تقديرات

اليمن في حرب جديدة.. الأسباب والتداعيات


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


أولًا :البداية الجديدة

بعد نحو أربع سنوات من الهدوء النسبي، عاد اليمن فجأة إلى واجهة الصراع الإقليمي، مع اندلاع واحدة من أعنف جولات القتال منذ هدنة 2022. وما بدأ كهجوم حوثي على جبهات غرب تعز وجنوب الحديدة لم يعد مجرد اشتباك محلي على مواقع حدودية، بل بات يحمل أبعاداً تتجاوز الداخل اليمني إلى أمن البحر الأحمر والسعودية وأسواق الطاقة العالمية.

ومنذ 3 سبتمبر2026، شهدت مناطق غرب تعز والساحل الغربي مواجهات واسعة بين الحوثيين والقوات التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً. وبدأ التصعيد بإطلاق صواريخ باليستية وهجمات بطائرات مسيّرة على مواقع في تعز والحديدة، قبل أن تنتقل المعارك إلى محاولات تقدم بري على عدة محاور. وقالت القوات الحكومية إن الحوثيين أطلقوا 14 صاروخاً باليستياً بالتزامن مع هجمات مسيّرة في بداية الهجوم. 

لكن خطورة التطورات لا تكمن فقط في شدة المعارك، بل في المكان الذي تدور فيه.

ثانيًا: من تعز إلى باب المندب – قراءة عسكرية

تقع جبهات غرب تعز وجنوب الحديدة ضمن الممر البري والجغرافي المؤدي إلى الساحل المطل على البحر الأحمر وميناء المُخا، ثم إلى مضيق باب المندب.

وقالت وكالة أسوشيتد برس عند إندلاع المعارك مرة أخرى، إن أحد محاور القتال يقع قرب مرتفعات تشرف على طريق إمداد استراتيجي يربط تعز بالمُخا، فيما يرى مسؤولون يمنيون ومحللون أن تقدم الحوثيين في هذه المناطق قد يمنحهم قدرة أكبر على السيطرة على المرتفعات المطلة على الساحل وطرق الوصول إلى باب المندب. 

وهذا ما يجعل المعركة مختلفة عن كثير من جولات القتال السابقة.

فالسيطرة على المناطق الجبلية غرب تعز  لا تعني فقط امتلاك أراضٍ جديدة، بل توفير مواقع مرتفعة تسمح بمراقبة الطرق والموانئ والتحركات العسكرية على الساحل. وإذا تمكن الحوثيون من دفع خطوطهم باتجاه المُخا والمناطق القريبة من المضيق، فسيصبح تأثيرهم العسكري على حركة الملاحة في البحر الأحمر أكبر بكثير.

ومن هنا، تبدو المعركة مرتبطة بمشروع أوسع: تحويل النفوذ الحوثي من السيطرة على شمال اليمن ومناطق واسعة من ساحل الحديدة إلى نفوذ مباشر على البوابة الجنوبية للبحر الأحمر.

ما حدث في اليمن بعد عودة المعارك، يمكن وصفه بأنه انتقال من حالة تجميد نسبي للجبهات إلى تصعيد عسكري متعدد المحاور، مع محاولة  استعادة القوات الموالية لمجلس القيادة الرئاسي زمام المبادرة، بينما حاول الحوثيون امتصاص الهجوم ومنع اختراق خطوطهم الدفاعية ونقل المعركة إلى العمق السعودي.

 1. جغرافيا المعارك

المحور الأهم في المعارك كان الساحل الغربي، خصوصًا جنوب الحديدة وحيس والخوخة والمخا، إضافة إلى تعز. وكان هناك قتال متزامن في الجوف والبيضاء ومأرب، ما يعني أن القوات الموالية لمجلس القيادة الرئاسي لم تركز على جبهة واحدة، وإنما قامت بالضغط على عدة محاور في وقت واحد.

 2. طريقة مهاجمة القوات الموالية لمجلس القيادة الرئاسي

التحول الأهم هو انتقالها من الدفاع وانتظار الهجوم الحوثي إلى المبادأة والهجوم. وتعمل عبر عدة تشكيلات وقوات محلية، مع تنسيق أكبر بينها من خلال غرف عمليات مشتركة.

 عسكريًا، يمكن تلخيص الأسلوب الهجومي التي أعتمدت عليه القوات الموالية للمجلس الرئاسي  في ثلاثة عناصر:

  •  فتح عدة جبهات في الوقت نفسه لإجبار الحوثيين على توزيع قواتهم.
  • التمهيد الجوي والطائرات المسيّرة لضرب مراكز القيادة والتحصينات قبل تقدم القوات البرية.
  • الهجوم على المرتفعات والمواقع المسيطرة على طرق الحركة، خصوصًا في الجوف وتعز والساحل الغربي، بدل محاولة اختراق شامل ومباشر للدفاعات الحوثية.

وقد تمكنت هذه القوات بالفعل من استعادة مواقع استراتيجية في غرب تعز، بالتزامن مع استمرار القتال في غرب تعز وجنوب الحديدة.

 3. استراتيجية رد الحوثيين

 الاستراتيجية الحوثية  في الدفاع حتى يوم 08 سبتمبر 2026 كانت أقرب إلى الدفاع المرن والاستنزاف؛ أي عدم الدخول في معركة مفتوحة طويلة مع القوات المهاجمة، وإنما محاولة إيقاف الاندفاع واستنزاف القوات المهاجمة بالصواريخ والمدفعية والمسيّرات، ثم استعادة المبادرة محليًا.

 وفي بعض المحاور، حاول الحوثيون استخدام التضاريس والمرتفعات والتحصينات لامتصاص الهجوم، ثم تنفيذ هجمات مضادة محدودة لاستعادة المواقع أو منع القوات المهاجمة من تثبيت مكاسبها.

 4. الورقة الأهم لدى الحوثيين: نقل المعركة خارج اليمن

 وهنا التطور الأخطر. الحوثيون لم يكتفوا بالدفاع داخل اليمن؛ فقد وسّعوا الهجمات بالصواريخ والمسيّرات إلى السعودية، واستهدفوا يوم 8 سبتمبر مدنًا ومنشآت في جنوب المملكة، بينها أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، ما أدى، وفق السلطات السعودية، إلى إصابة 73 شخصًا واندلاع حرائق في منشآت للطاقة.

 وبالتالي، فإن الحوثيين يستخدمون الضغط الصاروخي والمسيّر والتهديد البحري كوسيلة لتشتيت خصومهم وإجبار السعودية على تخصيص جزء من قدراتها للدفاع عن أراضيها بدل تركيز الدعم على الجبهة اليمنية.

 الخلاصة العسكرية حتى يوم 08 سبتمبر 2026

 القوات الموالية لمجلس القيادة الرئاسي حاولت كسر حالة الجمود عبر الهجوم المتزامن على عدة جبهات، بينما أعتمد الحوثيون على الدفاع المرن، واستنزاف القوات المهاجمة، والهجمات بعيدة المدى، وفتح جبهة إقليمية ضد السعودية.

 والنقطة الأهم: المعركة الحالية ليست مجرد محاولة لاستعادة مواقع؛ إنها صراع على المبادرة العسكرية. فإذا تمكنت القوات الموالية لمجلس القيادة الرئاسي من الحفاظ على الضغط المتزامن في الجوف وتعز والحديدة ومأرب، فقد تُجبر الحوثيين على الانتقال إلى دفاع أوسع.أما إذا نجح الحوثيون في إيقاف التقدم ثم استنزاف القوات المهاجمة، فسيعودون إلى النمط الذي أتقنوه: دفاع تكتيكي، واستنزاف، ثم هجوم مضاد في اللحظة المناسبة.

ثالثًا: سيطرة الحوثي على المُخا وميون وحنيش وغيرها وانسحابات عشوائية لقوات المجلس الرئاسي:

المُخا:

في يوم 10 سبتمبر 2026، انقلبت الكفة بشكل حاد لصالح الحوثيون، وقام الحوثي بالسيطرة على المُخا التي تقع بالقرب من ياب المندب، وقامت القوات الموالية لقوات المجلس الرئاسي بإنسحابات عشوائية. الانسحابات العشوائية السريعة للقوات الموالية للمجلس الرئاسي تدل، من منظور عسكري، على ثلاثة أمور رئيسية:

الأول، أن خطط العمليات التي وُضعت لتلك القوات لم تكن ترسم صورة كاملة للمشهد الميداني، وأن تقديراتها الميدانية كانت ناقصة، وأن هناك تطورًا مفاجئًا أدى إلى الانهيار المباشر لتلك القوات.

والثاني، أن بعض العناصر المقاتلة في القوات الموالية للمجلس الرئاسي تنقصها الإرادة أو اليقين بما تقاتل من أجله، ولذلك جاءت الانسحابات سريعة وعشوائية، بما يعكس ضعفًا في تماسك القوة وقدرتها على الصمود تحت الضغط.

أما الأمر الثالث، فهو التناحر والتباينات بين القيادات؛ فتعدد غرف العمليات وتعدد القيادات داخل القوات الموالية للمجلس الرئاسي من الواضح أنه خلق حالة من الخلافات والتباينات، سواء على مستوى إدارة المعارك واتخاذ القرار العملياتي، أو على مستوى المكاسب السياسية التي قد تترتب على نتائج المعارك. وقد أدت هذه التباينات إلى إضعاف التنسيق والقيادة والسيطرة، وهو ما انعكس في صورة انهيارات مفاجئة وانسحابات عشوائية.

في المقابل، يعمل الحوثي تحت قيادة أكثر تماسكًا، وكان الأكثر تنظيمًا والتزامًا بخطط غرفة قيادة عمليات موحدة، وهو ما يمنحه أفضلية واضحة في إدارة المعركة، خصوصًا في سرعة اتخاذ القرار، وتنسيق العمليات بين المحاور، والحفاظ على تماسك قواته تحت الضغط.

سيطرة الحوثيون على المُخا على الساحل، تعني أن تكتيكات الحوثي في إدارة المعارك، سواء على مستوى الهجوم أو الدفاع، نُفذت من خلال خططٍ ناجحة في الدفاع الأفقي والهجوم إلى الأمام، بينما كانت خطط القوات الموالية للمجلس الرئاسي خططًا اندفاعية حققت عامل المفاجأة في بعض النقاط، ثم لم تستطع الحفاظ على التقدم، وما لبثت أن بدأت في التراجع والانسحابات العشوائية.

من منظور عسكري، فإن أحد أهم العوامل في هذه المرحلة هو القيادة والسيطرة وتماسك الجبهة؛ فالقوة التي تفقد قدرتها على التنسيق بين وحداتها، أو لا تمتلك غرفة عمليات مشتركة قادرة على إدارة المحاور المختلفة، تصبح أكثر عرضة للانهيار السريع عند تعرضها لضغط مفاجئ، حتى وإن كانت تمتلك تفوقًا عدديًا أو دعمًا ناريًا. وهذا ما يجعل الانسحاب المنظم مختلفًا تمامًا عن الانسحاب العشوائي؛ فالأول يمكن أن يكون جزءًا من إعادة الانتشار، بينما الثاني قد يتحول إلى انهيار في الخطوط الدفاعية وفقدان للمبادرة، وهذا، من خلال قراءتنا للمشهد الميداني، ما وقع للقوات الموالية للمجلس الرئاسي.

كما أن سيطرة الحوثيين على المُخا تمنحهم، عسكريًا، زخمًا عملياتيًا يمكن استثماره في إعادة تنظيم قواتهم ودفعها إلى استغلال نقاط الضعف التي ظهرت في جبهة القوات الموالية للمجلس الرئاسي، وهو ما حدث بالفعل، خصوصًا إذا استمرت حالة التباين بين غرف العمليات والقيادات المختلفة.

وبذلك، تشير الصورة الحالية إلى أن الحوثي يمتلك في هذه المرحلة ميزة في إدارة المعركة وتماسك القيادة والسيطرة، بينما تواجه القوات الموالية للمجلس الرئاسي مشكلة في توحيد القرار العملياتي بين تشكيلاتها. إن التفوق الميداني لا يُقاس فقط بعدد المواقع التي تمت السيطرة عليها، وإنما بقدرة كل طرف على الحفاظ على قواته، وإدارة الاحتياط، وتأمين خطوط الإمداد، وتنسيق النيران والمناورة، وتحويل المكاسب التكتيكية إلى مكاسب عملياتية قابلة للاستمرار.

تمثل السيطرة على المُخا مكسبًا استراتيجيًا مهمًا للحوثيين، نظرًا لموقعها على الساحل الغربي وقربها من باب المندب، بما يمنح السيطرة عليها قيمة عملياتية في إدارة المحور الساحلي والتحكم في حركة القوات والإمداد على هذا الاتجاه. كما أن امتلاك المخا يتيح للحوثيين نقطة ارتكاز متقدمة يمكن البناء عليها في المناورة والضغط على القوات الموالية للمجلس الرئاسي، ويجعل خسارتها بالنسبة للطرف الآخر أكثر من مجرد فقدان مدينة، بل فقدان موقع ذي أهمية في التوازن العملياتي على الساحل الغربي. ويزداد وزن هذا المكسب إذا تمكن الحوثيون من تثبيت دفاعاتهم وتأمين خطوط الإمداد وتحويل السيطرة على المُخا من مكسب تكتيكي إلى ميزة عملياتية مستدامة.

جزيرة بريم (ميون):

بعد السيطرة على المُخا، قامت القوات الحوثية بالسيطرة على جزيرة ميون في باب المندب. الوصول إلى جزيرة بريم (ميون) اليمنية يشبه العودة بالزمن إلى الوراء؛ فطبيعتها القاحلة، المؤلفة من الرمال والصخور، تبدو  وكأنها أرض نسيها الزمن. لكن موقعها وضَعَها في قلب صراع حديث للغاية؛ حيث تقع جزيرة بريم (المعروفة أيضًا باسم جزيرة ميون) في مضيق باب المندب، وهو نقطة اختناق جيوسياسية اكتسبت أهمية استثنائية منذ أن أدت حرب الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إيران إلى إغلاق مضيق هرمز فعليًا. وللمساعدة في إبقاء إمدادات الطاقة العالمية متدفقة وخفض الأسعار، حوّلت السعودية صادراتها النفطية من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر من خلال خط شرق – غرب النفطي. لكن الآن، سيطر الحوثيون على الجزيرة ما يمنحهم القدرة على منع السفن، بعد تحميلها بالنفط غرب المملكة، من المرور عبر هذه البوابة الضيقة من البحر الأحمر.

جزيرتي حنيش الكبرى والصغرى:

إضافة لما سبق، شهدت جبهة الساحل الغربي لليمن تحولا ميدانيا مفصليا إثر تأكيد وكالة رويترز، نقلا عن مصادر عسكرية حكومية، وصول مسلحي جماعة الحوثي إلى جزيرتي “حنيش الكبرى” و”حنيش الصغرى” في البحر الأحمر.

واستدعى هذا التطور الميداني تحركا سياسيا عاجلا من رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، الذي شدد على أن حماية ساحل اليمن ومياهه الإقليمية تُعد “مصلحة دولية مشتركة”.

وتمثل جزر حنيش، الواقعة شمال مضيق باب المندب وعلى التماس المباشر مع السواحل الإريترية، منصة ارتكاز حاكمة لتهديد سواحل البحر الأحمر وتضييق الخناق على الممر الدولي.

وحسب أحمد الشلفي، محرر الشؤون اليمنية في قناة الجزيرة، فإن الاندفاع الحوثي نحو هذه النقاط يترجم تخطيطا مسبقا ورغبة حثيثة للسيطرة على باب المندب، متجاوزين تصريحاتهم التي تدعي عدم نيتهم الدخول للمضيق؛ إذ تثبت الشواهد الميدانية سعيهم الدائم لاقتناص أي فرصة للتمدد.

سيطرة أنصار الله على جزيرة بريم وجزر حنيش ستمنحهم القدرة على إغلاق مضيق باب المندب خلال ساعات وليس أيام.

الخوخة وحيس والوازعية:

وفي التقدم الحوثي الاستراتيجي، سيطرت القوات الحوثية على الخوخة وحيس جنوبي محافظة الحُدَيْدَة الساحلية على البحر الأحمر، والوازعية في تعز. وأكدت القوات الحوثية سيطرتها على قاعدة معسكر خالد ومعسكر جبل النار، وهو مقر قيادة القوات العسكرية في الساحل الغربي.  تجدر الإشارة إلى أن مساحة مديريتي حَيْس والخَوْخَة تزيد على 1050 كيلومتراً مربعاً.

وهناك إشارات بأن القوات الحوثية لم تقف إلى حد المُخا، بل تحاول التقدم للدخول مدينة الذوباب والسيطرة عليها، وإن استطاعت ذلك فإنها ستكون قد سيطرت بشكل كامل على الساحل الغربي لليمن.

من تعز حتى المخا: بعد عشر سنوات على إغلاقها قوات أنصار الله تعيد فتح الطرقات الرئيسية بين المحافظات:

أعادت جماعة أنصار الله بعد سيطرتها على المخا فتح الطرقات الرئيسية خط البرح ـ مفرق الحناية ـ العوشقة ـ الوازعية البرح ـ خط الحديدة ـ مفرق المخا ـ مدينة المخا ” أمام المواطنين والمسافرين والطرقات الرابطة بين مديريات حيس والخوخة مع باقي مديريات محافظة الحديدة.

الوصول إلى ذو باب:

صباح يوم الجمعة 11 سبتمبر 2026، أفاد ​مصدران حكوميان يمنيان لوكالة رويترز ​بأن ​الحوثيين وصلوا إلى ⁠مدينة ​ذوباب الواقعة ​مباشرة على مضيق باب المندب ​مقابل ​جزيرة بريم. وذكرت مصادر ‌حكومية ⁠لرويترز أن السيطرة ​على ​ذوباب ⁠وبريم أمر ​أساسي لبسط ​السيطرة ⁠على المضيق.

وصول الحوثيين إلى مدينة ذو باب الساحلية، وسيطرتهم على جزيرة ميون المقابلة لها، يمثل من منظور عسكري تحولًا بالغ الأهمية في مسار المعركة، إذ يعني أن الحوثيين لم يتوقفوا عند السيطرة على المُخا، وإنما واصلوا استثمار التراجع السريع للقوات الموالية للمجلس الرئاسي، والضغط على الجبهة المتراجعة باتجاه باب المندب. وإذا تمكن الحوثيون من تثبيت سيطرتهم على ذو باب وميون، وتعزيز وجودهم في الجزر الأخرى الحاكمة على باب المندب، فإن ذلك سيمنحهم موقعًا متقدمًا ومؤثرًا على واحد من أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في المنطقة، ويجعل باب المندب في وضع يقترب من السيطرة العملياتية الحوثية.

ومن منظور عسكري، فإن التحولات والتقدمات التي يحققها الحوثيون تشير إلى أن ما يجري لا يمكن قراءته باعتباره مجرد هجوم محدود لاستعادة مواقع أو مدن، وإنما يبدو أقرب إلى هجوم استراتيجي شامل يستهدف تغيير الوضع العملياتي على الساحل الغربي. فالعملية لم تتوقف عند المُخا، وإنما استمر التقدم باتجاه ذو باب وباب المندب، بما يشير إلى محاولة استغلال انهيار الجبهة المقابلة وتحويل الاختراق الأولي إلى مكاسب عملياتية متتابعة، وصولًا إلى فرض واقع جديد على الساحل الغربي.

أما التراجعات والانسحابات السريعة للقوات الموالية للمجلس الرئاسي، فقد وفرت للحوثيين فرصة عملياتية مهمة؛ إذ إن التقهقر والانهيار السريع يفقدان القوات المنسحبة القدرة على تنظيم خطوط دفاع جديدة، ويمنحان القوة المهاجمة فرصة لمواصلة الضغط قبل أن يتمكن الخصم من إعادة تجميع قواته واحتواء الاختراق. ويبدو أن الحوثيين استغلوا هذه الحالة بصورة مباشرة، فبدلًا من التوقف عند المكاسب التي حققوها، واصلوا التقدم لاستثمار حالة الانهيار، وهو ما مكنهم من الوصول إلى ذو باب وميون، وفتح المجال أمام التقدم نحو بقية الجزر والمواقع الحاكمة على باب المندب.

وهنا طبّق الحوثيون قاعدة أساسية في إدارة العمليات العسكرية: عندما يبدأ الخصم في الانهيار والانسحاب بصورة عشوائية، فإن أفضل لحظة للضغط عليه واستثمار هذا الانهيار هي اللحظة نفسها، قبل أن يتمكن من إعادة تنظيم صفوفه واستعادة تماسكه. فالانسحاب العشوائي لا يعني بالضرورة أن الحرب انتهت، لكنه مؤشر على أن القوة المنسحبة فقدت، في تلك اللحظة، جزءًا مهمًا من قدرتها على مواصلة القتال، ولذلك فإن الضغط المستمر عليها يمكن أن يحوّل التراجع التكتيكي إلى انهيار عملياتي واسع، ويتيح للمهاجم تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب قبل أن يستعيد الخصم توازنه. وكلما زاد التقدم والضغط على الخصم في لحظة انهياره وانسحابه العشوائي، فإن القاعدة العسكرية تشير إلى أن الفوز في الحرب يصبح مسألة وقت، وأن خصمك قد اقترب من نهايته.

قصف خط النفط السعودي شرق – غرب وإحداث دمار كبير

في 11 سبتمبر 2026، أظهرت صور الأقمار الصناعية عمودًا كثيفًا من الدخان (طوله حوالي 100 كيلومتر) وبؤرًا حرارية ساخنة مستمرة على طول ممر خط أنابيب النفط السعودي بين الشرق والغرب، جنوب شرق المدينة المنورة.

تُشير بيانات ناسا عن الحرائق إلى وجود بصمات حرارية تتجاوز 70 ميغاواط استمرت لساعات في نقاط متعددة، وهو ما يتجاوز بكثير شدة التوهجات العادية. يُشير بعض المحللين إلى وجود 6-8 نقاط اصطدام واحتمالية حدوث تمزق. لم يصدر أي تأكيد رسمي من شركة أرامكو السعودية أو أي وكالة أنباء حتى الآن.

لكن هذا الخط شديد الأهمية، حيث أنه هو خط التحويل الرئيسي للنفط السعودي بدلًا من مضيق هرمز، ويعمل بطاقة استيعابية تبلغ حوالي 7 ملايين برميل يوميًا، وينقل ما يقرب من 5 ملايين برميل يوميًا من النفط الخام المُصدّر إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.

في حال تأكد وقوع اصطدام هنا، فإنه سيُهدد خط التحويل البديل الذي تعتمد عليه السعودية منذ تقليص إمدادات النفط من ممر هرمز. تجدر الإشارة إلى أن خط الأنابيب  قد تعرض لهجوم سابق في أبريل بغارة جوية إيرانية بطائرة مسيرة، ما أدى إلى توقف تدفق 700 ألف برميل يومياً لمدة أربعة أيام.

وفي هذه المرة، ومع سيطرة الحوثيين على المُخا وذو باب وجزيرة ميون،  فضلًا عن جزيرتي حنيش الكبرى والصغرى، وتهديدهم لمضيق باب المندب على الجانب الآخر من خط البحر الأحمر، فإن أي هجوم مؤكد على خط الأ نابيب سيعني تعرض كلا مساري التصدير الرئيسيين للسعودية لضغوط متزامنة.

رابعًا: حصيلة ثقيلة خلال أيام

أصبح حجم الخسائر أحد أبرز المؤشرات على أن المواجهة لم تعد مجرد مناوشات محدودة.

فبحلول 5 سبتمبر، أشارت تقارير إلى مقتل قرابة 180 مقاتلاً من الطرفين منذ بدء الهجوم، فيما قتل عشرات آخرون في الأيام التالية. وقالت أسوشيتد برس في أحدث تقديراتها إن موجة التصعيد الأخيرة أودت بحياة ما لا يقل عن 194 شخصاً، وأصابت أكثر من 880، بينما تجاوز عدد النازحين 21 ألفاً. 

أما المنظمة الدولية للهجرة، فقد أفادت بأن أكثر من 18,500 شخص فروا من مناطق الساحل الغربي خلال ثلاثة أيام فقط، ما يعطي صورة عن سرعة انتقال الأزمة من الجبهة العسكرية إلى أزمة إنسانية جديدة. 

ويأتي ذلك في بلد لا يزال يعاني أصلاً من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، بعد أكثر من عقد من الحرب والانقسام الاقتصادي والسياسي.

خامسًا: جذور الانفجار تعود إلى يوليو

التصعيد الحالي لم يبدأ في سبتمبر. ففي يوليو الماضي بدأت التهدئة التي حكمت علاقة الحوثيين بالسعودية منذ 2022 بالتآكل بصورة واضحة. وفي 13 يوليو، استُهدف مدرج مطار صنعاء لمنع طائرة إيرانية من الهبوط، وفق الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية. وقال الحوثيون إن السعودية مسؤولة عن الضربة، قبل أن يطلقوا صواريخ باتجاه المملكة في أول هجوم من نوعه منذ سنوات. أما الطائرة الإيرانية فتحولت لاحقاً إلى الحديدة. 

وبعد أيام، أعلن الحوثيون فرض ما وصفوه بـ«حصار بحري» على السعودية، وبدأوا تهديد السفن المرتبطة بالمملكة في البحر الأحمر.  وبذلك انتقل التوتر تدريجياً من مرحلة الحرب اليمنية الداخلية إلى مستوى المواجهة المباشرة مع الرياض.

من هنا يجب طرح التساؤل التالي: إلى أي طرف تُنسب المبادرة بالتصعيد الأخير بعد حالة من الهدوء النسبي لمدة 4 سنوات؟

رؤيتنا أن التطورات الإقليمية المتعلقة بحرب الولايات المتحدة مع إيران هي العامل الأهم فيما يبدو للإجابة عن هذا السؤال. يبدو أن مبادرة التحالف بقيادة المملكة استغل موضوع الطائرة الإيرانية بهدف التصعيد لشغل الحوثي بجبهة واسعة جديدة تحد من قدرته على المشاركة في دعم إيران أثناء حربها مع الولايات المتحدة. وعلى الجانب الأخر، انتهز الحوثي الفرصة للمضي قدمًا في خططه المسبقة للسيطرة على مضيق باب المندب، سواءً بهدف دعم الجهد الإيراني في الحرب مع الولايات المتحدة، وفي نفس الوقت لتكون في وضع تفاوضي أفضل يخدم أجندته الداخلية.

البعدين الأمريكي والإيراني لا يمكن استبعادهما عن المشهد في اليمن. وقد رشحت تقارير عن سي إن إن تُظهر دعمًا من مستشارين أمريكيين وإيرانيين للجانبين السعودي والحوثي على حد سواء، ما يظهر منه البُعد الإقليمي للصراع في اليمن، إضافة إلى البُعد اليمني الداخلي الذي لم يغب عن المشهد بالطبع.

و وفقا لوكالة رويترز، فإن التقدم السريع لحركة أنصار الله الحوثي على طول الساحل الغربي لليمن جرى التخطيط له بتنسيق من ضباط في قوة القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني، وتنفيذه بناء على توجيهات من طهران.
وأفادت مصادر يمنية وإقليمية بأن إيران قدمت معلومات استخباراتية ومعدات وتوجيهات مباشرة، وحثت الحركة على السيطرة على ميناء المُخا، مع وعد بتمويل إضافي وأسلحة. ويرجح أن التنسيق ارتبط بقائد في قوة القدس هو عبد الرضا شهلائي.

إلا أنه فيما يبدو، فإن الجانب الأمريكي لم يقدم نفس الدرجة من الدعم للجانب السعودي. فبحسب الصحفي  باراك رافيد على موقع أكسيوس، أجرى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان اتصالين بالرئيس ترامب يوم الخميس 10 سبتمبر، حاثاً إياه على شن ضربات ضد الحوثيين في الوقت الذي كانت فيه الجماعة المدعومة من إيران تقترب من مضيق حيوي في البحر الأحمر. وذكر مسؤولون أمريكيون أن ترامب رفض ذلك في الوقت الراهن.

سادسًا: لماذا يتحرك الحوثيون الآن؟

هناك عدة دوافع متداخلة.

أولها عسكري: السيطرة على مزيد من المرتفعات غرب تعز يمكن أن تهدد طريق الإمداد لقوى الشرعية بين تعز والمُخا (قبل أن يستولي عليها الحوثيون) وتحسن وضع الحوثيين على الساحل.

والثاني بحري: توسع نفوذهم قرب باب المندب سيعطيهم ورقة ضغط استراتيجية لا تتناسب مع حجم اليمن نفسه، لأن المضيق يمثل أحد أهم الممرات التي تربط المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس.

أما الثالث فهو إقليمي. فالتصعيد يأتي بينما تتصاعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، وتشهد الملاحة في مضيق هرمز اضطرابات كبيرة. وهكذا أصبح الحوثيون قادرين على ممارسة الضغط عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر في الوقت نفسه الذي تواجه فيه الملاحة ضغوطاً عند مضيق هرمز . وهذه معادلة شديدة الحساسية للاقتصاد العالمي. 

ظهر الأن بعد التطورات الأخيرة أن ما استولى عليه الحوثي يمكن أن يوظف لاحداث اضطراب في مضيق باب المندب، حيث أنه من منظور عسكري أصبح ذلك أمر اً سهلًا، نظرًا لسيطرته على المُخا والجزر المطلة على باب المندب، وتنفيذ خطة”كماشة المضائق” لرفع تكلفة الحرب والحصار المستمر على إيران من قِبَل الولايات المتحدة الأمريكية، نظرًا لتعظيم الخسائر في سوق الطاقة والتأثير السلبي على حركة التجارة العالمية.

سعى الحوثيون إلى السيطرة على مواقع قريبة من الساحل وقد نجحوا في ذلك، وقد ينقلون الصواريخ المضادة للسفن والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة،  لرفع تكلفة التأمين البحري، وإجبار شركات الشحن على تغيير مساراتها، وخلق تهديد دائم للسفن. وهذا ما يجعل أثر الجغرافيا أهم من مساحة الأرض التي تتغير السيطرة عليها فعلياً.

السؤال الأن هو مدى قدرة الحوثي على الاستمرار في السيطرة على المواقع الجديدة، خاصة الجزر المكشوفة والتي يمكن استهدافها بسهولة.

سابعًا: ماذا يعني ذلك للبحر الأحمر؟

باب المندب هو نقطة العبور بين خليج عدن والبحر الأحمر، وبالتالي فهو بوابة رئيسية إلى قناة السويس والأسواق الأوروبية.

وفي السنوات الأخيرة أثبت الحوثيون أن مجرد تهديد السفن يمكن أن يدفع شركات الملاحة إلى تحويل رحلاتها حول رأس الرجاء الصالح، ما يضيف أياماً إلى الرحلات ويرفع تكاليف النقل والتأمين.

وإذا اندمج التوتر الجديد في باب المندب مع اضطرابات مضيق هرمز، فإن أسواق الطاقة ستواجه خطرين بحريين في الوقت نفسه.

وقد ظهرت آثار ذلك بالفعل؛ فبعد الهجمات الأخيرة على السعودية ارتفع خام برنت إلى نحو 99  دولاراً للبرميل في 8 سبتمبر، مسجلاً أعلى مستوى له منذ أواخر يوليو، وارتفع سعر البرميل بعد ذلك بشكل حاد، نتيجة أحداث العاشر من سبتمبر، ليصل إلى ما يقارب 109 دولار للبرميل. 

ثامنًا: هل انتهت هدنة 2022 نهائياً؟

الهدنة الأممية الرسمية لعام 2022 لم تستمر رسمياً إلى اليوم، لكنها أنتجت واقعاً من التهدئة سمح بتراجع المواجهات الكبرى بين الحوثيين والسعودية والقوات الحكومية طوال نحو أربع سنوات.

هذا الواقع هو الذي يتفكك الآن.

ما يميز المرحلة الحالية أن ثلاثة خطوط حمراء جرى تجاوزها خلال أسابيع قليلة: عادت العمليات الجوية الواسعة داخل اليمن، وعادت الصواريخ الحوثية إلى السعودية، واتسعت المعارك البرية على جبهات رئيسية.

ولذلك فإن خطر العودة إلى حرب شاملة أصبح أكبر من أي وقت منذ 2022.

تاسعًا: ثلاثة سيناريوهات أمام اليمن

السيناريو الأول هو احتواء القتال بعد تثبيت خطوط جديدة، مع تدخل دبلوماسي سعودي وعُماني ودولي لإعادة التهدئة.

أما الثاني فهو استمرار المعارك على الساحل دون تحولها إلى حرب شاملة، بحيث تصبح غرب تعز والحديدة جبهة استنزاف طويلة.

والسيناريو الأخطر هو أن تتحول الهجمات على السعودية والردود الجوية إلى حلقة تصعيد متبادلة، فتعود المملكة مباشرة إلى الحرب الجوية الواسعة ويتوسع الهجوم الحكومي على عدة محافظات في محاولة لاستعادة أراضٍ يسيطر عليها الحوثيون.

وهذا الاحتمال لم يعد نظرياً بالكامل؛ فالحكومة اليمنية تقول حالياً إنها تريد استعادة جميع الأراضي الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، في وقت تتحدث فيه تقارير عن هجمات على عدة جبهات وليس فقط الساحل الغربي. 

عاشرًا: تقدير استراتيجي:

من منظور استراتيجي أوسع، فإن الحرب الجارية الآن في اليمن قد تكون جزءًا من مساعي الولايات المتحدة لإدارة الحرب الإقليمية بأسلوب جديد، بعد أشهر من المساعي العسكرية الحثيثة التي لم تستطع من خلالها تحقيق أهدافها الرئيسية، والمتمثلة في إسقاط النظام الإيراني، والقضاء على مشروعيه النووي والباليستي، والسيطرة على مضيق هرمز والنفط الإيراني. وفي ضوء ذلك، يبدو أن هذه الإدارة الجديدة للصراع تعمل عبر مسارين رئيسيين:

الأول: حصار إيران وخنقها اقتصاديًا

يتمثل المسار الأول في فرض حصار على إيران بهدف خنقها اقتصاديًا وإضعاف قدرتها على تمويل قدراتها العسكرية وشبكة حلفائها الإقليميين. وهذا الحصار، وإن كان يبدو في ظاهره أداة اقتصادية، فإنه في جوهره عمل عسكري واستراتيجي، ولكن بصورة مختلفة عن العمليات العسكرية المباشرة واسعة النطاق، لأنه يقوم على استخدام القوة والضغط العسكريين للتحكم في حركة الموارد والسلع والطاقة وطرق الإمداد، دون الانخراط مجددًا في حرب شاملة تستنزف القدرات الأمريكية الاستراتيجية.

هذا المسار قد يكون أكثر ملاءمة للولايات المتحدة في المرحلة الحالية، لأن الدخول في حرب شاملة جديدة يحمل تكلفة استراتيجية مرتفعة، سواء على مستوى استنزاف القوات والذخائر والمنظومات الدفاعية والهجومية، أو على مستوى الانتشار العسكري الأمريكي في المنطقة، فضلًا عن المخاطر المرتبطة بتوسيع دائرة الحرب وفتح جبهات جديدة. وبالتالي، فإن الحصار يمثل محاولة للضغط على إيران وإضعافها تدريجيًا، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الجزء الأكبر من القدرات العسكرية الأمريكية وعدم استنزافها في مواجهة مفتوحة طويلة الأمد.

لكن المشكلة بالنسبة لهذا المسار هي أن إيران تبدو قادرة على التكيف مع الضغوط الاقتصادية والعسكرية، وعلى تطوير آليات للالتفاف على الحصار وإعادة تنظيم اقتصادها وطرق تجارتها وإمدادها، فضلًا عن قدرتها على استخدام أدواتها الإقليمية للضغط المضاد. وبالتالي، فإن الحصار وحده قد لا يكون كافيًا لتحقيق الهدف الأمريكي، خاصةً إذا استطاعت إيران تحويل الضغط الواقع عليها من عامل يؤدي إلى الانهيار إلى عامل يدفعها إلى مزيد من التكيف وإعادة توزيع مواردها وقدراتها.

