مصر تنشر مفرزة مقاتلات في الإمارات وإيران ترد بوصف القوات المصرية “بقوات أجنبية”

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
مقدمة
بعد الكشف الإماراتي عن التواجد العسكري المصري لمفرزة طائرات الرافال في أبو ظبي، تبرز عدة تساؤلات جوهرية: متى ذهبت القوات؟ وما هو سبب الدفع بها إلى هناك؟ ما هي أنواع المقاتلات التي ذهبت إلى الإمارات؟ وكيف سيتم استخدامها؟ وكيف برر الجيش المصري ذلك التدخل العسكري داخل أروقة الجيش للضباط والجنود بعد إرسال قوات إلى منطقة الخليج في غمار الحرب الدائرة، التي ما زالت احتمالات تصعيدها مجدداً مرجحة؟ وهل القوات المصرية موجودة فقط في الإمارات أم في دول أخرى؟
هل الدستور المصري يسمح بمشاركة قوات مصرية في جبهات قتال، أو حتى يسمح بتواجدها، بمهام دفاعية كانت أو هجومية، دون إجراءات محددة؟ وهل تم استيفاء تلك الإجراءات؟ لماذا كشفت الإمارات عن هذا التواجد بينما لم تفعله مصر؟
ما هو رد فعل إيران على ذلك التواجد؟ هل حقيقة رحبت به كما يقال، أم أن هناك موقف أخر؟ وكيف سيكون التعامل الإيراني مع القوات المصرية في حالة اشتباك مباشر بين إيران والإمارات؟
أسئلة كثيرة هامة، نحاول الإجابة عليها من خلال هذا التقدير.
الكشف الإماراتي عن التواجد العسكري المصري:
أعلنت الإمارات، الخميس 07 مايو 2026 ، للمرة الأولى تمركز مقاتلات مصرية بأراضيها، وذلك تزامنا مع زيارة أجراها السيسي لأبوظبي التقى خلالها بمحمد بن زايد رئيس دولة الإمارات.
وذكرت وكالة الأنباء الإماراتية “وام” أن السيسي التقى خلال الزيارة محمد بن زايد، وبحثا تطورات الأوضاع الإقليمية وتداعياتها على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، وتبادلا وجهات النظر بشأنها.
وأضافت أن “الرئيسين أجريا زيارة تفقدية إلى مفرزة المقاتلات المصرية المتمركزة في الدولة، للاطلاع على الجاهزية والجهود المبذولة لتعزيز القدرات العملياتية والاستعداد لمختلف التحديات”، دون تقديم تفاصيل أخرى بخصوص تلك المقاتلات ونوعها.
المقصود بـ “مفرزة المقاتلات المصرية ” هو وجود مجموعة أو تشكيل من الطائرات المقاتلة التابعة للقوات الجوية المصرية، مع أطقمها الفنية والعسكرية، داخل دولة الإمارات؛ ما يعني أن السيسي قام بإرسال قوات مصرية إلى دولة الإمارات على إثر الحرب المندلعة. وعادةً ما يتراوح حجم مفرزة المقاتلات، وفق الأعراف العسكرية، بين 4 و8 طائرات مقاتلة، وقد يزيد العدد إلى أكثر من 12 طائرة (سرب) أو ينخفض، بحسب طبيعة المهمة وحجم الانتشار والمهام العملياتية المطلوبة.
الإعلان الإماراتي عن وجود المفرزة المصرية بأراضيها، والذي تضمن صوراً رسمية لتفقد السيسي لها، لم يُقابله أي إشارة مصرية رسمية حتى الآن، سواء في متن بيان المتحدث الرسمي لرئاسة الجمهورية عن زيارة السيسي للإمارات، أو من قِبل المتحدث العسكري للقوات المُسلحة، أو مجلس الوزراء.

الصور التي نشرتها وزارة الدفاع الإماراتية أظهرت أن عدد الطيارين المصريين يبلغ 13 مقاتل، والمقاتلات من نوع “رافال”، داخل قاعدة الظفرة الجوية التي تقع في إمارة أبو ظبي كما قالت تقارير. عدد المقاتلين في الصورة أعلاه قد يفهم منه أن عدد الطائرات يبلغ 6 طائرات من نوع رافال، النسخ الثنائية التي يمتلكها الجيش المصري.
أظهرت الصور التي التقطت داخل حظيرة طائرات عسكرية – ضمن قاعدة الظفر ة العسكرية في أبوظبي 13 طياراً مصرياً يرتدون بدلات قتالية وخوذات طيران نفاث، بالإضافة إلى أربعة ضباط من سلاح الطيران، ثلاثة منهم بالزي المُموه، أحدهم كُتب على زيه عقيد طيار أركان حرب، واسمه ولقبه، وآخر عقيد، والآخران لم تتضح رتبهما العسكرية.

طبقاً لتقرير لموقع مدى مصر، فالإمارات، في سياق الحرب على إيران، عرضت على مصر إرسال قوات برية وبحرية للمشاركة في عملية عسكرية محتملة لجزر قبالة السواحل الإيرانية، وهو الأمر الذي رفضته مصر، تخوفاً من مواجهات قد تقذف بها إلى قلب الحرب.
بعد انتهاء زيارة السيسي إلى دولة الإمارات ذهب إلى سلطنة عمان والتقى بالسلطان هيثم بن طارق. لم يعلن عن تواجد عسكري مصري في سلطنة عمان، على النحو الذي كشفت عنه الإمارات.
حول مهام الطائرات المقاتلة الرافال:
تجدر الإشارة إلى أن المقاتلات الجوية (الرافال) التي أرسلتها مصر إلى دولة الإمارات لا تُستخدم، في إطار المهام الدفاعية، لاعتراض الصواريخ الباليستية أو الفرط صوتية بصورة أساسية، فهذه المهمة تُعد من اختصاص منظومات الدفاع الجوي والدفاع الصاروخي المصممة للتعامل مع الأهداف ذات السرعات العالية والمسارات المعقدة. فالصاروخ الباليستي، على سبيل المثال، يتحرك بسرعات كبيرة وعلى ارتفاعات عالية، بينما تتمتع الصواريخ الفرط صوتية، فضلاً عن سرعتها الفائقة، بقدرات مناورة كبيرة تجعل اعتراضها أكثر تعقيداً، وهو ما يتطلب أنظمة رادارية وصاروخية متخصصة قادرة على الرصد والتتبع والاعتراض خلال ثوانٍ معدودة.
ولهذا تعتمد الدول على منظومات مثل THAAD وPatriot missile systems وArrow 3 للتعامل مع هذا النوع من التهديدات، حيث صُممت تلك الأنظمة للعمل ضمن شبكة دفاع جوي متعددة الطبقات، تبدأ من الرصد المبكر وصولاً إلى الاعتراض في مراحل مختلفة من مسار الصاروخ.

أما المقاتلات الجوية، بما في ذلك المقاتلات رافال، التي تنتجها شركة داسو للطيران Dassault Aviation الفرنسية، والتي أرسلتها مصر بأطقمها من الطيارين إلى دولة الإمارات، تُعد من المقاتلات متعددة المهام، إذ تستطيع تنفيذ مهام التفوق الجوي والاعتراض والهجوم الأرضي والضربات الإستراتيجية والاستهداف البحري. وتحمل الرافال مجموعة متنوعة من الصواريخ والذخائر بحسب طبيعة المهمة، أبرزها صواريخ MICA بنسختيه الحرارية والرادارية للاشتباك الجوي، وصواريخ Meteor بعيدة المدى للتفوق الجوي، إضافة إلى صواريخ كروز SCALP EG المخصصة لضرب الأهداف الإستراتيجية داخل عمق الخصم، وذخائر AASM Hammer الذكية للهجمات الدقيقة، فضلاً عن صواريخ AM39 Exocet المضادة للسفن، ما يجعل الرافال منصة قتالية قادرة على تنفيذ طيف واسع من العمليات الجوية الهجومية والدفاعية.
وبالتالي فإن الوظيفة الرئيسية للمقاتلات الجوية تختلف جذرياً عن وظيفة الدفاعات الصاروخية؛ فالمقاتلات تُستخدم في العادة لتنفيذ العمليات الجوية الهجومية، وفرض السيادة الجوية، وتدمير الأهداف الإستراتيجية، وقمع الدفاعات الجوية المعادية. إضافة إلى ذلك، يمكن أن تقوم بتنفيذ مهام الاعتراض الجوي ضد الطائرات المعادية والطائرات المسيّرة وصواريخ الكروز. لهذا فإن وجود مفرزة مقاتلات من هذا النوع يُشير إلى استعداد لتنفيذ عمليات هجومية أو مهام ردع وسيطرة جوية، فهي في هكذا مسرح عمليات لن يكون لها بالتأكيد مهام دفاعية تتعلق باعتراض الصواريخ الباليستية أو الفرط الصوتية، لأن هذا النوع من التهديدات تتعامل معه عادةً منظومات الدفاع الجوي المتخصصة،
وفي ضوء ذلك، فإن أي حديث عن نشر مقاتلات جوية في منطقة تشهد تهديداً بالصواريخ الباليستية أو الفرط صوتية يجب أن يُقرأ ضمن سياق أوسع يتعلق بطبيعة المهام العملياتية المحتملة. فالمقاتلات قد تُستخدم لتأمين المجال الجوي، أو توجيه ضربات استباقية، أو حماية الأصول الإستراتيجية، أو دعم عمليات مشتركة، لكنها ليست الوسيلة الأساسية للتعامل المباشر دفاعياً مع الصواريخ الباليستية.
كما أن التطور الحديث في الحروب الجوية يقوم على التكامل بين سلاح الجو ومنظومات الدفاع الجوي، بحيث تعمل المقاتلات والرادارات والأنظمة الصاروخية ضمن شبكة واحدة لتبادل البيانات والإنذار المبكر. ومع ذلك، يبقى لكل منظومة دورها المحدد؛ فالدفاعات الجوية تتولى اعتراض التهديدات الصاروخية، بينما تتولى المقاتلات إدارة المعركة الجوية وتنفيذ العمليات الهجومية والتكتيكية داخل عمق الخصم، فضلاً عن اعتراض المسيرات والصواريخ الكروز.
كيف تدافع المقاتلة الرافال ضد المسيرات:
المقاتلة Rafale تتعامل مع الطائرات المسيّرة ضمن مفهوم “الاعتراض الجوي” و ”الدفاع الجوي الشبكي”، أي أنها لا تعمل منفردة غالباً، بل ضمن شبكة رادارات وإنذار مبكر ودفاع جوي. تختلف طريقة تعاملها مع المسيّرات بحسب نوع المسيّرة وارتفاعها وسرعتها وطبيعة الهجوم. فعند رصد المسيّرات عبر الرادارات الأرضية أو طائرات الإنذار المبكر، يتم توجيه الرافال إلى منطقة التهديد عبر وصلة البيانات التكتيكية. وتستخدم الرافال رادار RBE2 AESA القادر على تتبع أهداف صغيرة نسبياً، خاصة المسيّرات الكبيرة أو المتوسطة الارتفاع. كما تستفيد من منظومة الحرب الإلكترونية SPECTRA لتحليل الإشارات الإلكترونية وتحديد طبيعة الهدف والتهديدات المحيطة. وعسكرياً، توجد عدة طرق لاعتراض المسيّرات بواسطة الرافال:
1-الاعتراض بصواريخ جو–جو: وهو السيناريو الأكثر شيوعاً ضد المسيّرات الكبيرة أو بعيدة المدى. وتستخدم الرافال صواريخ MICA الحرارية أو الرادارية لضرب المسيّرات من مسافات مختلفة. أما إذا كانت المسيّرة على مسافة بعيدة وذات قيمة عملياتية كبيرة، فقد يُستخدم صاروخ Meteor بعيد المدى.
2-الاشتباك بالمدفع الداخلي: تمتلك الرافال مدفعاً داخلياً من نوع GIAT 30 عيار 30 ملم، ويمكن استخدامه ضد المسيّرات عند الاقتراب منها، خاصة إذا كانت بطيئة أو منخفضة السرعة. وهذه الطريقة أقل تكلفة من إطلاق الصواريخ، لكنها تتطلب اقتراباً أكبر ومهارة عالية من الطيار.
3-العمل ضمن “مظلة اعتراض”: في بعض السيناريوهات، لا يكون دور الرافال إسقاط كل المسيّرات بنفسها، بل اعتراض المسيّرات التي تتجاوز طبقات الدفاع الجوي الأرضي أو حماية مناطق محددة مثل القواعد الجوية والمنشآت الحيوية. أي أنها تعمل كطبقة دفاع إضافية ضمن شبكة متكاملة.
4-اعتراض المسيّرات الهجومية بعيدة المدى: إذا كانت المسيّرات من النوع الانتحاري بعيد المدى، مثل بعض المسيّرات الإيرانية أو الاستراتيجية، فقد تُكلَّف الرافال بالخروج في دوريات قتالية جوية لاعتراضها قبل وصولها إلى أهدافها، خصوصاً فوق البحر أو المناطق المفتوحة.
لكن توجد مشكلة عملياتية مهمة، وهي أن المسيّرات الصغيرة جداً والمنخفضة الارتفاع قد تكون صعبة الاكتشاف حتى للمقاتلات الحديثة، خاصة إذا كانت تُستخدم بأعداد كبيرة ضمن “هجوم إغراقي”. ولهذا تعتمد الجيوش الحديثة على الدمج بين:
المقاتلات، والرادارات الأرضية، ومنظومات الدفاع الجوي القصير، والحرب الإلكترونية، وأنظمة التشويش، وأنظمة الليزر والمدافع السريعة.
تجدر الإشارة إلى أن مصر كانت قد أبرمت خلال العقد الماضي صفقتين مع فرنسا، الأولى في العام 2015، حصلت بموجبها على 24 طائرة «رافال»، تلتها باتفاق آخر، منذ خمس سنوات، لشراء 30 طائرة إضافية، لم يكتمل تسليمها حتى الآن، ليرتفع عدد الطائرات الرافال بحوزة مصر بعد انتهاء التسليم إلى 54 طائرة.
الجدير بالذكر أيضاً أن دولة الإمارات لديها اعتماد كبير على الطائرات الفرنسية، بالأخص طرازيّ «رافال» و«ميراج»، وعقدت هي الأخرى صفقة في عام 2021، كانت الأكبر، تضمنت شراء 80 طائرة طراز رافال. كما تمتلك فرنسا القاعدة العسكرية الدائمة الوحيدة بدولة عربية في الإمارات العربية في إمارة أبو ظبي، افتتحت عام 2009 في عهد الرئيس الفرنسي الأسبق، نيكولا ساركوزي.
الية اتخاذ قرار تحرك قوات مصرية إلى الخارج:
تنص المادة152من الدستور المصري على التالي:
“رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ولا يعلن الحرب، ولا يرسل القوات المسلحة في مهمة قتالية إلى خارج حدود الدولة، إلا بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني، وموافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي الأعضاء.
كما تنص المادة على “أنه إذا كان مجلس النواب غير قائم، فيجب أخذ رأي المجلس الأعلى للقوات المسلحة وموافقة كلٍّ من مجلس الوزراء ومجلس الدفاع الوطني”.
وبذلك فإن أي قرار يتخذ بإرسال قوات مصرية في مهام قتالية في الخارج دون مراعاة تلك الإجراءات يُعدّ مخالفةً مباشرةً للدستور المصري من قِبل المسؤول عن إدارة الدولة.
وبالشكل الذي جرى، لا يوجد أي شيء معلن عن اتخاذ تلك الخطوات التي سبقت خطوة إرسال قوات مصرية إلى دولة الإمارات وإلى دول أخرى، بمخالفة صريحة للدستور المصري.
أن أي انتقالٍ لقوات خارج حدود الدولة وتمركزها في دول خارجية، بخلاف القوات المتجهة لعقد تدريبات عسكرية، خاصة في زمن الحرب، يندرج تحت الخروج لمهام قتالية، أياً كانت تلك المهام دفاعية أو هجومية، ويجب أخذ موافقة الجهات المنوط بها ذلك، والتي ينص عليها الدستور. وما يتم خلاف ذلك يُعدّ مخالفةً تامةً للدستور.
وطبقاً لموقع مدى مصر، بعد الرجوع لمصادر برلمانية، فإنه لم تُعقد أي جلسة للموافقة على إرسال قوات عسكرية للخارج. كما أوضح الخبير الدستوري، عصام الإسلامبولي، لـ «مدى مصر» أنه وفقاً لهذه المادة لا يجوز إرسال قوات إلى الخارج، مهما بلغت محدودية التشكيل العسكري لهذه القوات، مُشدداً على أن نص المادة صريح ولم يضع أي استثناء لتجاوز موافقة البرلمان طالما كان قائماً. ويؤكد الإسلامبولي ضرورة أن تسبق الموافقة البرلمانية إرسال القوات للخارج وليس بعدها، حتى إن كانت الجلسة سرية. ويُضيف الإسلامبولي أن وجود قوات ضمن مناورات تدريبية مشتركة دون الانخراط في أعمال قتالية هو المسألة التي لا تتطلب موافقة برلمانية أو عرضاً على مجلس الدفاع الوطني. الإسلامبولي يؤكد أنه في حال كان الغرض إرسال قوات لأي عمليات عسكرية، حتى إن كان مع دول تجمعنا بها اتفاقيات دفاع مُشترك مُصدّق عليها من البرلمان، فإن النص الدستوري يعلو على الاتفاقيات، وتظل موافقة البرلمان ضرورة دستورية.
