من باكستان-أفغانستان إلى إيران- أمريكا/ إسرائيل: حروب منفصلة ومسرح جيوسياسي موحد

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
مقدمة:
تشهد البيئة الاستراتيجية في آسيا، الممتدة من الخليج غرباً إلى جنوب ووسط القارة، تحوّلاً نوعياً دراماتيكياً في طبيعة الصراعات. لم يعد من الممكن أن نفهم الأزمات بوصفها بؤراً منفصلة يمكن التعامل معها واحتواء الانفجارات السياسية والعسكرية فيها بشكل منفصل ومستقل، بل باتت تتداخل ضمن نمط تصعيد مترابط، يعيد تشكيل المشهد ومفهوم الجيوبوليتيك بحد ذاته.
نتحدث عن مشهدين منفصلين فيما يبدو، لكنهما يتلاقيان بشكل أو بآخر. ففي لحظة زمنية واحدة، يتصاعد الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، بالتوازي مع مواجهة عسكرية متسارعة بين باكستان وأفغانستان اندلعت قبل الهجوم على إيران بيوم واحد، في ظل توتر مستمر بين الهند وباكستان وتنامي الشراكة الدفاعية بين الهند وإسرائيل. هذا التزامن لا يمكن قراءته كصدفة جيوسياسية، بل كمؤشر على تشكل بنية صراع أوسع، تتجاوز الحدود التقليدية للمناطق، وتعمل وفق منطق “المسرح الجيوسياسي الموحّد”، حيث تتفاعل الجبهات المختلفة ضمن نظام واحد من التأثير المتبادل.
هذا التحول يعيد إلى الأذهان أنماطاً تاريخية من التداخل بين الصراعات، كما حدث خلال الحرب الباردة، حين لم تكن المواجهات بين القوى الكبرى تقتصر على جبهة واحدة، بل امتدت عبر مسارح متعددة من آسيا إلى أفريقيا وأمريكا اللاتينية، أو كما في التحولات التي أعقبت عام 1979 في الشرق الأوسط، عندما تداخلت الثورة الإيرانية مع الحرب العراقية–الإيرانية، أو بعد عام 2003 حين أدى الغزو الأمريكي للعراق إلى إعادة تشكيل توازنات المنطقة بأكملها. غير أن ما يميز اللحظة الراهنة هو أن هذا التداخل لم يعد نتيجة تطور تدريجي طويل الأمد، بل يظهر بشكل متسارع ومكثف، مدفوعاً بعوامل جديدة تشمل الترابط الاقتصادي العالمي، وسرعة انتقال الأزمات عبر أسواق الطاقة، وتداخل مسارات الأمن الإقليمي مع التنافس الدولي بين القوى الكبرى، خاصة الولايات المتحدة والصين.
في هذا السياق، يبرز مفهوم “المسرح الجيوسياسي الموحد”، بوصفه إطارا تحليلياً ضرورياً لفهم الأحداث، ويفترض هذا المفهوم أن التصعيد في منطقة معينة، يؤدي إلى إعادة تشكيل التوازنات في نقاط أخرى، بفعل تلاقي عوامل متعددة، كأزمات الحدود، والطاقة، والممرات التجارية، والعلاقات الثنائية بين الفواعل الإقليمية الكبرى. وعليه فإن الجغرافيا السياسية ليست مسرحاً ثابتاً للأحداث، بل نظاماً ديناميكياً تتحرك فيه الأزمات بشكل متزامن ومتداخل.
تتجلى أهمية هذا الإطار بشكل خاص عند النظر إلى تزامن التصعيد في الجبهتين الإيرانية، والباكستانية–الأفغانية، حيث يصعب فصل توقيت وشدة كل منهما عن الآخر. فالتصعيد العسكري ضد إيران يرفع منسوب التوتر في الإقليم ككل، ويؤثر على أسواق الطاقة وحسابات الدول المجاورة، بينما يؤدي تصاعد المواجهة بين إسلام آباد وكابول إلى فتح جبهة إضافية في بيئة إقليمية مشتعلة أصلاً، وهو ما يخلق حالة من “الضغط الاستراتيجي المتعدد” على الدول الواقعة في قلب هذه التفاعلات، وعلى رأسها باكستان. وفي مثل هذه البيئات، لا تتطور الصراعات بشكل خطي، بل تتخذ طابعاً تراكمياً، حيث تغذي كل أزمة الأخرى وتعيد إنتاجها في شكل أكثر تعقيداً.
إن هذه التفاعلات مجتمعة تشير إلى أن المنطقة تدخل مرحلة يمكن وصفها بـ ”نظام التصعيد المترابط”، حيث لم يعد من الممكن احتواء الأزمات بشكل منفصل، بل أصبح كل تصعيد يحمل في طياته احتمالات التمدد والارتباط بصراعات أخرى. وفي مثل هذا النظام، لا يكون السؤال الأساسي هو ما إذا كانت حرب معينة ستندلع أو لا، أو إلى متى ستظل الحرب مندلعة، بل كيف ستتداخل خطوط الصراع المختلفة، وإلى أي مدى يمكن أن تتحول إلى بنية صراع إقليمي ممتد.
وعلى هذا الأساس، تهدف هذه الدراسة إلى تحليل التداخل بين الحرب على إيران والصراع الباكستاني–الأفغاني، من خلال تتبع تطور كل منهما، وفهم المحركات البنيوية التي تقف وراءهما، وتحليل آليات الترابط بينهما، إضافة إلى استشراف السيناريوهات المحتملة لمستقبل هذا التفاعل. وتنطلق الدراسة من فرضية رئيسية مفادها أن ما يحدث في المنطقة لا يمثل مجرد تزامن بين أزمات منفصلة، بل يعكس تحولاً أعمق نحو نمط صراع مترابط يعيد تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية في آن واحد.
أولا: تطور الصراع الباكستاني–الأفغاني: من إرث الحدود إلى انفجار ما بعد 2021
لا يمكن فهم التصعيد الحالي بين باكستان وأفغانستان دون العودة إلى البنية التاريخية التي تشكّل هذا الصراع، والتي تتمحور أساساً حول خط ديورند، وهو الخط الحدودي الذي رسمته بريطانيا عام 1893 بين الهند البريطانية (عند الجزء الذي تمثله باكستان حالياً) وأفغانستان، ولم تعترف به الحكومات الأفغانية المتعاقبة بوصفه حدوداً دولية نهائية. هذا الإرث التاريخي خلق حالة مستمرة من الغموض السيادي، حيث لم تُحسم مسألة الحدود بشكل نهائي، وظلت المناطق القبلية الممتدة على جانبي الخط فضاءً مفتوحاً للتداخل السكاني والقبلي، ما جعلها بيئة خصبة لنشوء حركات مسلحة عابرة للحدود، يصعب إخضاعها للسيطرة الكاملة لأي من الدولتين. ([i])
تفاقمت هذه الإشكالية مع تطور الحركات الجهادية في المنطقة، خاصة بعد الغزو السوفيتي لأفغانستان في الثمانينيات، حيث لعبت باكستان دوراً محورياً في دعم المجاهدين، ما أدى إلى نشوء شبكة معقدة من العلاقات بين الدولة الباكستانية وهذه الجماعات. ومع صعود حركة طالبان في التسعينيات، تحولت هذه العلاقة إلى مستوى أكثر تعقيداً، حيث اعتُبرت طالبان، بالنسبة لقطاعات داخل المؤسسة الأمنية الباكستانية، عمقاً استراتيجياً يضمن نفوذ إسلام آباد داخل أفغانستان، ويمنع تشكل نظام سياسي معادٍ لها في كابول.
وقد أخذ هذا التوتر بعداً أكثر حدة عقب انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان عام 2021، وهو الحدث الذي مثّل نقطة تحول استراتيجية في توازنات المنطقة. فمن جهة، أدى الانسحاب إلى عودة طالبان إلى السلطة، وهو ما كانت باكستان تأمل أن يخلق بيئة أكثر توافقاً مع مصالحها الأمنية. غير أن الواقع جاء مغايراً لهذه التوقعات، حيث لم تُبدِ طالبان استعداداً لتفكيك شبكات الجماعات المسلحة التي تنشط على الحدود، بل سعت إلى تثبيت سلطتها الداخلية دون الانخراط في ترتيبات أمنية تلبي المطالب الباكستانية. ومن جهة أخرى، أدى غياب الوجود العسكري الأمريكي إلى فراغ أمني نسبي، سمح بزيادة نشاط الجماعات المسلحة، وجعل الحدود أكثر انكشافاً أمام التسلل والهجمات. ([ii])
في هذا السياق، تحوّل الصراع من حالة احتكاك منخفض الحدة إلى مواجهة أكثر مباشرة، حيث بدأت باكستان تعتمد بشكل متزايد على الضربات الجوية والعمليات العسكرية داخل الأراضي الأفغانية([iii])، في محاولة لردع الجماعات المسلحة وإجبار طالبان على تغيير سلوكها. إلا أن هذه الاستراتيجية تحمل في طياتها مخاطر تصعيدية كبيرة، لأنها تنقل الصراع من مستوى غير مباشر إلى مستوى المواجهة بين دولتين، حتى وإن لم يُعلن ذلك رسمياً. وفي المقابل، تجد طالبان نفسها أمام معادلة صعبة، فهي من جهة لا تريد الدخول في حرب مفتوحة مع باكستان، ومن جهة أخرى لا تستطيع تجاهل الضربات التي تستهدف أراضيها، لما تحمله من تداعيات على شرعيتها الداخلية.
تُظهر الأحداث الأخيرة، خاصة منذ أواخر فبراير ومطلع مارس 2026، أن هذا التوتر دخل مرحلة جديدة، حيث لم تعد العمليات العسكرية مقتصرة على مناطق حدودية نائية، بل بدأت تمتد إلى مناطق أعمق داخل الأراضي الأفغانية، وصولاً إلى العاصمة كابول([iv]). هذا التحول الجغرافي يعكس تغيراً في قواعد الاشتباك، ويشير إلى أن الصراع لم يعد محكوماً بالقيود السابقة التي كانت تحد من نطاقه، بل بات أكثر انفتاحاً على احتمالات التصعيد. كما أن تزايد وتيرة الضربات الجوية واستخدام الطائرات المسيّرة يعكس تطوراً في أدوات الحرب، وانتقالها نحو نمط أكثر حداثة يعتمد على الاستهداف الدقيق والعابر للحدود.
في الوقت نفسه، لا يمكن فصل هذا التصعيد عن السياق الداخلي في باكستان، حيث تواجه الدولة تحديات اقتصادية وسياسية معقدة، تجعل من الاستقرار الأمني مسألة حيوية. ففي مثل هذه الظروف، قد تميل الحكومات إلى تبني سياسات أكثر حزماً في مواجهة التهديدات الخارجية، لتعزيز شرعيتها الداخلية وإظهار قدرتها على فرض السيطرة. غير أن هذا الخيار يحمل مخاطر مزدوجة، إذ قد يؤدي إلى تصعيد خارجي غير محسوب، في وقت تكون فيه القدرة على تحمل تبعاته محدودة اقتصادياً وسياسياً.
بناءً على ما سبق، يمكن القول إن الصراع الباكستاني–الأفغاني لم يعد مجرد نزاع حدودي تقليدي، بل أصبح تعبيراً عن تداخل معقد بين عوامل تاريخية وجيوسياسية وأمنية، تتغذى من بعضها البعض. فالإرث الاستعماري لخط ديورند، وتطور الحركات المسلحة، وفشل الترتيبات الأمنية بعد 2021، وتباين إدراك التهديد بين الطرفين، كلها عناصر تشكل بنية صراع ممتد يصعب احتواؤها عبر أدوات تقليدية. وفي هذا الإطار، فإن أي تصعيد جديد لا يمكن فهمه كحادث منفصل، بل كجزء من مسار أوسع يعيد تشكيل طبيعة العلاقة بين الدولتين، ويدفع بها نحو نموذج أكثر خطورة من المواجهة المفتوحة. ([v])
ضربة كابول كنقطة تحول استراتيجية
تمثل الضربة الجوية التي استهدفت مستشفى داخل كابول في 17 مارس/آذار 2026 لحظة مفصلية في مسار الصراع بين باكستان وأفغانستان، ليس فقط بسبب حجم الخسائر البشرية التي أعلنتها السلطات الأفغانية، والتي بلغت 408 قتلى و265 جريحاً، بل بسبب طبيعة الهدف وموقعه الجغرافي داخل العاصمة. فهذه الضربة لا يمكن قراءتها ضمن نمط العمليات الحدودية التقليدية، بل تشير إلى انتقال نوعي في قواعد الاشتباك، من صراع محصور في الأطراف الحدودية إلى استهداف العمق الحضري والسيادي للدولة، وهو ما يمثل تصعيداً استراتيجياً يرفع من احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
ما الذي تغيّر استراتيجياً بعد ضربة كابول؟
الأهم في هذه الضربة ليس فقط عدد الضحايا، بل نوع الهدف المتنازع عليه. فإذا كان الموقع فعلاً منشأة علاجية مأهولة بآلاف المرضى، فنحن أمام تصعيد يرفع الكلفة السياسية والإنسانية إلى مستوى غير مسبوق. وإذا كانت باكستان ترى أنه موقع عسكري متنكر أو مزدوج الاستخدام، فهذا يعني أنها باتت مستعدة لضرب أهداف داخل العاصمة حتى مع خطر وقوع خسائر مدنية واسعة. في الحالتين، النتيجة واحدة: عتبة استخدام القوة ارتفعت.
كما أن الضربة جاءت بعد مسار متدرج:
1. هدنة في أكتوبر 2025،
2. فشل محادثات لاحقة،
3. ثم غارات 27 فبراير،
4. ثم اشتباكات 3 مارس،
5. ثم ضربة قرب مطار قندهار في 13 مارس،
6. وصولاً إلى هجوم 17 مارس في كابول.
هذا التدرج يوحي بأن الصراع يتحرك بمنطق التصعيد المتسلسل لا الانفجار المفاجئ، ما يزيد احتمال استمرار الارتفاع بدل التراجع التلقائي.
ثانياً: محركات التصعيد البنيوية
المحرك الأعمق للنزاع، بحسب رويترز، هو اتهام إسلام آباد لحكومة طالبان بإيواء قادة ومقاتلي تحريك طالبان باكستان وجماعات مسلحة أخرى، بينما ترفض كابول ذلك وتعتبر المسألة شأناً باكستانياً داخلياً. هذا مهم لأن الصراع هنا ليس على حادث حدودي منفرد، بل على بيئة أمنية ممتدة ترى باكستان أنها تهددها من داخل الأراضي الأفغانية. طالما لم يتغير هذا الإدراك الأمني، فإن دوافع الضربات الاستباقية ستبقى قائمة.
في المقابل، تنظر طالبان إلى الضربات الباكستانية بوصفها انتهاكاً للسيادة وقتلاً لمدنيين. وقد أوردت التقارير أن أفغانستان ردّت سابقاً بعمليات انتقامية، وأن الموقف الرسمي في كابول أصبح أكثر تشدداً، مع تراجع الثقة في المسار الدبلوماسي. هذا يعني أن الطرفين لم يعودا يختلفان فقط على الوقائع، بل على تعريف شرعية القوة نفسها: باكستان تتحدث عن مكافحة الإرهاب، وأفغانستان تتحدث عن عدوان على الدولة.
يكتسب هذا التحول أهميته من كونه يعكس تغيراً في حسابات استخدام القوة لدى باكستان، حيث لم تعد العمليات العسكرية مقتصرة على الردع الموضعي أو الضربات المحدودة، بل باتت تتجه نحو استهدافات تحمل مخاطر سياسية وإنسانية أعلى. ويُنظر إلى “رفع عتبة استخدام القوة” (Escalation Threshold) بوصفه مؤشراً على انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر خطورة، حيث تصبح الخيارات العسكرية أقل تقييداً، وتزداد احتمالات الخطأ في الحسابات، خاصة في بيئات تفتقر إلى قنوات اتصال مستقرة بين الأطراف.
من الناحية العسكرية، يشير استهداف العاصمة إلى تطور في نمط العمليات، حيث يتطلب تنفيذ ضربات دقيقة داخل بيئة حضرية معقدة قدرات استخباراتية وتقنية متقدمة، إضافة إلى استعداد لتحمل تداعيات سياسية محتملة. هذا النوع من العمليات يرتبط عادة بما يُعرف بـ ”الحرب عبر الحدود” (Cross-border warfare)، التي تهدف إلى ضرب مصادر التهديد في عمق أراضي الخصم، بدل الاكتفاء بالدفاع على الحدود. غير أن هذا النمط من العمليات يحمل مخاطر تصعيدية كبيرة، لأنه يقترب من عتبة الحرب التقليدية بين الدول، حتى وإن لم يُعلن ذلك رسمياً.
من جهة أخرى، فإن نقل الصراع إلى الفضاء الحضري يفتح الباب أمام ما يُعرف بـ ”حرب المدن” (Urban Warfare)، وهي من أكثر أنماط الحروب تعقيداً وخطورة، نظراً للكثافة السكانية العالية وتشابك البنية التحتية، ما يؤدي عادة إلى ارتفاع كبير في الخسائر المدنية، وزيادة الضغوط الدولية على الأطراف المتحاربة (Kalyvas, 2006). وإذا ما تكرر هذا النمط من الاستهداف داخل المدن الأفغانية، فإن ذلك قد يدفع الصراع إلى مرحلة جديدة تتجاوز المواجهات المحدودة نحو صراع أكثر اتساعاً وتأثيراً.
سياسياً، تحمل هذه الضربة تداعيات تتجاوز البعد العسكري، إذ تعزز من خطاب طالبان القائم على انتهاك السيادة، وتمنحها مبرراً لتشديد موقفها تجاه باكستان، كما تضعف من فرص العودة إلى المسار الدبلوماسي في المدى القريب. وفي المقابل، قد ترى باكستان أن هذه العمليات ضرورية لإظهار الحزم في مواجهة التهديدات الأمنية، خاصة في ظل الضغوط الداخلية، وهو ما يعكس تداخل العوامل الداخلية والخارجية في صناعة القرار العسكري. ([vi])
في ضوء ذلك، يمكن القول إن ضربة كابول لا تمثل حدثاً معزولاً، بل نقطة تحول استراتيجية تعكس انتقال الصراع إلى مرحلة جديدة، تتسم بارتفاع عتبة استخدام القوة، وتوسع نطاق العمليات، وزيادة التعقيد القانوني والسياسي. هذا التحول لا يغيّر فقط من طبيعة الصراع بين باكستان وأفغانستان، بل يعيد تشكيل موقعه ضمن المشهد الإقليمي الأوسع، خاصة في ظل تزامنه مع تصعيدات أخرى في المنطقة، وعلى رأسها الحرب على إيران، ما يعزز من فكرة أن المنطقة تتحرك نحو نمط صراع مترابط متعدد المستويات.
ثانيا: كيف يتقاطع الصراع الإيراني مع حرب باكستان–أفغانستان ويعيد تشكيل التوازنات في جنوب آسيا؟
كما ذكرنا في المقدمة، تشهد المرحلة الراهنة تداخلاً متزايداً بين عدة بؤر صراع كانت تُقرأ سابقاً كأزمات منفصلة، فالتصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يتزامن مع مواجهة عسكرية متصاعدة بين باكستان وأفغانستان، في وقت تتصاعد فيه التوترات بين الهند وباكستان وتتوسع الشراكة العسكرية بين الهند وإسرائيل. هذا التزامن يطرح تساؤلات جدية حول احتمال تشكل ما يمكن وصفه بـ نمط صراعات مترابطة، حيث تتصل جبهات الشرق الأوسط بآسيا الوسطى وجنوب آسيا ضمن مسرح جيوسياسي واحد.
في قلب هذا المشهد تقف باكستان التي تواجه ما يمكن وصفه بـ “الضربة المزدوجة”، فمن جهة تخوض إسلام آباد مواجهة عسكرية متزايدة مع حكومة طالبان في أفغانستان، ومن جهة أخرى تجد نفسها أمام تداعيات حرب محتملة مع إيران على حدودها الغربية. هذا الوضع يضع الدولة الواقعة في جنوب آسيا أمام ضغط استراتيجي متعدد الاتجاهات قد يؤثر في استقرارها الأمني والاقتصادي في آن واحد.
ولا يمكن فهم التصعيد بين باكستان وأفغانستان بوصفه نزاعاً ثنائياً مستقلاً، لأن موقعه الجغرافي يجعله متداخلاً بشكل مباشر مع الصراع الدائر حول إيران، خاصة أن إيران تمثل نقطة وصل بين الخليج وآسيا الوسطى وجنوب آسيا. هذا الطرح مدعوم بتقارير تحليلية تشير إلى أن المنطقة أصبحت “مترابطة أمنياً واقتصادياً”، بحيث يؤثر أي تصعيد في إحدى جبهاتها على الأخرى.
فبالإضافة إلى أن إيران تمثل نقطة اتصال بين الخليج وآسيا الوسطى وجنوب آسيا، فهي تتحكم في أحد أهم الممرات النفطية في العالم، وهو مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية. وبالنسبة لدول تعتمد بشكل كبير على استيراد الطاقة مثل باكستان، فإن أي اضطراب في هذا المضيق قد يؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط وزيادة الضغوط على الاقتصاد.
في هذا السياق، تتحول الحرب على إيران إلى ما يمكن وصفه بـ ”المضاعف الاستراتيجي” (Strategic Multiplier)، حيث لا تقتصر آثارها على الجبهة المباشرة، بل تمتد لتؤثر في نزاعات أخرى، من خلال ثلاث آليات رئيسية؛ تتمثل في الطاقة، والممرات، والتحالفات. فعلى مستوى الطاقة، يؤدي أي تهديد لمضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار كبير للنفط واضطراب الإمدادات، وهو ما ينعكس مباشرة على دول مثل باكستان. هذا الضغط الاقتصادي لا يبقى في إطار السوق، بل يتحول إلى عامل مؤثر في القرار السياسي والعسكري، حيث يحدّ من قدرة الدولة على تمويل العمليات، ويزيد من هشاشتها الداخلية، وهو ما قد يدفعها إلى اتخاذ قرارات أكثر حدة لتعويض هذا الضعف.
أما على مستوى الجغرافيا، فإن الصراع لا يتحرك ضمن حدود مغلقة، بل عبر شبكة من الممرات الاستراتيجية التي تربط بين الخليج وآسيا الوسطى وجنوب آسيا. في هذا الإطار، يصبح الصراع الباكستاني–الأفغاني جزءاً من ممر جيوسياسي أوسع، يمكن أن تنتقل عبره آثار التوتر من الخليج إلى جنوب آسيا، والعكس صحيح. فمع تصاعد الحرب على إيران، تبدأ الدول في البحث عن بدائل لطرق التجارة والطاقة، وهو ما يعيد تشكيل أهمية ممرات مثل تشابهار في إيران أو الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني (CPEC)، ويجعلها جزءاً من حسابات الصراع.
هذا التداخل يتعزز أكثر عندما ندخل عامل القوى الكبرى، حيث لا يمكن فصل الحرب على إيران عن التنافس بين الولايات المتحدة والصين. فالولايات المتحدة تسعى إلى الحفاظ على هيمنتها في الخليج وضمان تدفق الطاقة، بينما تعمل الصين على تأمين طرق إمداداتها عبر مبادرة “الحزام والطريق”، التي تمر عبر باكستان وآسيا الوسطى. في هذا السياق، تصبح باكستان نقطة تقاطع بين مشروعين استراتيجيين متنافسين، وهو ما يضاعف من حساسيتها لأي تصعيد إقليمي.
من جهة أخرى، تلعب إيران دوراً معقداً في هذا المشهد، فهي ليست فقط طرفاً في صراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بل أيضاً فاعل إقليمي يسعى إلى منع انتقال التوتر إلى حدوده الشرقية. ولذلك، عرضت طهران التوسط بين باكستان وأفغانستان، في محاولة لاحتواء التصعيد. غير أن هذا الدور يظل محدوداً، لأن قدرة إيران على لعب دور الوسيط تتأثر مباشرة بمستوى الضغط الذي تتعرض له في صراعها الأساسي، ما يجعلها في موقع يجمع بين كونها مصدر توتر ومصدر تهدئة في آن واحد.
في هذا الإطار، يمكن القول إن العلاقة بين الحرب على إيران والصراع الباكستاني–الأفغاني ليست علاقة سببية مباشرة، بل علاقة ترابط بنيوي، حيث يؤثر كل منهما في الآخر عبر شبكة من العوامل الاقتصادية والجغرافية والسياسية. هذا الترابط يعكس تحولاً أعمق في طبيعة الصراعات، حيث لم تعد الحروب تُخاض ضمن حدود واضحة، بل ضمن فضاء مترابط تتداخل فيه المسارات، وتصبح فيه كل جبهة جزءاً من معادلة أكبر.
مما يؤشر على ذلك هو أن باكستان شهدت تحولاً ملحوظاً في خطابها السياسي تجاه إيران، يعكس انتقالاً من سياسة الحياد النسبي إلى اصطفاف أكثر وضوحاً إلى جانب السعودية ضد طهران. وقد تجلّى هذا التحول في تصريحات قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، التي تضمنت تحذيرات صريحة من التعاطف مع إيران، وتهديدات باستخدام القوة ضد الاحتجاجات الداخلية، إلى جانب تأكيد الالتزام باتفاقية الدفاع المشترك مع الرياض.
لا يمكن قراءة هذا التحول بوصفه مجرد تغير في الخطاب، بل يعكس إعادة تموضع استراتيجي مدفوعاً باعتبارات أمنية واقتصادية، حيث تعتمد باكستان بشكل كبير على السعودية في دعمها المالي، في حين تبقى علاقاتها الاقتصادية مع إيران محدودة، فضلاً عن تعقيد العلاقة بسبب تقارب طهران مع الهند. وفي هذا السياق، يبدو أن باكستان اختارت تقليص عدد الخصوم عبر الانحياز إلى السعودية، بوصفها شريكاً اقتصادياً وأمنياً أكثر أهمية، حتى وإن جاء ذلك على حساب علاقتها مع إيران. كما أن الطابع الحاد للتصريحات، التي ربطت التعاطف مع إيران بمواقف تستدعي الرد الأمني، يشير إلى انتقال الصراع من المستوى الخارجي إلى الداخل، حيث بدأت التوترات الإقليمية تنعكس على البنية الاجتماعية والسياسية للدولة. وبذلك، يمكن فهم هذا التحول ليس كاستجابة ظرفية، بل كجزء من ديناميكية أوسع تتحرك فيها الدول داخل نظام صراع مترابط، يفرض عليها تحديد مواقعها بشكل أكثر وضوحاً مع كل تصعيد جديد. ([vii])
كيف ترتبط حرب إيران–أمريكا–إسرائيل بالحرب بين باكستان وأفغانستان؟
باكستان تواجه في المرحلة الراهنة ما يمكن توصيفه بـ “الضغط الاستراتيجي المزدوج”، حيث تتقاطع جبهتان جيوسياسيتان نشطتان في آن واحد: الأولى على حدودها الغربية مع أفغانستان، والثانية على حدودها الجنوبية الغربية مع إيران. هذا التداخل لا يمثل مجرد تصاعد تكتيكي في التوترات، بل يعكس تحولاً نوعياً في البيئة الأمنية المحيطة بباكستان، من بيئة يمكن إدارتها عبر توازنات غير مباشرة، إلى بيئة متعددة المحاور يصعب احتواؤها.
1) الطاقة وسلاسل الإمداد: مضيق هرمز بوصفه مركز الثقل
كلما اتسعت المواجهة بين واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران من جهة أخرى، ارتفع مستوى التهديد الذي يطال تدفق النفط والغاز وحركة الشحن في الخليج. هذا التطور لا يبقى محصوراً في الشرق الأوسط، بل ينعكس مباشرة على دول تعتمد على الاستيراد مثل باكستان، عبر ارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب الإمدادات، والضغط على العملة المحلية.
وفي حالة باكستان، تزداد الخطورة لأن البلاد ليست فقط عرضة للصدمة الاقتصادية، بل تخوض أصلاً مواجهة شديدة مع أفغانستان. لذلك فإن أي هزة في أسواق الطاقة أو التجارة تجعل تمويل الجبهة أكثر صعوبة، وتضيّق هامش الحركة أمام الدولة سياسياً واقتصادياً.
2) انتقال التوتر عبر الحدود الهشة
الصراع بين باكستان وأفغانستان لا يدور على حدود مستقرة أو محكمة، بل على شريط حدودي طويل ومفتوح نسبياً، تتكرر فيه الضربات المتبادلة والاتهامات بإيواء جماعات مسلحة. ومع بلوغ التوتر درجة وُصفت بأنها “حرب مفتوحة”، وسقوط أعداد كبيرة من المدنيين بحسب تقارير أممية، تصبح المنطقة بأكملها شديدة القابلية للاشتعال. ([viii])
وفي حال تزامن هذا النوع من الصراعات الحدوديّة مع حرب كبرى في إيران، فإن كل طرف يبدأ في البحث عن داعمين أو وسطاء أو مجالات عمق إضافية، بدل التركيز على خفض التصعيد. وهنا تنتقل الأزمة من نزاعين منفصلين إلى مسرح توتر متصل. ([ix])
3) إيران: جار مباشر ووسيط محتمل
في ذروة التصعيد بين إسلام آباد وكابول، عرضت طهران المساعدة في تسهيل الحوار بين الطرفين. لهذه الخطوة دلالة مهمة، لأن إيران لا تريد أن يمتد القتال إلى حدودها الشرقية، كما لا ترغب في فتح جبهة إضافية وهي أصلاً تحت ضغط من الغرب والجنوب.
ومن ثم، فإن العلاقة بين الحربين ليست مجرد تزامن زمني؛ فالحرب على إيران ترفع حرارة النظام الإقليمي كله، بينما يشكل الصراع الباكستاني–الأفغاني ممراً يمكن أن تنتقل عبره آثار التوتر من الخليج إلى جنوب آسيا، والعكس أيضاً. ([x])
أين تدخل الهند وإسرائيل في صورة “الحرب الكبرى”؟
1) الهند وإسرائيل: شراكة دفاعية تتوسع في زمن الأزمات
التقارب الهندي–الإسرائيلي لم يعد مجرد علاقة عادية في مجال السلاح، بل أصبح تعاوناً دفاعياً وتقنياً متنامياً يشمل أنظمة دفاع جوي وصاروخي وتقنيات متقدمة. وفي سياق الحرب الإسرائيلية ضد إيران، فإن أي تقارب إضافي بين تل أبيب ونيودلهي يُقرأ بوجهين مختلفين:
من الجانب الإسرائيلي، يبدو الأمر وكأنه توسيع لدائرة الشركاء وتعزيز لتبادل التكنولوجيا والخبرات.
أما في الخطاب الباكستاني، وخصوصاً لدى شخصيات مثل خواجة آصف، فيُنظر إليه باعتباره جزءاً من رواية أوسع عن “تطويق” باكستان عبر محور هندي–إسرائيلي ذي امتدادات إقليمية.
صحيح أن هذا لا يعني بالضرورة وجود تحالف عسكري مباشر ضد باكستان، لكنه يرسّخ تصوراً بالتهديد، وهو ما تستخدمه النخب السياسية والأمنية في تعبئة الداخل.
الخلاصة أن إسرائيل تمثل رأس الحربة في المواجهة مع إيران، وتسعى إلى تعزيز تفوقها التقني وتوسيع شبكات شراكاتها. أما الهند، فليست بالضرورة طرفاً مباشراً في الحرب، لكنها في موقع معقد: فهي من جهة قد تتضرر من اضطراب الطاقة والممرات ومن المخاطر التي تهدد تشابهار، ومن جهة أخرى تسعى إلى تعميق تعاونها الدفاعي والتقني مع إسرائيل، وإلى الحفاظ على مساراتها الاستراتيجية نحو إيران وأفغانستان وآسيا الوسطى. ([xi])
2) الهند وإيران وأفغانستان: جغرافيا المصالح والممرات
لطالما سعت الهند إلى تجاوز القيد الجغرافي الذي تفرضه باكستان عبر الوصول إلى أفغانستان وآسيا الوسطى من خلال إيران، وخصوصاً عبر ممر تشابهار. ولهذا يُنظر إلى تشابهار بوصفه منفذاً تجارياً وإنسانياً واستراتيجياً مهماً للهند.
ومن هنا، حين يحذر مسؤولون باكستانيون من احتمال تشكل تقارب بين إيران والهند وأفغانستان، فإنهم لا ينطلقون فقط من خطاب سياسي، بل من معطى جغرافي فعلي يسمح بتقاطع المصالح:
- الهند تريد طرقاً وممرات لا تمر عبر باكستان،
- إيران تريد منافذ وشراكات تخفف عنها الضغط والعقوبات،
- أفغانستان تبحث عن بدائل تجارية وسياسية تقلل ارتهانها لإسلام آباد.
لكن الحرب على إيران يمكن أن تدفع هذا المثلث في اتجاهين متعاكسين: إما تعطيله إذا تضررت إيران أو ممر تشابهار أو الأمن البحري، أو إعادة تشكيله سياسياً ضمن اصطفافات جديدة بحسب تطورات الحرب ([xii]) (مثلاً الهند مع إسرائيل في مقابل إيران).
3) التحالف الهندي الإسرائيلي الأمريكي
التزامن بين اندلاع مناوشات باكستان وأفغانستان مع بدء الحرب على إيران هو أمر لافت، خاصة في ضوء الزيارة الإستراتيجية التي أجراها رئيس الوزراء الهندي لإسرائيل عشية الضربة على إيران، وأيضاً في ضوء العلاقة الخاصة لرجل باكستان القوي رئيس الوزراء عاصم منير مع الولايات المتحدة في زمن ترامب، ثم التصعيد الباكستاني مع أفغانستان، الذي يبدو غير مبرر في هذا التوقيت.
إن هذا التزامن يجري أيضاً في ظل تصريحات نتنياهو حول تحالف إسرائيل والهند وأمريكا (شاملاً قبرص واليونان أيضاً) ضد قوى “الظلام والإرهاب” في المنطقة، وكذلك بالنظر إلى الأهداف الإسرائيلية من الحرب على إيران، التي يأتي على رأسها تدمير مقدرات إيران بشكل كامل، مع إثارة قدر كبير من الفوضى في المنطقة بهدف إعادة تشكيلها، وهو ما يمكن أن يشمل بالضرورة منطقة باكستان/ أفغانستان. فضلاً عن ذلك، تأتي تصريحات ترامب باستهداف إعادة “أخذ” قاعدة باجرام الإستراتيجية في أفغانستان، نظراً لأهميتها الإستراتيجية في إطار الصراع الأمريكي مع الصين.
على هذا الأساس لا يصعب تصور أن هذا الحلف يتعامل مع خطوط الصراع من الخليج إلى آسيا الوسطى وجنوب آسيا كمسرح جيوسياسي واحد، يسعى للهيمنة عليه، خاصة في ظل تأثير هذه المنطقة في توازن القوى بين الولايات المتحدة والصين، ما يدفع بإثارة النزاع الباكستاني – الأفغاني في هذا التوقيت، وإضعاف كلا الطرفين، لاستكمال تهيئة “المسرح” بكامله لإعادة التشكل.
ثالثا: باكستان كنقطة كسر جيوسياسية: الانضغاط الاستراتيجي وخطر عدم الاستقرار متعدد الجبهات
لا تبدو باكستان مجرد دولة أخرى تتأثر بالتحولات الجارية في محيطها، بل تظهر كواحدة من أكثر العقد الجيوسياسية هشاشة، لأن موقعها لم يعد يمنحها فقط قيمة استراتيجية، بل يحمّلها أيضاً كلفة استراتيجية مرتفعة.
فهي تقع عند تقاطع ثلاث دوائر صراع كبرى تتفاعل في الوقت نفسه:
- من الغرب، صدام مفتوح أو شبه مفتوح مع أفغانستان يتغذى من هشاشة الحدود ونشاط الجماعات المسلحة العابرة للحدود، وفشل الرهان القديم على ضبط المجال الأفغاني عبر النفوذ غير المباشر.
- ومن الجنوب الغربي، تداعيات الحرب على إيران، بما تحمله من أخطار على الطاقة، والحدود، والتوازنات في إقليم بلوشستان، فضلاً عن احتمالات اضطراب الممرات البحرية والبرية التي ترتبط بها المصالح الباكستانية.
- ومن الشرق، التوتر البنيوي الطويل مع الهند، الذي لا يقتصر على النزاع التقليدي، بل يتعقد أكثر مع أي تقارب هندي مع إيران أو أفغانستان، ومع اتساع التعاون الهندي–الإسرائيلي في المجالات الدفاعية والتقنية والاستخباراتية، إلى درجة التحالف الإستراتيجي.
في مثل هذا الوضع، لا تواجه باكستان تهديداً واحداً واضح المعالم، بل تعيش داخل بيئة ضغط مركب، تتراكم فيها المخاطر من اتجاهات مختلفة، وبإيقاعات متزامنة، ما يجعلها أقرب إلى “نقطة التقاء الأزمات” منها إلى مجرد طرف في أزمة واحدة.
وتنبع خطورة هذا الموقع من أن التهديدات التي تواجهها باكستان ليست متوازية فقط، بل متداخلة أيضاً. فالتوتر مع أفغانستان لا يمكن عزله عن أثر الحرب على إيران في أسواق الطاقة وقدرة الدولة على التمويل والتحرك؛ كما أن أي اهتزاز في الجبهة الإيرانية قد ينعكس على الحسابات الهندية، وعلى شبكات النفوذ في أفغانستان، وعلى الحسابات الداخلية الباكستانية في آن واحد. لذلك، فإن ما يواجهه صانع القرار في إسلام آباد ليس مجرد تعدد في الملفات، بل تشابك بين الملفات، بحيث يصبح الضغط في جبهة معينة قادراً على إعادة إنتاج نفسه في جبهة أخرى. ومن هنا يمكن وصف الحالة الباكستانية بأنها حالة انضغاط استراتيجي: أي تضييق متدرج للمجال المتاح للمناورة، ليس فقط بسبب شدة التهديدات، بل بسبب تزامنها وتفاعلها. فكلما حاولت الدولة تركيز مواردها على جبهة، برزت جبهة أخرى تطالب باهتمام عاجل، وكلما سعت إلى تحييد خصم، وجدت أن هذا التحييد قد يفتح حساسيات جديدة مع خصم آخر.
ولا يقف التعقيد عند حدود الجغرافيا الصلبة، بل يتفاقم أكثر بسبب شبكة التحالفات والالتزامات المتقاطعة التي تعمل داخلها باكستان. فإسلام آباد لا تتحرك في فراغ، بل ضمن بنية علاقات إقليمية تجعل خياراتها محكومة باعتبارات متعارضة أحياناً. فعندما تُذكّر إيران بالتزامات دفاعية تجاه السعودية، أو عندما تجد نفسها مضطرة إلى الموازنة بين علاقتها بطهران ومصالحها الحيوية مع الرياض، فإنها لا تدير خلافاً ثنائياً بسيطاً، بل تحاول منع انزلاق موقعها الإقليمي كله. ذلك أن السعودية ليست فقط شريكاً سياسياً، بل تمثل أيضاً رافعة اقتصادية ومالية مهمة لباكستان، في حين أن إيران جار لا يمكن تجاهله جغرافياً أو أمنياً. وهنا تضيق مساحة الحياد، لأن أي انحياز واضح في لحظة حرب إقليمية واسعة قد تكون له كلفة مباشرة على الحدود، أو على الطاقة، أو على التوازنات الداخلية. ومع بقاء التوتر العسكري مع كابول حاضراً أصلاً، تصبح شبكة التحالفات بدلاً من أن تمنح باكستان أماناً إضافياً، عاملاً جديداً لتقييد الحركة، لأنها تفرض عليها التوفيق بين التزامات يصعب المواءمة بينها في لحظة إقليمية مضطربة.
رابعا: السيناريوهات المستقبلية
في ضوء التداخل بين الحرب على إيران والتصعيد بين باكستان وأفغانستان، لا يمكن قراءة مستقبل الصراع الباكستاني – الأفغاني ضمن سيناريو خطي بسيط، بل ضمن مجموعة من المسارات المتداخلة التي تعكس طبيعة “المسرح الجيوسياسي الموحّد”. ويبدو، حتى الآن من مسار العمليات، أن السيناريو الأكثر ترجيحاً في الأمد القريب هو استمرار التصعيد المنضبط، حيث تستمر العمليات العسكرية المتبادلة دون الوصول إلى حرب شاملة، مع بقاء كل طرف ضمن حدود محسوبة لتجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
السيناريو الأول: التشابك المنضبط دون انفجار شامل
حيث يستمر الصراع الباكستاني–الأفغاني ضمن حدود تصعيد محسوب، في حين تبقى الحرب على إيران عالية الكلفة لكنها لا تتطور إلى مواجهة إقليمية شاملة، وتواصل الهند تحركاتها ضمن المجال الدبلوماسي والتقني دون انخراط عسكري مباشر. في هذا السياق، لا نشهد حرباً كبرى، بل فضاء مشبعاً بحروب متوازية منخفضة أو متوسطة الشدة. غير أن هذا “الاستقرار النسبي” يخفي تحته تحولاً أعمق، يتمثل في تفكك منطق “العمق الاستراتيجي” الباكستاني، حيث لم تعد أفغانستان مجال نفوذ يمكن التحكم به، بل أصبحت مصدر تهديد مستمر، ما يجعل هذا السيناريو هشاً وقابلاً للانزلاق نحو مستويات أعلى من التصعيد.
السيناريو الثاني: اتساع الصراع عبر الممرات
حيث تبدأ آثار الحرب في إيران، خاصة إذا استمرت وازدادت اشتعالا، مع إغلاق مضيق هرمز، والانتقال إلى الطاقة وسلاسل الإمداد والممرات التجارية، ما يخلق ضغوطاً اقتصادية داخلية في الدول الأكثر هشاشة مثل باكستان، ويفتح المجال أمام صراعات الوكالة على الأطراف الحدودية، سواء في مناطق البلوش أو المناطق القبلية أو الممرات الحساسة. في هذا السيناريو، لا تبقى الجبهات منفصلة، بل تتحول كل جبهة إلى مولّد لجبهة أخرى، ضمن ما يمكن وصفه بمنطق “العدوى الجيوسياسية”. وهنا يتعزز نمط الاستنزاف متعدد الجبهات، حيث تتآكل قدرات الدولة في كل من باكستان وأفغانستان تدريجياً نتيجة تراكم الضغوط العسكرية والاقتصادية والأمنية، دون الحاجة إلى حرب شاملة مباشرة. هذا النمط من الصراع يؤدي إلى استنزاف تدريجي للموارد العسكرية، وزيادة الضغط الداخلي نتيجة التدهور الأمني، وتراجع القدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية طويلة المدى، ما يجعل كلتا الدولتين أكثر هشاشة بمرور الوقت.
السيناريو الثالث: اصطفاف المحاور وتبلور مواجهة أوسع
حيث تتحول الحرب على إيران إلى محور استقطاب إقليمي ودولي، مع تموضع الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة طهران، مقابل أدوار داعمة أو موازنة من قوى أخرى مثل روسيا والصين. في هذا السياق، تتحول جنوب آسيا إلى ساحة تنافس نفوذ بين الهند وباكستان، ليس فقط على خلفية نزاعهما التقليدي، بل ضمن سياق أوسع مرتبط بالحرب في إيران والصراع في أفغانستان. ويمكن تأطير هذا الوضع ضمن نموذج “الاختناق الجيوسياسي” (Geopolitical Compression)، حيث تضيق المساحات الاستراتيجية المتاحة للدولة نتيجة الضغط المتزامن من عدة اتجاهات. في هذا النموذج، لا تكمن المشكلة في شدة التهديد بقدر ما تكمن في تزامنه وتراكبه، ما يجعل التحدي الأساسي هو منع تفاعل هذه الجبهات معاً بطريقة تضاعف المخاطر.
خامساً: الخلاصة
تشير المعطيات التي تناولتها هذه الدراسة إلى أن المنطقة لم تعد تتحرك ضمن منطق أزمات منفصلة، بل دخلت مرحلة نظام التصعيد المترابط، حيث تتداخل الحروب والصراعات ضمن مسرح جيوسياسي واحد يمتد من الخليج إلى جنوب آسيا. وفي هذا الإطار، يظهر الصراع بين باكستان وأفغانستان والحرب على إيران بوصفهما مسارين متوازيين يتغذيان من بعضهما البعض، سواء عبر الطاقة أو الجغرافيا أو التحالفات.
وفي قلب هذا المشهد، تبدو باكستان في موقع حرج يعكس ما يمكن تسميته بـالضغط المزدوج أو المركب، حيث تواجه في آن واحد تهديداً غير تقليدي من أفغانستان (حسب ما تعتقد باكستان)، وضغطاً تقليدياً من إيران، إلى جانب التوتر المستمر مع الهند. هذا التداخل لا يخلق فقط تحديات أمنية، بل يفتح الباب أمام حالة من عدم اليقين الاستراتيجي، قد تدفع إسلام آباد إلى إعادة النظر في عقيدتها الأمنية وتحالفاتها الإقليمية.
كما تبدو أفغانستان أيضاً في موقف حرج، فهي بالكاد خرجت من صراعات مع قوى كبرى امتدت لعقود، وتحاول أن تضع أقدامها على بداية طريق الاستقرار والتنمية، ولا تحتاج لجولة أخرى من الحروب تبقيها في وضع ضعيف لعقود أخرى.
إضافة إلى ذلك، فإن كلتا الدولتين تواجهان محاولة الإضعاف المتعمد لخلق البيئة المناسبة لإعادة رسم خريطة المنطقة بما يتواءم مع مصالح الهند و إسرائيل والولايات المتحدة، ولا يخدم المصالح الاستراتيجية، لا لباكستان، ولا لأفغانستان.
من هذه المنطلقات، فإن المصلحة العليا لكلا البلدين تقتضي أولاً فصل النزاع بينهما عن أي إطار إقليمي ضاغط، بما يضعف من تأثير الحروب الإقليمية عليهما، ثم السعي الحثيث لوأد الفتنة بينهما بالدخول في محادثات جادة وصريحة تهدف إلى حل المشاكل العالقة بين البلدين في إطار سياسي وديبلوماسي، بدلاً من اللجوء للصراع العسكري.
وبذلك، فإن السؤال المركزي لم يعد يتعلق بما إذا كانت الحرب ستتوسع أم لا، بل بقدرة باكستان وأفغانستان على إدارة هذا الاختناق الجيوسياسي دون أن يتحول إلى أزمة شاملة. فهل يمكن تفكيك هذا الضغط عبر إدارة منفصلة لكل جبهة، أم أن كلا البلدين يحتاج للتوجه نحو مرحلة تتطلب إعادة تموضع استراتيجي شامل يعيد تعريف دورهما في النظام الإقليمي بما يخدم مصالحهما الإستراتيجية؟
[i] – القاضي، ف. ا. (2026، مارس 7). خط ديورند: مدنيون يدفعون ثمن التصعيد بين أفغانستان وباكستان. الجزيرة نت.
[ii] Shah, S., & Ali, M. (2025, October 16). The militant leader stirring conflict between Pakistan and Afghanistan. Reuters.
https://www.reuters.com/world/asia-pacific/militant-leader-stirring-conflict-between-pakistan-afghanistan-2025-10-16/
[iii] Reuters. (2026, February 27). Pakistan strikes Afghanistan targets as clashes intensify. Reuters.
https://www.reuters.com/world/asia-pacific/pakistan-strikes-afghanistan-targets-clashes-intensify-2026-02-27/
[iv] Reuters. (2026, February 27). From sponsor to enemy: What’s behind Pakistan’s attack on Afghan Taliban? Reuters.
https://www.reuters.com/world/asia-pacific/whats-behind-latest-fighting-between-afghanistan-pakistan-2026-02-27/
[v] Coe, J. (2026, March 3). Clashes between Afghanistan and Pakistan raise concerns about “open war”. The World.
https://theworld.org/stories/2026/03/03/clashes-between-afghanistan-and-pakistan-raise-concerns-about-open-war
[vi] – International Crisis Group. (2026, March 20). Afghanistan and Pakistan trade fire as conflict takes a dangerous turn. International Crisis Group.
https://www.crisisgroup.org/stm/asia-pacific/afghanistan/afghanistan-and-pakistan-trade-fire-conflict-takes-dangerous-turn
[vii] – صابر، ص. (2026، مارس 23). تحوّل في خطاب باكستان تجاه إيران: السعودية أولاً. العربي الجديد.
https://www.alaraby.co.uk/politics/%D8%AA%D8%AD%D9%88%D9%91%D9%84-%D9%81%D9%8A-%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8-%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86-%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D9%87-%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%A3%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8B
[viii] – Times of India. (2026, February 28). First Taliban, now Iran: Why it could be a double whammy for Pakistan. The Times of India.
https://timesofindia.indiatimes.com/defence/international/first-taliban-now-iran-why-it-could-be-a-double-whammy-for-pakistan/articleshow/128881262.cms
[ix] Times of India. (2026, February 28). First Taliban, now Iran: Why it could be a double whammy for Pakistan. The Times of India.
https://timesofindia.indiatimes.com/defence/international/first-taliban-now-iran-why-it-could-be-a-double-whammy-for-pakistan/articleshow/128881262.cms
[x] – Press Trust of India. (2026, March 4). Afghan, Iran, India trying to turn Pakistan into a “vassal state”: Khawaja Asif. NDTV.
https://www.ndtv.com/world-news/afghan-iran-india-trying-to-turning-pakistan-into-a-vassal-state-khawaja-asif-11166742
[xi] – Hindustan Times. (2026, March 3). Pakistan continues anti-India rhetoric even during US-Iran war: What they said. Hindustan Times.
https://www.hindustantimes.com/india-news/pakistan-continues-anti-india-rhetoric-even-during-us-iran-war-what-they-said-101772531882099.html
[xii] Press Trust of India. (2026, March 4). Afghan, Iran, India trying to turn Pakistan into a “vassal state”: Khawaja Asif. NDTV.
https://www.ndtv.com/world-news/afghan-iran-india-trying-to-turning-pakistan-into-a-vassal-state-khawaja-asif-11166742
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




