تقديرات

إيران تعيد هندسة هرم القيادة.. الحرس الثوري يقترب من مركز القرار العسكري والسياسي


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


تتجه إيران إلى إعادة بناء منظومة القيادة العسكرية والأمنية على أسس مختلفة عن تلك التي حكمت العلاقة بين المؤسسات طوال العقد الماضي، في تحول لا يقتصر على تعويض القادة الذين فقدتهم خلال الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بل يبدو أقرب إلى إعادة توزيع للسلطة داخل الجمهورية الإسلامية نفسها. فقد أصدر المرشد الأعلى مجتبى خامنئي ستة مراسيم عسكرية دفعة واحدة، بالتوازي مع تغييرات في المجلس الأعلى للأمن القومي، أعادت شخصيات مخضرمة من الحرس الثوري إلى أهم مراكز التخطيط والقيادة والأمن الداخلي.

والعنصر الأكثر دلالة في التغييرات ليس أسماء القادة وحدها، وإنما تكليف رئيس هيئة الأركان الجديد علي عبد اللهي باستكمال دمج هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة مع مقر خاتم الأنبياء المركزي، وهو أعلى مركز لقيادة العمليات المشتركة أثناء الحرب. وإذا اكتمل الدمج، فإن إيران ستكون قد قلصت المسافة المؤسسية بين الجهة التي تضع الاستراتيجية العسكرية والجهة التي تدير الحرب فعليًا، في خطوة قد تؤدي إلى مركزية أكبر للقرار العسكري وتسريع الانتقال من التخطيط إلى التنفيذ.

من التخطيط للحرب إلى قيادتها داخل مؤسسة واحدة

كانت هيئة الأركان العامة تضطلع بتحديد السياسات العسكرية والاستراتيجية وإعداد القوات والتنسيق بين الجيش النظامي والحرس الثوري، بينما يتولى مقر خاتم الأنبياء إدارة العمليات المشتركة زمن الحرب. وكان الهيكلان يعملان سابقًا في إطار واحد قبل أن يفصلهما المرشد الراحل علي خامنئي عام 2016. أما التوجيه الجديد فيعيد المسار في الاتجاه المعاكس، عبر وضع التخطيط الاستراتيجي والعمليات تحت بنية أكثر تكاملًا.

اختيار علي عبد اللهي لهذه المهمة ليس عرضيًا. فقد تولى قيادة مقر خاتم الأنبياء رسميًا في سبتمبر/أيلول 2025، بعد مقتل عدد من القادة السابقين، وظل خلال الحرب مسؤولًا عن أعلى غرفة عمليات مشتركة للقوات الإيرانية. وفي مايو/أيار الماضي، ذكرت رويترز أنه اجتمع بالمرشد الجديد وتلقى منه «توجيهات جديدة» لإدارة العمليات العسكرية ومواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.

وبذلك ينتقل عبد اللهي الآن من قيادة مركز العمليات إلى رئاسة هيئة الأركان نفسها، ما يجعله الشخص الأكثر قدرة مؤسسيًا على تنفيذ الدمج؛ فهو يعرف الجانبين ويأتي أصلًا من البيئة القيادية للحرس الثوري.

ومن الناحية العسكرية، يمكن لهذا النموذج أن يقلص دورة اتخاذ القرار أثناء الحرب: بدل انتقال التقديرات من القيادة العملياتية إلى هيئة الأركان ثم العودة في صورة أوامر، يصبح التخطيط والتنفيذ أكثر تقاربًا. لكن التداعيات السياسية أكبر، لأن الشخص الذي يقود هذا الدمج ليس ضابطًا من الجيش النظامي، بل قائدًا مخضرمًا في منظومة الحرس.

ستة تعيينات.. وخيط واحد يجمع معظمها

شملت مراسيم مجتبى خامنئي تعيين علي عبد اللهي رئيسًا لهيئة الأركان، وكيومرث حيدري نائبًا له، وأحمد وحيدي قائدًا عامًا للحرس الثوري، ومصطفى إيزدي نائبًا لقائد الحرس، وعلي عظمائي قائدًا لبحرية الحرس، وحسين طائب رئيسًا لمنظمة الباسيج.

وتكشف تركيبة التعيينات عن ميل واضح نحو القيادات ذات الخلفية في الحرس الثوري. إلا أن كيومرث حيدري، القائد السابق للقوة البرية في الجيش النظامي، يبرز باعتباره الشخصية القادمة من «أرتش» في المستوى الأعلى الجديد، لكنه يشغل موقع نائب رئيس الأركان وليس رأس المؤسسة. في المقابل، تنتشر شخصيات الحرس في قيادة هيئة الأركان والحرس وقواته البحرية والباسيج.

ولا يعني ذلك اختفاء الجيش النظامي أو انتقال جميع القوات رسميًا إلى قيادة الحرس، لكنه يشير إلى ترسيخ التفوق السياسي والمؤسسي للحرس داخل النظام العسكري الموحد. وذهبت صحيفة وول ستريت جورنال إلى أن التغييرات تعزز فعليًا نفوذ الحرس فوق الجيش النظامي، فيما اعتبرت لوموند أن إعادة الهيكلة تهدف إلى إعداد المؤسسة الأمنية والعسكرية لمواجهة طويلة الأمد بدل العودة إلى نمط ما قبل الحرب.

أحمد وحيدي وعودة «العقيدة الهجومية»

يحمل تثبيت أحمد وحيدي قائدًا عامًا للحرس دلالة إضافية. فوحيدي كان يقود الحرس فعليًا منذ مقتل سلفه محمد باكبور، قبل أن يُثبّت رسميًا في المنصب ويُرقى إلى رتبة لواء. وهو أحد أقدم قادة المؤسسة، وتولى سابقًا قيادة فيلق القدس ووزارتي الدفاع والداخلية ومناصب عليا في هيئة الأركان.

ووفق وول ستريت جورنال، جاء التكليف الجديد مقرونًا بالتشديد على تنفيذ «عمليات هجومية قوية»، بينما تحدث مسؤولون عسكريون إيرانيون في الأيام التالية عن الانتقال إلى وضع هجومي إذا فشل المسار الدبلوماسي مع واشنطن. وهذا يجعل التغييرات جزءًا من محاولة إعادة بناء القدرة على الردع من خلال القدرة على المبادرة بالهجوم، وليس مجرد إعادة ملء المناصب الشاغرة.

وتزداد أهمية هذا الاتجاه مع تعيين مصطفى إيزدي نائبًا لوحيدي؛ فإيزدي ترأس في السنوات الماضية مقرًا متخصصًا في التهديدات السيبرانية والأنماط الجديدة للحرب، ما يتناسب مع اتجاه نحو عمليات تجمع الصواريخ والمسيّرات والسيبرانية والوكلاء والعمليات غير المتماثلة.

هرمز في قلب القيادة الجديدة

كما ثُبّت علي عظمائي على رأس بحرية الحرس، وهي القوة التي تؤدي الدور الأكثر حساسية في مضيق هرمز. ويأتي ذلك فيما تحولت السيطرة على المضيق من ملف بحري إلى أحد أهم أوراق التفاوض والمواجهة بين طهران وواشنطن.

وتقول إيران إن مرور السفن في هرمز سيظل مرتبطًا بشروطها السياسية والأمنية، بينما تفرض الولايات المتحدة حصارًا على الموانئ الإيرانية. وأكد قائد الباسيج الجديد حسين طائب في 13 أغسطس/آب أن المضيق بات تحت «إدارة وسيطرة» الجمهورية الإسلامية، في وقت تتبادل فيه واشنطن وطهران الادعاءات بشأن من يمتلك السيطرة الفعلية على الممر.

لذلك فإن صعود عبد اللهي وعظمائي ووحيدي لا يمكن فصله عن موقع هرمز في الاستراتيجية الإيرانية. فكلما قلص الحصار الأمريكي قدرة إيران على تصدير النفط، زادت قيمة المضيق باعتباره وسيلة لرفع تكلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها.

محسن رضائي.. عندما تلتقي الحرب بالدبلوماسية

بالتوازي مع التعيينات العسكرية، عُيّن محسن رضائي أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي بقرار من الرئيس مسعود بزشكيان، بعدما كان مجتبى خامنئي قد عينه ممثلًا شخصيًا له داخل المجلس. وبذلك يجمع القائد السابق للحرس بين موقع تنفيذي مركزي داخل أهم مؤسسة للأمن والسياسة الخارجية وبين تمثيل المرشد داخلها.

ويكتسب التعيين أهمية خاصة لأن المجلس الأعلى للأمن القومي هو المؤسسة التي تنسق بين السياسة الخارجية والأمن والجيش، ويرأسه رسميًا رئيس الجمهورية، فيما تبقى الكلمة النهائية في القضايا الاستراتيجية للمرشد.

ومن هذه الزاوية، يمنح وجود رضائي في الموقعين المرشد قناة مباشرة داخل المؤسسة التي تدير المفاوضات والحرب في آن واحد. وترى فايننشال تايمز ولوموند أن الخطوة تعزز نفوذ الدائرة المقربة من خامنئي على حساب الجناح الأكثر ميلًا إلى التسوية المحيط ببزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف.

لكن من المهم التمييز بين المؤكد والتحليل: لا يوجد إعلان رسمي يقول إن رضائي عُيّن بغرض تعطيل المفاوضات. الأدق أنه أصبح قادرًا على التأثير بصورة مباشرة في شروطها وتوقيتها، خصوصًا أنه عبّر سابقًا عن مواقف متشددة تجاه التنازلات المتعلقة بمضيق هرمز.

هل أُقيل ذو القدر بسبب فشل التفاوض؟

توجد قراءات تربط استبدال محمد باقر ذو القدر بفشل مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، لكن هذا التفسير لم يُثبت رسميًا.

رويترز أفادت بأن ذو القدر استقال من منصبه، وأنه عُيّن لاحقًا مستشارًا سياسيًا للمرشد، مؤكدة أنه لم يعلن سبب التغيير، كما لم يكن واضحًا وقتها ما إذا كان سيؤدي إلى تبدل مباشر في السياسة.

لكن توقيت التغيير أثار قراءات سياسية. فقد جاء في خضم الخلاف حول تطبيق تفاهم يونيو/حزيران وإعادة فتح هرمز، بينما يرى بعض المحللين أن إبعاده من المجلس وإحلال رضائي مكانه يمثلان خفضًا لنفوذ الجناح الذي راهن على التسوية المبكرة. لوموند نقلت عن باحثين أن مجموعة رضائي تعتقد أن إيران وافقت على الاتفاق مبكرًا، وأن استمرار الضغط العسكري كان يمكن أن ينتزع تنازلات أمريكية أكبر.

وبالتالي يمكن قراءة استبدال ذو القدر بوصفه إشارة سياسية إلى إعادة تقييم إدارة المفاوضات، لكن القول إنه «عوقب بسبب فشل الاتفاق أو عدم تحصيل الأموال» يظل رواية غير مؤكدة بالمصادر العلنية المتاحة.

عودة حسين طائب.. الجبهة الداخلية تصبح جزءًا من الحرب

ربما يكون تعيين حسين طائب قائدًا للباسيج أكثر القرارات وضوحًا من حيث الأمن الداخلي.

فطائب قاد الباسيج خلال قمع احتجاجات الحركة الخضراء عام 2009، ثم ترأس جهاز استخبارات الحرس لسنوات طويلة، قبل إبعاده عام 2022. كما تربطه علاقة شخصية قديمة بمجتبى خامنئي، وهو ما جعل عودته تُقرأ باعتبارها استعادة لشخصية من الدائرة الأمنية الأقرب إلى المرشد الجديد.

واللافت أن مرسوم تعيينه لم يقتصر على رفع الجاهزية العسكرية للباسيج. فقد تضمن صراحة «تقوية شبكة المعلومات الشعبية»، وتطوير المهارات والتدريب، والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة في مواجهة التهديدات، إلى جانب توسيع وحدات الباسيج في الأحياء والخدمات الاجتماعية مع “جعل المسجد محورًا للنشاط المحلي”.

وذهبت وسائل إعلام مرتبطة بهيئة الأركان خطوة أبعد في تفسير هذه التعليمات، إذ تحدثت عن تحويل المواطنين الموالين للنظام إلى «عيون يقظة» داخل المجتمع، وعن المسجد باعتباره مركزًا محليًا للأمن، والأحياء كوحدات لرصد التهديدات. ويرى معهد CTP-ISW أن هذه اللغة تشير إلى تطوير شبكة إنذار وجمع معلومات قاعدية لمواجهة الاضطرابات والتهديدات الداخلية.

وهذا يعني أن النظام يستعد للحرب على مستويين متوازيين: خصم خارجي يواجهه الجيش والحرس، ومخاطر داخلية محتملة تتولاها شبكات الباسيج والأمن المحلي.

اجتماع مجتبى–بزشكيان.. ما الذي نعرفه فعلاً؟

أكدت وسائل الإعلام الإيرانية أن بزشكيان التقى مجتبى خامنئي أواخر يوليو/تموز في اجتماع نادر تناول الشؤون العسكرية والاقتصاد وتأمين الموارد وإدارة النقد الأجنبي والطاقة والعلاقات الاقتصادية الخارجية. وأكدت رويترز انعقاد الاجتماع استنادًا إلى الإعلام الرسمي.

كما نشرت تقارير أخرى تفاصيل غير رسمية عن اجتماع طويل بين الرجلين وسط خلافات داخل النظام حول مسار الحرب والتفاوض.

لكن الادعاء بأن الاجتماع حسم تحديدًا إعادة تشكيل وزارتي الدفاع والاستخبارات أو جميع التغييرات الأمنية اللاحقة لا يمكن تأكيده حتى الآن من مصدر رسمي مستقل. وبالتالي يمكن الربط الزمني بين الاجتماع وإعادة الهيكلة، لكن لا ينبغي تقديم تفاصيل أجندته السرية بوصفها حقيقة مثبتة.

من نظام تتقاسم مؤسساته القرار إلى دولة أكثر عسكرة؟

المشهد الأكبر الذي تكشفه التعيينات هو محاولة إيران معالجة إحدى نقاط الضعف التي ظهرت خلال الحروب الأخيرة: تعدد مراكز القيادة، والفجوة بين التخطيط والعمليات، والاختراق الأمني، وصعوبة الجمع بين الحرب والتفاوض وإدارة الداخل.

الرد الإيراني يبدو قائمًا على المزيد من المركزية، لا المزيد من التعددية.

عبد اللهي يجمع المسارين الاستراتيجي والعملياتي، ووحيدي يقود الحرس بعقيدة أكثر هجومية، وعظمائي يمسك بالجبهة البحرية، ورضائي يقف عند تقاطع الأمن والدبلوماسية، وطائب يعيد بناء شبكة الرقابة والتعبئة في الداخل.

وفي المقابل، لا تزال بعض الثغرات قائمة. فقد أظهرت تقارير سابقة أن عددًا من مواقع الاستخبارات والعمليات ظل بلا تعيينات معلنة بعد موجات الاغتيال، كما أن بعض المناصب الأمنية الحساسة لم يُكشف عن شاغليها علنًا.

ولهذا تبدو إعادة الهيكلة الحالية مرحلة أولى في إعادة بناء دولة الحرب الإيرانية، وليست نهاية العملية.

والاستنتاج الأكثر أهمية ليس أن إيران أصبحت بالفعل «دولة عسكرية يحكمها الحرس»، فمؤسسات الرئاسة والبرلمان والمؤسسة الدينية لا تزال قائمة وتمارس أدوارًا حقيقية، وإنما أن وزن الحرس في المراكز التي تربط الحرب بالأمن والسياسة الخارجية أصبح أكبر وأكثر رسمية مما كان عليه قبل الحرب.

إذا استمر هذا الاتجاه، فقد تتطور الجمهورية الإسلامية تدريجيًا نحو نموذج تكون فيه المؤسسة الدينية مصدر الشرعية العليا، بينما يصبح الحرس الثوري الجهاز التنفيذي الأهم في إدارة الأمن والحرب والتفاوض وحماية النظام داخليًا. وهذا التحول، أكثر من أي اسم منفرد في قائمة التعيينات، هو ما يجعل إعادة تشكيل القيادة الإيرانية الحالية ذات دلالة استراتيجية طويلة المدى.


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


صوفيا خوجاباشي

صحفية وباحثة في العلاقات الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى