوية لنهر النيل بالنسبة لمصر بوصفه شريان الحياة الرئيسي، وحقها المشروع في حماية أمنها المائي والغذائي ومصالحها التنموية”. وواصل البيان أن الجانبين دعَوَا “دول حوض النيل كافة إلى الالتزام بالقانون الدولي، بما في ذلك عدم التسبب في إحداث ضرر”.
4. ملف انتاج الأسلحة الكيميائية في السودان
نشرت صحيفة نيويورك تايمز عن وثائق وصفتها بانها سرية تعزز الاتهامات الموجهة للجيش السوداني بتطوير واستخدام قنابل سامة في الحرب التي تشهدها البلاد. وقالت الصحيفة “أن السودان حصلت على الكلور المستخدم في صنع القنابل من مصر” في إتهام مباشر بدعم إنتاج أسلحة كيماوية أستخدمها الجيش السوداني في معاركه ضد مليشات الدعم السريع.
وقالت الصحيفة الأمريكية، “أن الكلور جاء للسودان جزئيا من الأسواق العالمية. وعلى عكس المواد الكيميائية الأكثر خطورة مثل السارين أو VX، فإن الكلور ليس مادة خاضعة للرقابة. وفي أواخر أغسطس 2024، تم استيراد 20 أسطوانة كلور من مصر، وهي كمية تكفي لصنع 1,100 قنبلة”.
بدايةَ ، ليس كل ما تنشره الصحف الأمريكية مصدره الإستخبارات الأمريكية؛ فأحيانا تلجأ جهات استخبارية في المنطقة لاستعمال هذه الصحف للترويج لمعلومات معينة للضغط على بعض الأنظمة. من خلال قراءتنا، يمثل ذكر مصر في هذا التقرير تطورًا مهمًا، ليس لأنه يثبت تورط الدولة المصرية في دعم البرنامج الكيميائي السوداني، وإنما لأن الإشارة إلى استيراد مواد كيميائية من مصر يمكن أن تتحول إلى ورقة ضغط سياسية وأمنية على القاهرة، خصوصًا في ظل العقوبات الأميركية المفروضة على الجيش السوداني وقياداته بسبب الاتهامات المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية.
إذا تطورت هذه المعلومات إلى اتهام رسمي بوجود دعم أو تسهيل مصري، فقد تفتح الباب أمام ضغوط أميركية على مصر، وربما عقوبات أو إجراءات أخرى، وإن كان ذلك في المرحلة الحالية احتمالًا وليس أمرًا واقعًا. والأرجح أن واشنطن يمكن أن تستخدم هذه القضية كأداة ضغط سياسية على القاهرة في ملفات أخرى أكثر ارتباطًا بالمصالح الأميركية، خصوصًا إذا رأت أن مصر تستخدم هامشها الاستراتيجي للتحرك بعيدًا عن الرؤية الأميركية.
ومن بين هذه الملفات، يأتي التوسع المصري في العلاقات مع الصين، إلى جانب ملفات إقليمية أخرى في غزة واليمن والسودان، إذ يمكن أن تتحول قضية المواد الكيميائية السودانية إلى إحدى أوراق الضغط لإعادة ضبط توجهات القاهرة، حتى دون الوصول إلى فرض عقوبات مباشرة على مصر.
وعليه، فإن خطورة ذكر مصر في التقرير لا تكمن فقط في مضمون الاتهام، وإنما في إمكانية توظيفه سياسيًا في المستقبل، خصوصًا إذا تطورت القضية من مجرد ذكر مصدر للكلور إلى ادعاءات تتعلق بمسؤولية أو معرفة رسمية مصرية.
الأمثلة المذكورة في الملفات الأربعة أعلاه، وقد يكون هناك غيرها مما لم يطفو على السطح، يظهر منها، من وجهة نظرنا، أن الولايات المتحدة لا تضغط على مصر في مسار واحد، وإنما تستخدم حزمة متعددة الأدوات ( مالية وسياسية وتكنولوجية وأمنية ) في اللحظة التي تحاول فيها القاهرة توسيع هامش المناورة الاستراتيجية عبر تعميق علاقاتها مع الصين.
5. الإعلام الأمريكي ورؤيته لزيارة الرئيس الصيني للقاهرة:
وسائل الإعلام الأمريكية الكبرى، طرحت سؤالًا رئيسًا مع تغطية زيارة الرئيس الصيني لمصر وهو: هل تتحول مصر، الحليف التاريخي للولايات المتحدة، إلى إحدى أهم بوابات الصين لتعزيز نفوذها في الشرق الأوسط وأفريقيا.
في تقرير نشرته صحيفة “واشنطن بوست Washington Post” وصفت الزيارة على السطح بأنها فرصة لتعزيز العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية، لكنها أكدت أن «المعنى الأعمق» يتمثل في أن الصين تعمل على بناء علاقة واسعة مع أحد أهم حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
وبحسب التقرير فإن أهمية مصر بالنسبة لبكين لا تتعلق فقط بعدد سكانها أو بوضعها العربي، وإنما بموقعها الجغرافي الذي يجعلها نقطة اتصال بين الشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا، فضلًا عن قناة السويس. وتكتسب هذه النقطة أهمية إضافية في ظل الاضطرابات التي أثرت في طرق التجارة العالمية، وهو ما يجعل السيطرة على سلاسل الإمداد والممرات البحرية جزءًا من الحسابات الجيوسياسية الجديدة. وشدد تقرير واشنطن بوست على أن شي يسعى إلى تقديم الصين باعتبارها قوة استقرار إقليمية، في مقابل الولايات المتحدة التي ارتبط وجودها العسكري في المنطقة بعقود من التدخلات والحروب، وهذه المقارنة تزداد وضوحًا في سياق الحرب الأمريكية الإيرانية الحالية، والتي دفعت دولًا إقليمية إلى إعادة تقييم علاقاتها الأمنية والاقتصادية بالقوى الكبرى.
أما وكالة رويترز، فذهبت إلى قراءة أكثر مباشرة: زيارة شي جاءت في وقت تعيد فيه دول الشرق الأوسط تقييم علاقاتها مع واشنطن، بينما تعمل بكين على توسيع نفوذها، فمصر لا تزال شريكًا أمنيًا وعسكريًا رئيسيًا للولايات المتحدة، وتحصل على نحو 1.3 مليار دولار سنويًا من المساعدات العسكرية الأمريكية، وفق رويترز. وفي الوقت نفسه، تعمل القاهرة على توسيع علاقاتها مع الصين وروسيا وأوروبا.
ويصف محللون لـ رويترز هذا النهج بأنه محاولة لتحقيق «استقلالية استراتيجية أكبر»؛ أي الاحتفاظ بالعلاقة مع واشنطن، مع بناء بدائل سياسية واقتصادية وعسكرية تمنع اعتماد القاهرة على قوة دولية واحدة. وهذا ما عبر عنه الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة H. Hellyer، الذي نقلت عنه رويترز أن مصر تريد علاقات قوية مع واشنطن، لكنها تريد في الوقت نفسه علاقات مع بكين وموسكو وأوروبا.
ورأت وسائل الاعلام الأمريكية أن أهم ما ركزت عليه زيارة الرئيس الصيني هو قناة السويس والمنطقة الاقتصادية التابعة لها، فالصين ليست مستثمرًا عاديًا في مصر؛ إذ ضخت مليارات الدولارات في مشروعات صناعية وبنية تحتية وموانئ وطاقة خضراء، بينما أصبحت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس جزءًا مهمًا من استراتيجية الحزام والطريق الصينية. ووفق أسوشيتدبرس تجاوزت الاستثمارات الصينية في مصر 10 مليارات دولار، بينما يبلغ حجم التجارة الثنائية نحو 20 مليار دولار سنويًا، وهو مستوى يجعل العلاقة الاقتصادية بين البلدين ذات وزن استراتيجي واضح. وأشارت الوكالة الأمريكية أن التعاون العسكري بين بكين والقاهرة أهم ما يقلق واشنطن. وقالت الوكالة: مصر أجرت مؤخرًا تدريبات جوية مشتركة مع الصين تحت اسم «نسور الحضارة»، وشملت مشاركة مقاتلات صينية من طراز J-16 إلى جانب مقاتلات رافال الفرنسية، في تدريبات اعتبرتها وسائل إعلام وتحليلات دولية مؤشرًا على اتساع التعاون العسكري بين القاهرة وبكين.
