نحن والعالم عدد 17 أبريل 2026

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
يقوم هذا التقرير، الصادر عن المعهد المصري للدراسات، على رصد عدد من أبرز التطورات التي شهدتها الساحة الإقليمية والدولية، والتي يمكن أن يكون لها تأثيرات مهمة على المشهد المصري والعربي والإقليمي، في الفترة بين 11 إبريل 2026 – 17 إبريل 2026.
في لحظة دولية مشحونة، تتقاطع عدة ملفات ساخنة تعكس إعادة تشكّل النظام العالمي، من تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران وحصار مضيق هرمز وما يحمله من تداعيات على أسواق الطاقة، إلى مؤشرات تراجع الدعم الشعبي الأميركي لإسرائيل وتزايد الانقسام الداخلي في واشنطن.
وفي موازاة ذلك، تبرز تحركات إقليمية لافتة، حيث تلعب تركيا دوراً في جهود التهدئة بين واشنطن وطهران، بالتزامن مع خططها لإعادة هيكلة جيشها وزيادة ألوية الكوماندوز، في مؤشر على تحولات عسكرية أوسع.
كما تعود الجغرافيا إلى الواجهة مع خطة أميركية لتحويل سوريا إلى ممر استراتيجي لخطوط الطاقة نحو أوروبا، في ظل اضطراب الممرات البحرية التقليدية.
وفي ملفات أخرى، تعكس محادثات لبنان وإسرائيل في واشنطن واتفاق وقف إطلاق النار المترتب عليها تعقيد المشهد الإقليمي، في وقت تتفاقم فيه الأزمة الإنسانية في السودان رغم تعهدات مؤتمر برلين بمليارات الدولارات وسط جدل حول السيادة.
أما اقتصادياً، فتكشف الحرب عن رابحين جدد، حيث تستفيد شركات الطاقة والمؤسسات المالية الكبرى من تقلبات الأسواق، ما يعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: من يربح فعلاً من الحروب؟ أليست الحرب فكرة جيدة بالنسبة للبعض؟
أمريكا
تعكس التطورات الأخيرة في الولايات المتحدة تحوّلاً واضحاً في المزاج العام تجاه السياسة الخارجية، مع تراجع الدعم لإسرائيل وفق استطلاعات حديثة وتزايد الانقسام داخل المجتمع الأمريكي.
في الوقت نفسه، تواجه إدارة دونالد ترامب ضغوطاً متصاعدة بسبب تداعيات الحرب مع إيران، سواء على مستوى القرارات الاستراتيجية أو الكلفة الاقتصادية. كما تكشف المؤشرات عن تآكل الثقة بقدرة القيادة الأمريكية على إدارة الصراع في الشرق الأوسط بكفاءة.
وبالتوازي، يتزايد الجدل داخل الأوساط السياسية حول حدود الانخراط العسكري وجدواه. هذه المعطيات مجتمعة تشير إلى مرحلة إعادة تقييم داخلية لدور الولايات المتحدة في المنطقة.
حصار هرمز: بين الفعالية والارتدادات العكسية – تحليل المعهد المصري
دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة بعد بدء القوات الأمريكية فرض حصار بحري على السفن المرتبطة بالموانئ الإيرانية، وكذلك على السفن التي تسدد رسوم عبور لطهران في مضيق هرمز. وبينما تقدم واشنطن هذه الخطوة بوصفها أداة ضغط اقتصادي قصوى، تبدو طهران وكأنها تتعامل معها باعتبارها اختباراً مزدوجاً: اختباراً لقدرتها على الصمود، واختباراً لقدرة الإدارة الأمريكية على تحمل الكلفة السياسية والاقتصادية لهذا المسار.
في جوهره، لا يستهدف الحصار مجرد خفض العائدات الإيرانية، بل يسعى إلى إعادة تشكيل سلوك الدولة الإيرانية من خلال الضغط على مصدرها المالي الأهم: النفط. وتراهن واشنطن على أن تضييق الخناق على صادرات الطاقة سيجبر طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أكثر صرامة، بعد تعثر محادثات إسلام آباد. وتشمل هذه الشروط، وفق ما تسرّب من التحليلات الأمريكية، التخلي الكامل عن البرنامج النووي، وتسليم مخزون اليورانيوم، والتنازل عن أي دور تنظيمي في الملاحة عبر المضيق.
لكن هذه المقاربة، رغم وضوحها النظري، لا تبدو خالية من المخاطر. فأسواق الطاقة لا تستجيب سياسياً فقط، بل اقتصادياً أيضاً، وأي اضطراب مستمر في هرمز ينعكس فوراً على الأسعار العالمية، ثم على الداخل الأمريكي نفسه، من خلال التضخم وارتفاع كلفة الوقود والنقل. ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، يصبح السؤال أكثر حساسية داخل واشنطن: هل تستطيع إدارة ترامب تحمّل تبعات سياسة قد تضرب خصمها، لكنها تضرّ الناخب الأمريكي أيضاً؟
كما لا تزال آليات التنفيذ غير واضحة، إذ تتراوح بين تفتيش السفن، أو اعتراضها، أو حتى احتجازها، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى قدرة واشنطن على تنفيذ الحصار ومدى استعدادها لتحمل مخاطر الاحتكاك المباشر في ممر دولي شديد الحساسية.
ترتب على ذلك أن فعالية عملية الحصار نفسها تظل محل تساؤل، فقد كشف تقرير لرويترز عدم تأثر المرور بمضيق هرمز بعملية الحصار الأمريكي في يومه الأول، وذلك بعد مرور ثمان سفن، منها ثلاث ناقلات مرتبطة بإيران، مع استمرار قيمة التأمين المرتبط بمخاطر الحرب بالارتفاع. كما نشرت صحيفة الواشنطن بوست تقريراً مفصلاً يوضح كيف أن الجغرافيا تعطي الغلبة لإيران في السيطرة على المضيق، حتى مع الحصار الأمريكي.
في المقابل، تبدو إيران أكثر ميلاً إلى خوض معركة استنزاف لا مواجهة مباشرة. فهي تدرك الفارق الكبير في موازين القوة العسكرية، لذلك تنقل الصراع إلى ساحة تعرف أنها أكثر إيلاماً لخصومها: الاقتصاد العالمي. والمنطق الإيراني هنا بسيط نسبياً: إذا مُنعت طهران من تصدير نفطها، فلن تكون هي الطرف الوحيد الذي يدفع الثمن. ومن هذه الزاوية، يصبح تهديد الملاحة، أو توسيع دائرة القلق حول منشآت الطاقة الخليجية، أو مجرد إبقاء الأسواق في حال توتر دائم، جزءاً من استراتيجية الرد.
هذه المعادلة تجعل الحصار أقرب إلى مواجهة حول “من يستطيع التحمّل أكثر”، لا إلى عملية حسم سريع. فإيران تراهن على أن أثر الصدمة النفطية في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا سيكون أسرع من أثرها في بنية النظام الإيراني نفسه، أو على الأقل أكثر حساسية سياسياً. كما تراهن على أن شبكة علاقاتها الاقتصادية، ومرونتها في الالتفاف على العقوبات، قد تمنحها وقتاً أطول مما تتوقعه واشنطن.
ما يزيد من تعقيد الصورة أن الحصار الحالي لا يشبه تماماً أي سابقة تاريخية. صحيح أن مضيق هرمز شهد عبر القرون صراعات ومحاولات سيطرة، وأن العالم عرف نماذج للحصار البحري، من أزمة الصواريخ الكوبية إلى “حرب الناقلات” في الثمانينيات، لكن الحالة الراهنة تختلف في طبيعتها ونطاقها. هنا لا يدور النزاع حول هدف عسكري مباشر أو مسرح مواجهة محدود، بل حول ممر مائي يتقاطع عنده الاقتصاد العالمي والطاقة والسياسة الداخلية للقوى الكبرى.
ولهذا السبب، يحذر عدد من المراقبين الغربيين من أن القرار الأمريكي قد لا يكون أداة ضغط ذكية بقدر ما هو مقامرة مرتفعة الكلفة. فالحصار، قانونياً وعملياً، ليس مجرد إجراء تجاري، بل عمل عدائي قد يدفع الخصم إلى الرد بوسائل غير متماثلة، وربما يفتح الباب لتوسيع الحرب بدل احتوائها. وإذا قررت إيران الرد عبر تهديد الإمدادات أو دفع المنطقة إلى مزيد من الفوضى، فإن التفوق العسكري الأمريكي لن يترجم بالضرورة إلى تفوق سياسي أو اقتصادي.
ويبدو هذا التحذير أكثر وجاهة في ضوء التردد الدولي الواضح حيال آليات تنفيذ الحصار. فهناك أسئلة عملية لم تُحسم بعد: كيف يمكن التحقق من السفن التي دفعت رسوماً لإيران؟ وكيف يمكن اعتراض حركة السفن في ممر مزدحم دون الانزلاق إلى احتكاك مباشر مع ناقلات ترفع أعلام دول كبرى؟ وماذا لو كانت السفينة المستهدفة صينية أو هندية أو روسية، أو كانت ترافقها حماية بحرية من دولها؟ وكيف يمكن أصلاً في ظل الجغرافيا القائمة فرض حصاراً فعالاً على مرور السفن؟
هذه الأسئلة لا تضعف فقط فعالية الحصار، بل تكشف أيضاً عن هشاشته السياسية. فغياب الإجماع بين الحلفاء، ورفض بعض الشركاء الغربيين الانخراط في هذا المسار، يحدّان من قدرة واشنطن على تحويل الحصار إلى أداة ضغط فعالة ومستدامة. كما أن تمسّك الصين باستمرار تجارتها مع إيران يوجّه ضربة مبكرة لفكرة العزل الكامل، ويبعث برسالة واضحة مفادها أن الولايات المتحدة لا تتحكم وحدها بقواعد اللعبة في هذا الممر الحيوي.
في المحصلة، لا يبدو حصار هرمز أداة حسم بالمعنى التقليدي. هو أقرب إلى بداية مرحلة طويلة من الاستنزاف المتبادل، حيث لا يملك أي طرف ضمانة واضحة بأن الكلفة ستقع على خصمه وحده. الولايات المتحدة تستطيع بلا شك إيلام إيران اقتصادياً، لكن إيران ما تزال تملك ما يكفي من أدوات التعطيل لرفع كلفة هذا الإيلام على الجميع. وبين هذين المسارين، يصبح المضيق أقل شبهاً بممر ملاحي، وأكثر شبهاً بساحة اختبار مفتوحة لإرادات متنافسة، قد يطول أمدها أكثر مما ترغب جميع الأطراف.
فخّ التصعيد.. هل دخلت واشنطن وطهران مرحلة أخطر من الحرب؟
في خضم هدنة هشة بين الولايات المتحدة وإيران، يتزايد الحديث في الأوساط الأكاديمية والسياسية عن دخول الصراع مرحلة أكثر تعقيداً، لا تُقاس بنتائج المواجهة العسكرية المباشرة، بل بتداعياتها طويلة الأمد على توازن القوى العالمي.
ويحذر أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو، روبرت بيب، من أن ما يجري لا يمثل نهاية للتصعيد، بل استمراراً لما يطلق عليه “فخ التصعيد”، وهو مسار يصعب الخروج منه دون كلفة استراتيجية كبيرة.
هدنة هشة.. وصراع لم ينتهِ
رغم إعلان وقف إطلاق النار، يرى بيب أن عناصر التوتر لا تزال قائمة، بل إن الصراع يقترب من مرحلة أكثر خطورة.
فالوجود العسكري الأمريكي في المنطقة لا يزال في حالة استنفار، مع تموضع القوات على حافة الاشتباك، ما يجعل احتمالات الانزلاق إلى مواجهة جديدة قائمة في أي لحظة.
وبحسب هذا التقدير، فإن تفكيك هذا “الفخ” لا يبدأ إلا بانسحاب عسكري أمريكي واسع من المنطقة، وهو سيناريو لا يبدو مطروحاً حالياً.
البرنامج النووي.. من ورقة تفاوض إلى دافع للتسريع
أحد أبرز التحولات التي يشير إليها التحليل يتمثل في تغير موقع البرنامج النووي الإيراني داخل معادلة الصراع.
فبعد أن كان أداة تفاوض، أصبح – وفق بيب – حافزاً لتسريع امتلاك السلاح النووي، نتيجة تصاعد التهديدات الوجودية.
ويشير إلى أن إيران تمتلك بالفعل مخزوناً من اليورانيوم المخصب يكفي لإنتاج عدد من الأسلحة النووية، ما يجعل خيار التصعيد النووي أكثر واقعية خلال الأشهر أو السنوات القليلة المقبلة.
إعادة بناء القوة.. بوتيرة متسارعة
على المستوى العسكري، لا تبدو الضربات التي تعرضت لها إيران كافية لإحداث تحول دائم.
فوفق التقديرات، تواصل طهران إعادة بناء قدراتها الصاروخية بوتيرة منتظمة، مع إنتاج عشرات الصواريخ شهرياً، إلى جانب استمرار تطوير الطائرات المسيّرة.
هذا يعني أن أثر العمليات العسكرية قد يكون مؤقتاً، وأن ميزان القوة قد يعيد التوازن خلال فترة زمنية قصيرة.
من الداخل الإيراني.. تحول في المزاج العام
تداعيات الحرب لم تقتصر على البنية العسكرية، بل امتدت إلى الداخل الإيراني.
فبدل إضعاف النظام، يرى التحليل أن التهديدات الخارجية عززت حالة التعبئة الداخلية، ودفعـت قطاعات واسعة من المجتمع إلى دعم برامج التسلح بوصفها وسيلة للبقاء.
وفي هذا السياق، تتحول المواجهة من صراع بين أنظمة، إلى معادلة أوسع تشمل المجتمع ككل.
خطاب التهديد.. أثر يتجاوز اللحظة
أحد أخطر عناصر التصعيد، وفق بيب، يتمثل في الخطاب السياسي المرتفع السقف، خاصة التصريحات التي لوّحت بتدمير شامل لإيران.
ويرى أن مثل هذه التصريحات تترك أثراً طويل المدى على العلاقات الدولية، ليس فقط مع طهران، بل مع الحلفاء أيضاً، إذ تعيد طرح تساؤلات حول حدود استخدام القوة ومصداقية الالتزامات الدولية.
مضيق هرمز.. مركز التحول في ميزان القوة
في قلب هذه التحولات، يبرز مضيق هرمز بوصفه نقطة ارتكاز جديدة في الصراع.
فالمعطيات الحالية تشير إلى أن السيطرة الفعلية على أمن الملاحة لم تعد محسومة بالكامل لصالح الولايات المتحدة، بل باتت مرتبطة بقرارات إيرانية مباشرة.
هذا التحول، إن ترسخ، قد يعيد تشكيل توازن القوى في المنطقة، ويفرض معادلات جديدة على دول الخليج والعالم.
صراع القوى الكبرى.. تحالفات بلا إعلان
على المستوى الدولي، لا يرى التحليل أن إيران معزولة كما يُصوَّر، بل يشير إلى تقاطع مصالح متزايد بينها وبين قوى كبرى مثل الصين وروسيا، دون الحاجة إلى تحالف رسمي.
هذه الشبكة غير المعلنة من المصالح قد تسهم في تقليص النفوذ الأمريكي تدريجياً، وتدفع نحو نظام دولي أكثر تعددية.
إسرائيل والمعادلة الجديدة
التغير في ميزان القوة لا ينعكس على الولايات المتحدة فقط، بل يمتد إلى إسرائيل أيضاً.
ففي حال امتلاك إيران قدرات نووية، فإن ذلك قد يؤدي إلى إعادة ترتيب الهرمية الأمنية في المنطقة، ويزيد من تعقيد البيئة الاستراتيجية المحيطة بتل أبيب.