في العقائد العسكرية والدستورية للدول، يُعدّ انتقال القوات المسلحة خارج حدود الدولة وتمركزها في أراضٍ أجنبية من القرارات شديدة الحساسية، لما يترتب عليه من أبعاد سياسية وعسكرية وأمنية تتعلق بالأمن القومي والسيادة وطبيعة الانخراط في الصراعات الإقليمية، ولما يمكن أن يترتب عليه من تداعيات كثيرة تتعلق باعتبارات معقدة. ولهذا السبب، تضع الدساتير والقوانين المنظمة لعمل القوات المسلحة ضوابط واضحة تحكم مثل هذه التحركات، خاصة إذا تجاوزت إطار التدريبات المشتركة أو البعثات المعروفة مسبقاً.
فأي انتشار لقوات عسكرية خارج الحدود، بخلاف القوات المتجهة للمشاركة في تدريبات عسكرية معلنة، يُنظر إليه باعتباره دخولاً في مهام ذات طابع قتالي، سواء كانت تلك المهام دفاعية أو هجومية أو حتى مرتبطة بالدعم العسكري والردع. فمجرد التمركز في مسرح عمليات إقليمي متوتر يضع القوات ضمن حسابات الصراع والتصعيد المحتمل، ويحوّل وجودها إلى عنصر ذي تأثير عسكري وسياسي مباشر.
من هنا تأتي أهمية الالتزام بالإجراءات الدستورية المنظمة لهذا النوع من القرارات، باعتبار أن إرسال القوات المسلحة إلى الخارج لا يتعلق فقط بالجانب العسكري، بل يرتبط أيضاً بالإرادة السياسية والشرعية الدستورية والرقابة المؤسسية. فالدساتير الحديثة عادةً ما تشترط موافقة الجهات المختصة على مثل هذه التحركات، لضمان عدم انفراد السلطة التنفيذية بقرارات قد تُدخل الدولة في مسارات تصعيد أو صراعات خارجية ذات كلفة إستراتيجية كبيرة.
وفي هذا السياق، فإن الالتزام بالنصوص الدستورية لا يُعد إجراءً شكلياً، بل يمثل أحد عناصر حماية الدولة ومؤسساتها، ويحافظ على التوازن بين متطلبات الأمن القومي والضوابط القانونية المنظمة لاستخدام القوة العسكرية خارج الحدود.
التجاوز الدستوري الذي قام به رئيس الدولة أحدث حالة من الرفض في قطاعات مصرية واسعة، ما دعا بعض القانونيين المحسوبين على النظام المصري مثل المحامي خالد أبو بكر ، إلى دعوة البرلمان لمنح السيسي تفويضاً، لاتخاذ ما يراه من إجراءات معلنه وغير معلنه لحماية الأمن القومي العربي.
في الدول ذات الطابع الاستبدادي القهري والحكم الفردي، التي يتحكم فيها الفرد باتخاذ القرارات الجوهرية، لا يُلقى بالاً للدستور أو القانون، يتم اتخاذ قرارات حساسة بهذا الشكل دون احترامٍ حقيقي للنصوص الدستورية أو الضوابط القانونية، وهو ما قد يفتح الباب أمام سياسات ومغامرات خارجية تُدار وفق حسابات السلطة لا وفق اعتبارات الدولة ومؤسساتها.
في الكثير من الأوساطٍ مصرية، أحدث القرار حالةً من الصدمة والرفض، لكن السيسي، الذي يتحكم بالقوة والأمن، قد اعتاد ألا يُلقي بالاً للغضب الشعبي المصري في كثير من الأمور والقرارات الاستراتيجية؛ على سبيل المثال لا الحصر، ما تم من التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، وعدم التعامل الأمثل مع حرب الإبادة على قطاع غزة، والتقاعس في التعامل الجاد مع ملف سد النهضة.
ويحق للشعب المصري التساؤل، عن أنه بالرغم من أهمية الحفاظ على حقوق مصر في مياه النيل، وبالرغم من تعنت الجانب الإثيوبي في اتخاذ إجراءات أحادية لا تراعي هذه الحقوق، فلماذا لم يسلك النظام المصري الخيار العسكري لضمان حقوق مصر المائية والحفاظ على الأمن القومي المصري، سواء اتخذ الإجراءات الدستورية للمضي قدماً في هذا الخيار أم لم يتخذها؟
هل الانتشار المصري يقتصر على الإمارات وعلى الرافال؟
المحامي خالد أبو بكر المعروف بقربه من النظام المصري وأجهزته الأمنية، كتب عبر حسابه على منصة إكس بعد الإعلان الإماراتي عن تواجد مفرزة القوات الجوية في دولة الإمارات: “وفي غيرهم تاني عند أشقائنا لم يعلن عنهم” أي أن هناك تواجد مماثل لقوات جوية مصرية في دول أخرى”.
وكتب المحامي خالد أبو بكر أيضاً عبر حسابه على منصة إكس يوم الجمعة 08 مايو 2026: “الزيارة القادمة للأرض المباركة التي تذهب إليها قلوب المصريين والمسلمين والعرب وستجدون مصر حاضرة هناك”، في إشارة واضحة للمملكة العربية السعودية وتواجد عسكري مصري فيها.
ونقل موقع الجزيرة عن مصدر سمته بسياسي مصري مقرب من دوائر صنع القرار لم تذكر اسمه ولا وصفته، بأن الإمارات ليست الدولة الخليجية الوحيدة التي توجد بها قوات ومعدات مصرية في تخصصات تخدم أمنها في الفترة الراهنة، مؤكداً أن “هناك 4 دول خليجية توجد بها قوات مصرية في الوقت الراهن ضمن سياسة القاهرة الراسخة لدعم الخليج”. وقال المصدر نفسه للجزيرة أن تلك القوات موجودة منذ الأسبوع الأول للحرب، وإن القاهرة هي التي بادرت بعرض دعمها لدول الخليج دون انتظار أن يُطلب منها شيء. وأوضح أن مصر كانت تلتزم الصمت بدل الإعلان عن تلك الخطوة نظرا لاعتبارات وتوازنات إقليمية، وكذلك في ظل قيامها بدور دبلوماسي موازٍ، ولعب أدوار الوساطة عبر نقل الرسائل بين الأطراف المختلفة في محاولة لخفض التصعيد والتوصل إلى حل ينهي الحرب، على ضوء ما تتمتع به من علاقات طيبة وثقة من كافة الأطراف.
الموقع الفرنسي الاستخباراتي أفريقيا إنتليجنس، كشف في تقرير حديث له بعنوان (الدعم العسكري المغربي-المصري لدول الخليج في مواجهة الهجمات الإيرانية) أن مصر والمغرب قد نشرت قوات ومعدات لها في دول الخليج أثناء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وذكر الموقع أن مصر، طوّرت تعاوناً عسكرياً مع السعودية والكويت، إضافة إلى الإمارات. وتم نقل أنظمة دفاع جوي مصرية متطورة إلى الدول الخليجية الثلاث بأوامر مباشرة من السيسي.
وتعتمد هذه الأنظمة التي صُممت أساساً في الولايات المتحدة على وحدات حارس السماء أمون (Skyguard Amoun) التي حصلت عليها مصر في ثمانينيات القرن الماضي، لكنها خضعت لعمليات تحديث كبيرة عززت قدرتها على اعتراض الصواريخ الإيرانية، حيث باتت قادرة على إطلاق ستة صواريخ في وقت واحد.
ويستخدم النظام صواريخ AIM-7M المصنعة من قبل شركة رايثيون الأمريكية، كما يتضمن حاضنة إلكترونية جديدة لمواجهة الصواريخ الجوالة، حيث تم استبدال المستقبِل التناظري القديم بنظام معالجة رقمي يسمح بتتبع الأهداف حتى في ظل التشويش والتداخل الإلكتروني. كما يضم النظام مدفعاً من طراز أورليكون من تصنيع شركة راينمننتال الألمانية، مزوداً بتوجيه راداري وقادراً على استخدام ذخيرة AHEAD (الاعتراض والتدمير عالي الكفاءة)، خاصة قذائف عيار 35 ملم.
من المهم في هذا السياق، الإشارة إلى المعلومات التي نشرتها فاينانشال تايمز ، عن أن إسرائيل سارعت إلى تزويد الإمارات بنظام مراقبة يُعرف باسم “سبكترو”، ساعد في رصد الطائرات المسيّرة القادمة، ولا سيما طائرات “شاهد”، من مسافة تصل إلى 20 كيلومتراً. وكشفت تقارير صحفية متطابقة أن إسرائيل قدمت نظاماً دفاعياً متطوراً إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، بما في ذلك نظام ليزري متقدم، للمساعدة في حماية الدولة الخليجية من هجمات مكثفة بالصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية.
وقد نقلت مجلة فاينانشال تايمز أن إسرائيل سارعت إلى إرسال نظام مراقبة خفيف يُعرف باسم “سبكترا”، ساعد الإمارات في رصد الطائرات المسيّرة القادمة، خصوصاً طائرات “شاهد”، من مسافة تصل إلى 20 كيلومتراً. كما أرسلت نسخة من نظام الدفاع الليزري Iron Beam، وفقاً لمصدر مطلع على عملية النشر وآخر لديه معرفة بالتحضيرات لتشغيل النظام. وبحسب فاينانشال تايمز، شملت المساعدات نظام الدفاع الجوي القبة الحديدية، إلى جانب عشرات من العسكريين الإسرائيليين لتشغيل الأنظمة، وفق المصادر ذاتها، والتي أشارت أيضاً إلى نشر أنظمة إضافية وأعداد أكبر من القوات الإسرائيلية، دون تحديد دقيق، مع القول إن “الأمر لا يتعلق بعدد صغير من الجنود على الأرض”.
كما ذكرنا سابقاً، فإن التطور الحديث في الحروب الجوية يقوم على التكامل بين سلاح الجو ومنظومات الدفاع الجوي، بحيث تعمل المقاتلات والرادارات والأنظمة الصاروخية ضمن شبكة واحدة لتبادل البيانات والإنذار المبكر.
وعليه، فإن نشر منظومات دفاع جوي إسرائيلية في مسرح عمليات تنتشر فيه مقاتلات جوية مصرية يعني أن هناك تكامل عملياتي بين المقاتلات المصرية والمعدات الإسرائيلية، وهو ما يعد تحولاً كبيراً في طبيعة العقيدة العسكرية المصرية، من موقع الصراع التاريخي مع إسرائيل، التي خاضت مصر معها حروباً متكررة، إلى حالة من التنسيق والعمل ضمن مسرح عمليات واحد، لمواجهة عدو واحد.
الرد الإيراني
بعد الكشف الإماراتي عن التواجد العسكري المصري في الإمارات، عملت القنوات التلفزيونية المصرية الخاصة، وكذلك بعض النشطاء المرتبطين بالنظام، على ترويج سردية ما يُقال داخل أروقة النظام المصري لتبسيط الأمور، ومفادها أن إرسال مفرزة طائرات الرافال إلى الإمارات يأتي في إطار استراتيجية التواجد المصري في دول الخليج، بما يحقق مصلحة لدول الخليج ومصلحة لمصر، لأنه يأتي كبديل للتواجد الإسرائيلي والأمريكي، وأن هذا في مصلحة إيران أيضاً، وأن إيران مرحبة بذلك!
وقد قامت تلك القنوات والمواقع (أنظر)، وكذلك بعض النشطاء (أنظر، وأنظر على سبيل المثال)، بترويج ما قاله القائم بالأعمال الإيراني في مصر، مجتبى فردوسي بور، في غير السياق الذي قيلت فيه، كدليل على صحة هذه السردية.
وجاءت تصريحات السفير الإيراني في القاهرة، مجتبى مسعودي، لقناة BBC على النحو التالي:
“المذيعة: ما هو رأيك في الدعم المصري لدول الخليج ضد بلادك؟ السفير: مصر حرة في قراراتها، وهي تفعل ما تراه في مصلحة شعبها، وهي كقوة إقليمية في الشرق الأوسط لها الحق في اتخاذ ما تراه مناسباً، ولكن الشيء المهم بالنسبة لنا هو أنها لا تنخرط في أي عمل يساعد الكيان الصهيوني في حربه ضدنا.”
والفخ الذي وقع فيه، سواءً سهواً أو عمداً، من روج لسردية النظام المشار إليها، أن لقاء مجتبى فردوسي مع الـ BBC كان قبل الكشف الإماراتي عن تواجد المقاتلات المصرية، حيث أذيع هذا اللقاء يوم 01 مايو 2026.

وتعليقاً على ذلك، وعلى الخبر الذي نشره موقع صدى البلد بخصوص أن لقاء فردوسي حديث، وتم بعد نشر خبر انتشار القوات المصرية في الإمارات كتب الصحفي أيمن الصياد عبر حسابه على منصة إكس: “ حلقة BBC تلك، التي يشير إليها الخبر ــ أذيعت 1 مايو (قبل عشرة أيام كاملة) ولا علاقة لما ورد فيها من قريب أو بعيد بخبر «مفرزة المقاتلات المصرية في الإمارات». ما قاله الرجل، كدبلوماسي – هو من «نافلة القول»، وكل مؤداه أن «مصر، كدولة مستقلة ذات سيادة لها أن تتخذ من القرارات ما تشاء» لا أكثر، ولا أقل. “أكرر: «لا أكثر ولا أقل”.
على الجانب الأخر، فإن الرد الفعلي الإيراني، الذي جاء بعد الكشف الإماراتي عن تواجد المقاتلات المصرية في الإمارات، فهو ما قاله وعلّق به المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي على نشر مصر مقاتلات في الإمارات، حيث قال: “علاقتنا مع مصر تقوم على الاحترام المتبادل، وأي تدخل من شأنه الإضرار بأمن المنطقة مرفوض من وجهة نظرنا بغضّ النظر عن الجهة التي تقف وراءه”، مضيفاً أن “الأمن القائم على وجود قوات أجنبية في المنطقة لن يؤدي إلا إلى زيادة انعدام الأمن وتفاقمه”.
واللافت في تصريح بقائي، فضلاً عن الرفض الصريح لتواجد القوات، هو وصف القوات المصرية “بالقوات الأجنبية”، كما تصف إيران القوات والقواعد الأمريكية في دول الخليج، مما يشير إلى أن إيران، في أي تصعيد مقبل، ستتعامل مع القوات المصرية باعتبارها قوات أجنبية متواجدة في دول الخليج يحق لها استهدافها، وهو أمر بالغ الخطورة، وقد يتعداه إلى تهديد مصالح مصرية أخرى إذا اتسع وطال أمد الحرب.
ماذا وراء قرار إرسال المفرزة؟
جاء قرار السيسي بنشر مقاتلات جوية مصرية في الإمارات، بناءً على ما نقله البعض، جاء بعد توقف العمليات وبدء الهدنة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية. تشير المعلومات المتوافرة، طبقاً لما تنقله مصادر، أن القرار جاء بعد تقدير موقف رُفع إلى السيسي من الأجهزة الأمنية، مفاده أن استئناف الحرب مجدداً أمر مستبعد في الوقت القريب، وأن انتشار القوات المصرية لن تترتب عليه خسائر بشرية أو استهدافات مباشرة.
طبقاً لهذا التقدير، فإن المناوشات بين إيران والإمارات ستكون قيد الاحتواء لا التصعيد خلال المرحلة المقبلة، وأن الموقف العملياتي المصري سيكون دفاعياً للقوات المصرية بجانب القوات الإماراتية، التي ستصدّ من حين إلى آخر بعض العمليات الجوية الإيرانية على بعض النقاط داخل دولة الإمارات، وأن الحرب لن تصل إلى ما هو أبعد من ذلك، ولذلك قرر السيسي إرسال القوات بعد تهدئة الأوضاع.
قد يكون ذلك هو ما حدث بالفعل، ولكننا نرى أن التحليلات التي تُبنى عليها فرضية أن الحرب لن تُستأنف مجدداً غير دقيقة، فالمرحلة الحالية، كما نرى، هي أقرب إلى التصعيد الشامل الوشيك، في ظل بقاء الفجوة بين الموقفين الإيراني والأمريكي شديدة الاتساع بما لا يسمح بالتوصل لاتفاق بين الطرفين لإنهاء الحرب، كما قال الرئيس ترامب نفسه مؤخراً أن اتفاق وقف إطلاق النار في غرفة الإنعاش. يأتي هذا أيضاً في ظل استمرار الانتشار العسكري الأمريكي المكثف في المنطقة، والرغبة الإسرائيلية التي تدفع باستعادة الأعمال العسكرية، فضلاً عن اتباع إيران لاستراتيجية الرد المباشر على أي انتهاك أو تصعيد، مما يشير إلى أن المنطقة في مرحلة ترقب دائم، وأن اندلاع الحرب بشكل أكبر وارد جداً في أي وقت، في ظل الأوضاع القائمة “على حافة الهاوية”.
قد تكون التقديرات التي قُدمت من الأجهزة المصرية قبل نشر القوات المصرية استندت إلى تسريبات أو معلومات مضللة سُربت له لتتوهم مصر بأن الخطر ضعيف، ما يدفعها للمضي قدماً في نشر قوات في دول الخليج، ليتم استدراج مصر إلى الحرب الجارية الآن، بعد أن كان الموقف المصري الواضح هو عدم الاشتراك فيها عسكرياً، والإبقاء فقط على الجهود السياسية والدبلوماسية، دون أن تنخرط في صراع ستكون له تداعيات على المنطقة ككل.
على الجانب الأخر، فقد رشحت معلومات متداولة مفادها أنه بعد الكشف عن التواجد العسكري المصري داخل الإمارات وبعض الدول الأخرى، سارعت قيادات القوات المسلحة المصرية إلى تبرير الأمر داخل قطاعات الجيش المصري للضباط والجنود، طبقاً لما جرت به العادة عند حدوث بلبلة في الرأي العام والشارع المصري. جاء التوجيه المعنوي العسكري متضمناً أن نشر القوات المصرية في الإمارات ودول خليجية أخرى جاء بعد تقدير موقف متأنٍّ لتطورات الأوضاع في المنطقة الخليجية، وأن الانتشار جاء في دول قدمت وساعدت مصر في مراحل مختلفة لكي تتجاوز أزماتها الاقتصادية، وأن الانتشار يتم في دول تكنّ لها مصر كل الاحترام لما قدمته لها في مراحل مختلفة.
وتضمن التوجيه أن الانتشار المصري يأتي كدعم دفاعي للدول التي انتشرت فيها القوات والمعدات ضد المسيرات والهجمات الصاروخية والجوية الإيرانية، وليس في إطار عمليات هجومية. (بشكل عام فإن التوجيه وتوضيح الأمور للضباط والجنود يُعدّ عاملاً مهماً بالنسبة للقيادة السياسية في الملفات التي تحدث حالة بلبلة في الرأي العام، حتى وإن لم يتم تبرير الأمر لباقي الشعب).
إلا أننا، وكما أوضحنا في هذا التقدير، فإن المقاتلات الجوية كالرافال قد تُستخدم بالفعل في صدّ المسيّرات أو تشتبك مع الطائرات المعادية المهاجمة، ولكن ماذا سيكون الموقف المصري والطائرات المصرية في حالة شنّ الإمارات عمليات هجومية جوية على إيران؟ وكيف سيكون التنسيق الدفاعي والهجومي مع النظم الإماراتية والإسرائيلية؟ وكيف سيكون رد فعل إيران مع القوات والمعدات المصرية المنتشرة في قاعدة الظفرة الجوية، والتي وصفتها إيران بأنها قوات أجنبية، كحال القوات والقواعد الأمريكية المتواجدة في دولة الإمارات ودول الخليج بشكل عام؟
هناك قيادات عسكرية، حتى وإن كانت مستبعدة من دوائر صنع القرار، كانت ما ترى دائماً أن القرار الاستراتيجي هو عدم استنزاف الجيش المصري في الحرب الدائرة الآن، وأن القرار الاستراتيجي السليم يتمثل في عدم إشراك أو إرسال الجيش المصري إلى منطقة الخليج، وهذا ما قاله بالنص اللواء أحمد وصفي قائد الجيش الثاني الميداني الأسبق في أحد المقابلات الحديثة.
أما عن سبب إرسال المفرزة بالأساس فقد يكون أن السيسي وأجهزته السيادية رأوا أن الغضب الإماراتي، الذي عبّر عنه مسؤولون إماراتيون مؤخراً، قد وصل إلى درجة حرجة، وأن أبوظبي توجه رسالة مباشرة إلى القاهرة بأن الأوضاع بعد “حرب الخليج الثالثة”، كما توصف، ستكون مختلفة عما قبلها، وأن الدعم الإماراتي غير المشروط من أبوظبي للقاهرة لن يستمر بسبب الموقف المصري، الذي لم يقدم دعماً عسكرياً لأبوظبي خلال الحرب كردٍّ للجميل. ولذلك، قام السيسي، بعد استشعار التهديد الحقيقي الذي قد يترتب عليه وقف الدعم الإماراتي غير المحدود لنظامه، بإرسال مفرزة من القوات الجوية المصرية إلى أبوظبي مباشرة بعد الهدنة، لضمان استمرارية الدعم الإماراتي للقاهرة، أو بالأصح لنظام السيسي، وإصلاح الأجواء المتوترة بين الطرفين.
المستشار السياسي لمحمد بن زايد عبد الخالق عبد الله كان قد طالب بنشر طائرات ومقاتلات مصرية أثناء الحرب، (بالشكل الذي تم الكشف عنه بالفعل)، حيث كتب عبر حسابه على أكس في 05 أبريل 2026 : “ كخليجي كنت اتمنى لو ارسلت مصر سرب طائرات F16 أو رافال للتضامن مع دول الخليج العربي التي تتعرض لعدوان إيراني. لقد اكدت دولنا انها تستطيع الدفاع عن نفسها لكن مثل هذا الموقف التضامني من الأشقاء في مصر كان مطلوبا ليجسد مقولة “مسافة السكة” وان “امن الخليج هو من امن مصر” ليس مجرد شعار”.
وكذلك دعا ضاحي خلفان بأن تصطف الإمارات مع إسرائيل وتعيد تقييم علاقتها بمن قدمت لهم يد العون، حيث كتب:” يا أهل الخليج العربي… وثقوا التعاون مع إسرائيل.. نصيحة.. لا خير في دول المنطقة البته”.
بصرف النظر عن سبب إرسال المفرزة، فإنه من اللافت أن الكشف عنها جاء بإعلان واضح من الإمارات، ولم يأت من مصر. من وجهة نظرنا، فإن هذا لواحد أو أكثر من ثلاثة أسباب:
الأول: أن الإمارات أرادت أن تقول بوضوح إن استثمارها في نظام السيسي على مدار سنوات جاء بنتيجة، وأن الإمارات تلقت مساعدات عسكرية بقوات مصرية في الحرب الدائرة، وذلك تجنبنا للحرج الذي قد تقع فيه عندما يبدو كل هذا الدعم دون عائد أو فائدة تذكر تعود على دولة الإمارات.
الثاني: إحراج السيسي نفسه، الذي تأخر في تلبية الطلبات الإماراتية، واضطر لذلك مؤخراً، ولم يعلن عنه بشكل واضح، فقامت الإمارات بترتيب الزيارة والإعلان عن تواجد المفرزة بشكل احتفالي واضح بالصورة التي تمت، تمهيداً للمزيد من الطلبات العسكرية إذا استمرت الحرب وتصاعدت وتيرتها.
الثالث: إرسال رسالة للاعبين الإقليميين المختلفين، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية، بأن السيسي ضمن الحلف الذي تشكله الإمارات، والذي يشمل إسرائيل، وأنه اختار أن يكون في صف الإمارات، وليس المملكة التي تمر علاقتها بالإمارات في الوقت الحالي بمرحلة حرجة. فهل هذا هو الموقف الحقيقي للسيسي بالفعل؟
إلا أنه إذا قام السيسي بزيارة مماثلة للمملكة العربية السعودية، كما زعم المحامي خالد أبو بكر، وتم الإعلان عن تواجد مقاتلات مصرية في السعودية، فذلك السيسي يحاول أن يمسك العصا من المنتصف، فهو لا يريد أن يفقد أيّاً من الدعم الخليجي، سواء الإماراتي أو السعودي. لكن هل يستطيع أن يحافظ على هذا التوازن مع الوقت، في ظل الخلافات السعودية الإماراتية، وفي ظل التحالفات المتضادة لكلٍ من الطرفين؟
الخلاصة
إن مشاركة قوات الجيش المصري من خلال مفرزة الطائرات في الإمارات (وهو ما تم الكشف عنه فقط حتى الآن) في مهمة خارج البلاد، جاءت بقرار مباشر من رئيس الجمهورية دون اتخاذ الإجراءات الدستورية اللازمة، وذلك استجابة لطلب أحد الدول الرئيسية التي دعمت نظامه منذ يوليو 2013. على هذا الأساس، فإن إرسال مفرزة قوات جوية إلى الإمارات، ومعدات إلى دول خليجية أخرى، قد تلحقه خطوات مماثلة، بما قد يؤدي إلى انخراط الجيش المصري بشكل أوسع في الحرب التي ما زالت مرشحة للتصعيد مجدداً، وليس كما أفادت تقارير استخبارية مصرية أن احتمالات التصعيد العسكري في المستقبل قليلة، خاصة وأن ذلك يأتي من خلال تحالف يشمل إسرائيل، ويستوجب العمل العسكري معها طبقاً لمقتضيات العمليات العسكرية.
وعليه، قد تعتبر إيران أن مصر أصبحت طرفاً مشاركاً في تلك الحرب، مما ستكون له تبعات على القوات ومفرزات الجيش المصري في الخليج، وقد يصل الأمر إلى ما هو أبعد من ذلك. على سبيل المثال، قد تطلب الإمارات، في حالة اندلاع الحرب مجدداً، أن تقوم القوات المصرية بالمشاركة في مهام هجومية وليس فقط بأدوار دفاعية، وبالفعل فقد قامت الإمارات بعد إعلان الهدنة بعمل هجومي ضد إيران كما أورد تقرير صحيفة وول ستريت جورنال حول تنفيذ الإمارات هجمات جوية استهدفت مصفاة جزيرة لاوان النفطية بإيران مطلع الشهر الماضي. قد تتطور العمليات العسكرية أيضاً إلى صراعات برية، ما قد يدفع الإمارات لطلب دعم عسكري من قوات برية مصرية، وهو ما لن تستطيع مصر رفضه بعد أن ثبت تورطها في الحرب بالفعل.
الرد الإيراني جاء حازماً، ويُفهم منه أن إيران، بوصفها لمفرزة الجيش المصري بأنها قوات أجنبية، تعني أنها ستطبق عليها ما تطبقه على القوات الأجنبية في المنطقة في حالات الحروب، والتي تستهدفها ضمن عملياتها العسكرية.إن مشاركة مصر بقوات عسكرية تعني إشراك مصر في حرب ليس لها أي مصلحة فيها، بل على العكس ستنعكس على الأمن القومي المصري بخطرٍ جمّ، فإسرائيل وأمريكا تعملان على إدخال المنطقة في فوضى شاملة في الخليج بجانبيه، ليستنزف الجميع، ما يسمح بدخول المنطقة في مرحلة جديدة بعنوان “الشرق الأوسط الجديد”، تكون فيه السيادة والقوة لمصلحة إسرائيل. إعلان مصر التورط عسكرياً في ذلك الصراع يعني أنها دخلت في الحرب، مما سيدخلها في دائرة الفوضى المستهدفة التي تمهد لها أمريكا وإسرائيل. كان على مصر عدم الانخراط عسكرياً في تلك الحرب بأي شكل من الأشكال والاكتفاء فقط بدعم المساعي الدبلوماسية لتجنب استمرار القتال كما أعلنت في بداية الحرب. هذا الصراع سيدفع إلى استنزاف الجيش المصري الذي يقع ضمن دائرة ملتهبة من تهديدات الأمن القومي على كافة محاوره الاستراتيجية شرقاً وغرباً وجنوباً .
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




