تقديرات

الصواريخ الإيرانية وتطور قدرات المناورة وإعادة الاستهداف – تحول في معادلة الدفاع الصاروخي


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


أولًا: التطور  الاستراتيجي

أعلن المتحدث باسم الحرس الإيراني، العميد حسين محبي، في 10 أغسطس 2026، أن الصواريخ الإيرانية باتت تمتلك قدرات متقدمة لتغيير مسارها أثناء الطيران، وتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، بل وإعادة توجيه بعض الصواريخ نحو أهداف أخرى بعد الإطلاق. ووصف محبي هذا التطور بأنه جزء من استراتيجية إيران في “الحرب التكنولوجية”، القائمة على الذكاء الاصطناعي والابتكار العلمي وأنظمة التوجيه المتقدمة.

جاء ذلك في كلمة خلال مراسم أقيمت في مدينة قزوين شمالي البلاد بمناسبة “يوم الصحفيين”، وفقا لوكالة الأنباء الإيرانية الرسمية “إرنا”.  وأشار محبي إلى قدرات إيران في مجال تقنيات الصواريخ والطائرات المسيرة، وأوضح أن هذه القدرات استُخدمت خلال الحرب لاستهداف بعض عناصر ما وصفه بـ”شبكة قوة العدو”. وأضاف: “لم تعد الصواريخ الإيرانية كما في السابق، تُطلق من نقطة لتسقط في نقطة أخرى فحسب، بل أصبحت تتمتع بقدرات التوجيه وتغيير المسار، ويمكن لبعضها تغيير مسارها أثناء التحليق لتفادي أنظمة الدفاع الجوي للعدو”. ولفت إلى أن إيران لا تستهدف في ما وصفه بـ”الحرب التكنولوجية” تدمير المباني والمعدات فقط، بل تسعى أيضا إلى استهداف شبكات صنع القرار  والدفاع لدى خصومها.

تختلف المناورة في المرحلة النهائية للصاروخ من الناحية التقنية عن القدرة على إعادة استهداف أهداف جديدة أثناء الطيران؛ فالمناورة تهدف أساسًا إلى تحسين دقة الإصابة وزيادة فرص الإفلات من الاعتراض، بينما تتطلب إعادة الاستهداف منظومة أكثر تعقيدًا تشمل وصلات بيانات واتصالات آمنة، إلى جانب أنظمة متقدمة للملاحة ومعالجة المعلومات، تتيح استقبال بيانات جديدة وإعادة حساب مسار الصاروخ. وحتى الآن، لم تقدم إيران بيانات قياس للرحلات أو وثائق اختبارات أو أدلة قتالية مستقلة يمكن أن تثبت بشكل موثوق قدرتها على إعادة توجيه صواريخها نحو أهداف مختلفة بعد الإطلاق.

ترتبط قدرات المناورة والتوجيه المتقدمة التي تنسبها إيران إلى صواريخ فتاح-1، فتاح-2، خيبر شكن، خرّمشهر-4، عماد وإعتماد، مع اختلاف كبير في قدرات كل منظومة. ويتميز “عماد” برأس حربي يدعم تقنية “إعادة الدخول القابل للتوجيه” (MaRV)، بينما يعكس “خيبر شكن” توجه إيران نحو الوقود الصلب وسرعة التجهيز والبقاء والدقة الأعلى. كما تروّج طهران لـ “فتاح-1″ و”فتاح-2” كأسلحة فرط صوتية، لكن السرعة وحدها لا تثبت القدرة على تنفيذ مناورات غير متوقعة طوال الرحلة.

وتشير المعطيات الواردة إلى أن إيران طورت تدريجيًا أنظمة التوجيه، وانتقلت من التوجيه بالقصور الذاتي الأقل دقة إلى الملاحة المحسنة والرؤوس القابلة للمناورة والتحكم الإيروديناميكي. كما أن دمج الصواريخ الباليستية مع المسيّرات والخداع الإلكتروني وأجهزة التشويش يمكن أن يزيد صعوبة مهمة الدفاع الجوي، حتى دون جعل الصواريخ غير قابلة للاعتراض.