بين الحرب والسلام.. طريق مسدود
في المحصلة، لا يبدو أن الخيارات المتاحة سهلة أو مباشرة. فمنع إيران من تطوير قدراتها بشكل كامل قد يتطلب تدخلاً عسكرياً واسع النطاق، وهو خيار مكلف وغير مضمون النتائج.
وفي المقابل، فإن استمرار الوضع الحالي يعني ترسيخ معادلة استنزاف طويلة الأمد، تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد، والأمن بالأسواق العالمية.
خلاصة
ما يجري اليوم لا يشير إلى نهاية صراع، بل إلى إعادة تشكيله في صورة أكثر تعقيداً.
فـ”فخ التصعيد” الذي يتحدث عنه الخبراء لا يُغلق بسهولة، بل يعيد إنتاج نفسه مع كل خطوة تصعيدية جديدة.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تسير المنطقة نحو تسوية مؤجلة… أم نحو مرحلة أكثر خطورة من المواجهة؟
بلومبيرغ: خطة ترامب لحصار هرمز تهدد بإطلاق أزمة طاقة عالمية
تحذّر تقديرات حديثة من أن التوجه الأمريكي نحو فرض حصار بحري في مضيق هرمز قد يتجاوز كونه أداة ضغط على إيران، ليتحول إلى عامل اضطراب واسع في أسواق الطاقة العالمية، في لحظة تتسم بحساسية غير مسبوقة في تدفقات النفط.
وبحسب تحليل نشرته Bloomberg، فإن هذه الخطوة تفتح الباب أمام سيناريوهات تصعيد قد تعيد تشكيل حركة التجارة النفطية، في وقت شهد فيه المضيق تراجعاً حاداً في حركة الملاحة منذ اندلاع الحرب.
نطاق يتجاوز المضيق
التصريحات الأمريكية الأخيرة تشير إلى نية فرض قيود واسعة على حركة السفن، لا تقتصر على المياه الإقليمية، بل قد تمتد إلى ممرات دولية، مع التلويح باعتراض أي سفينة يُشتبه بارتباطها بالتجارة الإيرانية.
ورغم ذلك، لا تزال آليات التنفيذ غير واضحة، إذ تتراوح السيناريوهات بين تفتيش السفن، أو اعتراضها، أو حتى احتجازها، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى استعداد واشنطن لتحمل مخاطر الاحتكاك المباشر في ممر دولي شديد الحساسية.
تراجع غير مسبوق في الملاحة
تشير البيانات إلى أن حركة السفن عبر مضيق هرمز انخفضت بشكل حاد، من نحو 135 سفينة يومياً في الظروف الطبيعية إلى أقل من 10 سفن، ما يعكس حالة شلل شبه كامل.
وفي حال فرض حصار شامل، قد تتوقف الحركة بالكامل، وهو سيناريو من شأنه تعطيل ما تبقى من تدفقات النفط عبر أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
استهداف النفط الإيراني… لكن الكلفة أوسع
الهدف المعلن للخطوة يتمثل في تقليص صادرات النفط الإيرانية، التي تمثل مصدراً رئيسياً لإيرادات طهران، خاصة في ظل استفادتها من ارتفاع الأسعار خلال الحرب.
لكن التأثير لا يقتصر على إيران، إذ تشير التقديرات إلى أن الاقتصادات الآسيوية ستكون الأكثر عرضة للتضرر، نظراً لاعتمادها الكبير على إمدادات الطاقة العابرة عبر المضيق.
انعكاسات على الداخل الأمريكي
في المقابل، قد ترتد تداعيات الحصار على الاقتصاد الأمريكي نفسه، مع احتمال ارتفاع أسعار الطاقة بشكل أكبر وزيادة الضغوط التضخمية المرتبطة بالحرب، في وقت لا يشكل فيه الإنتاج المحلي بديلاً كافياً لتعويض الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط.
مخاطر التصعيد
يحذّر محللون من أن هذه الخطوة قد تدفع نحو حلقة تصعيد متبادل، إذ إن أي محاولة لفرض قيود على الملاحة في المضيق قد تستدعي ردوداً مقابلة، ما يزيد من هشاشة الهدنة القائمة ويهدد بتوسيع نطاق المواجهة.
خلاصة
تشير القراءة العامة إلى أن حصار هرمز المعلن لن يكون مجرد أداة ضغط محدودة، بل عاملاً قد يعيد رسم توازنات سوق الطاقة العالمية، مع كلفة محتملة تتجاوز بكثير الهدف المباشر المتمثل في الضغط على إيران.
دبلوماسية “رجال الأعمال”: كيف قادت مقاربة ترامب غير التقليدية إلى حرب مع إيران
في أواخر مارس، وبينما كانت الحرب مع إيران تدخل أسبوعها الرابع، ظهر جاريد كوشنر في مؤتمر استثماري سعودي في ميامي بصفته رجل أعمال، لا وسيطاً سياسياً. كان يقدم نفسه كرئيس لشركة استثمارية مدعومة بمليارات الدولارات من رأس المال الخليجي، في وقت كانت فيه القنابل تتساقط على طهران ومضيق هرمز يدخل مرحلة اضطراب غير مسبوقة.
في تلك الجلسة، اختصر كوشنر رؤيته للدبلوماسية بعبارة لافتة: “السلام يشبه الأعمال… كلاهما مجرد لغز”.
غير أن مسار الأحداث اللاحق أظهر أن التعامل مع السياسة الدولية بوصفها “صفقة” قد يكون تبسيطاً مكلفاً.
فرصة تفاوض ضائعة
تشير معطيات متعددة إلى أن نافذة تفاوض حقيقية كانت متاحة في فبراير، حين انخرطت واشنطن في محادثات مباشرة مع طهران في جنيف.
خلال تلك الجولة، قدم الجانب الإيراني مقترحاً اعتُبر – وفق دبلوماسيين غربيين – إيجابياً وقابلاً للبناء عليه.
لكن المفاوضات تعثرت سريعاً.
بحسب مصادر مطلعة، افتقر الفريق الأمريكي، الذي ضم كوشنر وستيف ويتكوف، إلى الخبرة التقنية والسياسية اللازمة لإدارة ملف نووي معقد، خصوصاً في مواجهة فريق إيراني متمرس سبق له التفاوض على اتفاق 2015.
خلل في قراءة الموقف
المقترح الإيراني، الذي تضمن استعداداً لمناقشة معظم عناصر البرنامج النووي مقابل الحفاظ على مبدأ التخصيب، فُسر في واشنطن على أنه تهديد، لا فرصة تفاوضية.
هذا التباين في التقدير كان نقطة تحول.
فبينما رأى دبلوماسيون مخضرمون أن العرض يوفر هامش مناورة واسعاً، تبنى الفريق الأمريكي موقفاً متشدداً، رافضاً أي صيغة تسمح بالتخصيب، ما أدى إلى انهيار المحادثات خلال أيام.
بعد ذلك بوقت قصير، بدأت الضربات العسكرية.
دبلوماسية بلا مؤسسات
تعكس هذه الحلقة نمطاً أوسع في إدارة السياسة الخارجية خلال ولاية ترامب الثانية، حيث جرى تهميش المؤسسات التقليدية، بما في ذلك وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي، لصالح دائرة ضيقة من المستشارين المقربين.
هذا التحول قلّص من دور الخبرة البيروقراطية المتراكمة، التي كانت حاسمة في مفاوضات سابقة، مثل الاتفاق النووي عام 2015، والذي استند إلى عمل تقني ودبلوماسي استمر لسنوات وشارك فيه عشرات الخبراء.
في المقابل، عمل فريق كوشنر وويتكوف بعدد محدود وموارد بشرية أقل، مع تعدد ملفاتهم بين إيران وروسيا وأوكرانيا وغزة، ما أثر على قدرتهم على إدارة مفاوضات معقدة تتطلب تركيزاً عالياً.
نتائج متناقضة
لا يمكن إنكار أن هذا النهج حقق بعض النجاحات التكتيكية في بدايته، مثل التوصل إلى هدنة في غزة أو الإفراج عن معتقلين.
لكن الحالة الإيرانية كشفت حدود هذه المقاربة، خصوصاً في الملفات التي تتطلب عمقاً تقنياً واستمرارية تفاوضية. فشل المفاوضات لم يؤدِ فقط إلى اندلاع الحرب، بل أعاد تشكيل ميزان القوى التفاوضي.
تراجع الدور الأمريكي
رغم التوصل لاحقاً إلى وقف إطلاق نار مؤقت، إلا أن المبادرة لم تأتِ من واشنطن، بل من وساطات تقودها أطراف أخرى، ما يعكس تراجع القدرة الأمريكية على إدارة الأزمة بشكل مباشر.
كما أن انتقال قيادة الجهود الدبلوماسية إلى نائب الرئيس، بدلاً من كوشنر وويتكوف، يشير إلى إعادة ترتيب داخلية بعد تعثر المسار الأول.
سياق دولي أكثر تعقيداً
في الخلفية، تستمر التوترات في مضيق هرمز، وتبقى القوات الأمريكية منتشرة في المنطقة، ما يجعل أي مفاوضات لاحقة أكثر تعقيداً.
في هذا السياق، تبدو إيران في موقع تفاوضي أقوى نسبياً، مستفيدة من قدرتها على التأثير في أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.
الخلاصة
تُظهر التجربة أن مقاربة “الدبلوماسية كصفقة” قد تنجح في ملفات محدودة، لكنها تواجه صعوبات في النزاعات المعقدة التي تتداخل فيها الأبعاد السياسية والتقنية والأمنية.
في حالة إيران، لم يكن غياب الاتفاق نتيجة غياب الفرص، بل نتيجة خلل في إدارة التفاوض وتقدير الموقف.
والنتيجة كانت انتقال الأزمة من طاولة المفاوضات إلى ساحة المواجهة.
صدع داخل واشنطن: حتى الجمهوريون بدأوا يبتعدون عن إسرائيل
في تحول غير مسبوق في السياسة الأمريكية، تكشف استطلاعات رأي حديثة عن تراجع ملحوظ في دعم إسرائيل داخل الولايات المتحدة، لم يعد يقتصر على الديمقراطيين، بل بدأ يمتد إلى قواعد الحزب الجمهوري نفسه.
النتائج تعكس تغيراً تدريجياً في المزاج العام، خصوصاً مع تصاعد الحروب في الشرق الأوسط، واتساع رقعة المواجهة لتشمل إيران، ما أعاد طرح أسئلة قديمة حول كلفة هذا التحالف وحدوده.
تآكل الدعم… من الداخل
لطالما شكّل دعم إسرائيل أحد أعمدة الإجماع السياسي في واشنطن، خاصة داخل الحزب الجمهوري، لكن هذا الإجماع بدأ يتصدع.
تشير البيانات إلى أن شريحة متزايدة من الجمهوريين، خاصة من الفئات الشابة، لم تعد تنظر إلى إسرائيل بالحماس التقليدي، مع ارتفاع مستويات الشك تجاه سياساتها وقيادتها.
هذا التحول، وإن كان تدريجياً، يحمل دلالات أعمق من مجرد تراجع في نسب التأييد، إذ يعكس تغيراً في نظرة جيل كامل إلى دور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
الديمقراطيون يوسّعون الفجوة
في المقابل، يبدو التراجع أكثر وضوحاً داخل الحزب الديمقراطي، حيث أصبحت الآراء الناقدة لإسرائيل هي السائدة، لا سيما بين الشباب.
وتعكس هذه المواقف تنامي الانتقادات للعمليات العسكرية الإسرائيلية، واتساع رقعة الصراع في المنطقة، بما في ذلك المواجهة مع إيران.
الحرب الإقليمية تغيّر المعادلة
يربط محللون هذا التحول بتصاعد التوترات الإقليمية، حيث لم تعد إسرائيل تُرى فقط كحليف، بل كطرف في صراع واسع قد يجر الولايات المتحدة إلى مواجهة مباشرة أو غير مباشرة.
ومع توسع العمليات العسكرية، تتزايد المخاوف داخل الرأي العام الأمريكي من الانخراط في نزاع جديد طويل ومكلف.
نهاية مرحلة؟
ما تكشفه هذه الأرقام يتجاوز لحظة سياسية عابرة. إنه يشير إلى بداية نهاية مرحلة طويلة من الإجماع غير المشروط على دعم إسرائيل داخل الولايات المتحدة.
وبينما لا تزال المؤسسات السياسية الأمريكية تحافظ على هذا الدعم رسمياً، فإن التغير في المزاج الشعبي — خصوصاً بين الأجيال الشابة — قد يعيد رسم ملامح هذا التحالف في السنوات المقبلة.
بلاك روك وأخواتها: كيف تربح النخبة المالية الأمريكية من حرب إيران؟ الحرب ليست فكرة سيئة!
في خضم الحرب على إيران، لا يظهر الربح في ساحات القتال فقط، ولا يقتصر على شركات السلاح والطاقة كما يُفترض عادة. فخلف الارتفاع الحاد في أسعار النفط، ثمة رابحون آخرون يعملون من مراكز المال الكبرى في الولايات المتحدة وبريطانيا، حيث تتحول الأزمات الجيوسياسية إلى مكاسب مالية سريعة، وتُعاد صياغة الثروة على نحو يصب في مصلحة قلة تملك أدوات التسعير والمضاربة والملكية.
حين قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد أسبوعين فقط من اندلاع الحرب، إن الولايات المتحدة “تجني الكثير من المال” عندما ترتفع أسعار النفط لأنها أكبر منتج له في العالم، لم يكن يطلق مجرد تصريح عابر. كان يلخص، من حيث يدري أو لا يدري، منطقاً اقتصادياً وسياسياً أعمق: فالحرب، بما تخلقه من صدمة في أسواق الطاقة، لا تُلحق الضرر بالجميع بالتساوي، بل تفتح في الوقت نفسه أبواب ربح واسعة أمام الشركات الأمريكية الكبرى والقطاع المالي الذي يدير تدفقات الطاقة بوصفها أصولاً مالية، لا مجرد مواد خام.
صدمة النفط… ومن يدفع الثمن
منذ إغلاق مضيق هرمز وبدء الحديث عن حصار أمريكي للموانئ الإيرانية، دخلت الأسواق في حالة اضطراب رفعت أسعار النفط بأكثر من 50% خلال أسابيع. قفز خام برنت من نحو 70 دولاراً قبل الحرب إلى أكثر من 110 دولارات، ثم تراجع قليلاً مع الهدنة قبل أن يعاود الارتفاع فوق 100 دولار.
المتضررون من هذه القفزة معروفون: الدول المستوردة للطاقة، والمستهلكون، وسلاسل الإمداد، والاقتصاد العالمي عموماً. فكل ارتفاع مستمر في أسعار النفط ينعكس على النقل والشحن والإنتاج والتضخم. حتى الاقتصاد الأمريكي نفسه لا ينجو من هذه الكلفة، لأن النفط سلعة عالمية، وما يرتفع في الخليج ينعكس سريعاً على الأسعار داخل الولايات المتحدة.
لكن ما يغيب غالباً عن هذا النقاش هو أن هذه الصدمة نفسها تخلق رابحين كباراً. لا يتعلق الأمر فقط بالدول المصدرة للنفط، بل بشبكة مالية وصناعية واسعة داخل الولايات المتحدة تستفيد من كل ارتفاع جديد في الأسعار.
شركات النفط الأمريكية: المستفيد المباشر
صحيح أن الولايات المتحدة لا تعتمد اقتصادياً على النفط كما تعتمد عليه اقتصادات الخليج، لأن وزن القطاع النفطي في ناتجها المحلي لا يتجاوز نحو 7%، لكن ذلك لا يعني أن ارتفاع الأسعار لا يصب في صالحها. على العكس، فإن شركات النفط والغاز الأمريكية تستفيد سريعاً من أي قفزة في الأسعار، خصوصاً عندما يتعثر تصدير النفط من منافسين كبار في الشرق الأوسط أو روسيا.