ومن هنا، يبدو أن الحصار الاقتصادي، مهما بلغت شدته، قد يفقد جزءًا من فاعليته إذا لم يترافق مع ضغط عسكري وسياسي على البيئة الإقليمية المحيطة بإيران، وهو ما يقود إلى المسار الثاني.

الثاني: إضعاف الحلفاء من خلال الحروب بالوكالة

يقوم المسار الثاني على محاولة إضعاف شبكة الحلفاء والقوى المرتبطة بإيران من خلال دفعها إلى حروب مباشرة أو غير مباشرة، بحيث تتحول هذه القوى من أدوات للضغط على خصوم إيران إلى أطراف مستنزفة في صراعات داخلية وإقليمية. وبدلًا من مواجهة هذه القوى بصورة مباشرة، يجري استخدام أطراف محلية وإقليمية لخوض المعركة نيابة عن القوى الدولية، بما يقلل من التكلفة البشرية والعسكرية المباشرة ويمنح الولايات المتحدة مساحة أكبر للمناورة.

في هذا السياق، يمكن قراءة الحرب الجارية في اليمن باعتبارها أحد النماذج المهمة لهذا المسار، من خلال إدخال الحوثي في حرب أهلية جديدة، مع وجود دعم ومظلة جوية سعودية لمعاونة القوات الموالية للمجلس الرئاسي اليمني. والفكرة هنا هي استنزاف الحوثيين عسكريًا وإضعاف قدراتهم وإجبارهم على خوض معركة طويلة داخل الأراضي اليمنية، بما يؤدي في النهاية إلى تقليص قدرتهم على العمل كقوة إقليمية مرتبطة بإيران.

كما يمكن وضع المحاولة المتعلقة بسوريا في السياق ذاته، من خلال السعي إلى إدخال الدولة السورية في مواجهات مع حزب الله، بما يؤدي إلى فتح جبهة جديدة تستنزف الحزب وتضعفه، إلا أن هذا المسار لم يتحول حتى الآن إلى مواجهة فعليه تحقق الهدف المطلوب، نظرًا لأن الإدارة السورية الجديدة ترفض المساعي الأمريكية لإدخالها في مواجهات ضد حزب الله لا فائدة منها لسوريا الجديدة.

والأمر ذاته ينطبق على العراق، حيث توجد محاولات لإدخال الفصائل والميليشيات في مواجهات مع الدولة العراقية، بما يؤدي إلى استنزاف هذه الفصائل وإضعافها من الداخل، وإجبارها على الانتقال من العمل ضد إسرائيل أو القوات الأمريكية إلى مواجهة داخلية مع مؤسسات الدولة العراقية. إلا أن هذا المسار أيضًا لم يصل حتى الآن إلى النتيجة التي يمكن أن تؤدي إلى إضعاف هذه الفصائل بصورة حاسمة.

وسبق ذلك السعي إلى إدخال بعض الحركات الكردية في مواجهات مع الحرس الثوري الإيراني، باعتبار أن فتح جبهة داخلية في المناطق الكردية يمكن أن يفرض على إيران توزيع قدراتها العسكرية والأمنية على أكثر من اتجاه، إلا أن الحرس الثوري استطاع احتواء هذا المسار وتلجيم تلك الحركات ومنع تحولها إلى تهديد استراتيجي واسع داخل إيران.

والشاهد هنا أن الولايات المتحدة، في هذا المسار، تحاول الإعتماد بدرجة كبيرة على وكلاء محليين وإقليميين لتنفيذ أهدافها بصورة غير مباشرة، دون أن تنخرط هي في الصراع بشكل مباشر (كما أشرنا من قبل لرفض ترامب لطلب ولي العهد السعودي لدعم المعارك الأخيرة)، إلا أن المشكلة الأساسية تكمن في أن هؤلاء الوكلاء ليسوا بالضرورة قادرين على تنفيذ الأهداف الموضوعة لهم. فالقوة التي يمكن استخدامها كأداة في حرب بالوكالة قد تكون لديها حساباتها الخاصة، وقدراتها المحدودة، وانقساماتها الداخلية، ومصالحها السياسية المختلفة، وهو ما يجعل تحويلها إلى أداة فعالة لتنفيذ استراتيجية أمريكية أوسع أمرًا بالغ الصعوبة.

يظهر فشل هذه الاستراتيجية الأمريكية بوضوح في الحالة اليمنية؛ فبدلًا من أن تؤدي الحرب إلى إضعاف الحوثيين وإجبارهم على التراجع، فإن ما جرى حتى الآن، وفق قراءة تطورات الميدان، قد أدى إلى نتيجة عكسية، تمثلت في قدرة الحوثيين على التكيف مع العمليات العسكرية، والاستمرار في القتال، بل وتحقيق تقدم ميداني في بعض المحاور الاستراتيجية. وبذلك تحولت الحرب التي يفترض أن تستنزف الحوثي إلى فرصة لإعادة ترتيب صفوفه وتعزيز موقعه الميداني، وهو ما يعني أن استخدام الوكلاء لم يؤد بالضرورة إلى النتيجة التي أرادتها الجهة الداعمة.

وهنا تظهر المفارقة الأساسية في هذا المسار؛ فالولايات المتحدة قد تكون قادرة على توفير المعلومات والدعم الاستخباراتي والقدرات العسكرية والتغطية السياسية، لكنها لا تستطيع بالضرورة نقل هذه القدرات إلى الوكيل المحلي وتحويلها تلقائيًا إلى انتصار ميداني. فالحرب بالوكالة تحتاج إلى قوة محلية قادرة على تنفيذ العمليات، وتتمتع بتماسك القيادة والسيطرة، ووضوح الهدف، والقدرة على الاحتفاظ بالمكاسب التي تحققها، وليس فقط القدرة على شن الهجمات.

وقد تمثل هذا، لكن بشكل مختلف، في التجربة السابقة مع الحركات الكردية ، التي سعت إلى الضغط على إيران من الداخل، لكن الحرس الثوري استطاع إجهاض هذا المسار من خلال احتواء تلك الحركات ومنعها من التحول إلى تهديد واسع النطاق. وبالتالي، فإن التجارب المتتالية تشير إلى أن المشكلة ليست فقط في وجود وكلاء يمكن تحريكهم ضد حلفاء إيران، وإنما في مدى قدرة هؤلاء الوكلاء على تحقيق الأهداف العسكرية والسياسية التي تُرسم لهم، فضلًا عن حدود ما تقدمه الولايات المتحدة لهم من الدعم.

ومن ثم، فإن الحرب الجارية في اليمن لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد صراع يمني داخلي أو معركة منفصلة عن السياق الإقليمي، وإنما يجب النظر إليها من منظور استراتيجي أوسع، باعتبارها اختبارًا لفاعلية هذا النمط الجديد من إدارة الحرب: الضغط على إيران من الخارج عبر الحصار، وإضعاف شبكة حلفائها من الداخل عبر الحروب بالوكالة، مع تجنب الانخراط الأمريكي المباشر في حرب إقليمية شاملة جديدة.

لكن نجاح هذا النمط يبقى مرتبطًا بقدرة الوكلاء على تحقيق نتائج عسكرية مستدامة، وهو ما تواجهه عدد من علامات الاستفهام طبقًا للتطورات اليمنية الحالية،  خصوصًا إذا انتهت العمليات إلى إضعاف القوات الموالية للمجلس الرئاسي بدلًا من إضعاف الحوثيين، وتحول الحوثي من طرف يتعرض للاستنزاف إلى طرف يمتلك زمام المبادرة الميدانية. وفي هذه الحالة، فإن الحرب بالوكالة قد تتحول من أداة لإضعاف الحليف إلى عامل يساعده على إعادة التموضع وتعزيز قدرته على الاستمرار.

هناك بُعد أخر يؤثر على إمكانية توظيف بعض القوى على الأرض بالوكالة بكفاءة، ظهر بوضوح في الحالة اليمنية. فالمهم ليس مجرد تحشيد قوات كثيرة بقدرات عالية لأطراف متشاكسة في الأصل، تظهر الخلافات بينها عند أول منعطف، ما يؤثر على كفاءة التنسيق العملياتي للجهود العسكرية، بل قد يؤدي دورًا مضادًا للأهداف المطلوبة، كما حدث مع انسحاب القوات الموالية لطارق صالح، ما سهل تقدم الحوثيين للغرب، وكذلك ما نُقل عن أنه بينما كان الحوثيون يواصلون التقدم، اندلعت اشتباكات خلال الليل في ضواحي عدن بين قوات مدعومة من السعودية، والتي كانت قد انسحبت من منطقة المُخا، وقوات سابقة مدعومة من الإمارات. في المقابل، ظهرت قوات الحوثيين كجسم متماسك بقيادة عسكرية ميدانية واحدة، ما يمكنها من إدارة المعارك بكفاءة.

في سياق أخر، يبدو أن القوات الموالية للمجلس الرئاسي، بمعاونة السعودية (بموافقة أمريكية)، قد تكون تعاملت مع العملية باعتبارها أقرب إلى نموذج عملية «ردع العدوان»، التي أدت إلى سقوط نظام الأسد في سوريا، لكنها أغفلت اختلاف الظروف العسكرية والاستراتيجية بين الحالتين. ففي الحالة السورية، فقد الأسد جزءًا مهمًا من عوامل القوة الخارجية التي كانت تدعم بقاء نظامه؛ إذ انشغلت روسيا بالحرب في أوكرانيا، وتراجع دور قوات حزب الله نتيجة حربها مع إسرائيل، بينما كانت إيران نفسها منشغلة بالحرب الأمريكية. أما في اليمن، فإن الحوثي يدخل هذه المواجهة في ظروف مختلفة؛ فهو لا يزال موجودًا في مواقعه، ولم يفقد قوته الرئيسية، ويملك قوات متماسكة وخبرة قتالية طويلة، كما يبدو أنه كان يدرك مسبقًا احتمال تعرضه لهجوم واسع، وبالتالي أعد خططًا للمواجهة والتعامل مع الهجوم. ومن ثم، فإن محاولة تكرار نموذج عسكري نجح في سوريا لا تعني بالضرورة إمكانية تكرار نتائجه في اليمن، لأن ميزان القوة والجاهزية والقيادة والسيطرة والظروف الإقليمية المحيطة بالحالتين مختلفة بصورة جوهرية.

الخلاصة تتمثل في أن القراءة الصحيحة للمشهد في اليمن، أو في أي ساحة صراع أخرى في المنطقة، يجب أن تربطه بالسياق الإقليمي الواسع. بالنسبة لليمن، فإنء تصاعد الحرب تزامن مع تصعيد إيراني ضد أهداف أمريكية، ورد مباشر موسع على الاستهدافات الأمريكية يوم 09 سبتمبر 2026، وذلك قد يشير إلى أننا أمام معادلة جديدة مفادها: كلما تصاعدت الحرب على الحوثيين، صعّدت إيران ووسّعت نطاق استهدافاتها في هرمز وضد أهداف أمريكية متعددة في المنطقة.

بمعنى آخر، قد يعني تصعيد العمليات ضد الحوثيين توسّعًا في نطاق النيران الإيرانية، بما يحوّل الضغط على الحوثيين من مواجهة محلية في اليمن إلى عامل قد يدفع إيران إلى توسيع مستوى التصعيد إقليميًا، وقد يدخل هذا ضمن ترميم مبدأ وحدة الساحات الذي تعمل عليه إيران.

على هذا الأساس، فإن أي محاولة لاستشراف مسار الصراع في اليمن ينبغي أن تأخذ الحرب الجارية بين الولايات المتحدة وإيران في الإعتبار. إستمرار هذه الحرب دون أفق واضح لانتهائها يعني بكل تأكيد أن الصراع في اليمن سيظل مستمرًا ومتصاعدًا في الأجل المنظور.


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


محمود جمال

باحث متخصص في العلاقات المدنية العسكرية والدراسات الاستراتيجية والأمنية ومدير وحدة الرصد والتوثيق بالمعهد المصري للدراسات

صوفيا خوجاباشي

صحفية وباحثة في العلاقات الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى