2.1 تريليون دولار تعيد تشكيل الخليج… من اقتصاد الكفاءة إلى اقتصاد الصمود

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
تدخل دول الخليج مرحلة جديدة في تحولها الاقتصادي، قد لا يكون عنوانها الرئيسي هذه المرة «التنويع بعيداً عن النفط» فقط، بل بناء اقتصادات قادرة على الاستمرار في العمل حتى في حال تعطلت طرق التجارة والطاقة أو تصاعدت الصراعات الإقليمية.
فبحسب تقديرات معهد بلاك روك للاستثمار، قد يصل حجم الإنفاق الرأسمالي الاستراتيجي لدول مجلس التعاون الخليجي إلى نحو 2.1 تريليون دولار حتى عام 2030، ضمن نطاق محتمل يتراوح بين 1.6 و2.5 تريليون دولار.
لكن الأهم من ضخامة الرقم هو اتجاه الأموال؛ إذ تتوقع بلاك روك أن يقع أكثر من 80% من هذه الاستثمارات خارج قطاع التنقيب وإنتاج النفط والغاز، لتتجه نحو الصناعة والطاقة والبنية التحتية الرقمية والموانئ والمياه والكهرباء والصحة والأمن الغذائي.
وهذا التحول يعني أن الخليج لا يستعد فقط لمرحلة «ما بعد النفط»، بل لمرحلة قد تصبح فيها المرونة الاقتصادية والأمن الاستراتيجي جزءاً من قرار الاستثمار نفسه.
الحرب تغيّر فلسفة الاستثمار
لسنوات، ارتكزت خطط التحول الاقتصادي الخليجية على سؤال أساسي: كيف يمكن تحويل إيرادات النفط إلى اقتصادات أكثر تنوعاً؟
لكن الصراعات الأخيرة في المنطقة أضافت سؤالاً أكثر إلحاحاً: ماذا يحدث إذا امتلكت الدولة النفط والغاز والأسواق، لكنها لم تعد قادرة على إيصال صادراتها إليها؟
وترى بلاك روك أن الاضطرابات التي أصابت خطوط الملاحة من مضيق هرمز إلى مداخل البحر الأحمر كشفت اعتماد اقتصادات الخليج على عدد محدود من الممرات البحرية الحيوية.
حتى ارتفاع أسعار النفط، الذي يفترض عادة أن يمثل مكسباً مالياً للدول المنتجة، قد يفقد جزءاً من تأثيره إذا تعطلت طرق التصدير.
ومن هنا ظهر تحول في الأولويات من الاستثمار القائم على الكفاءة القصوى إلى الاستثمار القائم على المرونة ووجود البدائل؛ أي قبول تكلفة إنشاء طريق أو ميناء أو خط أنابيب إضافي مقابل ضمان استمرار الاقتصاد في حالات الطوارئ.
660 مليار دولار من أجل «الخطة ب»
أبرز دليل على هذا التحول هو تخصيص بلاك روك نحو 660 مليار دولار لما تسميه «البدائل الاستراتيجية» أو Strategic Redundancy.
وتشمل هذه الفئة خطوط التصدير البديلة والموانئ وشبكات الكهرباء والمياه والبنية التحتية التي تسمح للدولة بمواصلة العمل إذا تعطل أحد الممرات الرئيسية.
وتبرز السعودية مثالاً واضحاً.
فالرياض تدرس توسيع قدرة خط أنابيب شرق–غرب الذي ينقل النفط من حقول شرق المملكة إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بما يسمح بتجاوز مضيق هرمز.
وتبلغ طاقة الخط الحالية نحو 7 ملايين برميل يومياً، فيما أفادت رويترز في يوليو/تموز بأن التوسعة المحتملة قد تضيف ما بين مليون ومليوني برميل يومياً.
وتكتسب الفكرة أهمية أكبر بعدما أثبتت اضطرابات عام 2026 أن البنية التحتية البديلة لم تعد مجرد أصل اقتصادي، بل أداة للأمن القومي وأمن الطاقة.
أما عُمان، فتحصل على ميزة مختلفة بفضل موانئ مثل الدقم وصلالة التي تطل مباشرة على المحيط الهندي ولا تحتاج السفن الخارجة منها إلى عبور مضيق هرمز، وهو ما تعتبره بلاك روك عاملاً داعماً للفرص اللوجستية والصناعية في السلطنة.
النفط لن يختفي.. لكنه سيتحول إلى صناعة
التحول الخليجي لا يعني التخلي عن قطاع الطاقة.
فأكبر بند منفرد في تقديرات بلاك روك، بقيمة 735 مليار دولار، سيذهب إلى الطاقة والموارد والصناعة.
لكن التركيز يتجه بدرجة أكبر نحو الغاز والتكرير والبتروكيماويات والتعدين والصناعات التحويلية، وليس مجرد زيادة استخراج النفط الخام.
ومن أبرز الأمثلة برنامج غاز الجافورة في السعودية وقاعدة الرويس الصناعية في الإمارات.
وهنا يظهر تغير مهم في نموذج التنمية الخليجي: بدلاً من تصدير المورد الخام فقط، تسعى الدول إلى بناء سلسلة قيمة محلية حوله.
بمعنى آخر، قد يبقى النفط والغاز في قلب الاقتصاد الخليجي، لكن دورهما يتحول تدريجياً من «مصدر للإيرادات» إلى قاعدة لاقتصاد صناعي أوسع.
323 مليار دولار لبناء اقتصاد الذكاء الاصطناعي
البنية التحتية الرقمية تحصل وحدها على نحو 323 مليار دولار من الاستثمارات المقدرة.
لكن بلاك روك تلفت إلى أن هذه الأموال لا تعني شراء رقائق إلكترونية أو إنشاء شركات ذكاء اصطناعي فحسب.
فالذكاء الاصطناعي يحتاج إلى مراكز بيانات عملاقة، وهذه تحتاج بدورها إلى محطات كهرباء وشبكات نقل وأنظمة تبريد واتصالات وأراضٍ وبنية تحتية.
ولهذا ترى بلاك روك أن المستثمرين قد يستفيدون من طفرة الذكاء الاصطناعي الخليجية عبر شركات الكهرباء والاتصالات ومراكز البيانات والمقاولات الهندسية حتى أكثر من استفادتهم من شركات الذكاء الاصطناعي المباشرة.
ويخطط الكيان السعودي المدعوم حكومياً «هيوماين» لبناء قدرات مراكز بيانات تصل إلى 6.6 غيغاواط بحلول 2034، منها 1.9 غيغاواط بحلول 2030، بينما تخطط الإمارات لإنشاء مجمع Stargate بقدرة مستهدفة تصل إلى 5 غيغاواط.
وهكذا أصبحت «السيادة الرقمية» جزءاً من مفهوم الأمن الاقتصادي، تماماً كما أصبحت الطاقة والمياه والطرق البحرية كذلك.
السعودية.. الفرصة الأكبر والمخاطر الأكبر
تمتلك السعودية، وفق بلاك روك، أضخم حزمة مشروعات في دول مجلس التعاون، ولذلك فهي صاحبة أكبر فرصة استثمارية مطلقة.
لكن الحجم نفسه يخلق تحدياً.
فكلما ارتفع عدد المشروعات، ازدادت الحاجة إلى التمويل والعمالة والمقاولين والمواد الخام، وارتفعت احتمالات التأخير أو إعادة جدولة الإنفاق.
ولهذا تتوقع بلاك روك أن تكون المشروعات المدعومة بأولوية سيادية واضحة، أو التي حصلت بالفعل على التمويل والعقود، الأكثر احتمالاً للوصول إلى التنفيذ.
ويعني ذلك أن المرحلة المقبلة قد تشهد تحولاً سعودياً من شعار «إطلاق أكبر عدد ممكن من المشاريع» إلى اختيار المشاريع ذات القيمة الاقتصادية والاستراتيجية الأعلى.
وهو ما يفسر أيضاً تخصيص نحو 212 مليار دولار فقط للنمو الحضري الانتقائي، حيث ترى بلاك روك أن الإنفاق الحضري سيتجه بصورة أكبر إلى المشاريع المرتبطة بمواعيد محددة وأهداف واضحة، مثل إكسبو الرياض 2030، بدلاً من مشاريع التوسع المفتوحة زمنياً.
الإمارات.. تحويل البنية التحتية إلى أرباح
ترى بلاك روك أن الإمارات ربما تقدم واحدة من أوضح الفرص الاستثمارية في الدورة الخليجية الجديدة.
والسبب ليس فقط حجم الاستثمار، بل وجود شبكة من البنوك والموانئ وشركات الخدمات اللوجستية والمرافق والبنية الرقمية المدرجة في الأسواق المالية، ما يسمح بتحول الإنفاق على البنية التحتية بصورة أسرع إلى إيرادات وأرباح للشركات.
كما تمنحها البنية التحتية الممتدة نحو الساحل الشرقي قدرة أكبر على تنويع طرق التجارة والطاقة بعيداً عن نقاط الاختناق التقليدية.
وبذلك يصبح النموذج الإماراتي قائماً على الجمع بين ثلاثة أدوار: مركز مالي، ومركز لوجستي، ومنصة رقمية وإقليمية للاستثمار.
عُمان قد تستفيد من الجغرافيا
أما عُمان، فعلى الرغم من صغر اقتصادها مقارنة بالسعودية والإمارات، فقد تمنحها الجغرافيا ميزة استراتيجية متزايدة.
فموانئها المفتوحة على بحر العرب والمحيط الهندي توفر مساراً تجارياً لا يعتمد على المرور عبر مضيق هرمز.
وتشير بلاك روك لذلك تحديداً عند حديثها عن الدقم وصلالة، وترى أنه قد يفتح المجال أمام استثمارات انتقائية في الموانئ والصناعات والخدمات اللوجستية.
وقد تصبح هذه الخاصية أكثر قيمة إذا بدأت دول الخليج تنظر إلى «تنويع طرق التصدير» بنفس الأهمية التي نظرت بها خلال العقد الماضي إلى تنويع مصادر الدخل.
قطر والكويت والبحرين.. خيارات أكثر ضيقاً
في المقابل، ترى بلاك روك أن الفرص الاستثمارية في قطر والكويت والبحرين ستكون أكثر انتقائية.
فالجغرافيا وحجم الاقتصاد ومدى الاعتماد على ممرات محددة تجعل خيارات إنشاء طرق تصدير بديلة أقل اتساعاً مقارنة بالسعودية والإمارات وعُمان.
ولهذا ستصبح ملفات مثل الدين العام والإصلاحات المالية وتمويل المشاريع والقدرة على الوصول إلى طرق تجارية بديلة أكثر أهمية في تقييم هذه الأسواق.
من «تنويع الاقتصاد» إلى «تحصين الدولة»
ويبقى التحول الأعمق في تقرير بلاك روك هو تغير تعريف التنويع الاقتصادي نفسه.
ففي العقد الماضي كان التنويع يعني بصورة أساسية تقليل الاعتماد على عائدات النفط من خلال السياحة والترفيه والعقار والصناعة والخدمات.
أما الآن، فيضاف مفهوم آخر: هل تستطيع الدولة الاستمرار في إنتاج الكهرباء، وتصدير الطاقة، واستيراد الغذاء، وتشغيل مراكز البيانات والموانئ إذا تعطلت إحدى شبكاتها أو طرق تجارتها؟
ولهذا خصصت بلاك روك نحو 140 مليار دولار لما تسميه «المرونة البشرية والبيئية»، وتشمل الصحة والغذاء والمياه وإدارة النفايات.
إنها استثمارات قد لا تبدو ضخمة بصرياً مثل مدينة عملاقة أو برج شاهق، لكنها قد تصبح أكثر أهمية في حسابات الحكومات بعد تجارب الحروب وتعطل سلاسل الإمداد.
تريليونات لا تعني أن كل المشاريع ستُنفذ
مع ذلك، يجب التعامل مع رقم 2.1 تريليون دولار بحذر.
فبلاك روك نفسها تؤكد أن تقديراتها تجمع المشاريع المعلنة والممنوحة والمشاريع المتقدمة وتلك المستنتجة من خطط زيادة القدرات، وتشمل رؤوس أموال حكومية وسيادية وخاصة وشراكات بين القطاعين العام والخاص.
وبالتالي لا ينبغي قراءة الرقم باعتباره ميزانية مؤكدة ستدفعها حكومات الخليج حتى 2030.؛ بل يمثل خريطة تقريبية لحجم الدورة الاستثمارية المحتملة.
كما أن ارتفاع تكاليف التمويل والإنشاء، وأسعار النفط، والتوترات الإقليمية وقدرة الدول على توليد تدفقات نقدية من المشاريع ستحدد في النهاية أي المشروعات سيتم تنفيذه وأيها سيعاد تأجيله.
وهنا تقدم بلاك روك خلاصة لافتة: المستثمر الناجح لن يكون من يراهن ببساطة على الرقم الضخم للإنفاق، وإنما من يستطيع تحديد أين يتحول الإنفاق فعلاً إلى عقود وإيرادات وتدفقات نقدية مستدامة.
الخليج يعيد تعريف الأمن الاقتصادي
إذا تحقق جزء كبير من هذه الاستثمارات، فقد تكون السنوات حتى 2030 نقطة تحول ثانية في تاريخ الاقتصاد الخليجي.
التحول الأول كان استخدام عائدات النفط لبناء المدن والبنية التحتية والدول الحديثة.
أما التحول الحالي فيقوم على استخدام الثروة المتراكمة لإنشاء اقتصادات تستطيع إنتاج المزيد محلياً، والوصول إلى العالم عبر أكثر من طريق، وتقليل نقاط الضعف في الغذاء والمياه والطاقة والتكنولوجيا.
ومن هنا، فإن الـ2.1 تريليون دولار التي تتحدث عنها بلاك روك ليست مجرد قصة عن طفرة إنفاق جديدة.
إنها تعكس انتقالاً أوسع من اقتصاد يبحث عن النمو والتنويع إلى اقتصاد يسعى، في الوقت نفسه، إلى تحصين نفسه ضد عالم أكثر اضطراباً، فهل سيلقى ذلك حيزًا للتنفيذ؟
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