ووفق ما نقلته رويترز، وتكتسب هذه الخطوة حساسية خاصة لأن مصر في الوقت نفسه واحدة من أبرز الدول التي ترتبط بعلاقات عسكرية مع الولايات المتحدة، بمعنى آخر، فإن القاهرة أصبحت تمتلك علاقات عسكرية متوازية مع واشنطن وبكين.
وقالت رويترز: “هذا لا يعني بالضرورة أن مصر تستعد لاستبدال السلاح الأمريكي بالسلاح الصيني، لكنه يبعث برسالة استراتيجية مفادها أن خيارات القاهرة تتسع”.
ثامنًا: المعضلة المصرية — واشنطن أم بكين؟
مصر، من وجهة نظرنا لا تستطيع، في المدى المنظور، الاستغناء عن الولايات المتحدة، وهي تحاول ان تقوم بمناورات سياسية تتحسس بها ردة الفعل الأمريكي. وقد تعمل القاهرة بناء على تلك المناورات على تحقيق مكاسب من الجانب الأمريكي كلما رأت أمريكا أن مصر تتقارب مع الصين، وتعطي النظام المصري مطالب استراتيجية لا تلبيها الإدارة الأمريكية.
فالعلاقات العسكرية المصرية الأمريكية عميقة وممتدة لعقود، وهناك ارتباطات واسعة في التسليح والتدريب والصيانة وقطع الغيار والاتصالات والتعاون العسكري، فضلًا عن العلاقات المصرية الأمريكية المتعددة في شتى النواحي، والترتيبات المتعلقة بمعاهدة السلام مع إسرائيل.
وفي الوقت نفسه، لا تريد القاهرة أن تبقى رهينة لمصدر واحد للسلاح أو التكنولوجيا. ومن هنا تبدو الصين بالنسبة لمصر أداة لتنويع الخيارات الاستراتيجية، وربما أكثر من ذلك.
فكلما اتسعت الشراكة المصرية الصينية، ارتفعت قدرة القاهرة على التفاوض مع واشنطن من موقع أكثر استقلالًا. وهذا لا يعني بالضرورة أن مصر تريد استبدال الولايات المتحدة بالصين. الأرجح أن القاهرة تريد امتلاك هامش مناورة أوسع بين القوى الكبرى.
تاسعًا: التقدير
يمكن صياغة التقدير النهائي لهذه الورقة، بالنظر للمدخلات المختلفة، على النحو التالي:
تتحرك مصر تدريجيًا باتجاه بناء علاقة تكتيكية أكثر عمقًا مع الصين، لكن هذه الحركة لا تزال محكومة بعاملين متناقضين: رغبة القاهرة في تنويع شركائها الاستراتيجيين وتقليل الاعتماد على مصدر واحد للتسليح والتكنولوجيا، مقابل استمرار اعتمادها على الولايات المتحدة في جوانب مهمة من منظومتها العسكرية والأمنية.
إن تقييم نتائج الزيارة يطرح تساؤلًا مهمًا حول الفجوة بين ما سبق الزيارة من آمال وتوقعات بشأن نقلة نوعية في مستوى التعاون المصري–الصيني، خصوصًا في مجالات مراكز البيانات والرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة، وبين ما أُعلن فعليًا من اتفاقات ومخرجات. وهذه الفجوة تفرض سؤالًا تحليليًا لا يمكن تجاهله: هل كانت التوقعات التي سبقت الزيارة مبالغًا فيها من الأساس، ولم تكن هناك ترتيبات فعلية للانتقال بهذا التعاون إلى هذه المستويات، أم أن الاعتبارات والضغوط الأمريكية أسهمت في الحد من سقف ما كان يمكن أن تخرج به الزيارة؟ وهنا تكمن أهمية قراءة نتائج الزيارة ليس فقط من خلال ما تم توقيعه، وإنما أيضًا من خلال ما لم يتم توقيعه، وما غاب عن مخرجاتها رغم أنه كان حاضرًا بقوة في التوقعات التي سبقتها.
والراجح أن مصر لا تسعى في المرحلة الحالية إلى استبدال الشراكة الأمريكية بالشراكة الصينية، وإنما إلى خلق توازن بينهما، والضغط على الإدراة الأمريكية في بعض الملفات في مقابل الضغط الأمريكي، منها ملف غزة أو ملف السودان على سبيل المثال، فضلًا عن السعي للحصول على معونات اقتصادية أكبر تعين الإدارة المصرية على تجاوز مشاكلها الضخمة.
لكن المشكلة بالنسبة لواشنطن أن هذا التوازن قد يتحول، إذا استمر وتوسع في المجال العسكري والتكنولوجي، من مجرد تنويع للعلاقات إلى إعادة تموضع استراتيجي تدريجي.
وهنا تحديدًا ستزداد الضغوط الأمريكية؛ فكلما اقتربت مصر من الصين في مجالات السلاح المتقدم، والطائرات المقاتلة، والذكاء الاصطناعي، والإلكترونيات العسكرية، والاتصالات والتكنولوجيا الحساسة وتغلغلت الصين بشكل أكبر في الاقتصاد المصري، أصبحت واشنطن أمام معادلة مختلفة، حيث لن تتعامل حينها مع مجرد تقارب تكتيكي بين الصين ومصر، وإنما مع تغلغل صيني محتمل في بنية القدرات الاستراتيجية المصرية.
مصر تريد التقارب مع الصين، لكنها لا تستطيع خسارة الولايات المتحدة؛ وواشنطن تريد الاحتفاظ بمصر، لكنها لا تريد أن ترى الصين تقترب منها أكثر مما ينبغي.
ولذلك ستظل العلاقات المصرية الصينية خلال المرحلة المقبلة، من وجهة نظرنا، محكومة بصراع غير معلن على مساحة الحركة الاستراتيجية المصرية.
القاهرة تريد أن تفتح أبوابًا جديدة أمامها، وأن تمتلك أكثر من خيار في التسليح والتكنولوجيا والشراكات الدولية وإيجاد شركاء يقدمون لها دعمًا اقتصاديًا يعينها على حل مشاكلها الاقتصادية، بينما ستسعى واشنطن إلى إبقاء سقف هذا الانفتاح الصيني تحت السيطرة.
وقد ظهر هذا النمط في السنوات الماضية، كلما اقتربت مصر من الحصول على قدرات عسكرية حساسة من منافسي الولايات المتحدة، وهو ما يجعل ملف المقاتلات المتقدمة الصينية أحد الاختبارات الأهم لمستقبل العلاقات الثلاثية: مصر–الصين–الولايات المتحدة.
ومن هنا، فإن السؤال خلال السنوات المقبلة لن يكون ما إذا كانت مصر ستتعاون مع الصين؛ فقد بدأت بالفعل في ذلك وبصورة متنامية؛ وإنما سيكون السؤال: إلى أي مدى ستسمح الولايات المتحدة لمصر بأن تذهب في هذا التعاون؟ وإلى أي مدى ستكون القاهرة مستعدة لتحمل الضغوط الأمريكية مقابل توسيع شراكتها مع بكين؟
وإذا واصلت مصر والصين الانتقال من التعاون الاقتصادي إلى التعاون التكنولوجي والعسكري، وتغلغلت الصين أكثر في الاقتصاد المصري، فإن العلاقة قد تتجاوز في النهاية مفهوم التقارب التكتيكي إلى بناء شراكة استراتيجية حقيقية؛ وعندها ستكون واشنطن أمام واقع جديد في واحدة من أهم الدول الاستراتيجية في الشرق الأوسط.
إن الأمن القومي المصري، بمنظوره الاستراتيجي الصحيح، لا ينبغي أن يقوم على الارتهان لمحور واحد أو قوة دولية واحدة، وإنما على توازن العلاقات والشراكات، وتعدد الخيارات، والقدرة على المناورة بين القوى الكبرى بما يحفظ استقلال القرار المصري ويعزز المصالح الوطنية. وفي عالم يتراجع فيه تدريجيًا منطق الهيمنة الأحادية، وتتقدم فيه ملامح نظام دولي متعدد الأقطاب ومراكز التأثير، تتوزع فيه القوة والنفوذ بين الولايات المتحدة والصين وروسيا وقوى إقليمية صاعدة، فإن استمرار مصر في الاعتماد على شريك دولي واحد لم يعد خيارًا استراتيجيًا آمنًا،خاصة في ضوء التوجهات الأمريكية الواضحة، خاصة مؤخرًا، في نمط التعامل مع حلفائها.
ومن هذا المنظور، فإن التقارب المصري مع الصين ليس ترفًا سياسيًا ولا محاولة لاستبدال الولايات المتحدة بالصين، وإنما ضرورة تفرضها طبيعة التحولات في النظام الدولي ومتطلبات الأمن القومي المصري. فالقاهرة تحتاج إلى توسيع دائرة خياراتها في التسليح والتكنولوجيا والاقتصاد والاستثمار والتعاون العسكري، بما يمنحها قدرة أكبر على حماية مصالحها والتعامل مع الضغوط الخارجية، ويحول دون امتلاك أي قوة منفردة القدرة على التحكم في خياراتها الاستراتيجية.
وفي المقابل، فإن الحفاظ على العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة لا يتعارض مع الانفتاح على الصين؛ بل إن التوازن بين القوتين هو الذي ينبغي أن يكون بوصلة السياسة المصرية؛ فمصر ليست مطالبة بأن تختار بين واشنطن وبكين، وإنما بأن تبني لنفسها موقعًا مستقلًا يسمح لها بالتعامل مع كليهما وفقًا لمصالحها الوطنية.
وعليه، فإن مستقبل العلاقات المصرية الصينية ينبغي ألا يُقاس بمدى غضب واشنطن أو رضاها، وإنما بمدى قدرة القاهرة على توظيف هذه العلاقة لتعزيز استقلال قرارها الاستراتيجي وتوسيع هامش حركتها الدولية. فالدول التي تدرك طبيعة النظام الدولي الجديد لا تغلق أبوابها أمام قوة لحساب قوة أخرى، وإنما تفتح أبوابها أمام الجميع، وتحافظ في الوقت نفسه على حقها الكامل في تحديد من يدخل، وإلى أي مدى، وبأي شروط.
إن تنويع الشراكات بالنسبة لمصر لم يعد مجرد خيار دبلوماسي، بل أصبح جزءًا من مفهوم الأمن القومي ذاته؛ لأن امتلاك أكثر من حليف، وأكثر من مصدر للتكنولوجيا والسلاح، وأكثر من مساحة للحركة، يعني في النهاية امتلاك قدرة أكبر على حماية القرار الوطني وعدم إخضاعه لإرادة أي قوة خارجية.
إن فتح علاقات استراتيجية مع بكين أصبح، كما أسلفنا، من ضرورات المرحلة، بل ومن ضرورات الأمن القومي المصري. ويبقى القرار في النهاية بيد صانع القرار المصري؛ فإذا امتلك الإرادة والشجاعة السياسية، فعليه أن يخطو نحو بناء هذه العلاقة دون تردد. أما إذا ظل ينظر إلى رضا الإدارة الأمريكية كأولوية، ويستجيب للضغوط، كما جرت العادة، فستظل العلاقة بين مصر وبكين محكومة بسقف «العلاقة بحذر»، وستظل القاهرة عاجزة عن استثمار الفرص الاستراتيجية التي تتيحها التحولات الجذرية الراهنة على الساحة الدولية.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