إعادة توجيه صاروخ نحو هدف ثانوي أثناء الطيران تتطلب بنية أكثر تعقيدًا، تشمل وصلة بيانات، قناة قيادة آمنة أو نظامًا ذاتيًا، نظام ملاحة بالقصور الذاتي، وربما ملاحة بالأقمار الصناعية وتقنيات مقاومة التشويش. كما يمكن للذكاء الاصطناعي مستقبلاً أن يساعد في الملاحة والتعرف على الأهداف وتحسين المسار، لكن لا توجد أدلة تثبت امتلاك الصواريخ الإيرانية المنتشرة حاليًا قدرة تشغيلية على إعادة الاستهداف باستخدام الذكاء الاصطناعي.

ويظل من المحتمل تقنيًا أن يكون المقصود هو اختيار أهداف بديلة مبرمجة مسبقًا بدلًا من تلقي إحداثيات جديدة بشكل لحظي. لذلك لا يزال غير واضح ما إذا كان المقصود الإيراني يتعلق بإعادة توجيه بشرية في الوقت الحقيقي، أو اختيار ذاتي للهدف، أو تعديل نقاط المسار، أو مجرد توجيه نهائي متقدم.

قد تزيد هذه القدرات من تعقيد مهمة أنظمة الدفاع الجوي، خصوصًا باتريوت PAC-3 وثاد وآرو. فالمناورة تغير حسابات الاعتراض وتضغط على الوقت المتاح لاتخاذ القرار، بينما يمكن لإعادة توجيه الصاروخ نحو هدف آخر أن تجبر المدافعين على تغطية قطاعات أوسع والتعامل مع مسارات محتملة متعددة.

ويبلغ سعر صاروخ باتريوت الاعتراضي نحو 4 ملايين دولار بينما تبلغ تكلفة صاروخ THAAD نحو 15 مليون دولار. ويمكن لإيران استغلال هذا الفارق الاقتصادي عبر دمج الصواريخ الباليستية الدقيقة مع المسيّرات والأهداف الخداعية لإجبار المدافعين على استهلاك صواريخ اعتراض باهظة الثمن.

تفرض الصواريخ القابلة للمناورة، وربما القابلة لإعادة التوجيه، على الولايات المتحدة وحلفائها حماية نطاق واسع يشمل القواعد الجوية والموانئ ومراكز القيادة ومحطات تحلية المياه والمصافي وشبكات الكهرباء ومستودعات الذخيرة.

وقد يدفع ذلك القوات الأمريكية والحليفة إلى توزيع الطائرات، إنشاء مواقع تشغيلية مؤقتة، تفريق مخزونات الذخيرة، إنشاء مراكز قيادة بديلة وتعزيز القواعد. كما تصبح إعادة نشر الرادارات بسرعة أمرًا حاسمًا، إلى جانب توفير قطع الغيار وفرق الصيانة والاتصالات المحمية.

ثانيًا: القراءة التحليلية العسكرية

لا تكمن الأهمية العسكرية الأساسية في الإعلان الإيراني عن امتلاك الصواريخ القدرة على تغيير مسارها أو إعادة استهدافها بحد ذاته، وإنما في الاتجاه الذي يكشفه هذا الإعلان عن تطور العقيدة الصاروخية الإيرانية. فإيران لا تعمل فقط على زيادة مدى الصواريخ أو سرعتها أو دقتها وعددها، وإنما تتجه بصورة متزايدة إلى جعل الصاروخ نفسه أكثر قدرة على التكيف مع بيئة الاعتراض بعد الإطلاق.

وهذا يمثل تحولًا مهمًا؛ فالصاروخ الباليستي التقليدي يعتمد بدرجة كبيرة على مسار محسوب مسبقًا، وتصبح مهمة الدفاع الجوي أسهل نسبيًا كلما أمكن التنبؤ بمساره. أما عندما يصبح الرأس الحربي أو مرحلة العودة قادرًا على المناورة وتعديل المسار، فإن المدافع لا يواجه جسمًا يتحرك على مسار باليستي ثابت، وإنما هدفًا تتغير نقطة اعتراضه المحتملة باستمرار. وقد أشارت تقييمات سابقة إلى أن عددًا من الصواريخ الإيرانية، ومنها خيبر شكن وفتاح وخرمشهر، يتضمن بالفعل خصائص مرتبطة بالمناورة في مراحل مختلفة من الرحلة.

ومن هنا، فإن القيمة العسكرية للمناورة لا تتمثل فقط في زيادة احتمال وصول الصاروخ إلى هدفه، وإنما في إضعاف قدرة منظومة الدفاع على التنبؤ بنقطة الاعتراض. وهذا يرفع العبء على الرادارات وأنظمة إدارة المعركة والصواريخ الاعتراضية في الوقت نفسه؛ لأن المدافع يحتاج إلى اكتشاف الهدف وتتبع مساره وتحديث نقطة الاعتراض باستمرار خلال فترة زمنية قصيرة.

وإذا ثبت مستقبلًا أن إيران تمتلك فعلًا قدرة تشغيلية على إعادة استهداف الصاروخ بعد إطلاقه، فإن الأمر ينتقل إلى مستوى مختلف نوعيًا. فالصاروخ لن يكون مجرد وسيلة لضرب إحداثيات محددة مسبقًا، وإنما يمكن أن يصبح جزءًا من منظومة استهداف ديناميكية تسمح بتغيير المهمة أثناء الرحلة. وهذا يعني أن الدفاع الجوي لن يكون قادرًا على افتراض أن اعتراض الصاروخ في مسار معين يعني بالضرورة تحييد التهديد المرتبط بالهدف الأصلي؛ لأن نقطة الهجوم نفسها قد تكون قابلة للتغيير.

لكن ينبغي هنا الحفاظ على الفارق بين المناورة المثبتة وإعادة الاستهداف المعلنة. فوجود رؤوس قابلة للمناورة في بعض الصواريخ الإيرانية أكثر قابلية للتقييم من ادعاء امتلاك قدرة كاملة على استقبال بيانات جديدة وإعادة توجيه الصاروخ إلى هدف مختلف بعد الإطلاق. ولذلك فإن القيمة الاستراتيجية لهذا الإعلان ستظل مرتبطة بمدى قدرة إيران على إثبات وجود منظومة قيادة واتصال وملاحة ومعالجة بيانات تعمل في بيئة قتال فعلية وتحت ظروف التشويش والحرب الإلكترونية.

وعسكريًا، فإن التطور الأخطر ليس أن يصبح الصاروخ “غير قابل للاعتراض”، فهذا توصيف مبالغ فيه، وإنما أن تصبح كلفة الاعتراض أعلى، وزمن رد الفعل أقصر، ومساحة عدم اليقين لدى المدافع أكبر. وهذا بالضبط ما تسعى إليه إيران من خلال الجمع بين الصواريخ الباليستية والمسيّرات والخداع الإلكتروني وتعدد مسارات الطيران. وقد أظهرت تحليلات سابقة أن إيران تعمل على تحسين دقة الصواريخ ووسائل اختراق الدفاعات، بما في ذلك الرؤوس القابلة للمناورة ووسائل الإغراق.

وتزداد خطورة هذا الاتجاه عندما يُنظر إليه من منظور الاستنزاف وليس من منظور اعتراض صاروخ منفرد. فالدفاع الجوي لا يواجه فقط سؤال: “هل يستطيع اعتراض الصاروخ؟”، وإنما سؤالًا أكثر أهمية: «كم عدد الصواريخ التي يستطيع اعتراضها، وكم من الوقت يستطيع الاستمرار في ذلك، وبأي تكلفة؟». وهنا يصبح الجمع بين صواريخ دقيقة ومناورة، وصواريخ أقل تكلفة، ومسيّرات، وأهداف خداعية، وسرعات ومسارات مختلفة، وسيلة لتحويل الدفاع الجوي إلى معركة استهلاك للذخائر والوقت والقدرات.

وبالتالي، فإن إيران قد لا تحتاج إلى اختراق واسع للدفاعات الأمريكية والإسرائيلية حتى تحقق تأثيرًا عسكريًا مهمًا؛ يكفي أن تتمكن من رفع نسبة الصواريخ التي تصل إلى أهدافها، وإجبار المدافع على استخدام عدد أكبر من الاعتراضات، ودفعه إلى نشر منظوماته على نطاق أوسع. وقد أظهرت الخبرة القتالية السابقة أن إيران تسعى إلى تطوير صواريخها وتكتيكات استخدامها استنادًا إلى الدروس المستخلصة من عمليات الإطلاق والاعتراض السابقة.

ومن هذه الزاوية، فإن التطور الإيراني  يضغط على منظومة الدفاع الأمريكية والحليفة على مستويين متزامنين: المستوى التقني، عبر زيادة صعوبة التتبع والاعتراض؛ والمستوى العملياتي، عبر إجبار المدافع على توسيع دائرة الحماية وتوزيع الرادارات والطائرات والاعتراضات ومراكز القيادة. وكلما اتسعت قائمة الأهداف التي يتعين حمايتها، أصبح الدفاع المركزي الشامل أكثر صعوبة، وازدادت الحاجة إلى التفريق والتمويه والتحصين والمرونة في القيادة والسيطرة.

كما أن التطور الصاروخي الإيراني يفرض على الولايات المتحدة وحلفائها إعادة التفكير في مفهوم “الدفاع عن القاعدة”؛ إذ لم تعد القاعدة الجوية أو الميناء أو مركز القيادة وأماكن تواجد القيادات، مجرد منشأة تحتاج إلى منظومة اعتراض حولها، بل أصبحت جزءًا من شبكة أهداف مترابطة يمكن استهداف عناصرها بصورة متزامنة. ولذلك فإن حماية الرادارات، ومراكز القيادة، ومخازن الذخيرة، ومنشآت الطاقة، والموانئ، والقواعد الجوية تصبح جميعها جزءًا من معركة واحدة.

وعليه، فإن القيمة الاستراتيجية الحقيقية للتطور الذي تعلنه إيران تكمن في انتقالها التدريجي من بناء صاروخ أكثر دقة إلى بناء منظومة ضرب أكثر قدرة على المناورة والتكيف مع منظومة الدفاع المعادية. وإذا نجحت طهران في الجمع بين المناورة، والدقة، وتعدد المسارات، والخداع، والقدرة على تحديث المهمة أثناء الطيران، فإن ذلك لن يجعل الدفاعات الأمريكية والإسرائيلية عاجزة عن الاعتراض فقط، لكنه سيجعل عملية الاعتراض أكثر تعقيدًا وكلفة وأقل يقينًا.

وبذلك تصبح المعادلة الجديدة بين إيران وخصومها أقل ارتباطًا بمن يمتلك الصاروخ الأفضل منفردًا، وأكثر ارتباطًا بمن يستطيع إدارة معركة استنزاف طويلة بين منظومة الهجوم ومنظومة الدفاع؛ وهو ما يفسر تركيز إيران المتزايد على تحسين الصواريخ، ليس فقط من حيث السرعة والمدى، وإنما من حيث القدرة على البقاء، والمناورة، والدقة، والعمل ضمن هجوم مركب متعدد الوسائط.


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


محمود جمال

باحث متخصص في العلاقات المدنية العسكرية والدراسات الاستراتيجية والأمنية ومدير وحدة الرصد والتوثيق بالمعهد المصري للدراسات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى