تقارير

من طرابلس إلى بنغازي: كيف تعيد تركيا توزيع نفوذها في ليبيا؟

تدخل السياسة التركية في ليبيا مرحلة جديدة أكثر براغماتية وتعقيداً، بعد سنوات من تموضع أنقرة الواضح إلى جانب حكومة طرابلس في مواجهة معسكر خليفة حفتر. فتركيا التي ساهمت عسكرياً في وقف هجوم قوات الشرق على العاصمة عام 2020، بدأت منذ عامي 2025 و2026 فتح قنوات مباشرة مع بنغازي وطبرق، في تحول لا يعني التخلي عن طرابلس، بل توسيع شبكة النفوذ التركي لتشمل الضفتين المتنافستين في ليبيا.

ويكشف هذا التحول أن أنقرة لم تعد ترى ليبيا من زاوية الاصطفاف العسكري فقط، بل بوصفها ساحة استراتيجية متداخلة تجمع بين الأمن، والطاقة، والبحر، وإعادة الإعمار، والتنافس مع روسيا، وحسابات شرق المتوسط. لذلك تسعى تركيا اليوم إلى تثبيت مكاسبها القديمة في الغرب الليبي، وفي الوقت نفسه منع الشرق من التحول إلى منصة دائمة لتعطيل مصالحها.

من خصومة عسكرية إلى اتصال مباشر

قبل سنوات قليلة، كان معسكر حفتر في شرق ليبيا أحد أبرز خصوم تركيا الإقليميين. فقد دعمت أنقرة حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دولياً، ووفرت لها طائرات مسيرة وخبرات عسكرية وأنظمة دفاعية ساعدت في وقف زحف قوات حفتر نحو طرابلس. وبذلك أصبح التدخل التركي نقطة تحول في الحرب الليبية، وأسس لحضور عسكري وسياسي تركي قوي في الغرب.

لكن مشهداً لافتاً في عام 2025 عكس بداية مرحلة مختلفة: رسو الفرقاطة التركية “قنالي أدا” في ميناء بنغازي، واستقبالها من قبل صدام حفتر، نجل خليفة حفتر وأحد أبرز الوجوه الصاعدة في معسكر الشرق. وبعد ذلك، التقى رئيس جهاز الاستخبارات التركية إبراهيم قالن خليفة حفتر في بنغازي، في أول اتصال بهذا المستوى بين أنقرة وقيادة الشرق منذ سنوات.

هذه الخطوات لم تكن مجرد مجاملات دبلوماسية أو زيارات عسكرية عابرة، بل حملت رسالة واضحة: تركيا تريد فتح صفحة جديدة مع شرق ليبيا، من دون أن تخسر موقعها في طرابلس.

لماذا تحتاج تركيا إلى بنغازي؟

تدرك أنقرة أن حكومة طرابلس تمنحها الشرعية القانونية والدولية، لكنها لا تملك وحدها السيطرة على كامل الجغرافيا الليبية. فشرق ليبيا يحتفظ بكتلة عسكرية وسياسية وازنة، ويسيطر على مناطق واسعة تشمل بنغازي وطبرق وأجزاء من الجنوب ومحيط الهلال النفطي، كما يملك قدرة على تعطيل أي اتفاق سياسي أو اقتصادي شامل.

ومن هنا، وصلت تركيا إلى قناعة بأن حماية مصالحها في ليبيا لا يمكن أن تتم عبر طرابلس وحدها. فالاتفاقات الأمنية والبحرية التي وقعتها مع حكومة الوفاق عام 2019 منحتها حضوراً استراتيجياً، لكنها بقيت عرضة للطعن من مجلس النواب في طبرق ومعسكر حفتر. لذلك بات فتح قناة مع الشرق ضرورة لحماية هذه المكاسب، لا مجرد خيار إضافي.

بمعنى آخر، تريد تركيا تحويل حضورها الليبي من تحالف مع طرف واحد إلى شبكة مصالح تتجاوز الانقسام الداخلي، بحيث تستطيع التعامل مع جميع مراكز القوة المؤثرة في مستقبل البلاد.

مذكرة البحر: قلب المعادلة التركية

تقع مذكرة ترسيم الحدود البحرية الموقعة بين تركيا وحكومة الوفاق عام 2019 في قلب الاستراتيجية التركية. فقد منحت أنقرة منفذاً قانونياً وسياسياً في شرق المتوسط، وساعدتها على كسر محاولات عزلها عن خرائط الغاز والطاقة التي دفعت بها اليونان وقبرص ومصر وإسرائيل خلال العقد الماضي.

لكن هذه المذكرة ظلت موضع رفض من مجلس النواب في طبرق، وهو ما استخدمته اليونان ومصر وأطراف أوروبية للتشكيك في شرعيتها. ومع استمرار الانقسام الليبي، أدركت أنقرة أن بقاء الشرق في موقع الرفض الكامل يضعف موقفها في أي تسوية مستقبلية.

لذلك، كان قرار مجلس النواب الليبي في حزيران/يونيو 2025 تشكيل لجنة فنية لدراسة الاتفاق التركي–الليبي تطوراً مهماً، حتى لو لم يصل إلى حد التصديق. فمجرد انتقال الموقف من الرفض المطلق إلى النقاش الفني يمنح تركيا هامشاً أوسع للمناورة، ويجعل الاتفاق البحري قابلاً للتداول داخل المعادلة الليبية الشاملة، لا محصوراً بطرابلس وحدها.

الطاقة والإعمار: الاقتصاد كمدخل للنفوذ

لا يقتصر الانفتاح التركي على شرق ليبيا على الأمن والسياسة. فالإعمار والطاقة يشكلان مدخلاً اقتصادياً مهماً لتعزيز النفوذ. مدن الشرق، مثل بنغازي والبيضاء ودرنة وطبرق، تحتاج إلى مشاريع واسعة في البنية التحتية والمستشفيات والطرق والمطارات، والشركات التركية تملك خبرة طويلة في السوق الليبية منذ عهد القذافي.

وقد وقع صندوق التنمية وإعادة الإعمار الليبي، المرتبط بمعسكر حفتر، عقوداً مع شركات تركية لتنفيذ مشاريع في بنغازي والبيضاء وشحات وطبرق، إضافة إلى عقود لتطوير أنظمة الملاحة والاتصالات في مطارات خاضعة لسيطرة الشرق. وهذه المشاريع تمنح أنقرة حضوراً يومياً داخل مناطق كانت تُعد حتى وقت قريب معادية لها سياسياً.

أما في قطاع الطاقة، فتسعى تركيا إلى توسيع دورها في الاستكشاف والتنقيب. فقد وقعت شركة البترول التركية تفاهمات مع المؤسسة الوطنية للنفط لإجراء دراسات جيولوجية وجيوفيزيائية في مناطق بحرية، كما تحدث مسؤولون أتراك عن حصول بلادهم على حقوق استكشاف في حقول نفط وغاز ليبية بالشراكة مع شركات أوروبية.

وبذلك يتحول الاقتصاد إلى أداة سياسية. فتركيا تعرض على شرق ليبيا حزمة تشمل الطيران، والقنصلية، والإعمار، والطاقة، والتدريب، والتعاون الدفاعي. وفي المقابل، يحصل معسكر حفتر على استثمارات وعلاقات دولية أوسع وشريك من داخل حلف شمال الأطلسي.

حسابات حفتر وأبنائه

من زاوية بنغازي، يحمل الانفتاح على تركيا فوائد واضحة. فخليفة حفتر، الذي تقدم في العمر، يدير مرحلة انتقال نفوذ داخل معسكره، مع صعود أبنائه صدام وخالد وبلقاسم إلى مواقع عسكرية واقتصادية مؤثرة. ويبدو صدام حفتر تحديداً أحد أبرز الوجوه التي يجري إعدادها لتمثيل الجيل الجديد داخل بنية الشرق.

الانفتاح على تركيا يمنح معسكر حفتر فرصة لتنويع علاقاته وعدم الارتهان الكامل لروسيا أو مصر أو الإمارات. كما يرسل رسالة إلى الغرب بأن بنغازي قادرة على التعامل مع دولة عضو في الناتو، وأنها ليست حكراً على موسكو أو القوى المناهضة لأنقرة.

وفي الوقت نفسه، يمنح حفتر  ورقة ضغط داخلية على طرابلس، إذ يظهر أن الحليف التركي التاريخي للغرب الليبي لم يعد مغلقاً أمام الشرق، وأن بنغازي قادرة على جذب استثمارات واتفاقات دفاعية واقتصادية من أطراف كانت خصوماً لها في السابق.

روسيا والفراغ الاستراتيجي

لا يمكن فهم التحرك التركي في شرق ليبيا بعيداً عن العامل الروسي. فقد دعمت موسكو معسكر حفتر لسنوات عبر مجموعة فاغنر ، ثم “الفيلق الأفريقي”، وجعلت من شرق ليبيا نقطة ارتكاز مهمة لنفوذها في المتوسط والساحل الأفريقي. لكن الحرب في أوكرانيا أعادت ترتيب أولويات روسيا وفتحت مجالاً لقوى أخرى كي تناور داخل مناطق نفوذها.

تركيا لا تدخل الشرق الليبي لإزاحة روسيا بشكل مباشر، بل لمحاصرة قدرتها على احتكار القرار في بنغازي. وهذا النمط مألوف في العلاقات التركية–الروسية: تنافس وتفاهم في الوقت نفسه، كما حدث في سوريا والقوقاز وليبيا نفسها.

ومن وجهة نظر غربية، قد يُنظر إلى الحضور التركي في الشرق الليبي باعتباره وسيلة لتقليص هامش موسكو، خصوصاً إذا استطاعت أنقرة جذب بنغازي إلى شبكة علاقات أوسع مع الناتو والأسواق الغربية. لكن هذا الدور سيبقى حساساً، لأنه يتطلب موازنة دقيقة بين روسيا ومصر والإمارات والغرب وطرابلس.

مصر واليونان: مراقبة حذرة

يحمل الانفتاح التركي على شرق ليبيا انعكاسات مباشرة على مصر واليونان. فالقاهرة ترى شرق ليبيا امتداداً لأمنها القومي، وقد دعمت معسكر حفتر خلال سنوات الحرب. لكن تحسن العلاقات التركية–المصرية خفف حدة التوتر، وفتح المجال أمام تفاهمات أقل تصادماً.

تركيا تدرك أنها لا تستطيع توسيع حضورها في بنغازي بطريقة تستفز القاهرة. لذلك تحاول تقديم نفسها كفاعل يسعى إلى الاستقرار، لا إلى تغيير ميزان القوة على حدود مصر الغربية.

أما اليونان، فهي الأكثر قلقاً من أي تقارب بين أنقرة وطبرق، لأن جزءاً من حجتها ضد مذكرة 2019 كان قائماً على رفض مجلس النواب الليبي لها. فإذا بدأ الشرق الليبي بمراجعة موقفه أو التعامل مع الاتفاق كأمر قابل للنقاش، فإن ذلك يضعف الموقف اليوناني في شرق المتوسط، حتى لو بقي الخلاف القانوني قائماً.

الجيش الواحد: شعار صعب التنفيذ

تسعى تركيا إلى تقديم نفسها كطرف يدعم فكرة “ليبيا واحدة وجيش واحد”. وقد ظهر ذلك في مناورات عسكرية تركية شاركت فيها قوات من الشرق والغرب تحت علم واحد. غير أن تحويل هذا الشعار إلى واقع يبقى بالغ الصعوبة، لأن المؤسسة العسكرية الليبية ليست كياناً موحداً، بل شبكة من التشكيلات المحلية والجهوية والقبلية والاقتصادية.

التدريب المشترك قد يفتح قنوات اتصال، لكنه لا يكفي لبناء جيش وطني جامع. فذلك يحتاج إلى توافق سياسي داخلي، وترتيبات دولية، وضمانات لتوزيع السلطة والسلاح والموارد. لذلك، فإن الدور التركي يمكن أن يساعد في تقليل القطيعة بين الشرق والغرب، لكنه لا يستطيع وحده حل الأزمة البنيوية للجيش الليبي.

حدود التحول التركي

رغم اتساع الحركة التركية، فإنها لا تخلو من مخاطر. فطرابلس قد تنظر بقلق إلى أي تقارب تركي مع حفتر، خاصة أن الطائرات المسيرة التركية كانت قبل سنوات عاملاً حاسماً في صد هجوم قواته على العاصمة. وأي تعاون دفاعي مع الشرق قد يُقرأ في الغرب الليبي كتحول على حساب الحليف القديم.

كما أن معسكر حفتر نفسه ليس كتلة مستقرة بالكامل، إذ توجد داخله تنافسات عائلية وعسكرية ومناطقية. وربط المصالح التركية بشخصيات أو شبكات نفوذ محددة قد يتحول لاحقاً إلى عبء إذا تغيرت موازين القوى أو انفجرت الخلافات داخل الشرق.

إضافة إلى ذلك، فإن مشاريع الإعمار في شرق ليبيا تتحرك في بيئة محدودة الشفافية، حيث تتداخل السلطة العسكرية والمال العام والمصالح العائلية. وإذا ارتبطت الشركات التركية بهذه البيئة من دون ضمانات مؤسسية واضحة، فقد تواجه انتقادات سياسية وقانونية مستقبلاً.

خلاصة

يمثل الانفتاح التركي على بنغازي تحولاً محسوباً في السياسة التركية تجاه ليبيا. فأنقرة لا تغادر طرابلس، لكنها لم تعد تكتفي بها. إنها تحاول الانتقال من موقع الطرف المنحاز في حرب أهلية إلى موقع الفاعل القادر على التحدث مع الجميع، وحماية مصالحه عبر شبكة أوسع من العلاقات.

الدافع الأساسي لهذا التحول هو حماية مذكرة 2019 البحرية، وتوسيع فرص الطاقة والإعمار، وتقليص قدرة الشرق على تعطيل المكاسب التركية، وموازنة الحضور الروسي، والتكيف مع واقع ليبي لا يستطيع أي طرف واحد السيطرة عليه بالكامل.

لكن نجاح هذه السياسة سيتوقف على قدرة أنقرة على إدارة التوازنات الدقيقة: طمأنة طرابلس، وإقناع بنغازي، وعدم استفزاز القاهرة، ومواجهة القلق اليوناني، وتقديم نفسها للغرب كقوة استقرار لا كطرف يزيد الانقسام.

في النهاية، تبدو تركيا اليوم وكأنها تعيد هندسة حضورها في ليبيا من جديد: من تحالف عسكري فرضته معركة طرابلس، إلى نفوذ موزع بين البحر والطاقة والإعمار والجيش والسياسة. أما ليبيا نفسها، فتبقى ساحة مفتوحة، حيث لا تُقاس قوة الفاعلين فقط بمن يقف معهم، بل بقدرتهم على التحدث مع خصوم الأمس وصناعة مصالح مع الجميع.

صوفيا خوجاباشي

صحفية وباحثة في العلاقات الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى