تقدير موقف: هدنة لبنان المؤقتة في سياق ترابط الساحات ومسار التفاوض الإيراني–الأمريكي

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
قالت وزارة الخارجية الأميركية في بيان لها صدر مساء 16 إبريل 2026، أن لبنان وإسرائيل توصلتا إلى تفاهم أولي لوقف إطلاق النار لمدة 10 أيام، بوساطة أميركية، يتم التفاوض خلالها من أجل التوصل إلى اتفاق أمني وسياسي شامل بين البلدين، في خطوة تُعد من أبرز التحركات الدبلوماسية بين الجانبين منذ عقود.
ويضع البيان الأميركي إطاراً أولياً لمسار تفاوضي يقوم على تثبيت الهدوء، وترسيم الحدود، وحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، مع تأكيد حق إسرائيل في الدفاع عن النفس.
وأكدت الخارجية الأمريكية أن لبنان وإسرائيل ليسا في حالة حرب، والتزما الدخول في مفاوضات مباشرة بحسن نية، بتيسير من الولايات المتحدة، بهدف التوصل إلى اتفاق شامل يضمن الأمن والاستقرار والسلام الدائم بينهما.
وفي هذا الإطار، تفهم الولايات المتحدة ما يلي:
- ينفذ لبنان وإسرائيل وقفاً للأعمال العدائية يبدأ في 16 أبريل، الساعة 17:00 بتوقيت شرق الولايات المتحدة، ولمدة أولية تبلغ 10 أيام، في بادرة حسن نية من حكومة إسرائيل، تهدف إلى إتاحة المجال أمام مفاوضات جادة للتوصل إلى اتفاق أمني وسلمي دائم بين البلدين.
- يمكن تمديد هذه الفترة الأولية باتفاق متبادل بين لبنان وإسرائيل، إذا تحقق تقدم في المفاوضات، وأظهر لبنان بصورة فعالة قدرته على بسط سيادته.
- تحتفظ إسرائيل بحقها في اتخاذ جميع التدابير اللازمة للدفاع عن النفس، في أي وقت، ضد أي هجمات مخططة أو وشيكة أو جارية. ولا يقيّد وقف الأعمال العدائية هذا الحق. وباستثناء ذلك، لن تنفذ إسرائيل أي عمليات عسكرية هجومية ضد أهداف لبنانية، سواء مدنية أو عسكرية أو أهداف تابعة للدولة، داخل الأراضي اللبنانية براً أو جواً أو بحراً.
- اعتباراً من 16 أبريل، الساعة 17:00 بتوقيت شرق الولايات المتحدة، وبمساندة دولية، ستتخذ الحكومة اللبنانية خطوات ملموسة لمنع “حزب الله” وجميع الجماعات المسلحة الأخرى غير المنضبطة وغير التابعة للدولة داخل الأراضي اللبنانية من تنفيذ أي هجمات أو عمليات أو أنشطة عدائية ضد أهداف إسرائيلية.
- تقر جميع الأطراف بأن القوى الأمنية اللبنانية تتحمل وحدها المسؤولية الحصرية عن سيادة لبنان ودفاعه الوطني، وأنه لا يحق لأي دولة أو جماعة أخرى الادعاء بأنها ضامنة لسيادة لبنان.
- يطلب لبنان وإسرائيل من الولايات المتحدة تيسير مزيد من المفاوضات المباشرة بين البلدين، بهدف حل جميع القضايا المتبقية، بما في ذلك ترسيم الحدود البرية الدولية، تمهيداً لإبرام اتفاق شامل يضمن الأمن والاستقرار والسلام الدائم بينهما.
- تفهم الولايات المتحدة أن الالتزامات المذكورة أعلاه ستُقبل من جانب إسرائيل ولبنان بالتزامن مع هذا الإعلان. وتهدف هذه الالتزامات إلى تهيئة الظروف اللازمة لمفاوضات بحسن نية نحو سلام وأمن دائمين. تعتزم الولايات المتحدة قيادة جهود دولية لدعم لبنان، ضمن مساعيها الأوسع لتعزيز الاستقرار والازدهار في المنطقة.
تحليل المعهد المصري:
يمثل التوصل إلى تفاهم أولي لوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل لمدة 10 أيام، بوساطة أمريكية، مؤشرًا مهمًا على طبيعة التحولات الجارية في مسار الصراع الإقليمي. فهذه الخطوة لا يمكن قراءتها بمعزل عن الموقف الإيراني الذي بدا ثابتًا في اشتراط وقف العمليات على جبهة لبنان كمدخل لأي تقدم في مسار المفاوضات مع الولايات المتحدة. وهو ما يعني أن واشنطن، بالتفاهم مع نتنياهو، اضطرت إلى التعاطي مع هذا الشرط، بما يعكس وزن المعادلة التي تحاول طهران فرضها، ويعكس احتفاظ حزب الله بقدر مهم من فعاليته وتأثيره، ويعكس أيضًا حرص أمريكي على إحداث تقدم مهم في مسار التفاوض مع إيران. التفاوض مع الدولة اللبنانية ليس هو الذي أدى لإبرام الإتفاق، وإنما القرار الإيراني، فالحكومة اللبنانية ليست أصلًا طرفًا في إطلاق النار، ولا تملك وقفه من جانب حزب الله.
في هذا السياق، يظهر أن إيران تتمسك بقوة الأن بمبدأ “وحدة الساحات”، ليس كشعار سياسي فقط، بل كنهج عملي يربط بين المسارات العسكرية والسياسية لمختلف أطراف المحور، حيث تدرك أن تفكيك هذه الجبهات أو عزلها عن بعضها يضعف موقفها التفاوضي، بينما يتيح ربطها تعزيز قدرتها على الضغط وتحقيق مكاسب متبادلة.
الدور الذي لعبه حزب الله في سياق الحرب على إيران كان عاملًا مهمًا في هذه المعادلة، حيث تحول من مجرد جبهة مساندة، وأيضًا من الإضطلاع بدور رئيس في إطار تنفيذ المشروع الإيراني الإقليمي في سوريا والعراق واليمن كما حدث في العقد الماضي، إلى أنه أصبح، من خلال تواجده على الساحة اللبنانية، جزءًا من معادلة الردع الشاملة التي تسعى طهران إلى تثبيتها في مواجهة خصومها.
في المحصلة، يبدو أن إيران لا تكتفي بالحديث عن “وحدة الساحات”، بل تعمل على ترميم هذا المبدأ وتثبيته عبر إجراءات عملية، سواء في إدارة الصراع أو في توجيه مسارات التفاوض، بما يضمن بقاء أوراق القوة موزعة ومتصلة في آن واحد (بما في ذلك في العراق واليمن).
الأمريكي والإسرائيلي تبدو موافقتهما مؤقتة، حيث يحرص الأمريكي على بداية مسار التفاوض مع إيران، التي ربطت بداية التفاوض وفتح مضيق هرمز لتهدئة سوق الطاقة، بوقف إطلاق النار في لبنان، وبعض الشروط الأخرى الخاصة بأموالها المجمدة.
الموافقة الإسرائيلية جاءت بقرار من نتنياهو بمفرده، تحت ضغوط من ترامب، رغمًا عن باقي أطراف حكومته، وعن اعتراض سكان مستوطنات الشمال المحتل، فضلًا عن أحزاب المعارضة الإسرائيلية بطبيعة الحال، والتي تزايد على هذا الموقف لأهداف سياسية. إلا أن هذا الموقف يأتي متوافقًا مع رأي جيش الدفاع الإسرائيلي الذي يرى أن العمل العسكري بمفرده غير قادر على تحقيق الأهداف الإسرائيلية بنزع سلاح حزب الله وتأمين الجبهة الشمالية، وإنما يجب أن يكون العمل العسكري مدعومًا بعمل سياسي في هذا الإتجاه.
بالنظر للإتفاق الموقع، فإنه لم يحقق إلا الرغبة الأمريكية لخدمة مسارها التفاوضي مع إيران. في واقع الأمر، الإتفاق أدخل لبنان في مسار إعتراف رسمي بإسرائيل، قد يؤدي إلى تطبيع العلاقات إذا تمت دعوة كل من الرئيس اللبناني ورئيس الوزراء الإسرائيلي إلى واشنطن لبدء عملية التفاوض، طبقًا لما صرح به ترامب. هذا المسار سيضع الدولة اللبنانية على طريق اصطدام مباشر مع حزب الله، والقوى اللبنانية الداعمة له، إذا سعت بالفعل لنزع سلاحه، بما قد يؤدي إلى الوقوع في فخ الحرب الأهلية.
فعليًا، فإن إسرائيل احتفظت بكل الأراضي اللبنانية، سواء المحتلة من قبل، أو التي أضيفت خلال المعارك الأخيرة (ارجع للخريطة المرفقة في الأسفل). إسرائيل أيضًا لا زالت تحتفظ بقوة عسكرية ضاربة داخل لبنان، تتيح لها استئناف المعارك في أية لحظة، سواء كرد فعل على عمل عسكري حقيقي من قبل حزب الله، أو أعمال عسكرية “مخططة أو وشيكة” كما ينص الإتفاق.

وعليه، فإن هناك سيناريوهين محتملين :
الأول: أن تخرج عن مفاوضات طهران–واشنطن اتفاقات فعلية تُوقف الحرب، ويترتب عليها وقف الحرب كليًا بين إيران من جانب وأمريكا وإسرائيل من جانب أخر، بما سيفرض توقف الحرب في لبنان (وهو ما سيخضع لتحليل مقبل لاحتمالات التفاهم الأمريكي – الإيراني برمتها نقوم بالعمل عليه الأن).
الثاني: مرتبط باحتمالين يؤديان لنفس النتيجة فيما يتعلق بلبنان؛ الإحتمال الأول أن تفشل المفاوضات الإيرانية الأمريكية، وتُستأنف الحرب من جديد على جبهتي إيران ولبنان معًا (مع جبهات أخرى سواء في الخليج أو العراق أو اليمن)، حيث أن استمرار وجود وفعالية حزب الله، وتوظيفه من قبل إيران، لن يسمح بفصل الساحتين الإيرانية واللبنانية. الإحتمال الثاني أن يسمح التفاهم الأخير في لبنان ببدأ المفاوضات الأمريكية – الإيرانية وفتح مضيق هرمز، كما تهدف الولايات المتحدة، ثم تعود إسرائيل لتنفيذ أجندتها في لبنان، سواء بالمضي قدما بأي ذريعة في مخطط العمليات العسكرية للقضاء على حزب الله، أو جر لبنان لحرب أهلية كما أسلفنا.
قراءتنا للمشهد تقول بأن ما تم التوقيع عليه هو مجرد هدنة مؤقتة، وأن الإحتمال الأكبر يتمثل في السيناريو الثاني، الذي لن يسمح، للأسف، ببقاء لبنان مستقرًا في المدى المنظور.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