في عام 2025، أنتجت الولايات المتحدة نحو 13.5 مليون برميل يومياً، متقدمة بفارق واضح على روسيا والسعودية. كما رسخت موقعها كأكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم. وعندما ترتفع أسعار الخام والغاز عالمياً، ترتفع إيرادات الشركات الأمريكية المنتجة والمكررة والموزعة قبل أن ترتفع تكاليفها التشغيلية بالوتيرة نفسها، ما يوسع هوامش الربح.
هذه الآلية ليست نظرية. فقد شهد عام 2022، بعد الحرب الروسية الأوكرانية، أرباحاً قياسية لشركات الطاقة العالمية بلغت نحو 916 مليار دولار، استحوذت الشركات الأمريكية منها على نحو 301 مليار دولار. حققت إكسون موبيل وحدها آنذاك 56 مليار دولار، بينما سجلت شيفرون 36.5 ملياراً.
الربح الأكبر ليس في الحقول… بل في الأسواق
غير أن المستفيد الأهم من صدمات الطاقة لا يقف عند حدود شركات الإنتاج والتكرير. فالجزء الأكبر من الربح يذهب إلى القطاع المالي، ولا سيما في الولايات المتحدة، حيث تُدار تجارة النفط والغاز أيضاً كمنتجات مالية عالية السيولة.
النفط اليوم لا يُباع فقط بوصفه برميلاً فعلياً، بل يُتداول في صورة عقود آجلة، وخيارات، ومشتقات، وأدوات تحوط، ومنتجات تأمين. وهنا تبرز أهمية بورصتي شيكاغو ولندن، اللتين تتمركز فيهما القوة الفعلية لتسعير النفط العالمي: الأولى من خلال عقود خام غرب تكساس، والثانية عبر عقود برنت.
عندما تهتز الأسواق بفعل الحرب، تتحول هذه المنصات إلى ساحات ربح كثيف. فكل خبر، وكل تهديد، وكل تصريح رئاسي، يمكن أن يحرك الأسعار خلال دقائق، ما يخلق فرصاً ضخمة للمضاربة. وفي بيئة كهذه، لا يفوز الجميع على قدم المساواة، بل أولئك القادرون على الوصول إلى المعلومات أسرع، وتحريك رؤوس الأموال بكثافة أكبر، وإدارة المخاطر عبر أدوات لا يملكها المستثمر العادي.
من هم “سماسرة شيكاغو” فعلياً؟
التعبير لا يشير فقط إلى متداولين أفراد في قاعات البورصة، بل إلى بنية مالية كاملة: صناديق تحوط، ومديري أصول، ومؤسسات استثمار عملاقة، وشركات وساطة وتأمين، كلها تستفيد من ارتفاع أحجام التداول وتقلب الأسعار.
في مقدمة هذه الشبكة تقف أسماء شركات إدارة الأصول مثل بلاك روك وفانجارد وستيت ستريت، وهي شركات لا تكتفي بامتلاك حصص كبرى في شركات النفط والغاز، بل تملك أيضاً مواقع مؤثرة في الأسواق التي يُتداول فيها النفط بوصفه أصلاً مالياً. وبذلك، فهي لا تربح فقط من ارتفاع أرباح شركات الطاقة، بل من إعادة تدوير هذه الأرباح داخل النظام المالي الأمريكي نفسه.
هذا النموذج يجعل الولايات المتحدة ليست فقط أكبر منتج للطاقة، بل مركزاً عالمياً لإعادة توزيع عائدات الوقود الأحفوري. فجزء كبير من الأرباح الناتجة عن النفط، مهما كان مصدره الجغرافي، ينتهي في محافظ استثمارية وصناديق أمريكية.
الحرب كمحفز لإعادة توزيع الثروة
دراسة حديثة تناولت أرباح طفرة الطاقة في 2022 أظهرت مدى تركّز هذه المكاسب. فمن أصل نحو 336 مليار دولار من أرباح النفط والغاز داخل الولايات المتحدة، ذهب نحو 171 مليار دولار إلى مديري الأصول، أي ما يزيد على نصف الإجمالي تقريباً.
والأهم من ذلك أن هذه الأرباح لم تتوزع اجتماعياً بشكل متوازن. فحوالي 50% من الأرباح ذهبت إلى أغنى 1% من السكان، و84% منها إلى أغنى 10%، بينما حصل أفقر نصف المجتمع الأمريكي على نحو 1% فقط.
بمعنى آخر، حين ترتفع أسعار النفط بسبب الحرب، لا تستفيد “أمريكا” ككتلة واحدة، بل تستفيد النخبة المالكة للأصول، فيما يتحمل أصحاب الدخل الثابت والطبقات الوسطى والدنيا كلفة التضخم وارتفاع الوقود والكهرباء والغذاء.
لماذا تربح بلاك روك في كل الأحوال؟
لأن شركات إدارة الأصول الكبرى لا تراهن على طرف واحد داخل سوق الطاقة. هي تملك حصصاً واسعة في شركات نفط متعددة، وأحياناً في شركات منافسة مباشرة لبعضها البعض. كما تستفيد من توسع التداول في أدوات التحوط والمشتقات، ومن إعادة توجيه الأرباح نحو المحافظ والصناديق التي تديرها.
في هذا النظام، لا يكون الربح مرتبطاً فقط ببيع النفط أو إنتاجه، بل أيضاً بتسعيره، وتأمينه، والمضاربة عليه، وتحويله إلى أصل مالي قابل للتداول الفوري. ولهذا السبب، فإن صدمات الطاقة تصبح قناة لإعادة توزيع الثروة من القاعدة إلى القمة، ومن الاقتصاد الحقيقي إلى القطاع المالي.
معلومات الحرب… وأرباح الدقائق
ما يزيد حساسية هذا المشهد أن الأسواق باتت شديدة التأثر بأي تصريح سياسي، خاصة من البيت الأبيض. وقد أشارت تقارير مالية غربية في مارس الماضي إلى قفزات غير طبيعية في التداول على عقود النفط قبل دقائق من منشور لترامب تحدث فيه عن تأجيل ضربة كانت متوقعة على البنية التحتية للطاقة في إيران.
سواء ثبتت شبهة التسريب أم لا، فإن هذه الوقائع تكشف هشاشة الحدود بين القرار السياسي والسوق المالية. ففي سوق يُسعّر النفط فيه عبر المشتقات والعقود، يمكن لتحول بسيط في التوقعات أن يدر ملايين الدولارات خلال دقائق. وهنا تظهر مرة أخرى أفضلية المؤسسات الكبرى والمستثمرين الأقرب إلى دوائر السلطة.
الخلاصة
الحرب على إيران لا ترفع أسعار النفط فحسب؛ إنها تعيد تفعيل منظومة كاملة من الربح داخل الاقتصاد الأمريكي. شركات النفط تستفيد، نعم، لكن المستفيد الأكبر غالباً هو القطاع المالي الذي يحول الطاقة إلى أداة مضاربة وإعادة توزيع للثروة.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو الحرب مجرد أزمة جيوسياسية، بل أيضاً لحظة مالية مربحة للنخبة المالكة للأصول. وبينما يدفع المستهلكون حول العالم، ومن بينهم الأمريكيون أنفسهم، فاتورة التضخم وارتفاع الوقود، تحصد المؤسسات الكبرى في نيويورك وشيكاغو ولندن مكاسب سريعة من اضطراب الأسواق.
بهذا المعنى، لا تصنع الحرب رابحين وخاسرين فقط، بل تكشف أيضاً كيف يعمل النظام المالي العالمي: الخطر في الشرق الأوسط ومناطق الصراع، والأرباح في مراكز المال. وبهذا المعنى أيضاً، يكون إشعال مثل هذه الحروب بالنسبة للمؤسسات المالية العالمية، ليس فكرة سيئة!
إيران
تعكس التطورات المرتبطة بإيران انتقال الصراع إلى مرحلة تعتمد على الصمود الاقتصادي بقدر ما تعتمد على المواجهة العسكرية، في ظل حصار يستهدف موانئها وشريان تجارتها الحيوي. ورغم الضغوط، تشير المعطيات إلى استمرار تدفق النفط عبر مسارات بديلة مثل “أسطول الظل”، ما يحدّ من فعالية الحصار.
في المقابل، تلوّح طهران بأوراقها في مضيق هرمز، ما يمنحها قدرة على التأثير في أسواق الطاقة العالمية. كما تظهر الأزمة أن الاقتصاد الإيراني يتعرض لضغط كبير، لكن دون انهيار سريع. هذه المؤشرات تؤكد أن المواجهة تتجه نحو استنزاف طويل أكثر من حسم سريع.
حصار محتمل للموانئ الإيرانية يهدد بخسائر يومية تصل إلى 400 مليون دولار
مع تصاعد التهديدات الأمريكية بفرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، تبرز تقديرات تشير إلى أن الاقتصاد الإيراني قد يواجه خسائر يومية بمئات ملايين الدولارات، في حال تعطل حركة الصادرات والواردات عبر السواحل الجنوبية للبلاد.
ويستهدف الحصار الموانئ المطلة على الخليج العربي وخليج عُمان، وهي المنافذ التي تمر عبرها النسبة الأكبر من تجارة إيران الخارجية.
النفط في مقدمة الخسائر
تشكل جزيرة خارك الحلقة الأهم في منظومة التصدير النفطي، حيث تنطلق منها الغالبية الساحقة من شحنات الخام الإيراني. وتشير تقديرات إلى أن إيران تصدر من الجزيرة ما بين 1.5 و1.7 مليون برميل يومياً، بعائدات تتجاوز 120 مليون دولار يومياً وفق الأسعار الحالية.
ويعني أي تعطيل لهذا المرفق فقدان المصدر الرئيسي للعملة الصعبة، في وقت تملك فيه إيران بدائل محدودة لا تستطيع تعويض أكثر من جزء صغير من هذه الصادرات.
اختناق التجارة غير النفطية
إلى جانب النفط، تعتمد إيران على موانئ رئيسية مثل بندر عباس وميناء الخميني لإدارة تجارتها غير النفطية.
بندر عباس وحده يتعامل مع معظم حركة الحاويات في البلاد، بينما يُعد ميناء الخميني نقطة دخول رئيسية للسلع الأساسية، بما في ذلك الحبوب والمواد الغذائية.
ومع تقدير حجم التجارة الخارجية لإيران بنحو 110 مليارات دولار سنوياً، فإن تعطل الموانئ قد يؤدي إلى تعطيل تدفقات يومية تُقدّر بنحو 300 مليون دولار، معظمها عبر هذه المنافذ البحرية.
تأثير مباشر على الغذاء والأسعار
توقف عمل الموانئ لا يعني فقط خسارة في التجارة، بل ينعكس سريعاً على السوق المحلية.
تعطيل واردات الغذاء والأعلاف عبر ميناء الخميني، على سبيل المثال، قد يؤدي إلى نقص في الإمدادات وارتفاع في الأسعار، في ظل اعتماد جزئي على الاستيراد لتغطية الاحتياجات الأساسية.
ضغوط إضافية على قطاع البتروكيماويات
كما يهدد الحصار موانئ صناعية مثل عسلوية وماهشهر، التي تشكل مراكز رئيسية لصادرات البتروكيماويات والمنتجات المكررة.
ويُعد هذا القطاع أحد مصادر العملة الصعبة، حيث يمثل نسبة مهمة من الصادرات غير النفطية، ما يعني أن تعطله سيضيف ضغطاً إضافياً على الإيرادات الحكومية.
بدائل محدودة
رغم تطوير موانئ خارج مضيق هرمز، مثل ميناء جاسك، إلا أن قدرتها التشغيلية لا تزال محدودة، ولا يمكنها استيعاب حجم الصادرات الحالية.
وبالتالي، فإن أي حصار واسع النطاق سيترك تأثيراً مباشراً وسريعاً على الاقتصاد، مع صعوبة إيجاد بدائل فورية.
تقديرات الخسائر
بحسب هذه المعطيات، تتراوح الخسائر المحتملة بين:
- أكثر من 120 مليون دولار يومياً من النفط
- نحو 300 مليون دولار من التجارة غير النفطية
ما يرفع إجمالي الخسائر إلى ما بين 300 و400 مليون دولار يومياً في حال تعطل شبه كامل لحركة الموانئ.
خلاصة
يرى محللون أن أي حصار بحري لن يقتصر أثره على الصادرات النفطية، بل سيطال مجمل النشاط الاقتصادي المرتبط بالموانئ، ما يجعله أحد أكثر أدوات الضغط تأثيراً على طهران في المرحلة الحالية.
“أسطول الظل”: كيف واصلت إيران تصدير النفط رغم الحرب والحصار؟
في خضم الحرب والتصعيد العسكري في الخليج، لم تتوقف صادرات النفط الإيرانية كما كان متوقعاً، بل استمرت بوتيرة شبه مستقرة، في مؤشر على قدرة طهران على التكيّف مع الضغوط عبر مزيج من البدائل اللوجستية والآليات غير التقليدية.
تحويل الجغرافيا إلى أداة دفاع
تعتمد إيران تاريخياً على جزيرة خارك لتصدير معظم نفطها، إلا أن استهدافها خلال الحرب دفع طهران إلى تسريع استخدام موانئ بديلة، أبرزها ميناء جاسك المطل على بحر عُمان خارج مضيق هرمز.
هذا التحول سمح بتقليل المخاطر المرتبطة بالمضيق، وأظهر ما يصفه مراقبون بسياسة “توزيع المخاطر”، حيث لم يعد التصدير مرتبطاً بنقطة جغرافية واحدة يسهل تعطيلها.
وبحسب تقديرات، واصلت إيران ضخ نحو 1.5 إلى 1.6 مليون برميل يومياً خلال فترة القتال، رغم الرقابة البحرية والعقوبات.
“أسطول الظل”: شبكة موازية للنقل
العنصر الحاسم في استمرار الصادرات لم يكن الموانئ فقط، بل ما يُعرف بـ“أسطول الظل”، وهو شبكة من ناقلات النفط تعمل خارج المنظومة البحرية التقليدية.
تتسم هذه السفن بعدة خصائص:
- ملكية غير واضحة عبر شركات مسجلة في ملاذات ضريبية
- تغيير متكرر للأعلام والوثائق
- استخدام ناقلات قديمة خارج المعايير التنظيمية الصارمة
وفي عرض البحر، تُستخدم تقنيات تمويه متقدمة، أبرزها نقل الشحنات من سفينة إلى أخرى، ما يجعل تتبع مصدر النفط أكثر صعوبة.
تكتيكات التمويه في البحر
تعتمد هذه الشبكة على إجراءات تشغيلية معقدة، تشمل:
- إطفاء أجهزة التتبع لتفادي المراقبة
- تغيير مسارات الإبحار بشكل متكرر
- تقسيم الشحنة الواحدة بين عدة ناقلات
هذه الأساليب جعلت من عملية التصدير أقرب إلى عملية استخباراتية منها إلى نشاط تجاري تقليدي.
التفاف مالي على العقوبات
لم تقتصر الاستراتيجية الإيرانية على النقل، بل امتدت إلى طرق الدفع، حيث سعت طهران إلى تقليل اعتمادها على النظام المالي الغربي.
ومن بين الأدوات المستخدمة:
- التعامل باليوان الصيني
- استخدام العملات الرقمية
- اللجوء إلى نظام المقايضة (النفط مقابل سلع)
هذه الآليات سمحت باستمرار تدفق الإيرادات، رغم القيود المفروضة على التحويلات المالية بالدولار.
دور الطلب العالمي
عامل آخر ساهم في استمرار هذه العمليات يتمثل في الطلب المرتفع على النفط، خصوصاً في الأسواق الآسيوية مثل الصين والهند.
هذا الطلب وفّر حافزاً اقتصادياً للتغاضي عن المخاطر القانونية أو السياسية، وأبقى قنوات الشراء مفتوحة، وإن بطرق غير رسمية.
تساهل محدود… لاعتبارات السوق
تشير بعض التقديرات إلى أن الضغوط على الأسواق العالمية دفعت أحياناً إلى قدر من المرونة في تطبيق القيود، بهدف تجنب ارتفاع حاد في الأسعار.
وفي ظل حساسية سوق الطاقة، يصبح منع كل الصادرات الإيرانية خطوة مكلفة عالمياً، وليس فقط لإيران.
نموذج يتكرر عالمياً
ظاهرة “أسطول الظل” لا تقتصر على إيران، بل تُستخدم أيضاً من قبل دول أخرى خاضعة للعقوبات، مثل روسيا وفنزويلا، التي طورت شبكات مشابهة للحفاظ على صادراتها النفطية.
وتشير تقديرات إلى أن هذه الشبكات باتت تمثل جزءاً ملحوظاً من تجارة النفط العالمية خارج الأطر التنظيمية التقليدية.
خلاصة
تكشف تجربة الحرب الأخيرة أن العقوبات والحصار البحري، رغم تأثيرهما، لا يؤديان بالضرورة إلى وقف تدفقات النفط بشكل كامل.
ففي ظل وجود بنية موازية للنقل والتمويل، وقدرة على التكيّف مع القيود، تصبح المعركة على النفط أقل ارتباطاً بالسيطرة العسكرية المباشرة، وأكثر ارتباطاً بقدرة الأطراف على المناورة داخل الاقتصاد العالمي.
تركيا
الاستخبارات التركية لعبت دوراً في تثبيت هدنة بين واشنطن وطهران
أفادت وسائل إعلام تركية، نقلاً عن مصادر أمنية، بأن جهاز الاستخبارات التركي ساهم في الجهود الدبلوماسية التي أدت إلى التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل تصاعد التوترات في الشرق الأوسط.
وجاءت الهدنة بعد موافقة واشنطن عليها في وقت متأخر، ضمن مساعٍ لاحتواء نزاع امتد تأثيره إلى عدة مناطق في الإقليم وأدى إلى اضطراب إمدادات الطاقة العالمية.
دور استخباراتي في خلفية المشهد
وبحسب التقارير، لعب جهاز الاستخبارات التركي دوراً محورياً في الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة بين الأطراف، مستفيداً من موقع أنقرة كجهة قادرة على التواصل مع كل من الدول الغربية وإيران، بما في ذلك مؤسسات أمنية حساسة مثل الحرس الثوري الإيراني.
وأضافت المصادر أن الجهاز عمل على:
- نقل الرسائل بين الأطراف
- تقليل احتمالات سوء الفهم
- تقديم مقترحات لخفض التصعيد
- التنسيق مع أجهزة استخبارات متعددة.
وساطة متعددة الأطراف
في حين قادت باكستان جهود الوساطة الرئيسية، أشارت مصادر دبلوماسية إلى أن تركيا أدت دوراً داعماً خلال الأسابيع الأخيرة، بعد أن كانت قد طرحت في وقت سابق استضافة محادثات مباشرة بين الجانبين قبل اندلاع الحرب.
كما أكدت مصادر من طهران وجود دور تركي في دعم مسار التهدئة، دون الكشف عن تفاصيل إضافية.
ترحيب رسمي وتحذير من التصعيد
من جهته، رحّب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان باتفاق وقف إطلاق النار، داعياً إلى الالتزام الكامل ببنوده، ومحذراً من أي خطوات قد تعرقل تنفيذه أو تؤدي إلى تجدد التصعيد.
غياب تعليق رسمي
ولم يصدر حتى الآن تعليق رسمي من جهاز الاستخبارات التركي بشأن هذه التقارير، في وقت تستمر فيه التحركات الدبلوماسية لتثبيت الهدنة ومنع انهيارها.
فيدان: صمت إسرائيل تجاه سوريا بسبب حرب إيران لا ينفي تحركها مستقبلاً
قال وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، إن امتناع إسرائيل عن اتخاذ خطوات عسكرية ضد سوريا في الوقت الراهن، بسبب انشغالها بالحرب في إيران، لا يعني أنها لن تتحرك مستقبلاً.
وأضاف فيدان، أن الهجمات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية تمثل “مشكلة كبيرة وخطراً بالغاً” بالنسبة إلى تركيا، مشدداً على ضرورة التزام دول الشرق الأوسط باتفاق أمني يضمن سلامة أراضي الدول وسيادتها وأمنها.
وأوضح أن إسرائيل “لا تستطيع العيش من دون عدو”، معتبراً أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يسعى إلى تصوير تركيا كعدو جديد بعد إيران.
حرية الملاحة في مضيق هرمز
وفي ما يتعلق بـ مضيق هرمز، أشار فيدان إلى أن بلاده تفضّل إبقاءه مفتوحاً عبر الوسائل السلمية، لافتاً إلى أن التدخل من خلال قوة سلام دولية مسلحة ينطوي على صعوبات كبيرة.
وأكد فيدان أن المجتمع الدولي يسعى إلى ضمان حرية الملاحة في المضيق دون عوائق.
وأشار فيدان إلى أن قمة حلف شمال الأطلسي المرتقبة في أنقرة قد تكون من أهم القمم في تاريخ الحلف، مشيراً إلى أن تركيا تُعد فاعلاً رئيسياً في الأمن الأوروبي، وينبغي أن تضطلع بدور أكبر في صياغة الرؤى وبناء المنظومات الأمنية والمشاركة العملية في تنفيذها.
الانتهاكات الإسرائيلية في سوريا
كانت الأراضي السورية قد شهدت تصاعداً ملحوظاً في الاعتداءات الإسرائيلية منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول 2024، إذ نفذ جيش الاحتلال خلال الأيام الأولى مئات الغارات لتدمير ما تبقى من القدرات العسكرية، مستغلاً في الوقت ذاته انسحاب قوات النظام من الجنوب، لا سيما القنيطرة، للتوغل وفرض واقع ميداني جديد بذريعة انهيار اتفاق فصل القوات لعام 1974، مع مساعٍ لفرض منطقة منزوعة السلاح وتوسيع نفوذه.
وأظهر تقرير صادر عن مركز الأبحاث والاستشارات “SARI Global”، نشر على موقع الأمم المتحدة، توثيق 897 حادثة للاحتلال الإسرائيلي في الجنوب السوري، بينها 123 حادثة خلال آذار 2026، مقارنة بـ91 في كانون الثاني و97 في شباط، ما يعكس وتيرة متصاعدة للانتهاكات.
وبحسب التقرير فإن نشاط الاحتلال الإسرائيلي جنوبي سوريا لا يقتصر على ضربات محدودة، بل يقوم على بنية أمنية قسرية تهدف إلى إدارة جبهة غير مستقرة، خصوصاً في القنيطرة وغربي درعا.
سفينة طاقة تركية تصل كوبا في محاولة عاجلة لإنقاذ شبكة الكهرباء المنهارة
وصلت سفينة توليد الكهرباء العائمة التركية “Belgin Sultan” إلى كوبا، في خطوة طارئة تهدف إلى تخفيف أزمة الطاقة الحادة التي تعاني منها البلاد، وسط انقطاعات واسعة في التيار الكهربائي وتراجع قدرة الشبكة الوطنية.
وتأتي هذه الخطوة في ظل ضغوط متزايدة على قطاع الطاقة الكوبي، الذي يواجه تحديات متراكمة تشمل نقص الوقود، وتقادم البنية التحتية، وصعوبات التمويل، ما أدى إلى اضطرابات مستمرة في إمدادات الكهرباء.
تدخل سريع لتفادي الانهيار
السفينة، وهي جزء من أسطول محطات الطاقة العائمة التي تديرها شركة Karpowership، تعمل على توليد الكهرباء بشكل مباشر وربطها بالشبكة المحلية، ما يوفر حلاً سريعاً دون الحاجة إلى إنشاء محطات برية جديدة.
ومن المتوقع أن تساهم في:
- تقليص ساعات انقطاع الكهرباء
- دعم استقرار الشبكة الوطنية
- توفير طاقة إضافية بشكل فوري.
حل مؤقت لأزمة هيكلية
رغم أن محطات الطاقة العائمة تُستخدم كحلول سريعة في حالات الطوارئ، إلا أنها لا تعالج جذور الأزمة، التي ترتبط بضعف الاستثمار في قطاع الطاقة واعتماد البلاد على واردات الوقود.
ويرى مراقبون أن لجوء كوبا إلى هذا النوع من الحلول يعكس حجم الضغوط التي تواجهها، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى تجنب تفاقم الأزمة الاجتماعية الناتجة عن انقطاع الكهرباء.
توسع تركي في “دبلوماسية الطاقة”
يمثل انتشار سفن الطاقة العائمة جزءاً من استراتيجية تركية أوسع لتعزيز حضورها في قطاع الطاقة عالمياً، خاصة في الدول التي تعاني من أزمات طارئة أو نقص في البنية التحتية.
تركيا تتجه لزيادة عدد ألوية الكوماندوز ضمن تحديث هيكل الجيش
أعلنت وزارة الدفاع التركية عن بدء العمل على خطة تهدف إلى زيادة عدد ألوية الكوماندوز في الجيش، في خطوة تعكس توجّهاً نحو تحديث البنية التنظيمية للقوات المسلحة بما يتلاءم مع التحديات الأمنية المتغيرة.
وجاء في بيان رسمي صادر عن الوزارة أن هذه الخطوة تأتي في إطار مراجعة شاملة لهيكل القوات المسلحة التركية، استناداً إلى الدروس المستخلصة من النزاعات الحديثة، وعلى رأسها الحرب الروسية الأوكرانية، إضافة إلى التطورات العسكرية في منطقة الشرق الأوسط.
إعادة هيكلة وفق مفاهيم قتالية حديثة
وأوضحت الوزارة أن العمل جارٍ على توسيع عدد ألوية الكوماندوز، مع التأكيد على أن الوحدات الجديدة لن تكون نسخة تقليدية من التشكيلات الحالية، بل سيتم تأسيسها وفق:
- تقييمات حديثة للتهديدات
- مفاهيم عملياتية جديدة
- بنية تنظيمية أكثر مرونة وحداثة.
وتهدف هذه التغييرات إلى تعزيز قدرة الجيش على التعامل مع بيئات القتال المعقدة والعمليات السريعة، خاصة في المناطق الجبلية والحدودية.
خلفيات القرار
يأتي هذا التوجه في سياق سعي أنقرة إلى تكييف قدراتها العسكرية مع طبيعة الحروب الحديثة، التي باتت تعتمد بشكل أكبر على:
- القوات الخفيفة عالية الحركة
- العمليات الخاصة
- الانتشار السريع خارج الحدود.
كما يعكس القرار اهتماماً متزايداً بتعزيز جاهزية الجيش لمواجهة التهديدات غير التقليدية، سواء داخل الحدود أو في مناطق العمليات الخارجية.
سياق أوسع
تزامن الإعلان مع تأكيدات من وزارة الدفاع على أن القوات المسلحة التركية تواصل تحديث قدراتها بشكل مستمر، بما يشمل:
- تطوير الصناعات الدفاعية
- زيادة الإنتاج العسكري المحلي
- تعزيز التعاون العسكري الإقليمي والدولي.
تعكس هذه الخطوة توجّهاً واضحاً نحو إعادة تشكيل الجيش التركي ليصبح أكثر مرونة وقدرة على تنفيذ العمليات السريعة والمعقدة، في ظل بيئة أمنية إقليمية ودولية تتسم بالتغير المستمر.
متابعات عربية
سوريا على خارطة الطاقة مجدداً: خطة أميركية لإعادة تشكيل ممرات الإمداد
في ظل اضطرابات غير مسبوقة تشهدها ممرات الطاقة العالمية، تعيد الولايات المتحدة النظر في خرائط الإمداد التقليدية، واضعةً سوريا في قلب تصور جديد يهدف إلى تحويلها إلى عقدة ربط استراتيجية بين الشرق الأوسط وأوروبا.
وكشفت وثيقة أعدّها توم باراك، المبعوث الأميركي إلى سوريا، عن خطة متكاملة لإعادة تأهيل قطاع الطاقة السوري وربطه بشبكات إقليمية تمتد من الخليج والعراق وصولاً إلى تركيا والأسواق الأوروبية.
تحول في المقاربة: من الاقتصاد إلى الأمن
تأتي هذه الخطة في سياق متغيرات جيوسياسية حادة، أبرزها إغلاق مضيق هرمز وتصاعد التهديدات في البحر الأحمر، ما دفع واشنطن إلى البحث عن بدائل برية أكثر استقراراً.
وبحسب الوثيقة، لم يعد المشروع يُنظر إليه كاستثمار اقتصادي فحسب، بل كخيار استراتيجي لضمان أمن الإمدادات، في وقت باتت فيه الممرات البحرية عرضة للتعطيل والتوظيف السياسي.
موقع جغرافي يعيد تعريف الدور
تستند الرؤية الأميركية إلى الموقع الفريد لسوريا، التي تشكل ممراً برياً حيوياً يربط بين مصادر الطاقة في الخليج والعراق من جهة، ومراكز الاستهلاك في أوروبا عبر تركيا من جهة أخرى. كما توفر موانئها على البحر المتوسط منفذاً مباشراً للتصدير، ما يعزز من أهميتها في أي شبكة طاقة بديلة.
خطة تدريجية حتى 2030
تقترح الوثيقة برنامجاً من ثلاث مراحل لإعادة إحياء قطاع الطاقة السوري:
- المرحلة الأولى (2026): تركز على إصلاحات سريعة ومنخفضة التكلفة، تشمل صيانة الآبار ورفع الإنتاج تدريجياً، إلى جانب تحسين إنتاج الغاز عبر اتفاقيات فنية.
- المرحلة الثانية (2027–2028): تتضمن تحديث البنية التحتية، وتأهيل خطوط الأنابيب، وتطوير المصافي، إضافة إلى إدخال تقنيات إنتاج متقدمة.
- المرحلة الثالثة (2028–2030): تهدف إلى إعادة تطوير شاملة للحقول وإطلاق مشاريع تصدير الغاز نحو تركيا وأوروبا، مع استعادة مستويات إنتاج مرتفعة.
مشاريع إقليمية قيد الإحياء
تعتمد الخطة على مجموعة من المشاريع الاستراتيجية، أبرزها:
- إعادة تشغيل خط كركوك – بانياس لنقل النفط العراقي إلى المتوسط
- إحياء مشروع خط غاز قطر – تركيا لتغذية الأسواق الأوروبية
- توسيع الربط مع الغاز الأذربيجاني عبر شمال سوريا
- إعادة تفعيل خط الغاز العربي كمسار إقليمي نحو أوروبا.
تحديات معقدة
رغم الطموحات الكبيرة، تواجه الخطة جملة من العقبات، في مقدمتها هشاشة الوضع الأمني، وتعقيدات المشهد السياسي، إضافة إلى الدمار الواسع الذي لحق بالبنية التحتية خلال سنوات الحرب. كما يشكل التنافس الإقليمي والدولي عامل ضغط إضافي على أي مشروع من هذا النوع.
بين الفرصة والواقع
تخلص الوثيقة إلى أن تحويل سوريا إلى ممر عالمي للطاقة ليس مستحيلاً، لكنه مشروط بتوافر بيئة مستقرة سياسياً وأمنياً. فبينما تمنح الجغرافيا البلاد فرصة استثنائية، يبقى نجاح المشروع رهيناً بقدرتها على استعادة الاستقرار وبناء منظومة حوكمة قادرة على جذب الاستثمارات.
تقدير موقف: هدنة لبنان المؤقتة في سياق ترابط الساحات ومسار التفاوض الإيراني–الأمريكي:
قالت وزارة الخارجية الأميركية في بيان لها صدر مساء 16 إبريل 2026، أن لبنان وإسرائيل توصلتا إلى تفاهم أولي لوقف إطلاق النار لمدة 10 أيام، بوساطة أميركية، يتم التفاوض خلالها من أجل التوصل إلى اتفاق أمني وسياسي شامل بين البلدين، في خطوة تُعد من أبرز التحركات الدبلوماسية بين الجانبين منذ عقود.
ويضع البيان الأميركي إطاراً أولياً لمسار تفاوضي يقوم على تثبيت الهدوء، وترسيم الحدود، وحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، مع تأكيد حق إسرائيل في الدفاع عن النفس.
وأكدت الخارجية الأمريكية أن لبنان وإسرائيل ليسا في حالة حرب، والتزما الدخول في مفاوضات مباشرة بحسن نية، بتيسير من الولايات المتحدة، بهدف التوصل إلى اتفاق شامل يضمن الأمن والاستقرار والسلام الدائم بينهما.
وفي هذا الإطار، تفهم الولايات المتحدة ما يلي:
- ينفذ لبنان وإسرائيل وقفاً للأعمال العدائية يبدأ في 16 أبريل، الساعة 17:00 بتوقيت شرق الولايات المتحدة، ولمدة أولية تبلغ 10 أيام، في بادرة حسن نية من حكومة إسرائيل، تهدف إلى إتاحة المجال أمام مفاوضات جادة للتوصل إلى اتفاق أمني وسلمي دائم بين البلدين.
- يمكن تمديد هذه الفترة الأولية باتفاق متبادل بين لبنان وإسرائيل، إذا تحقق تقدم في المفاوضات، وأظهر لبنان بصورة فعالة قدرته على بسط سيادته.
- تحتفظ إسرائيل بحقها في اتخاذ جميع التدابير اللازمة للدفاع عن النفس، في أي وقت، ضد أي هجمات مخططة أو وشيكة أو جارية. ولا يقيّد وقف الأعمال العدائية هذا الحق. وباستثناء ذلك، لن تنفذ إسرائيل أي عمليات عسكرية هجومية ضد أهداف لبنانية، سواء مدنية أو عسكرية أو أهداف تابعة للدولة، داخل الأراضي اللبنانية براً أو جواً أو بحراً.
- اعتباراً من 16 أبريل، الساعة 17:00 بتوقيت شرق الولايات المتحدة، وبمساندة دولية، ستتخذ الحكومة اللبنانية خطوات ملموسة لمنع “حزب الله” وجميع الجماعات المسلحة الأخرى غير المنضبطة وغير التابعة للدولة داخل الأراضي اللبنانية من تنفيذ أي هجمات أو عمليات أو أنشطة عدائية ضد أهداف إسرائيلية.
- تقر جميع الأطراف بأن القوى الأمنية اللبنانية تتحمل وحدها المسؤولية الحصرية عن سيادة لبنان ودفاعه الوطني، وأنه لا يحق لأي دولة أو جماعة أخرى الادعاء بأنها ضامنة لسيادة لبنان.
- يطلب لبنان وإسرائيل من الولايات المتحدة تيسير مزيد من المفاوضات المباشرة بين البلدين، بهدف حل جميع القضايا المتبقية، بما في ذلك ترسيم الحدود البرية الدولية، تمهيداً لإبرام اتفاق شامل يضمن الأمن والاستقرار والسلام الدائم بينهما.
- تفهم الولايات المتحدة أن الالتزامات المذكورة أعلاه ستُقبل من جانب إسرائيل ولبنان بالتزامن مع هذا الإعلان. وتهدف هذه الالتزامات إلى تهيئة الظروف اللازمة لمفاوضات بحسن نية نحو سلام وأمن دائمين. تعتزم الولايات المتحدة قيادة جهود دولية لدعم لبنان، ضمن مساعيها الأوسع لتعزيز الاستقرار والازدهار في المنطقة.
تحليل المعهد المصري:
يمثل التوصل إلى تفاهم أولي لوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل لمدة 10 أيام، بوساطة أمريكية، مؤشراً مهماً على طبيعة التحولات الجارية في مسار الصراع الإقليمي. فهذه الخطوة لا يمكن قراءتها بمعزل عن الموقف الإيراني الذي بدا ثابتاً في اشتراط وقف العمليات على جبهة لبنان كمدخل لأي تقدم في مسار المفاوضات مع الولايات المتحدة. وهو ما يعني أن واشنطن، بالتفاهم مع نتنياهو، اضطرت إلى التعاطي مع هذا الشرط، بما يعكس وزن المعادلة التي تحاول طهران فرضها، ويعكس احتفاظ حزب الله بقدر مهم من فعاليته وتأثيره، ويعكس أيضاً حرص أمريكي على إحداث تقدم مهم في مسار التفاوض مع إيران. التفاوض مع الدولة اللبنانية ليس هو الذي أدى لإبرام الاتفاق، وإنما القرار الإيراني، فالحكومة اللبنانية ليست أصلاً طرفاً في إطلاق النار، ولا تملك وقفه من جانب حزب الله.
في هذا السياق، يظهر أن إيران تتمسك بقوة الآن بمبدأ “وحدة الساحات”، ليس كشعار سياسي فقط، بل كنهج عملي يربط بين المسارات العسكرية والسياسية لمختلف أطراف المحور، حيث تدرك أن تفكيك هذه الجبهات أو عزلها عن بعضها يضعف موقفها التفاوضي، بينما يتيح ربطها تعزيز قدرتها على الضغط وتحقيق مكاسب متبادلة.
الدور الذي لعبه حزب الله في سياق الحرب على إيران كان عاملاً مهماً في هذه المعادلة، حيث تحول من مجرد جبهة مساندة، وأيضاً من الاضطلاع بدور رئيس في إطار تنفيذ المشروع الإيراني الإقليمي في سوريا والعراق واليمن كما حدث في العقد الماضي، إلى أنه أصبح، من خلال تواجده على الساحة اللبنانية، جزءاً من معادلة الردع الشاملة التي تسعى طهران إلى تثبيتها في مواجهة خصومها.
في المحصلة، يبدو أن إيران لا تكتفي بالحديث عن “وحدة الساحات”، بل تعمل على ترميم هذا المبدأ وتثبيته عبر إجراءات عملية، سواء في إدارة الصراع أو في توجيه مسارات التفاوض، بما يضمن بقاء أوراق القوة موزعة ومتصلة في آن واحد (بما في ذلك في العراق واليمن).
الأمريكي والإسرائيلي تبدو موافقتهما مؤقتة، حيث يحرص الأمريكي على بداية مسار التفاوض مع إيران، التي ربطت بداية التفاوض وفتح مضيق هرمز لتهدئة سوق الطاقة، بوقف إطلاق النار في لبنان، وبعض الشروط الأخرى الخاصة بأموالها المجمدة.
الموافقة الإسرائيلية جاءت بقرار من نتنياهو بمفرده، تحت ضغوط من ترامب، رغماً عن باقي أطراف حكومته، وعن اعتراض سكان مستوطنات الشمال المحتل، فضلاً عن أحزاب المعارضة الإسرائيلية بطبيعة الحال، والتي تزايد على هذا الموقف لأهداف سياسية. إلا أن هذا الموقف يأتي متوافقاً مع رأي جيش الدفاع الإسرائيلي الذي يرى أن العمل العسكري بمفرده غير قادر على تحقيق الأهداف الإسرائيلية بنزع سلاح حزب الله وتأمين الجبهة الشمالية، وإنما يجب أن يكون العمل العسكري مدعوماً بعمل سياسي في هذا الاتجاه.
بالنظر للاتفاق الموقع، فإنه لم يحقق إلا الرغبة الأمريكية لخدمة مسارها التفاوضي مع إيران. في واقع الأمر، الاتفاق أدخل لبنان في مسار اعتراف رسمي بإسرائيل، قد يؤدي إلى تطبيع العلاقات إذا تمت دعوة كل من الرئيس اللبناني ورئيس الوزراء الإسرائيلي إلى واشنطن لبدء عملية التفاوض، طبقاً لما صرح به ترامب. هذا المسار سيضع الدولة اللبنانية على طريق اصطدام مباشر مع حزب الله، والقوى اللبنانية الداعمة له، إذا سعت بالفعل لنزع سلاحه، بما قد يؤدي إلى الوقوع في فخ الحرب الأهلية.
فعلياً، فإن إسرائيل احتفظت بكل الأراضي اللبنانية، سواء المحتلة من قبل، أو التي أضيفت خلال المعارك الأخيرة (ارجع للخريطة المرفقة). إسرائيل أيضاً لا زالت تحتفظ بقوة عسكرية ضاربة داخل لبنان، تتيح لها استئناف المعارك في أية لحظة، سواء كرد فعل على عمل عسكري حقيقي من قبل حزب الله، أو أعمال عسكرية “مخططة أو وشيكة” كما ينص الاتفاق.

وعليه، فإن هناك سيناريوهين محتملين :
الأول: أن تخرج عن مفاوضات طهران–واشنطن اتفاقات فعلية تُوقف الحرب، ويترتب عليها وقف الحرب كلياً بين إيران من جانب وأمريكا وإسرائيل من جانب أخر، بما سيفرض توقف الحرب في لبنان (وهو ما سيخضع لتحليل مقبل لاحتمالات التفاهم الأمريكي – الإيراني برمتها نقوم بالعمل عليه الآن).
الثاني: مرتبط باحتمالين يؤديان لنفس النتيجة فيما يتعلق بلبنان؛ الاحتمال الأول أن تفشل المفاوضات الإيرانية الأمريكية، وتُستأنف الحرب من جديد على جبهتي إيران ولبنان معاً (مع جبهات أخرى سواء في الخليج أو العراق أو اليمن)، حيث أن استمرار وجود وفعالية حزب الله، وتوظيفه من قبل إيران، لن يسمح بفصل الساحتين الإيرانية واللبنانية. الاحتمال الثاني أن يسمح التفاهم الأخير في لبنان ببدء المفاوضات الأمريكية – الإيرانية وفتح مضيق هرمز، كما تهدف الولايات المتحدة، ثم تعود إسرائيل لتنفيذ أجندتها في لبنان، سواء بالمضي قدما بأي ذريعة في مخطط العمليات العسكرية للقضاء على حزب الله، أو جر لبنان لحرب أهلية كما أسلفنا.
قراءتنا للمشهد تقول بأن ما تم التوقيع عليه هو مجرد هدنة مؤقتة، وأن الاحتمال الأكبر يتمثل في السيناريو الثاني، الذي لن يسمح، للأسف، ببقاء لبنان مستقراً في المدى المنظور.
هجمات إيرانية تضغط على اقتصاد دبي وتثير مخاوف بشأن الاستقرار
تشهد دولة الإمارات العربية المتحدة تصاعداً في التوترات الأمنية بعد تعرضها لسلسلة هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة منذ أواخر فبراير، في تطور ينعكس بشكل مباشر على النشاط الاقتصادي، لا سيما في إمارة دبي.
ووفقاً لمصادر وتقارير متقاطعة، أطلقت إيران مئات الصواريخ وآلاف الطائرات المسيّرة باتجاه الإمارات خلال الفترة الماضية، استهدفت مواقع مختلفة شملت بنى تحتية ومناطق مدنية.
اضطراب اقتصادي ملحوظ
بالتزامن مع هذه الهجمات، بدأت مؤشرات اقتصادية في دبي تُظهر تباطؤاً نسبياً، حيث سجلت:
- انخفاض في حركة الأسواق والمراكز التجارية
- تراجع في أسعار العقارات
- مغادرة بعض المستثمرين والمقيمين عبر رحلات تجارية وخاصة
- اضطرابات في حركة الطيران والشحن.
كما أفادت تقارير بوجود سفن تنتظر قبالة الموانئ الإماراتية، في ظل تباطؤ نسبي في العمليات اللوجستية.
استهداف بنية لوجستية ومالية
تركزت بعض الهجمات على مواقع مرتبطة بالبنية التحتية الحيوية، بما في ذلك مناطق قريبة من منشآت سياحية ومرافق نقل، في وقت تعد فيه دبي مركزاً عالمياً للنقل والتجارة والخدمات المالية.
ويرى مراقبون أن هذه الهجمات تهدف إلى التأثير على الدور اللوجستي والاقتصادي للإمارات في المنطقة، دون الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة واسعة النطاق.
مغادرة جزئية للمقيمين
في السياق ذاته، شهدت دبي مغادرة عدد من المقيمين، خصوصاً من أصحاب الدخول المرتفعة، وسط مخاوف من استمرار التوترات.
في المقابل، لا يزال عدد كبير من المقيمين، خاصة العمالة الوافدة، مستمرين في أعمالهم.
استمرار النشاط رغم التحديات
ورغم هذه التطورات، لم تسجل مؤشرات على توقف كامل للنشاط الاقتصادي، حيث لا تزال القطاعات الرئيسية تعمل، وإن بوتيرة أبطأ.
وتشير التقديرات إلى أن السلطات الإماراتية قد تتجه إلى اتخاذ إجراءات لدعم الأسواق وتعزيز الثقة، في حال استمرار التوترات.
مخاوف من تداعيات طويلة الأمد
يأتي هذا التصعيد في وقت تعتمد فيه دبي بشكل كبير على الاستقرار لجذب الاستثمارات والسياحة، ما يثير تساؤلات حول تأثير استمرار الهجمات على موقعها كمركز اقتصادي إقليمي.
بعد ثلاث سنوات من الحرب في السودان: كارثة إنسانية تتفاقم وسط استمرار القتال
تدخل الحرب في السودان عامها الرابع دون مؤشرات حقيقية على التهدئة، في وقت تتفاقم فيه واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، وسط اتهامات باستمرار دعم خارجي يغذي الصراع.
وقالت المسؤولة الأممية في السودان، دنيز براون، إن ما يجري “غير مقبول على الإطلاق”، منتقدة تركيز المجتمع الدولي على توصيف الأزمة الإنسانية بدل الدفع الجاد نحو إنهاء الحرب، في ظل تراجع الاهتمام الدولي بها مقارنة بملفات أخرى مثل أوكرانيا وغزة والحرب مع إيران.
خسائر بشرية ونزوح واسع
اندلعت الحرب في السودان بعد صراع بين قيادات عسكرية كانت قد أطاحت بالحكومة المدنية، وأسفرت منذ ذلك الحين عن مقتل عشرات الآلاف، وربما مئات الآلاف، وفق تقديرات مختلفة.
كما فرّ نحو أربعة ملايين شخص إلى خارج البلاد، بينما نزح ملايين آخرون داخلياً، في وقت يعاني فيه أكثر من نصف السكان، أي نحو 30 مليون شخص، من انعدام حاد في الأمن الغذائي، مع دمار واسع طال العاصمة الخرطوم.
تصعيد ميداني وانقسام سياسي
ورغم مرور ثلاث سنوات على اندلاع النزاع، لا تزال وتيرة القتال تتصاعد، مع تمسك طرفي الصراع بمواقفهما.
فقد أعلنت قوات الدعم السريع، بقيادة محمد حمدان دقلو، تشكيل إدارة موازية في غرب البلاد، بعد سيطرتها على مناطق واسعة. وفي دارفور، شهدت مدينة الفاشر واحدة من أعنف المعارك، حيث قُتل ما يصل إلى 10 آلاف شخص خلال حصار وهجوم وصفته بعثة أممية بأنه يحمل “مؤشرات إبادة جماعية”.
انتهاكات واسعة من الطرفين
تشير تقارير دولية إلى أن طرفي النزاع تورطا في انتهاكات جسيمة، شملت استهداف المدنيين بشكل متعمد، وتنفيذ إعدامات ميدانية، واحتجاز وتعذيب معتقلين.
كما تعرضت مرافق صحية للقصف، مع استخدام متزايد للطائرات المسيّرة في العمليات العسكرية، ما أدى إلى توسيع نطاق الدمار.
تعثر المسار السياسي
يقود الجيش السوداني، بقيادة عبد الفتاح البرهان، الحكومة المعترف بها دولياً، ويشترط انسحاب قوات الدعم السريع وتجريدها من السلاح قبل بدء أي حوار سياسي.
في المقابل، تطالب قوات الدعم السريع بإعادة هيكلة النظام السياسي نحو صيغة فيدرالية، وإبعاد التيارات الإسلامية المرتبطة بقيادة الجيش.
وكانت وساطة دولية بقيادة الولايات المتحدة، وبمشاركة السعودية والإمارات ومصر، قد طرحت خارطة طريق لوقف القتال، تبدأ بهدنة إنسانية وتنتهي بحوار سياسي، إلا أن هذه الجهود لم تحقق تقدماً ملموساً حتى الآن.
دعم خارجي يغذي الصراع
يرى مراقبون أن استمرار الحرب لا يعود فقط إلى تعثر الوساطات، بل إلى تدخلات خارجية تدعم طرفي النزاع.
وتشير تقديرات دبلوماسيين وخبراء إلى أن الإمارات تعد من أبرز الداعمين لقوات الدعم السريع، رغم نفيها ذلك، في حين تحظى القوات المسلحة السودانية بدعم من مصر والسعودية.
كما حذرت تقارير حديثة من احتمال توسع الصراع إقليمياً، بعد ورود مؤشرات على انخراط أطراف أخرى، ما يزيد من تعقيد المشهد.
أزمة إنسانية تتفاقم
بالتوازي مع استمرار القتال، تواجه الجهود الإنسانية تحديات متزايدة، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف الإغاثة نتيجة التوترات الإقليمية، بما في ذلك الحرب على إيران، وتراجع تمويل المساعدات الدولية.
كما توقفت نسبة كبيرة من المطابخ المجتمعية التي كانت توفر الغذاء للسكان، ما يزيد من معاناة المدنيين في ظل نقص حاد في الموارد.
دعوات لتحرك دولي عاجل
مع دخول الحرب عامها الرابع، تتجه الأنظار إلى المؤتمر الدولي المنعقد في برلين، الذي يهدف إلى إعادة تسليط الضوء على الأزمة ودفع جهود الحل.
غير أن مراقبين يؤكدون أن المساعدات الإنسانية، رغم أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن حل سياسي شامل، داعين إلى ممارسة ضغوط أكبر على الأطراف الداعمة للصراع لوقفه.
مؤتمر برلين حول السودان: مساعدات دولية بمليارات الدولارات وسط انتقادات لتجاهل السيادة
احتضنت العاصمة الألمانية برلين المؤتمر الدولي الثالث بشأن السودان، بمشاركة واسعة من دول غربية وإقليمية، في خطوة تهدف إلى حشد الدعم الدولي لمواجهة الأزمة الإنسانية المتفاقمة في البلاد، غير أن المؤتمر أثار جدلاً واسعاً بسبب غياب أطراف النزاع الرئيسية.
مشاركة دولية واسعة وغياب لافت
انعقد المؤتمر بقيادة ألمانيا وبمشاركة الاتحاد الأوروبي وشركائه، ضمن مسار دولي بدأ في باريس عام 2024 وتواصل في لندن عام 2025. وشملت قائمة المشاركين الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، إلى جانب دول عربية وأفريقية ومنظمات دولية.
لكن اللافت أن المؤتمر عُقد دون دعوة كل من الحكومة السودانية وقوات الدعم السريع، ما أثار انتقادات حادة وفتح باب الجدل حول شرعية تمثيل السودان في هذا المسار الدولي.
تعهدات مالية لدعم السودان
أعلن وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول عن تعهدات مالية تجاوزت 1.3 مليار يورو (نحو 1.5 مليار دولار)، موجهة لدعم السودان إنسانياً. كما خصصت ألمانيا وحدها 212 مليون يورو لهذا العام، داعية بقية الدول والقطاع الخاص إلى زيادة مساهماتهم.
وأكد الوزير أن الأزمة في السودان تتطلب تحركاً عاجلاً يتجاوز مجرد الاهتمام السياسي، في ظل تراجع المساعدات الدولية وتأثير أزمات عالمية أخرى على حجم الدعم المتاح.
تحذيرات أممية من تفاقم الأزمة
من جانبه، وصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الوضع في السودان بأنه مأساوي، داعياً إلى إنهاء النزاع الذي لا يهدد استقرار البلاد فحسب، بل يمتد تأثيره إلى المنطقة بأكملها.
احتجاجات وانتقادات للآلية
تزامن انعقاد المؤتمر مع احتجاجات نظمها نشطاء سودانيون أمام مقر وزارة الخارجية الألمانية، رفضاً لما اعتبروه “تغييباً للسيادة الوطنية”، مؤكدين أن المؤتمر لا يمثل الشعب السوداني ولا مؤسساته الرسمية.
كما تقدمت السفيرة السودانية في برلين باحتجاج رسمي، معتبرة أن استبعاد الحكومة يشكل انتهاكاً للقانون الدولي واعتداءً على السيادة الوطنية، ولوّحت الخرطوم بإعادة تقييم علاقاتها مع الدول المنظمة.
جدل حول تمثيل الأزمة
انتقد ناشطون ومنظمات سودانية مشاركة جهات وصفوها بأنها لا تمثل الدولة، مطالبين بإعادة النظر في آلية عقد مثل هذه المؤتمرات، وبإعادة تعريف طبيعة الصراع في السودان، خصوصاً فيما يتعلق بالمساواة بين الحكومة ومجموعات مسلحة.
خلاصة
بينما نجح مؤتمر برلين في حشد دعم مالي كبير للسودان، إلا أنه كشف في الوقت نفسه عن أزمة تمثيل سياسية عميقة، حيث تصطدم الجهود الدولية الإنسانية بإشكاليات السيادة والشرعية، ما يطرح تساؤلات حول فعالية هذه المبادرات في غياب الأطراف الأساسية للصراع.
بابا الفاتيكان يبدأ جولة إفريقية من الجزائر ويؤكد على السلام وأهمية القارة للكنيسة
بدأ بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر جولة إفريقية تمتد 11 يوماً بزيارة الجزائر، في أول زيارة بابوية إلى البلاد، في خطوة تعكس تزايد أهمية القارة الإفريقية بالنسبة للكنيسة الكاثوليكية.
وخلال وصوله إلى العاصمة الجزائر، دعا البابا إلى تعزيز السلام والتعايش، في مستهل جولة تشمل أيضاً الكاميرون وأنغولا وغينيا الاستوائية.
رسالة دينية وسياسية
تُعد هذه الزيارة الأطول للبابا منذ توليه منصبه العام الماضي، ويرى مراقبون أنها تحمل دلالات تتجاوز الجانب الديني، إذ تعكس تحوّل مركز الثقل الكاثوليكي تدريجياً نحو إفريقيا، التي تضم واحدة من أسرع المجتمعات الكاثوليكية نمواً في العالم.
وتشير تقديرات إلى أن نحو 20% من الكاثوليك عالمياً يعيشون في إفريقيا، في مقابل تراجع أعدادهم في أوروبا الغربية، ما يدفع الفاتيكان إلى تعزيز حضوره في القارة.
تعزيز الحوار بين الأديان
وخلال الزيارة، التقى البابا مسؤولين دينيين، وزار معالم دينية في الجزائر، في إطار جهود تهدف إلى تعزيز الحوار بين المسلمين والمسيحيين.
وقال مسؤولون دينيون محليون إن الزيارة تمثل فرصة لتأكيد قيم التعايش والتسامح، خاصة في ظل التوترات التي يشهدها العالم.
إفريقيا في صدارة الأولويات
يرى خبراء أن اختيار إفريقيا كوجهة لأول جولة طويلة للبابا يعكس توجهاً واضحاً داخل الكنيسة نحو القارة، ليس فقط بسبب النمو الديموغرافي، بل أيضاً لدورها المتزايد في مستقبل الكاثوليكية.
كما تأتي الزيارة في وقت تواجه فيه عدة دول إفريقية تحديات تشمل النزاعات، والديون، والتفاوت الاقتصادي، ما يمنح الجولة بعداً إنسانياً إلى جانب بعدها الديني.
دلالات تتجاوز الزيارة
تكتسب الجزائر أهمية خاصة في هذه الجولة، كونها دولة ذات أغلبية مسلمة وتاريخ ديني عريق، إضافة إلى ارتباطها بإرث القديس أوغسطين، أحد أبرز رموز الفكر المسيحي.
كما يرى مراقبون أن الجولة تحمل رسائل غير مباشرة على الساحة الدولية، خصوصاً مع تركيز البابا على إفريقيا بدلاً من زيارات تقليدية لدول غربية.
متابعات إفريقية
الحرب على إيران تضغط على اقتصادات إفريقيا وتدفع الدول إلى مواقف متباينة
ألقت الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران بظلالها على القارة الإفريقية، في وقت تواجه فيه دولها أصلاً أزمات معيشية ومالية متراكمة. ومع ارتفاع أسعار النفط، وتعطل بعض مسارات الملاحة، وتزايد الضغوط على العملات المحلية، بدأت آثار الحرب تتسرب إلى الاقتصادات الإفريقية، وسط تباين واضح في مواقف الحكومات الإفريقية من الصراع.
وتشير القراءة العامة للمشهد إلى أن إفريقيا لم تعد بعيدة عن تداعيات الحرب، سواء من حيث الكلفة الاقتصادية المباشرة أو من حيث الحسابات السياسية التي تحكم مواقف الدول تجاه أطراف النزاع.
ضغوط الطاقة والنقل في صدارة التأثيرات
كان الارتفاع الحاد في أسعار النفط من أبرز التداعيات المباشرة على القارة. فمع صعود الأسعار العالمية منذ اندلاع الحرب، وجدت الدول الإفريقية المستوردة للنفط نفسها أمام فاتورة أعلى للطاقة والنقل، وهو ما انعكس سريعاً على الأسعار المحلية، خصوصاً في الدول الهشة مالياً.
وفي حين استفادت بعض الدول المصدرة للنفط، مثل نيجيريا وأنغولا والجزائر، من ارتفاع الأسعار على مستوى الإيرادات، فإن هذه المكاسب لم تحجب أثراً آخر يتمثل في ارتفاع أسعار المشتقات النفطية محلياً، نتيجة ضعف قدرات التكرير واعتماد بعض هذه الدول على الاستيراد.
كما زادت المخاوف من اتساع تأثير الحرب على طرق التجارة البحرية، لا سيما في مضيق هرمز والبحر الأحمر، ما دفع شركات شحن إلى دراسة مسارات بديلة أطول وأكثر كلفة عبر جنوب إفريقيا، وهو ما يرفع بدوره تكاليف النقل والتأمين، ويغذي موجة تضخم جديدة في الأسواق الإفريقية.
مواقف إفريقية تشكلت وفق المصالح
لم تتخذ الدول الإفريقية موقفاً موحداً من الحرب، بل بدت مواقفها انعكاساً لمصالحها السياسية والاقتصادية وعلاقاتها مع أطراف الصراع.
فعلى المستوى القاري، بدأ موقف الاتحاد الإفريقي بدعوات إلى ضبط النفس وخفض التصعيد، قبل أن يتطور لاحقاً إلى إدانة الهجمات الإيرانية على دول الخليج وإعلان التضامن مع الدول المتضررة منها.
أما على مستوى الدول، فقد اتجهت بعض دول القرن الإفريقي، مثل كينيا والصومال وإثيوبيا، إلى إظهار انحياز أوضح نحو الجانب الخليجي، بينما ركزت دول أخرى، مثل جنوب إفريقيا والسنغال، على مرجعية القانون الدولي ورفض الهجمات على الدول من دون تفويض أممي، في موقف عُدّ أقرب إلى انتقاد الهجوم الأمريكي ـ الإسرائيلي على إيران.
وفي غرب إفريقيا، غلب الحذر على مواقف عدد من الدول، مع وجود اعتبارات داخلية مرتبطة بالتوازنات الاجتماعية والمذهبية، بينما تفاوتت مواقف دول شمال إفريقيا بين الإدانة الواضحة للهجمات الإيرانية على الخليج، والدعوة إلى وقف الحرب وتجنب توسيعها.
آثار مباشرة على الوقود والكهرباء والعملات
أجبر ارتفاع أسعار النفط والطاقة عدة حكومات إفريقية على اتخاذ إجراءات عاجلة، شملت رفع أسعار الوقود، وترشيد استهلاك الكهرباء، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام.
وفي بعض الدول، ظهرت هذه التداعيات بوضوح في الأسواق المحلية. فقد ارتفعت أسعار الوقود في أكثر من بلد، وبدأت حكومات في دراسة أو تنفيذ خطط تقشفية مرتبطة بالطاقة والكهرباء، مع تحذيرات من أن استمرار الحرب قد يفرض إجراءات أشد قسوة.
في الوقت نفسه، تعرضت العملات الإفريقية لضغوط إضافية مع اتجاه المستثمرين الدوليين نحو الملاذات الآمنة مثل الدولار والذهب والسندات، ما أدى إلى خروج رؤوس أموال من بعض الأسواق الناشئة في القارة. وانعكس ذلك في تراجع قيمة بعض العملات، وارتفاع كلفة استيراد السلع الأساسية، وزيادة أعباء خدمة الدين الخارجي.
الطيران والسياحة بين الخاسرين
لم تقتصر التداعيات على الطاقة والمال، بل امتدت أيضاً إلى قطاعي الطيران والسياحة. فقد دفعت المخاطر الأمنية وتعطل بعض المسارات الجوية إلى تقليص رحلات وتعديل خطوط طيران، مع تسجيل خسائر مالية يومية لشركات طيران عاملة في القارة.
كما تضررت السياحة، سواء السياحة التقليدية أو الدينية، في ظل اضطراب حركة الملاحة والنقل الإقليمي، وتراجع الحجوزات في بعض الأسواق، ما أضاف ضغطاً جديداً على اقتصادات تعتمد جزئياً على هذا القطاع كمصدر للعملة الصعبة وفرص العمل.
مخاوف من امتداد أمني إلى القارة
إلى جانب الكلفة الاقتصادية، تبرز مخاوف من أن تتجاوز آثار الحرب حدود الضغط المالي لتطال التوازنات الأمنية في بعض مناطق إفريقيا، خاصة تلك المطلة على البحر الأحمر أو الواقعة ضمن مسارات النفوذ الإقليمي المتشابك.
وتزداد هذه المخاوف مع احتمال اتساع التوترات في باب المندب، وارتباط بعض الساحات الإفريقية بشبكات مسلحة أو تحالفات إقليمية قد تتأثر بمسار الحرب. كما تُطرح مخاوف من انعكاسات داخلية في بعض الدول التي تضم جماعات أو شبكات ذات صلة بالاستقطاب الإقليمي، بما قد يرفع منسوب التوتر المحلي إذا طال أمد النزاع.
سيناريوهان: استمرار الحرب أو توقفها
ترتبط التداعيات الإفريقية بمسار الحرب نفسها. فإذا استمر الصراع، فمن المرجح أن تتفاقم الضغوط الاقتصادية على الدول الإفريقية، مع مزيد من التضخم، وتآكل العملات، وتراجع الاستثمارات، وارتفاع تكاليف النقل والطاقة والغذاء.
أما إذا توقفت الحرب، فمن المتوقع أن تبدأ بعض الضغوط الاقتصادية في التراجع تدريجياً، خصوصاً إذا عادت أسعار النفط إلى مستويات أقل. لكن ذلك لن يعني زوال الأثر سريعاً، إذ ستظل عدة دول مطالبة بمعالجة عجز الموازنات، واحتواء التضخم، والتعامل مع آثار تراجع العملات وارتفاع كلفة الاستيراد.
وفي الحالتين، تبدو القارة الإفريقية في موقع المتأثر بما يجري أكثر من كونها طرفاً قادراً على التأثير في مساره، وهو ما يعكس استمرار هشاشة ارتباطها بالاقتصاد العالمي واعتمادها الكبير على الخارج في مجالات الطاقة والتمويل والتجارة.
بقاء النظام الإيراني هو السيناريو الأرجح
وبحسب التقدير الذي يستند إليه هذا التقرير، فإن السيناريو الأقرب يتمثل في توقف الحرب مع بقاء النظام الإيراني، خاصة في ظل المعطيات المرتبطة بتعثر تحقيق الأهداف المعلنة للحرب، وتزايد الضغوط الاقتصادية الدولية، وتصاعد الاعتراضات السياسية والشعبية داخل الولايات المتحدة، إلى جانب غياب تحالف دولي واسع داعم لاستمرار المواجهة.
ويعني هذا السيناريو، في حال تحققه، أن القارة الإفريقية قد تواجه مرحلة لاحقة من محاولات إعادة التوازن الاقتصادي واحتواء الخسائر، بالتوازي مع استمرار التنافس الإقليمي والدولي على النفوذ داخلها.
خلاصة
تكشف الحرب على إيران مرة جديدة حجم هشاشة الاقتصادات الإفريقية أمام الصدمات الخارجية. فالقارة التي لم تتعافَ بالكامل من تداعيات جائحة كورونا، ثم من آثار الحرب الروسية – ـ الأوكرانية، تجد نفسها اليوم أمام موجة جديدة من الضغوط المرتبطة بالطاقة والتجارة والأسواق المالية.
وبين ارتفاع الأسعار، وتراجع العملات، واضطراب النقل، تبقى الدول الإفريقية أمام اختبار جديد لقدرتها على امتصاص الصدمات، في وقت لا تزال فيه بنى الإنتاج والتكامل الاقتصادي الإقليمي أضعف من أن توفر مظلة حماية كافية من أزمات الخارج.
الساحل الإفريقي: حرب بلا شهود… ومدنيون بين نيران الدولة والجماعات المسلحة
في قرى نائية تمتد عبر مالي والنيجر وبوركينا فاسو، يعيش ملايين المدنيين تحت تهديد يومي لا يأتي فقط من الجماعات الجهادية، بل من الجيوش التي يفترض أن تحميهم. في هذه المنطقة المعروفة باسم الساحل الإفريقي، تتداخل خطوط الصراع إلى حد يصبح فيه التمييز بين “المنقذ” و ”التهديد” شبه مستحيل.
تشهد المنطقة منذ سنوات تصاعداً في العنف المسلح، تقوده جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة وأخرى تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية، إلا أن تقارير حديثة تشير إلى أن القوات الحكومية نفسها باتت لاعباً رئيسياً في دائرة العنف، بل ومسؤولة عن حصيلة مرتفعة من الضحايا المدنيين.
انقلاب على النفوذ… وتحالفات جديدة
منذ عام 2020، شهدت دول الساحل سلسلة انقلابات عسكرية أطاحت بالحكومات المدنية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر. الحكومات الجديدة بررت تحركاتها بفشل الأنظمة السابقة في مواجهة التمرد الجهادي، إضافة إلى رفض هذه الحكومات الجديدة للنفوذ الغربي المتزايد، خصوصاً الفرنسي.
في هذا السياق، اتجهت هذه الدول نحو تعزيز تعاونها العسكري فيما بينها، وتشكيل تحالف إقليمي، بالتوازي مع فتح الباب أمام دعم روسي تمثل بدايةً بعناصر مجموعة فاغنر، ولاحقاً عبر تشكيلات عسكرية بديلة.
جماعات تتوسع… ودول تتراجع
في المقابل، تمكنت جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين ” (JNIM)، المرتبطة بالقاعدة، من ترسيخ نفوذها في مناطق واسعة، مستفيدة من هشاشة الدولة وغياب الخدمات الأساسية. وتعمل هذه الجماعة على فرض نمط حكم محلي، يشمل إدارة النزاعات وتقديم نوع من “الحماية” لبعض المجتمعات، ما يمنحها قاعدة دعم متنامية.
كما ينشط فرع تنظيم الدولة الإسلامية في المنطقة، مستغلاً الفوضى الأمنية، ويدخل أحياناً في مواجهات مباشرة مع جماعات أخرى للسيطرة على الأراضي والنفوذ.
أرقام صادمة… والدولة في قلب الاتهام
رغم أن الجماعات الجهادية مسؤولة عن عدد كبير من الهجمات، إلا أن تقارير حقوقية تكشف مفارقة لافتة:
القوات الحكومية وحلفاؤها متهمون بقتل أعداد من المدنيين تفوق تلك التي تسببت بها الجماعات المسلحة.
تشمل هذه الانتهاكات:
- إعدامات ميدانية
- حالات اختفاء قسري
- تعذيب
- هجمات جماعية على قرى.
وتشير تقارير إلى أن بعض هذه العمليات استهدفت مجموعات عرقية بعينها، ما يثير مخاوف من تطور النزاع إلى طابع إثني أكثر حدة.
بيئة خصبة للتجنيد
في ظل الفقر، وغياب الدولة، وتصاعد العنف، تجد الجماعات المسلحة بيئة مثالية للتجنيد. فبالنسبة لبعض السكان المحليين، قد تبدو هذه الجماعات خياراً أقل سوءاً مقارنة بالقوات الحكومية التي يُنظر إليها كقوة قمعية.
كما تلعب هذه الجماعات على التوترات الاجتماعية والاقتصادية، وتقدم نفسها كبديل قادر على فرض النظام أو توفير الحماية، حتى وإن كان ذلك ضمن إطار أيديولوجي متشدد.
صراع بلا أفق واضح
حتى الآن، لم تنجح الحكومات العسكرية في تحقيق اختراق حقيقي ضد الجماعات المسلحة، رغم الدعم الخارجي. في المقابل، يستمر توسع هذه الجماعات نحو دول مجاورة، ما يهدد بتحول الأزمة إلى نزاع إقليمي أوسع.
وفي ظل محدودية الاهتمام الدولي، وغياب تدخل فعال، يبقى المدنيون الحلقة الأضعف في معادلة معقدة، حيث لا يبدو أن أي طرف قادر في إنهاء دائرة العنف.
متابعات دولية
إيطاليا تعلّق تعاونها العسكري مع إسرائيل: خطوة رمزية أم بداية تحوّل أوروبي؟
أعلنت الحكومة الإيطالية تعليق التجديد التلقائي لاتفاقية التعاون الدفاعي مع إسرائيل، في خطوة غير مسبوقة من حكومة يمينية كانت تُعد حتى وقت قريب من أقرب الحلفاء الأوروبيين لتل أبيب.
القرار، الذي صدر على لسان رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، جاء في سياق تصاعد الضغوط السياسية والشعبية داخل إيطاليا، وتطورات ميدانية ساهمت في إعادة تقييم العلاقة العسكرية بين البلدين.
خلفية ميدانية مباشرة
لم يكن القرار منفصلاً عن الأحداث الأخيرة، إذ جاء عقب حادثة إطلاق نار من قبل القوات الإسرائيلية باتجاه قافلة تابعة لقوات حفظ السلام الإيطالية العاملة ضمن بعثة الأمم المتحدة في جنوب لبنان.
الحادثة دفعت روما إلى اتخاذ خطوات دبلوماسية، شملت استدعاء السفير الإسرائيلي، وزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني إلى بيروت، حيث عبّر عن تضامن بلاده مع لبنان وانتقد الهجمات على المدنيين.
اتفاقية قديمة… وتأثير محدود
تعود مذكرة التعاون الدفاعي بين البلدين إلى عام 2003، وتشمل مجالات مثل تبادل المعدات العسكرية، والتدريب، والبحث الدفاعي، مع آلية تجديد تلقائي كل خمس سنوات.
ورغم الطابع المؤسسي للاتفاق، فإن حجمه الفعلي ظل محدوداً، إذ تشير بيانات دولية إلى أن إيطاليا لا تسهم إلا بنسبة تقارب 1% من واردات إسرائيل من الأسلحة التقليدية، مقابل هيمنة الولايات المتحدة وألمانيا على الحصة الأكبر.
ضغط داخلي متصاعد
القرار الإيطالي يعكس تراكماً في الضغوط الداخلية، حيث طالبت أحزاب المعارضة منذ فترة بوقف التعاون العسكري مع إسرائيل، مدعومة بمواقف قانونية تستند إلى قرارات دولية تتعلق بالحرب في غزة والضفة الغربية.
كما لعب الشارع دوراً بارزاً، مع استمرار الاحتجاجات في مدن إيطالية عدة خلال العامين الماضيين، احتجاجاً على العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة وامتدادها إلى لبنان.
تداعيات تتجاوز الجانب العسكري
رغم محاولة إسرائيل التقليل من أهمية القرار، فإن تداعياته تتجاوز البعد العسكري المباشر، لتطال الجوانب السياسية والدبلوماسية.
أبرز هذه التداعيات:
- خسارة دعم سياسي داخل أوروبا: تحوّل موقف روما من شريك داعم إلى طرف أكثر انتقاداً،
- تآكل شرعية التعاون العسكري الأوروبي: الخطوة قد تشجع دولاً أخرى على مراجعة علاقاتها الدفاعية مع إسرائيل،
- توتر في العلاقة مع قوات حفظ السلام: القرار يعكس استعداد إيطاليا للدفاع عن قواتها العاملة في لبنان.
مؤشرات على مسار أوروبي أوسع
يأتي القرار الإيطالي ضمن سياق أوروبي أوسع يشهد تشديداً تدريجياً على صادرات السلاح إلى إسرائيل.
فقد اتخذت عدة دول خطوات مشابهة بدرجات متفاوتة:
- إسبانيا فرضت قيوداً قانونية على تجارة السلاح
- بريطانيا علّقت بعض تراخيص التصدير
- هولندا وبلجيكا قيّدتا مرور أو تصدير معدات عسكرية
- دول أخرى بدأت بمراجعة علاقاتها الدفاعية.
حتى ألمانيا، أحد أبرز مزودي إسرائيل بالسلاح، أبدت مؤخراً مواقف أكثر تحفظاً، ما يعكس تحولاً تدريجياً في المزاج السياسي الأوروبي.
بين الرمزية والتأثير
على المستوى العملي، لا يشكل القرار الإيطالي ضربة مباشرة للقدرات العسكرية الإسرائيلية، نظراً لاعتمادها الأساسي على الدعم الأمريكي والألماني.
لكن من الناحية السياسية، يحمل القرار دلالة أكبر، إذ يعكس بداية تآكل في شبكة الدعم الأوروبي، ويطرح تساؤلات حول مستقبل العلاقات الدفاعية بين إسرائيل ودول الاتحاد الأوروبي.
خلاصة
قرار روما لا يغيّر موازين القوة العسكرية، لكنه يسلّط الضوء على تحول أعمق في المواقف الأوروبية، حيث لم يعد الدعم لإسرائيل غير مشروط كما كان في السابق.
وفي حال اتساع هذا الاتجاه، قد تواجه تل أبيب تحدياً متزايداً لا يتعلق بالسلاح، بل بشرعيته السياسية داخل أوروبا.
الصحافة الألمانية: فشل مفاوضات إسلام آباد ينذر بتداعيات مباشرة على أوروبا
تواصل وسائل الإعلام الألمانية تحليل تداعيات تعثر المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في إسلام آباد، معتبرة أن فشل هذه الجولة لا يقتصر على البعد الدبلوماسي، بل يفتح الباب أمام انعكاسات مباشرة على الأمن والاقتصاد في أوروبا.
وجاءت هذه التقييمات عقب إعلان نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس فشل المحادثات، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من انزلاق الصراع نحو مرحلة أكثر تعقيداً.
انتقادات لنهج التفاوض
صحيفة Tagesspiegel رأت أن أسلوب التفاوض الأمريكي القائم على فرض شروط حادة “إما القبول أو المواجهة” لم يكن كافياً لتحقيق اختراق، مشيرة إلى أن غياب الثقة وتباعد المواقف جعلا التوصل إلى اتفاق أمراً غير مرجح في هذه المرحلة.
وأوضحت أن الخلافات شملت ملفات جوهرية، أبرزها:
- برنامج التخصيب النووي
- دور إيران في مضيق هرمز
- توسيع وقف إطلاق النار ليشمل لبنان
- رفع العقوبات وتحرير الأصول المجمدة.
وخلصت إلى أن هذه القضايا تتطلب وقتاً أطول وتنازلات متبادلة، وهو ما لم يتوفر في هذه الجولة.
أوروبا أمام تداعيات مباشرة
في المقابل، ركزت صحيفة Berliner Zeitung على انعكاسات الفشل على القارة الأوروبية، معتبرة أن استمرار المواجهة سيضع أوروبا أمام تحديات متزايدة.
وأشارت إلى أربعة مخاطر رئيسية:
- ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة اضطراب الإمدادات
- تدهور الوضع الأمني في جوار أوروبا
- تصاعد الغموض النووي في المنطقة
- احتمال موجات هجرة جديدة في حال توسع الصراع.
كما لفتت الصحيفة إلى احتمال تحول النزاع إلى مواجهة غير مباشرة بين الولايات المتحدة من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى، ما قد يضفي عليه طابعاً دولياً أكثر خطورة.
إيران تراهن على عامل الوقت
من جهتها، اعتبرت صحيفة Süddeutsche Zeitung أن طهران تعتمد استراتيجية تقوم على إطالة أمد الصراع، مستفيدة من إدراكها أن الولايات المتحدة لا ترغب في الانخراط في حرب طويلة وغير مضمونة النتائج.
وأشارت إلى أن استمرار الضغوط الاقتصادية وارتفاع أسعار الطاقة قد ينعكس سلباً على الداخل الأمريكي، ما يمنح إيران هامشاً أوسع للمناورة.
قراءة في ميزان القوة
في السياق نفسه، رأت مجلة Der Spiegel أن المشهد التفاوضي في إسلام آباد عكس تفاوتاً واضحاً في الاستعداد، حيث حضر الوفد الإيراني بتشكيلة واسعة تضم خبراء تقنيين وسياسيين، مقابل وفد أمريكي أقل عدداً.
واعتبرت المجلة أن هذا الفارق يعكس اختلافاً في منهجية التفاوض، حيث جمعت طهران بين المرونة الشكلية والتشدد في المضمون.
غياب الدور الأوروبي
أحد أبرز الانتقادات التي كررتها الصحافة الألمانية تمثلت في غياب أوروبا عن مسار المفاوضات، رغم دورها المحوري في التوصل إلى الاتفاق النووي عام 2015.
وحذرت من أن استمرار هذا الغياب قد يضعف قدرة أوروبا على التأثير في مسار الأزمة، رغم أنها من أكثر الأطراف عرضة لتداعياتها.
طاقة وأمن… الثمن الأوروبي
تجمع التحليلات على أن أي تصعيد إضافي، خصوصاً في مضيق هرمز، سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط عالمياً، وهو ما سينعكس مباشرة على الاقتصاد الأوروبي.
كما أن اتساع رقعة النزاع، خاصة إذا امتد إلى لبنان، قد يعيد فتح ملف الهجرة، ويزيد من الضغوط السياسية والأمنية داخل الاتحاد الأوروبي.
خلاصة
ترى الصحافة الألمانية أن تعثر مفاوضات إسلام آباد لا يمثل مجرد فشل دبلوماسي، بل مؤشراً على مرحلة أكثر تعقيداً، قد تتحمل أوروبا جزءاً كبيراً من كلفتها.
وبين ارتفاع الطاقة، وتزايد المخاطر الأمنية، واحتمالات الهجرة، يبدو أن القارة الأوروبية تجد نفسها مجدداً في موقع المتأثر الرئيسي بصراع لا تملك فيه دوراً حاسماً.
هرمز يعيد رسم التحالفات: هل بدأ التآكل داخل المعسكر الغربي؟
في لحظات التحولات الكبرى، لا تكشف الحروب عن موازين القوة العسكرية فقط، بل تفضح أيضاً طبيعة التحالفات وحدودها. هكذا كانت أزمة السويس عام 1956، وهكذا تبدو اليوم أزمة مضيق هرمز، ولكن في اتجاه معاكس. فإذا كانت السويس قد كرّست انتقال قيادة الغرب من أوروبا إلى الولايات المتحدة، فإن هرمز قد يكون بداية التشكيك الأوروبي في هذه القيادة نفسها.
من السويس إلى هرمز: انعكاس تاريخي
أظهرت أزمة السويس شرخاً مبكراً داخل التحالف الغربي عندما تحركت بريطانيا وفرنسا عسكرياً دون تنسيق مع واشنطن، ما دفع الإدارة الأمريكية إلى النأي بنفسها عن العملية، حفاظاً على موقعها الدولي. تلك اللحظة لم تكن مجرد خلاف عابر، بل محطة تاريخية أعادت تعريف مركز القيادة داخل الغرب.
اليوم، بعد نحو سبعة عقود، تتكرر معادلة الاختلاف، لكن هذه المرة من زاوية أخرى. فالحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، وما رافقها من توترات في مضيق هرمز، أعادت طرح السؤال ذاته: هل لا تزال الولايات المتحدة قادرة على قيادة التحالف الغربي بنفس الشكل الذي عرفه العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؟
أوروبا: شريك متحفظ لا تابع
منذ اندلاع الحرب، بدا الموقف الأوروبي حذراً، يميل إلى التهدئة والدبلوماسية، في مقابل توجه أمريكي أكثر ميلاً إلى التصعيد وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بالقوة. هذا التباين لا يعكس فقط اختلافاً تكتيكياً، بل اختلافاً أعمق في تعريف المصالح.
بالنسبة لأوروبا، تمثل الحرب تهديداً مباشراً لأمن الطاقة والاستقرار الاقتصادي، في وقت تعاني فيه القارة أصلاً من تباطؤ النمو وضغوط التضخم. أما واشنطن، فتتعامل مع الصراع ضمن إطار أوسع يتعلق بإعادة ضبط ميزان القوى في الشرق الأوسط واحتواء إيران.
هذا الاختلاف في زاوية النظر يجعل من الصعب على أوروبا الانخراط الكامل في الاستراتيجية الأمريكية، حتى مع استمرار التزامها الشكلي بالتحالف الأطلسي.
اقتصاد يحدد الموقف السياسي
تعكس الأزمة في جوهرها تفاوتاً في درجة التعرض للمخاطر. فالولايات المتحدة، بوصفها أحد أكبر منتجي الطاقة عالمياً، تملك هامشاً أوسع لتحمل صدمات الأسواق. في المقابل، تعتمد أوروبا بشكل كبير على واردات الطاقة، ما يجعلها أكثر هشاشة أمام أي اضطراب في مضيق هرمز.
أي تصعيد في الخليج يعني بالنسبة لأوروبا:
- ارتفاعاً مباشراً في أسعار النفط والغاز
- زيادة تكاليف الإنتاج الصناعي
- ضغوطاً تضخمية إضافية
- تراجعاً في القدرة التنافسية.
ومن هنا، يصبح الموقف الأوروبي الرافض للتصعيد البحري مفهوماً؛ إذ إن الخطر الحقيقي من وجهة نظره ليس العمليات العسكرية بحد ذاتها، بل تعطّل تدفقات الطاقة والتجارة.
تحالف تحت الضغط
رغم هذا التباين، لم تنفصل أوروبا عملياً عن المنظومة الأمنية الأمريكية. فالبنية العسكرية لحلف شمال الأطلسي تجعل الفصل بين القرار السياسي الأوروبي والقدرات العسكرية الأمريكية أمراً بالغ التعقيد.
وهذا ما يفسر الازدواجية الأوروبية:
- رفض سياسي للحرب
- دعم غير مباشر عبر قنوات استخباراتية ولوجستية.
هذه الازدواجية ليست جديدة، لكنها اليوم أكثر وضوحاً، لأنها تأتي في سياق تراجع الثقة الأوروبية في التزام الولايات المتحدة تجاه حلفائها، خاصة في ظل سياسات إدارة ترامب التي أعادت تعريف العلاقات الدولية بمنطق الصفقات لا التحالفات.
نحو استقلال أوروبي؟
أعادت الحرب على إيران إحياء نقاش قديم في أوروبا حول “الاستقلال الاستراتيجي”، لكنه هذه المرة لم يعد خياراً نظرياً، بل ضرورة متزايدة.
تدفع عدة عوامل أوروبا في هذا الاتجاه:
- عدم القدرة على منع واشنطن من جرّها إلى أزمات
- الشكوك حول استمرارية المظلة الأمنية الأمريكية
- الحاجة إلى سياسات طاقة ودفاع أكثر استقلالاً.
ومع ذلك، يظل هذا المسار معقداً بسبب الانقسامات الداخلية الأوروبية، إذ لا تزال دول شرق أوروبا ترى في الولايات المتحدة الضامن الأساسي لأمنها، في حين تدفع دول مثل فرنسا نحو استقلال أكبر.
ما بعد الأطلسية؟
تكشف أزمة هرمز أن العالم قد يكون على أعتاب مرحلة “ما بعد الأطلسية”، حيث لا يختفي التحالف بين أوروبا والولايات المتحدة، لكنه يفقد طابعه المركزي الذي حكم النظام الدولي لعقود.
في هذا السياق:
- قد تصبح أوروبا أكثر استقلالاً تدريجياً
- تركز الولايات المتحدة على صراعات أخرى، خصوصاً مع الصين
- يتحول التحالف الغربي إلى شراكة تفاوضية بدل قيادة أحادية.
الخلاصة
لا يمكن النظر إلى الحرب على إيران بوصفها مجرد صراع إقليمي، بل كحدث كاشف لتحولات أعمق داخل النظام الدولي. فكما كشفت أزمة السويس نهاية عصر أوروبي، قد تكشف أزمة هرمز بداية مرحلة جديدة يتراجع فيها الإجماع الغربي، ويُعاد فيها تعريف التحالفات على أساس المصالح لا التبعية.
وبينما لا يبدو أن التحالف الأطلسي في طريقه إلى الانهيار، إلا أن ما يجري يشير بوضوح إلى أنه لم يعد كما كان: أقل تماسكاً، أكثر براغماتية، وأكثر عرضة لإعادة التفاوض.
هزيمة أوربان في المجر… رسالة سياسية تتجاوز أوروبا وتصل إلى واشنطن
شكّلت خسارة رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان في الانتخابات البرلمانية الأخيرة تحوّلاً لافتاً في المشهد السياسي الأوروبي، لكنها في الوقت ذاته تحمل دلالات أوسع تمتد إلى الساحة السياسية الأميركية، خصوصاً بالنسبة لمعارضي دونالد ترامب.
فالهزيمة التي مُني بها أوربان، المعروف بنهجه السياسي المحافظ والمقرّب من التيار “الترامبي”، لا تمثل مجرد خسارة انتخابية، بل تعكس حدود ما يُعرف بـ”الديمقراطية غير الليبرالية”، حتى في الأنظمة التي تبدو راسخة.
صعود نموذج سياسي جديد
في المقابل، برز اسم بيتر ماغيار، زعيم حزب “تيسا” المعارض، كوجه جديد في السياسة المجرية، بعد أن قاد حملة انتخابية نجحت في إطاحة أحد أقوى القادة في أوروبا.
ويمثل ماغيار نموذجاً متكرراً في عدة دول، يقوم على:
كسر الأطر الحزبية التقليدية
تأسيس حركات سياسية جديدة
جذب الناخبين عبر خطاب إصلاحي غير تقليدي.
هذا النموذج، بحسب التحليل، لا يقتصر على المجر، بل يظهر في تجارب مشابهة من باريس إلى بوينس آيرس وسيول، حيث ينجح قادة جدد في إعادة تشكيل المشهد السياسي بطرق غير مألوفة.
رسالة مباشرة للديمقراطيين
رغم أن هزيمة أوربان تُعد ضربة للتيار القريب من ترامب، إلا أن الرسالة الأهم – بحسب المقال – موجهة إلى الحزب الديمقراطي الأميركي.
إذ يشير التحليل إلى أن الديمقراطيين لا يزالون يعتمدون على:
هياكل حزبية تقليدية
ترشيحات محسومة مسبقاً
أسلوب سياسي يميل إلى الاستقرار وتجنب الصدام.
وهو ما قد لا يتناسب مع مرحلة سياسية عالمية تتسم بالتقلبات والتغيّرات السريعة.
عصر “السياسيين المتمرّدين”
يبرز المقال ظاهرة متنامية عالمياً، تتمثل في صعود قادة “متمرّدين” ينجحون عبر:
تحدي القيادات الحزبية التقليدية
إعادة تشكيل الأحزاب من الداخل
أو إنشاء قوى سياسية جديدة بالكامل
ومن الأمثلة على ذلك شخصيات سياسية استطاعت الوصول إلى السلطة عبر هذا النهج، سواء من داخل الأحزاب أو خارجها.
دروس للمستقبل السياسي
يرى التحليل أن الأنظمة السياسية الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، قد لا تسمح بسهولة بظهور أحزاب جديدة قوية كما يحدث في أوروبا، إلا أن التغيير يظل ممكناً من داخل الأحزاب القائمة، كما حدث مع صعود ترامب داخل الحزب الجمهوري.
وفي هذا السياق، يؤكد أن القادة القادرين على إحداث تغيير حقيقي في المرحلة المقبلة لن يكونوا من السياسيين التقليديين، بل من أولئك الذين يمتلكون القدرة على كسر القواعد وفرض أنفسهم عبر خطاب صدامي ومختلف.
خلاصة
تكشف نتائج الانتخابات في المجر عن تحوّل أعمق من مجرد تغيير حكومي، إذ تعكس صعود نمط سياسي جديد قائم على التمرد على المؤسسات التقليدية. وبينما تُعد الهزيمة انتكاسة لحلفاء ترامب في أوروبا، فإنها في الوقت ذاته تحمل تحذيراً واضحاً لخصومه في الولايات المتحدة: التغيير لا يأتي من داخل القوالب القديمة، بل من كسرها.
أوربان وترامب.. كيف تحوّل نموذج بودابست إلى مرجعية لليمين العالمي؟
في لحظة لافتة خلال مناظرة انتخابية عام 2024، لجأ دونالد ترامب إلى اسم فيكتور أوربان للدفاع عن نفسه، مستشهداً بإشادة الأخير به. لم يكن ذلك مجرد رد عابر، بل عكس عمق العلاقة الفكرية والسياسية بين الرجلين، وامتداد تأثير النموذج المجري إلى قلب اليمين الأمريكي.
من تجربة محلية إلى نموذج عالمي
خلال أكثر من عقد ونصف في الحكم، لم يكتفِ أوربان بإدارة المجر، بل قدّم نموذجاً سياسياً متكاملاً لما يُعرف بـ”الديمقراطية غير الليبرالية”.
هذا النموذج لم يبقَ محصوراً داخل حدود بلاده، بل تحوّل إلى مرجع تستلهمه حركات يمينية في أوروبا والولايات المتحدة.
في جوهر هذا التحول، لم تعد الشعبوية مجرد خطاب احتجاجي، بل أصبحت مشروعاً أيديولوجياً يسعى لإعادة تشكيل الدولة ومؤسساتها.
جذور التحول في أوروبا الشرقية
بعد سقوط جدار برلين عام 1989، ساد اعتقاد بأن دول أوروبا الشرقية ستندمج بسلاسة في الديمقراطية الليبرالية.
لكن المسار الفعلي كان أكثر تعقيداً.
- النخب الشيوعية السابقة أعادت تموضعها داخل النظام الجديد،
- التحولات الاقتصادية النيوليبرالية خلقت تفاوتاً اجتماعياً واسعاً،
- الخصخصة أنتجت طبقات أوليجارشية مرتبطة بالسلطة.
هذه العوامل مجتمعة وفّرت بيئة خصبة لصعود خطاب قومي معادٍ للنخب، استثمره أوربان لاحقاً.
الأزمة المالية.. نقطة التحول
شكلت الأزمة المالية العالمية عام 2008 لحظة مفصلية، حيث فقدت قطاعات واسعة الثقة بالنموذج الاقتصادي المرتبط بالغرب.
في المجر تحديداً:
- ارتفعت الديون بشكل كبير ،
- تضرر المواطنون بسبب القروض بالعملات الأجنبية،
- فُرضت سياسات تقشف أثارت غضباً شعبياً.
في هذا السياق، ظهر أوربان كبديل سياسي يعد باستعادة “السيادة الاقتصادية” والكرامة الوطنية.
إعادة هندسة الدولة
بعد فوزه الكاسح عام 2010، بدأ أوربان في تنفيذ مشروعه السياسي بشكل منهجي:
- تعديل الدستور،
- إعادة تشكيل القضاء،
- فرض سيطرة أوسع على الإعلام،
- بناء طبقة اقتصادية موالية للسلطة.
بهذا، تحولت الدولة تدريجياً إلى نظام انتخابي يحتفظ بمظهر الديمقراطية، لكنه يفتقر إلى توازن السلطات التقليدي.
خطاب الهوية والصراع
اعتمد أوربان على سردية تقوم على:
- الدفاع عن “الهوية المسيحية،”
- رفض الهجرة،
- مواجهة “النخب الليبرالية العالمية” .
هذا الخطاب لم يكن جديداً، لكنه أعيد توظيفه ضمن سياق سياسي حديث، ما جعله جذاباً لقطاعات واسعة تشعر بالتهميش.
من بودابست إلى واشنطن
لم يبقَ تأثير أوربان داخل أوروبا، بل امتد إلى الولايات المتحدة، حيث وجد صدى لدى التيار المرتبط بترامب.
- شخصيات إعلامية وسياسية أمريكية زارت بودابست،
- مراكز أبحاث مجرية لعبت دوراً في تصدير النموذج،
- تقاطعت الرؤى حول قضايا الهوية والهجرة والدولة .
هذا التقارب جعل من “الأوربانية” مرجعية فكرية للعديد من الحركات المحافظة.
شبكة شعبوية عابرة للحدود
أسهم أوربان في بناء شبكة سياسية أوروبية تضم أحزاباً يمينية، مثل:
- أحزاب قومية في فرنسا وألمانيا،
- تيارات محافظة في إيطاليا وإسبانيا.
هذه الشبكة لا تمثل تحالفاً موحداً، لكنها تتشارك:
- رفض الليبرالية،
- التشكيك بالمؤسسات الدولية،
- التركيز على السيادة الوطنية.
تقاطعات مع الترامبية
يلتقي مشروع أوربان مع ترامب في عدة نقاط أساسية:
- ثنائية “الشعب مقابل النخبة” ،
- رفض العولمة،
- توظيف الهوية الدينية والثقافية سياسياً،
- خطاب يقوم على العاطفة أكثر من المؤسسات.
كما يشترك الطرفان في نظرة نقدية للمؤسسات الأكاديمية والإعلامية.
تأثير يتجاوز المجر
مع مغادرة أوربان السلطة بعد سنوات طويلة، يبقى تأثيره حاضراً خارج بلاده. فالنموذج الذي بناه لم يعد تجربة محلية، بل أصبح جزءاً من تحوّل أوسع في السياسة العالمية.
هذا التحول قد يعيد تشكيل الديمقراطيات الغربية، عبر انتقالها من نموذج ليبرالي تقليدي إلى أنماط حكم أكثر تركيزاً على السلطة التنفيذية والهوية القومية.
خلاصة
لم يغيّر أوربان المجر فحسب، بل ساهم في إعادة رسم ملامح اليمين العالمي. وبينما لا يزال مستقبل هذا التيار غير محسوم، فإن بصماته باتت واضحة في أوروبا والولايات المتحدة على حد سواء.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




