ماذا بعد تمديد وقف إطلاق النار في إيران – المخطط والمألات

انتهت فترة وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بين والولايات المتحدة وإيران فجر الأربعاء 22 إبريل 2026 دون أن تستأنف المفاوضات في باكستان بين الطرفين كما كان مقرراً. السبب الرئيس لذلك هو رفض إيران المشاركة في المفاوضات في ظل الحصار البحري المعلن أمريكياً على إيران. وبعد أن كان الرئيس ترامب قد هدد إيران بالويل والثبور وعظائم الأمور إذا لم يتم توقيع اتفاق يوم الأربعاء، أصدر بياناً يمدد به وقف إطلاق النار لفترة غير محددة، حتى دون أن يتم أي لقاء تفاوضي، متذرعاً بأعذار واهية، ما قوى من وجهة النظر القائلة بأن إيران قد انتصرت بالفعل، واستطاعت أن تفرض إرادتها بقدرتها على الصمود وعلى غلق مضيق هرمز، وأن ترامب لا يستطيع تحقيق أهدافه، ويسعى الآن للنزول من الشجرة؛ بل أن بعض المحللين الوازنين، مثل البروفيسور روبرت بيب أستاذ العلوم السياسية الأمريكي، ذهب إلى أن إيران استطاعت تغيير ميزان القوى في الإقليم، بل وهي في طريقها لتصبح مركز قوة عالمية رابعة!
نحاول هنا تقديم تصور، أو سيناريو ، مختلفاً بعض الشيء؛ نستكشف من خلاله ما الذي ستحاول الولايات المتحدة أن تفعله في ضوء ما سبق، فالوصول للاستنتاج المذكور أعلاه لا ينبغي التسليم به بسهولة. التصور الذي نطرحه يمكن تلخيصه في النقاط التالية:
- الولايات المتحدة شنت الحرب بدايةً بعد أن فشلت في تغيير سلوك قيادات إيران بعد فترة طويلة من العقوبات؛ حيث لم تتخلى عن البرنامج النووي ولا عن حقها في تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية. لذلك، كان هدف تغيير النظام على رأس الأولويات الأمريكية في بداية الحرب، وبعد أن قتلت المرشد الإيراني وعدداً من القيادات في الدقائق الأولى للضربة، تولدت القناعة أن هذا سيؤدي لتغيير النظام بعد خروج احتجاجات شعبية عارمة.
- الهدف الاستراتيجي الأكبر غير المعلن للولايات المتحدة في إيران، من وجهة نظرنا، يتمثل في قطع الطريق أمام تحقيق المصالح الاستراتيجية للصين، وذلك بالمزيد من إحكام السيطرة على مصادر وممرات الطاقة في منطقة الخليج، وتخريب مشروعها “للجسر الأوراسي” الذي يتجاوز الممرات التي تسيطر عليها الولايات المتحدة للوصول إلى أوروبا، وتشكل إيران عقدة رئيسية في هذا الجسر، ما يشكل ضغطاً كبيراً على الصين، ومصدر قوة في أي عملية تفاوض مستقبلية معها.
- على عكس ما ظنت أمريكا، استطاعت إيران، بقيادة نظام جديد أكثر تشدداً، الصمود تحت وطأة الضربات القوية الأمريكية/ الإسرائيلية لمدة تقارب الأن الشهرين منذ بداية الحرب، بل أخذت بسرعة بزمام المبادرة، بغلق مضيق هرمز بما أحدثه من ضغط عالمي هائل، واستهداف المصالح الأمريكية في دول الخليج المتحالفة مع أمريكا، واستطاعت الحفاظ على جزء كبير من قدراتها العسكرية من الصواريخ والمسيرات والقوارب المسلحة الصغيرة، وقامت بتوظيف أدوات القوة لديها بشكل متناغم، ولم تخضع للضغوط الشديدة سواءً تحت تأثير الضربات العسكرية، ولا أثناء المفاوضات.
بهذا الشكل تولد لدى إيران، فيما يبدو، قناعة بأنها لا تستطيع فقط الصمود، بل تستطيع كسر الإرادة الأمريكية والتموضع في موقف بالغ القوة، ما يشكل نصراً سياسياً كبيراً برغم المعاناة الشديدة من الدمار والخسائر البشرية والاقتصادية. في ظل هذا التصور تستطيع إيران خنق الاقتصاد العالمي بالسيطرة المستمرة على مضيق هرمز، والحصول بذلك على حقوقها في أموالها المجمدة، والاستمرار في تخصيب اليورانيوم، بل ويمكنها السعي بالفعل لتطوير سلاحها النووي لتحقيق المزيد من الردع بعد أن ظهرت لها النوايا الأمريكية بوضوح. يبدو الآن أيضاً أنها وضعت هدفاً أخر بإسقاط ترامب شخصياً ليكون عبرة لمن سيأتي بعده! ولذلك فهي مستعدة للاستمرار في هذا الصراع لفترة طويلة دون أي تنازل، وترى أن الوقت في صالحها. السلوك الإيراني اتسم منذ إعلان ترامب بمد وقف إطلاق النار بالمزيد من التصعيد، سواءً على مستوى التصريحات الرسمية، أو الاستعراضات العسكرية للصواريخ المتطورة، أو إطلاق النار والسيطرة على السفن “المخالفة”، وغير ذلك. - لا يمكن أن تسمح الولايات المتحدة بالاستسلام لهكذا هزيمة، فضلاً عن عدم تحقيق أهدافها الاستراتيجية تجاه الصين، ولن يسمح ترامب نفسه أن يسقط بهذه الطريقة المروعة، ولذلك ليس أمامها إلا التصعيد والمضي قدماً لنهاية الطريق في الحرب. لذلك فقد استمرت في حشد المزيد من القوات بحجم هائل إلى المنطقة. يضاف إلى ذلك بالطبع الضغوط من الأطراف الأخرى التي سعت لإشعال الحرب وإثارة الفوضى الشاملة في المنطقة، كما فصلنا في دراسات سابقة (إسرائيل وباقي الروافع الخمسة والمؤسسات المالية الكبرى). الإستراتيجية الأمريكية المعدلة، بعد فشل انتصارها في حرب خاطفة، تتمثل، كما نرصد من التطورات المختلفة، في توظيف حشدها العسكري الضخم واستغلال الوقت في:
إحكام الحصار البحري الخانق على الموانئ الإيرانية لبعض الوقت بما يضعف كثيراً من القدرة الإيرانية على الصمود، الذي يمكن في أثنائه استكمال حشد القوة العسكرية بأكبر قدر ممكن.
إضعاف القوة المساندة من طرف حزب الله بالمزيد من الضغط العسكري الإسرائيلي والسياسي الرسمي اللبناني والدولي، والذي إن لم يفلح فقد تؤدي الخلافات الداخلية إشعال حرب أهلية تحيد هذه الجبهة.
ممارسة ضغوط هائلة على الجبهة المساندة العراقية متمثلة في منع وزارة الخزانة الأمريكية لثاني مرة منذ اندلاع الحرب تسليم أموال تبلغ 500 مليون دولار من عائدات مبيعات النفط العراقي المودعة في بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، كما علقت تمويل بعض برامج مكافحة الإرهاب وتدريب القوات المسلحة، بهدف أن تتخذ الحكومة العراقية خطوات ملموسة لتفكيك الميليشيات المسلحة التي تشارك إيران في حربها.
توجيه ضربات عسكرية جوية قوية، بشكل محدود، للتحذير النهائي بأن أمريكا جادة في تهديداتها، وللمزيد من إضعاف المقاومة الإيرانية.
إذا لم يفلح كل ذلك في رضوخ القيادة الإيرانية فستلجأ أمريكا لضربة مدمرة تستهدف فيها منشآت الطاقة والكهرباء والمياه والبنية الأساسية، لإعادة إيران بالفعل “للعصر الحجري” كما هدد ترامب. قد يصاحب ذلك إنزال بري في مناطق محددة بهدف استعادة السيطرة على المضيق، وكذلك الحصول على اليورانيوم المخصب الذي تخفيه إيران.
ستسعى الولايات المتحدة لتنفيذ هذه الخطوات خلال مدى زمني، يسمح أولاً باستكمال الحشد العسكري، وإحداث الأثر الاقتصادي المطلوب من الحصار، قبل استكمال باقي الخطوات نحو الضربة المدمرة. ستسعى الولايات المتحدة إلى القيام بكل ذلك في ظل تصاعد الأزمة الاقتصادية العالمية حتى يقتنع العالم أن أسلوب الضربة المدمرة هو الأسلوب الوحيد الذي سينهي الأزمة، على أن تنتهي تماماً من هذا الأمر قبل شهرين أو ثلاثة من حلول انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر المقبل، حيث يمكنها أن تدعي أنها حققت أهدافها من الحرب. قد يكون المدى الزمني أقل من ذلك اذا أخذنا كأس العالم، الذي ستنظمه الولايات المتحدة جزئيا، في الاعتبار، بما يستدعي توجيه الضربة المدمرة في مدى زمني أقصاه اسبوعين من الآن لتنتهي تداعياتها قبل انطلاق البطولة بوقت كاف.
- المضي قدماً في هذه الإستراتيجية الأمريكية لا يعني بالضرورة أنها ستكلل بالنجاح، خاصة في ظل المقاومة والصمود الإيراني، وبالتالي ستنغمس بشكل أكبر في فخ التصعيد والانجرار إلى مستنقع حرب طاحنة طويلة الأمد. إضافة إلى ذلك، يمكن أن يحدث عدد من التداعيات بالغة الخطورة، ومنها على سبيل المثال:
- أن تقوم إيران بقصف مدمر على بنية الطاقة والبنية الأساسية والاقتصادية في كل دول الخليج ما يحدث أثاراً مدمرة عليها.
- أن تمتد الفوضى والتدمير إلى لبنان والعراق لحسم إخراجهما من المعادلة، وهو ما يمكن أن يحدث في اليمن أيضاً إذا ما انخرط الحوثيون في الصراع مباشرة بإغلاق مضيق باب المندب.
- أن تستغل إسرائيل الصراع فتقوم بالمزيد من التدمير في غزة، وتصاعد من مخططاتها التوسعية في الضفة، وصولاً لتهديد المسجد الأقصى، بل قد تقوم إسرائيل بتوسيع الصراع إلى سوريا، مما سيجر تركيا حتماً إلى الصراع.
- أن تستمر الأزمة الاقتصادية العالمية في أن تستفحل لمستويات غير مسبوقة من التضخم وعدم توافر الوقود والمنتجات الحيوية الأخرى مثل الأسمدة والهيليوم وحمض الكبريتيك، وصولاً إلى حالة “كساد كبير” لا يمكن أن ينفرج في الأجل القريب حتى لو انتهت الأزمة.
- أن يبدأ تفاعل الصين بشكل أكبر مع الانخراط في الأزمة، وتقديم دعم واضح لإيران إذا واجهت تهديداً وجودياً حقيقياً مما يشكل تهديداً للأمن القومي الصيني ومصالحها الإستراتيجية، وهو ما سيصعد في نهاية المطاف من خطر الانجرار إلى حرب عالمية، خاصة إذا بدأت أطراف أخرى في الانخراط في النزاع مثل كوريا الشمالية.
ليس بالضرورة أن تتدهور الأمور بالشكل الذي نتصوره في السيناريو المعروض هنا، لكننا مع الأسف لا نرى طريقاً آخر يمثل مخرجاً من الأزمة القائمة، حيث إن هذه الحرب، وكما ذكرنا سابقاً، لن يخرج منها طرف منتصراً، ولا يبدو أن أحداً من الطرفين مستعد للتنازل عن مواقفه وتحقيق مستهدفاته.



