تقديرات

من قلب السليكون النابض إلى دولة الشبكة – نحو هيمنة أباطرة التكنولوجيا على الدولة العميقة وحكم العالم


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


تتحول ولاية أوهايو بهدوء من قلب صناعي تقليدي في الغرب الأوسط الأمريكي إلى واحدة من أهم ساحات سباق البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة. فخلال سنوات قليلة، اجتمعت في الولاية استثمارات أمازون وغوغل وميتا ومايكروسوفت وإنتل، ثم توسعت الدائرة إلى الصناعات الدفاعية المتقدمة ومراكز البيانات العملاقة. وفي أغسطس/آب 2026 أضيف إلى المشهد مشروع ضخم لـ OpenAI  في جنوب أوهايو بدعم مالي من شركة إنفيديا Nvidia يصل إلى عشرات المليارات من الدولارات، في مؤشر على أن وصف المنطقة بـقلب السليكون النابض«Silicon Heartland»  لم يعد مجرد شعار للتنمية المحلية، بل بات يعكس تحولًا حقيقيًا في الجغرافيا التكنولوجية الأمريكية. (شاهد)

لكن وراء هذا الصعود قصة أقدم بكثير من طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية. فقد بدأ جزء مهم من البنية الاقتصادية التي تستقبل شركات التكنولوجيا اليوم في ضاحية صغيرة قرب مدينة كولومبوس في ولاية أوهايو تدعى “نيو ألباني”، حيث أسس الملياردير “ليسلي ويكسنر” وشريكه “جاك كيسلر” شركة New Albany Company  في ثمانينيات القرن الماضي، وبنيا نموذجًا يعتمد بصورة مكثفة على الشراكة بين القطاعين العام والخاص”Public – Private Partnership”  لتطوير الأراضي والبنية التحتية وجذب الشركات. وتصف الشركة نفسها حتى اليوم بأنها نتاج «شراكة عامة–خاصة» وثيقة مع مدينة نيو ألباني، وأن النموذج الذي طورته أصبح أساسًا لتوسعها في مناطق أخرى من أوهايو.

مدينة صُممت لتعمل «بسرعة الأعمال»

لم يكن تطور نيو ألباني نموًا حضريًا تقليديًا. فقد وضعت New Albany Company مخططًا رئيسيًا للمدينة، وساهمت في تطوير مناطق السكن والأعمال والبنية التحتية، بينما عملت السلطات المحلية بالتوازي على تسريع إجراءات التخطيط والتراخيص لجذب الشركات.

ووصلت فلسفة المدينة إلى التعبير عنها بشعار واضح: العمل”بسرعة الأعمال لا بسرعة الحكومة”. وتشير وثائق الشركة نفسها إلى أن السلطات عدلت بعض الإجراءات والقوانين المحلية لتسهيل وصول الشركات إلى المنطقة، في نموذج أصبحت فيه العلاقة بين المطور الخاص والحكومة المحلية عنصرًا أساسيًا من عملية التنمية.

هذا النموذج هو أحد مفاتيح فهم ما حدث لاحقًا. فحين بدأت الشركات التكنولوجية تبحث عن مواقع لمراكز البيانات، كانت نيو ألباني تقدم حزمة يصعب منافستها: أراضٍ واسعة جاهزة للبناء، ألياف ضوئية، مصادر كهرباء متعددة، خطوط نقل ذات قدرة مرتفعة، طرق سريعة، إجراءات ترخيص سريعة، إضافة إلى حوافز مالية من سلطات الولاية والمؤسسات الاقتصادية المحلية.

وهكذا أصبحت المنطقة تدريجيًا مقرًا لمراكز بيانات تابعة إلى Amazon Web Services  وMeta  وGoogle  و Microsoft، بينما اختارت إنتل Intel المنطقة نفسها لإنشاء مصانع أشباه موصلات كان حجم الاستثمار المعلن فيها قد ارتفع إلى 28 مليار دولار.

دخول جيفري إبستين على الخط

ترتبط المرحلة الأولى من تطوير نيو ألباني أيضًا بجيفري إبستين، صاحب الملفات السرية والضجة الكبرى التي أثيرت في السنوات الأخيرة، والذي كان خلال تلك الفترة مديرًا ماليًا ومستشارًا شديد النفوذ لدى الملياردير ليزلي ويكسنر الشارك في تأسيس شركة نيو ألباني، وصاحب العلامات التجارية الشهيرة Victoria Secrets للملابس الداخلية ومنتجات التجميل النسائية، وBath & Body Works للعطور ومنتجات العناية بالجسم.

وتؤكد وثائق وسجلات متعددة أن العلاقة لم تقتصر على إدارة الأموال الشخصية؛ فقد منح ويكسنر  لإبستين توكيلًا واسعًا لإدارة شؤونه المالية عام 1991، كما ظهر إبستين في سجلات مرتبطة بمشروع نيو ألباني، وورد اسمه إلى جانب ويكسنر في تسجيل للشركة عام 1998. وتؤكد مجلة Forbes  أن إبستين كان مدرجًا كشريك في إدارة الكيان، وإن كانت لا تجد دليلًا على أنه مارس دورًا تشغيليًا يوميًا واسعًا داخل الشركة.

كما كان إبستين، طبقًا للصحفيين الإستقصائيين مارك جدوين، و ويتني ويب (وهي أهم من كشف تطورات وتفاصيل قصة إبستين وكيفية استخدامه لابتزاز الشخصيات الهامة لتحقيق النفوذ، وكذلك في خدمة الكثير من الأجندات الإستخبارية الأمريكية والإسرائيلية، في كتاب شهير من جزئين بعنوان: One Nation Under Blackmail ) حاضرًا في عدد من الكيانات العقارية والمالية المرتبطة بنيو ألباني خلال التسعينيات، وأنه امتلك عقارات في المنطقة وأدار جزءًا من أعماله المالية منها.

لكن هنا يجب الفصل بين الحقيقة الموثقة والاستنتاج.

وجود إبستين في البنية المالية والعقارية المبكرة لنيو ألباني موثق، وكذلك علاقته الوثيقة بويكسنر. أما القول إن إبستين هو الذي وجّه لاحقًا Amazon أو Google أو Meta إلى اختيار نيو ألباني، أو أنه صمم بصورة مباشرة مركز الذكاء الاصطناعي الذي نشاهده اليوم، فلا توجد أدلة مستقلة كافية تثبته.

الأدق أن البنية العقارية والمؤسساتية التي شارك فيها خلال تلك المرحلة أصبحت لاحقًا جزءًا من البيئة التي استقطبت شركات التكنولوجيا، من دون أن يعني ذلك وجود سلسلة سببية مثبتة بين نشاطه في التسعينيات وقرارات الشركات بعد عقدين.

من العقارات إلى مركز بيانات عملاق

بدأ التحول التكنولوجي بصورة أكثر وضوحًا خلال العقد الماضي. ففي 2014 دخلت  Compass Datacenters  المنطقة، ثم جاءت AWS وMeta  وGoogle وغيرها.

واليوم يقول موقع New Albany Business Park إن المنطقة تستضيف استثمارات رئيسية من غوغل وأمازون ومايكروسوفت وميتا، إلى جانب قطاع أشباه الموصلات والصناعات الطبية.

وتقول Meta وحدها إنها استثمرت أكثر من 1.5 مليار دولار في مركزها في نيو ألباني، مع أكثر من 300 وظيفة تشغيلية مباشرة، إضافة إلى العمالة المرتبطة بالبناء.

أما  AWS، فتقول JobsOhio إن الشركة التزمت باستثمارات تصل إلى 23 مليار دولار في أوهايو حتى 2030، وإن استثماراتها الأولى في مراكز البيانات بدأت تحديدًا من نيو ألباني.

إلى جانب ذلك، أصبحت المنطقة مركزًا لمشروع إنتل الذي يُفترض أن يضع أوهايو داخل سلسلة صناعة أشباه الموصلات الأمريكية، رغم أن المشروع عانى تأخيرات كبيرة وأصبح أول مصنع متوقعًا للعمل قرب بداية العقد المقبل بدل الجدول الزمني الأصلي.

والأهم أن هذا التوسع لم يعد محصورًا في وسط الولاية. ففي 17 أغسطس/آب 2026 كشفت  OpenAI  عن مشروع هائل في أوهايو تدعمه Nvidia ويهدف في مرحلته النهائية إلى توفير عدة غيغاواط من قدرة الحوسبة، ما يعزز فكرة تحول الولاية بكاملها، وليس نيو ألباني وحدها، إلى بنية تحتية وطنية للذكاء الاصطناعي.

المال العام وراء «Silicon Heartland»

هذا النمو لم يعتمد على استثمارات الشركات الخاصة وحدها.

لعبت JobsOhio، وهي مؤسسة تنمية اقتصادية خاصة أنشأتها الولاية، دورًا محوريًا في جذب الاستثمارات وتقديم الحوافز، بالتعاون مع New Albany Company والسلطات المحلية ومؤسسات أخرى.

في حالة إنتل، تؤكد JobsOhio رسميًا أن المشروع تحقق بعد تعاون بين المؤسسة، وOne Columbus، وNew Albany Company، وحكومة الولاية والسلطات المحلية.

كما حصلت شركات التكنولوجيا على حوافز ضريبية واستثمارات عامة كبيرة في البنية التحتية. ووفرت أوهايو لإنتل حزمة دعم تقارب ملياري دولار، إضافة إلى إنفاق حكومي على الطرق والبنية المحيطة بالمشروع.

واتسع النموذج إلى الصناعات العسكرية. ففي 2025 قدمت JobsOhio لشركة أندوريل Anduril، المتخصصة في الطائرات المسيّرة والأنظمة الدفاعية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، منحة قيمتها 310  ملايين دولار مقابل مشروع تصنيع ضخم والتزام بإنشاء أكثر من أربعة آلاف وظيفة.

وهنا تتضح طبيعة التحول: أوهايو لا تستقطب مجرد شركات إنترنت، بل تجمع في منطقة واحدة تقريبًا الحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والصناعات العسكرية المتقدمة، والطاقة اللازمة لتشغيلها.

لكن من يدفع ثمن التوسع؟

كلما كبرت مراكز البيانات، بدأ الوجه الآخر للقصة يظهر بصورة أوضح.

تحقيق لرويترز في يوليو/تموز 2026 وجد أن الطلب الهائل على الكهرباء من مراكز البيانات بدأ يضغط على الصناعات التقليدية في ولايات حزام الصدأ الأمريكي، بما فيها أوهايو. وارتفعت تكاليف القدرة الكهربائية في سوق PJM بصورة حادة، فيما اشتكت مصانع في الولاية من زيادات كبيرة في فواتير الكهرباء.

وتحول الأمر بالفعل إلى قضية سياسية داخل أوهايو. ففي يونيو/حزيران 2026 قررت الولاية تعليق منح إعفاءات ضريبية جديدة لمراكز البيانات، بعدما قفزت التكلفة المقدرة لهذه الإعفاءات من نحو 136 مليون دولار إلى قرابة 1.6 مليار دولار، وسط احتجاجات محلية متصاعدة على استهلاك الكهرباء والمياه والأراضي.

ويزداد الجدل لأن مراكز البيانات لا تخلق عادة العدد نفسه من الوظائف الدائمة الذي تخلقه المصانع التقليدية. فالكثير من الوظائف يظهر أثناء مرحلة البناء، بينما تحتاج المنشآت بعد تشغيلها إلى عدد محدود نسبيًا من العاملين مقارنة بحجم الاستثمار والحوافز الممنوحة لها.

وبحلول أغسطس/آب، أصبح استياء الناخبين من مراكز البيانات قويًا إلى درجة أن مذكرة داخلية للحزب الجمهوري حذرت شركات الذكاء الاصطناعي من أن القضية باتت تهدد فرص الحزب الانتخابية في أوهايو، بعدما تحولت مراكز البيانات لدى جزء من الرأي العام إلى رمز لارتفاع تكاليف الطاقة والتوسع التكنولوجي غير المنضبط.

أكثر من مجرد «وادي سيليكون جديد»

لهذا فإن أهمية ما يجري في أوهايو تتجاوز السؤال التقليدي حول نجاح الولاية في جذب الاستثمارات.

ما يتشكل هناك هو نموذج تتداخل فيه الحكومة المحلية، والمطور العقاري، وصناديق التنمية، وشركات التكنولوجيا، وشركات الدفاع، وشبكات الطاقة داخل عملية واحدة لإعادة تصميم الاقتصاد الإقليمي.

ويقدم أنصار ذلك النموذج بوصفه سياسة صناعية ناجحة تعيد التصنيع والتكنولوجيا إلى قلب الولايات المتحدة وتقلل الاعتماد على الساحلين الشرقي والغربي.

لكن منتقديه يطرحون سؤالًا مختلفًا: عندما تقدم الدولة الأراضي والبنية التحتية والحوافز والضرائب المخفضة، بينما تحصل الشركات الخاصة على الجزء الأكبر من الملكية والعوائد، أين تنتهي الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وأين يبدأ انتقال القرار الاقتصادي من المؤسسات المنتخبة إلى شبكات الشركات؟

وهذه النقطة هي قلب القراءة التي يقدمها تحقيق ويتني ويب على موقع Unlimited Hangout، حيث ترى أن النموذج الذي بدأه ويكسنر في نيو ألباني أصبح قالبًا أوسع لحكم التنمية الاقتصادية في أوهايو، وأن «Silicon Heartland»  ليس مشروعًا تكنولوجيًا فحسب، بل نتيجة عقود من إعادة تشكيل الحدود بين رأس المال الخاص والسلطة العامة.

لكن استخدام تعبيرات مثل «الاستيلاء على الحكومة» أو «دولة تكنوقراطية» يبقى وصفًا تحليليًا وسياسيًا لبعض المحللين، وليس مثبتًا بشكل نهائي. إلا أنه في نفس الوقت، وكما نرى، يتوافق مع أفكار شخصيات نافذة في عالم التكنولوجيا، يأتي ملياردير التكنولوجيا ومؤسس شركة بالانتير المثيرة للجدل، بيتر ثيل، على رأسهم، وهو ما قمنا باستعراضه من قبل من خلال المعهد المصري، ونفصل فيه في جزء لاحق من هذه الدراسة، حول نموذج حكم الشركة الخاصة القائمة على التكنولوجيا والإبتكار، كبديل عن نموذج الدولة الوطنية. ما يمكن إثباته بصورة أوضح هو أن نيو ألباني اعتمدت فعلًا نموذجًا استثنائيًا من الشراكة العامة–الخاصة، وأن هذا النموذج أصبح جزءًا أساسيًا من البنية التي تستقبل اليوم بعض أكبر استثمارات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة.

أوهايو قد تصبح إحدى عقد القوة الجديدة في الاقتصاد الأمريكي

مع انتقال سباق الذكاء الاصطناعي من البرمجيات إلى الأرض والكهرباء والرقائق ومراكز البيانات، تتغير خريطة القوة داخل الولايات المتحدة.

ففي عصر وادي السيليكون الأول، كانت القيمة تتركز حيث يوجد المبرمجون ورأس المال الاستثماري. أما عصر الذكاء الاصطناعي فيحتاج إلى مراكز بيانات، وغيغاواطات من الكهرباء، ومساحات شاسعة، وشبكات ألياف ضوئية، ومحطات طاقة، ومصانع رقائق وموافقات حكومية سريعة.

وهذه بالضبط هي الموارد التي تبني أوهايو حاليًا، ونيو ألباني بصورة خاصة، نموذجها الاقتصادي حولها.

لذلك فإن ما يجري ليس مجرد انتقال بعض مراكز البيانات من كاليفورنيا إلى الغرب الأوسط. إنه انتقال جزء من البنية المادية للقوة التكنولوجية الأمريكية إلى قلب البلاد.

والمفارقة ذات الدلالة الكبرى أن البنية التي تستقبل اليوم OpenAI وNvidia وAmazon وGoogle وMeta وMicrosoft تعود جذورها إلى مشروع عقاري بدأ قبل نحو أربعة عقود حول رجل الأعمال ليسلي ويكسنر صاحب العلامات الشهيرة في المنتجات النسائية، وشارك جيفري إبستين في أجزاء من شبكته المالية المبكرة.

لكن القصة الأهم اليوم لم تعد إبستين نفسه، بل النموذج الذي بقي بعده: تحالف طويل الأمد بين رأس المال العقاري، والتنمية الممولة حكوميًا، والطاقة، والتكنولوجيا، أصبح قادرًا على إعادة تشكيل ولاية كاملة لتناسب متطلبات اقتصاد الذكاء الاصطناعي، قد تتحول إلى نموذج لشكل السلطة الجديد، الذي يطمح إليه بيتر ثيل ورفاقه، كما نناقش في الأجزاء التالية من الدراسة، والقائم على أسلوب الشركات الخاصة التي يديرها رئيس مجلس إدارة، وليس رئيس سياسي منتخب .

“دولة الشبكة” تخرج من الهامش… كيف تحولت أفكار  وادي السيليكون عن خصخصة الحكم إلى نفوذ سياسي واقتصادي حقيقي؟

لم تعد طموحات بعض أقطاب وادي السيليكون محصورة في بناء الشركات أو تطوير الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية. فمنذ نحو عقدين تشكل داخل دوائر التكنولوجيا ورأس المال الاستثماري تيار فكري أكثر جرأة، ينطلق من التشكيك في قدرة الحكومات التقليدية على مواكبة التطور، ويطرح في المقابل نماذج تقوم على المدن الخاصة، والمناطق ذات التنظيم المستقل، وتحويل بعض وظائف الدولة إلى خدمات تديرها الشركات.

لسنوات، بقيت هذه الأفكار أقرب إلى التجارب الهامشية: إنشاء مجتمعات عائمة خارج سيادة الدول، أو بناء مدن ذات قوانين مستقلة، أو تأسيس مجتمعات رقمية تتحول لاحقًا إلى كيانات سياسية. لكن عوامل كثيرة، أهمها صعود شخصيات مرتبطة بهذا التيار إلى دوائر صنع القرار، وتوسع شركات التكنولوجيا في الدفاع والاستخبارات والخدمات الحكومية، ودخول الذكاء الاصطناعي بسرعة إلى شتى مجالات الحياة، فضلًا عن الإمكانات المالية الهائلة التي أتيحت لأباطرة التكنولوجيا، أعادت فتح النقاش حول سؤال أكبر: هل يتحول رأس المال التكنولوجي تدريجيًا من قطاع يعمل داخل الدولة إلى قوة تسعى لإعادة تشكيل الطريقة التي تعمل بها الدولة نفسها؟

هذا هو الخيط الذي يجمع بين بيتر ثيل، الذي يظهر كقاسم مشترك ومؤثر في أغلب المشاريع التي نتحدث عنها، وشركات مثل  Palantir، ومشروعات المدن الخاصة، وPróspera  في هندوراس، ومفهوم «دولة الشبكة»، وصولًا إلى مناطق اقتصادية وتنظيمية خاصة أصبحت تظهر داخل السياسات الحكومية الأمريكية نفسها.

البداية من فكرة “الهروب من السياسة”

برزت إحدى البدايات الواضحة لهذا التيار عام 2008 مع تأسيس The Seasteading Institute  بقيادة باتري فريدمان، حفيد العالم الاقتصادي الشهير ميلتون فريدمان، وبدعم مالي مبكر من المستثمر بيتر ثيل.

كان المشروع يقوم على إنشاء مجتمعات دائمة في البحر، بعيدة قدر الإمكان عن القيود السياسية والتنظيمية للدول القائمة. الفكرة لم تكن هندسية فقط، بل سياسية في جوهرها: إذا كان من الصعب تغيير الحكومات الموجودة، يمكن بناء مجتمعات جديدة تُجرّب فيها أنظمة مختلفة للحكم والضرائب والملكية.

ويمثل ذلك امتدادًا لفكرة أوسع تبناها ثيل في تلك المرحلة، وهي البحث عن التكنولوجيا باعتبارها مخرجًا من السياسة التقليدية. ويُنقل عنه قوله إن «التكنولوجيا بديل مذهل عن السياسة»، في تعبير يلخص اتجاهًا يرى أن الابتكار يستطيع فتح مجالات للعمل بعيدًا عن القيود التي تفرضها المؤسسات الديمقراطية والبيروقراطية.

لكن التجارب البحرية لم تتحول إلى بديل جدي للدولة. ومع مرور الوقت تغير الاتجاه: بدل البحث عن مكان خارج الحكومة، بدأ جزء من هذه الشبكة يبحث عن طرق لإنشاء مناطق مختلفة داخل الدول نفسها، أو إدخال التكنولوجيا إلى صميم المؤسسات الحكومية.

من المدينة العائمة إلى «دولة الشبكة»

وفّر كتاب The Sovereign Individual، الصادر عام 1997، خلفية فكرية مهمة لهذا التيار. فقد توقع أن تؤدي التكنولوجيا الرقمية والعملات المشفرة والأتمتة إلى إضعاف سلطة الدول القومية، وأن يصبح الأفراد الأكثر قدرة اقتصاديًا وتقنيًا أقل ارتباطًا بمكان واحد، وأكثر قدرة على اختيار النظام القانوني والضريبي الذي يناسبهم.

ومن الواضح التأثير الكبير الذي تركه هذا الكتاب في بيتر ثيل وفي دوائر تكنولوجية أوسع، خاصة مع تحقق جزء من توقعاته المتعلقة بالعملات الرقمية والأتمتة.

لاحقًا، أصبحت هذه الفكرة أكثر تنظيمًا في مشروع “دولة الشبكة The Network State”  الذي ارتبط باسم المستثمر  ورائد التكنولوجيا بالاجي سرينيفاسان.

بدل البدء بأرض وحدود ثم بناء مجتمع، يقترح النموذج المسار المعاكس: يبدأ المجتمع عبر الإنترنت، ويتشكل حول أفكار  ومصالح مشتركة، ثم يجمع الأموال ويشتري الأراضي وينشئ مؤسسات وخدمات خاصة به، على أمل الوصول في النهاية إلى شكل من الاعتراف السياسي.

في هذه الرؤية، تصبح التكنولوجيا وسيلة لبناء مجتمع سياسي قبل امتلاك إقليم سياسي.

لكن أكثر التطبيقات إثارة للاهتمام لم يأتِ من الإنترنت أو البحر، بل من مناطق حصلت على ترتيبات قانونية خاصة داخل دول قائمة.

بروسبيرا Próspera  – تجربة الحكم الخاص على الأرض

برزت “بروسبيرا Próspera”  في جزيرة رواتان بهندوراس باعتبارها إحدى أشهر التجارب المرتبطة بهذه البيئة الفكرية.

نشأت المنطقة ضمن نظام ZEDE الذي منح مناطق محددة صلاحيات تنظيمية وقانونية واسعة، بما في ذلك قدر كبير من الاستقلال في الضرائب والتنظيم التجاري وحل النزاعات.

دخلت إلى المشروع استثمارات مرتبطة ب  ـPronomos Capital، وهو صندوق أسسه باتري فريدمان للاستثمار في المدن ومشروعات الحكم الجديدة، وحظي بدوره بدعم من شخصيات في أوساط رأس المال التكنولوجي.

وبالنسبة إلى أنصار الفكرة، قدمت Próspera نموذجًا لما يمكن أن يحدث عندما تتعامل الدولة مع الحكم باعتباره مجالًا يمكن أن تتنافس داخله أنظمة مختلفة.

لكن التجربة كشفت أيضًا تناقضًا جوهريًا.

فعندما تغيرت السلطة السياسية في هندوراس، واجه نظام ZEDE رفضًا واسعًا، وأصبح مستقبل Próspera موضوع مواجهة قانونية وسياسية حول السيادة والحقوق المكتسبة.

وهكذا وجد مشروع يقوم على تقليص سلطة الدولة نفسه محتاجًا إلى القانون الوطني والاتفاقيات والمحاكم لحماية وجوده من قرار الدولة التي يقع داخلها.

ويمكن اعتبار Próspera المشروع الأكثر وضوحًا حتى الآن لفكرة أن تتولى شركة خاصة إدارة منطقة تتمتع بقدر واسع من الاستقلال التنظيمي.

عندما أصبحت الحكومة نفسها سوقًا للشركات

التطور الأهم لم يكن في المدن الخاصة وحدها، بل في قطاع يعرف ب ـGovTech؛ أي الشركات التي تطور تقنيات مخصصة للحكومات.

هنا يظهر اسم جو لونسديل، أحد مؤسسي Palantir وشخصية قريبة من شبكة بيتر ثيل. فبعد تجربته في Palantir، توسعت استثماراته عبر شركة 8VC  في قطاعات مثل تقنيات المراقبة، والذكاء الاصطناعي، والطائرات المسيّرة، والدفاع، وإدارة الطوارئ والخدمات العامة.

وهذا يختلف جوهريًا عن فكرة الجزيرة المستقلة.

بدل الانسحاب من الدولة، تدخل الشركات إلى قلب الدولة بصفتها مزودًا للبنية التقنية التي تعتمد عليها الحكومة في أداء وظائفها.

وقد أصبحت Palantir  مثالًا بارزًا لهذه الظاهرة بسبب موقعها داخل منظومات الدفاع والاستخبارات وتحليل البيانات الحكومية الأمريكية، فضلًا عن منظومات المعاملات المالية الرقمية، من خلال ما يطلق عليه البعض “عملية إعادة الضبط الكبرى – The Great Reset“.

دفعت هذه التطورات بعض المحللين لتصوير شركات التكنولوجيا باعتبارها تتجه إلى أن تصبح «نظام تشغيل» للحكومة. ورغم أن هذا الوصف يحمل قدرًا واضحًا من المبالغة السياسية، حتى الأن على الأقل، فإن الظاهرة التي يقف خلفها حقيقية: كلما اعتمدت الدولة على شركات خاصة في تشغيل البيانات والذكاء الاصطناعي والأمن والبنية السحابية، ارتفعت قيمة هذه الشركات داخل عملية اتخاذ القرار نفسها.

المسألة لم تعد مجرد خصخصة تنظيف الشوارع أو إدارة المرافق. نحن أمام خدمات ترتبط بالمعلومات والاستخبارات والسلاح والقرارات التي تعتمد عليها مؤسسات سيادية.

تطور الأفكار والسيطرة على “الدولة العميقة”

لفترة طويلة، كان من السهل النظر إلى مشروعات المدن الخاصة باعتبارها أحلامًا تحررية Libertarian Dreams  لا تمتلك وزنًا سياسيًا حقيقيًا.

لكن هذه الصورة بدأت تتغير مع اتساع نفوذ المستثمرين التكنولوجيين داخل السياسة الأمريكية، بحيث أصبح هؤلاء جزءًا رئيسًامما يطلق عليه في الولايات المتحدة “المؤسسة – Establishment”، أو ما يسميه ترامب وأخرون “الدولة العميقة – Deep State”.

في هذا الإطار جاء صعود جيه دي فانس، الذي ارتبط سياسيًا وماليًا ببيتر ثيل، إلى منصب نائب الرئيس، وإلى مشاركة شخصيات من دوائر رأس المال التكنولوجي في إعادة هندسة المؤسسات الفيدرالية (إيلون ماسك في بداية فترة ترامب الثانية على سبيل المثال)، وتشكيل كوادر الإدارة الجديدة. كما تربط بين هذا الصعود وبين مؤتمر Reboot 2024 الذي جمع شخصيات من رأس المال الاستثماري مع كيفن روبرتس، رئيس Heritage Foundation  وأحد أبرز الأسماء المرتبطة بمشروع  Project 2025، الذي ينظر إليه على نطاق واسع كمانيفستو تسير عليه الإدارة الأمريكية الحالية بشكل لصيق.

ولا يعني ذلك أن الإدارة الأمريكية تبنت رسميًا نظرية «دولة الشبكة»، لكن المسافة بين الأفكار التي كانت تناقش داخل دوائر التكنولوجيا وبين المؤسسات السياسية أصبحت أصغر.

وهنا انتقل النقاش من فلسفة إلى سياسة عامة.

مناطق خاصة داخل الدولة بدل تأسيس دولة جديدة

يأتي في هذا الإطار نموذج نيو ألباني في أوهايو، الذي تم استعراضه في الجزء الأول من هذه الورقة.

أحد الأمثلة اللافتة أيضًا هو ظهور أفكار حول “مناطق الرخاء” Prosperity Zones، في ولاية نورث كارولينا، أو المناطق التي تحصل على حوافز  وتسهيلات تنظيمية بهدف جذب الاستثمار وتسريع المشروعات الصناعية.

وتشير المعلومات المتوافرة إلى خطط لإنشاء مناطق رخاء بحرية Maritime Prosperity Zones  لدعم صناعة السفن الأمريكية، إضافة إلى جماعات تكنولوجية تدفع باتجاه توسيع المناطق منخفضة الضرائب والتنظيم وتشجيع استخدام الأراضي العامة في المشروعات الصناعية والتكنولوجية.

هذه المناطق بعيدة جدًا عن كونها «دولًا مستقلة»؛ فهي تخضع للقانون والسيادة الأمريكية.

لكن أهميتها تكمن في المبدأ الذي تمثله: خلق مساحات داخل الدولة تعمل وفق قواعد اقتصادية وتنظيمية مختلفة عن بقية أراضيها، بهدف منح رأس المال حرية وسرعة أكبر.

ومن هنا يمكن فهم انتقال نموذج المدن الخاصة من فكرة «الخروج من الدولة» إلى محاولة الحصول على استثناءات أوسع من داخلها بما يسمح بتوجيه سياساتها في اتجاه الرؤى التي يتبناها أباطرة التكنولوجيا من أصحاب هذه التوجهات.

الذكاء الاصطناعي يضاعف نفوذ رأس المال التكنولوجي

ما يمنح هذه الأفكار دفعة جديدة هو سباق الذكاء الاصطناعي.

فالشركات اليوم لا تحتاج فقط إلى مهندسين ورأس مال. تحتاج إلى أراضٍ شاسعة لمراكز البيانات، وكميات ضخمة من الكهرباء، وشبكات مياه، ومحطات طاقة، وألياف ضوئية، وموافقات بناء، وإعفاءات ضريبية.

وبالتالي أصبحت العلاقة مع السلطات المحلية والحكومات مسألة استراتيجية بالنسبة لشركات التكنولوجيا.

كل تأخير تنظيمي يمكن أن يؤخر مركز بيانات بمليارات الدولارات. وكل اعتراض محلي على الكهرباء أو المياه يمكن أن يعطل خطة توسع كاملة.

من هنا يصبح السعي نحو مناطق ذات تنظيم أكثر مرونة مفهومًا من زاوية اقتصادية، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالًا سياسيًا حساسًا: إذا أصبحت الاستثمارات التكنولوجية ضخمة إلى درجة تستطيع معها الشركات التفاوض على القواعد نفسها، فمن ينظم من؟

نموذج المدن الجديدة يصل إلى مناطق الأزمات

يأخذ هذا النقاش بعدًا أكثر حساسية عندما يتعلق بمناطق دمرتها الحروب.

فالخطط المطروحة لإعادة إعمار غزة، على سبيل المثال، تضمنت تصورات عن مناطق اقتصادية جديدة وإدارة تكنوقراطية وجذب استثمارات خاصة واسعة.

وترتبط هذه الرؤية بفلسفة «المدينة الجديدة» التي ترى أن المناطق التي يعاد بناؤها من الصفر توفر فرصة لإنشاء نموذج عمراني واقتصادي جديد بالكامل.

لكن الربط يحتاج إلى تمييز واضح.

لا توجد أدلة تثبت أن خطط إعادة إعمار غزة مثلًا جزء من مشروع «دولة الشبكة»، أو أن هناك قيادة واحدة تربط هذه المشروعات ببعضها البعض بشكل عضوي. التشابه يكمن في طريقة التفكير:أرض يعاد تنظيمها، قواعد استثمارية جديدة، إدارة تكنوقراطية، ورأس مال خاص يؤدي دورًا أكبر في تحديد شكل المكان.

وهو تشابه سياسي وفكري يمثل نموذج معين، ولا يعني بالضرورة وجود مشروع تنظيمي واحد.

تيار سياسي أم مجموعة أفكار متقاطعة؟

ليس من المناسب اختزال ما يجري في «مؤامرة» واحدة يديرها مليارديرات التكنولوجيا.

لا توجد قيادة مركزية معلنة، ولا برنامج موحد يجمع كل هذه الشخصيات والمشروعات.

هناك، بدل ذلك، منظومة من الأفكار  والمصالح وشبكات التمويل والعلاقات الشخصية.

بيتر ثيل يركز على التكنولوجيا والحرية من القيود السياسية. باتري فريدمان يعمل على المدن ونماذج الحكم التجريبية. بالاجي سرينيفاسان طور مفهوم «دولة الشبكة». جو لونسديل يستثمر في تكنولوجيا الحكومة والدفاع. بينما تعمل صناديق رأسمال أخرى على المدن الجديدة والبنية الصناعية.

لا يتطابق هؤلاء في رؤاهم، لكن تقاطعًا واضحًا يجمع عددًا منهم: الاعتقاد بأن المؤسسات الحكومية الحالية بطيئة، وأن التكنولوجيا ورأس المال الخاص قادران على تشغيل أجزاء من المجتمع بكفاءة أعلى، وأن منح المستثمرين مساحات أكبر لتصميم القواعد قد يسرع الابتكار.

هنا تبدأ المشكلة السياسية الحقيقية.

من يملك الدولة في عصر التكنولوجيا؟

الخطر أو التحول الأهم لا يبدو في احتمال أن تستيقظ الولايات المتحدة يومًا لتجد نفسها قد استبدلت بالحكومة شركة خاصة.

السيناريو الأكثر واقعية يحدث بصورة تدريجية.

شركة خاصة تدير قاعدة البيانات. أخرى توفر برنامج الاستخبارات. ثالثة تبني منظومة الذكاء الاصطناعي العسكري. صندوق استثماري يمول منطقة صناعية ومراكز بيانات. مطور عقاري يمتلك الأرض. حكومة محلية تمنح الإعفاءات. ثم يصبح تشغيل القطاع العام معتمدًا على شبكة لا تملكها الدولة بالكامل.

في هذه الحالة تبقى المؤسسات الديمقراطية قائمة، لكن جزءًا متزايدًا من القدرة الفعلية على تنفيذ قراراتها يوجد خارجها.

وهذا هو التحول الذي يجعل النقاش حول «دولة الشبكة» أكثر أهمية من مشروع Seasteading القديم.

لقد بدأ التيار بفكرة الهروب من الحكومة، لكنه اكتشف أن الخروج الكامل منها شبه مستحيل، في الوقت الحالي على الأقل. المدن تحتاج إلى القانون، والشركات تحتاج إلى العقود، والملكية تحتاج إلى المحاكم، والبنية التحتية تحتاج إلى الكهرباء والمياه، والمستثمر يحتاج إلى دولة تحمي استثماره.

لذلك يبدو أن الطريق الأكثر فاعلية لم يعد بناء دولة جديدة خارج النظام، بل زيادة النفوذ داخل الدولة القائمة وإعادة تشكيل حدود العلاقة بين السلطة العامة ورأس المال الخاص.

ومن هنا تأتي الدلالة السياسية الحقيقية لهذه الظاهرة.

فالمنافسة في عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد فقط حول من يمتلك أفضل نموذج أو أكبر مركز بيانات؛ إنها تمتد إلى سؤال أعمق يتعلق بمن يملك البنية التي سيعتمد عليها المجتمع والدولة في المستقبل.

وعندما تصبح الشركات المالكة للخوارزميات والحوسبة والطاقة والبيانات والأسلحة الذكية جزءًا لا غنى عنه من وظائف الحكومة، فإنها لا تحتاج إلى إعلان دولة خاصة بها كي تحصل على نفوذ سياسي غير مسبوق.

قد لا تكون «دولة الشبكة» دولة بالمعنى التقليدي في النهاية، بقدر ما تكون نموذجًا جديدًا لتوزيع السلطة، تحتفظ فيه الحكومة بالشكل الدستوري والسيادة الرسمية، بينما ينتقل جزء متزايد من أدوات القوة والتنفيذ والتخطيط إلى شبكات خاصة تمتلك التكنولوجيا ورأس المال والبنية التحتية.

وهنا يصبح السؤال الذي بدأ قبل عقدين في دوائر هامشية بوادي السيليكون سؤالًا سياسيًا مركزيًا: هل تبقى التكنولوجيا أداة تستخدمها الدولة، أم تتحول الشركات التي تمتلك التكنولوجيا تدريجيًا إلى طرف يشارك في تحديد شكل الدولة نفسها وتوجهاتها الاستراتيجية؟ بمعنى أن تتحول هذه الشركات إلى أن تكون جزءًا رئيسًا، أو حتى قائدًا، “للمؤسسة” أو “الدولة العميقة”، تتدافع مع عناصرها القديمة ولوبياتها حول تحديد مراكز القوة والهيمنة في المستقبل؟ وهل هناك أجندة أخرى لهذه الشركات وهؤلاء الأفراد في الإنطلاق للسيطرة على شئون العالم أجمع، بعد التسلق على أكتاف الولايات المتحدة، فيما يتجاوز الحدود والدول الوطنية ومفهوم السيادة؟

وهل يمكن أن يتطور هذا النموذج على أرض الواقع لتتحول الدولة، أو العالم، إلى شركة خاصة بالكامل، تدير شئون المجتمع لصالح ملاك الشركة كبديل عن الدولة القومية في شكلها الراهن، بكل ما في يد الدولة حالية من أدوات لفرض الرقابة والتحكم في “المواطنين” فيما تطلق عليه ويتني ويب “دولة المراقبة”؟، أو ما تطلق عليه الصحفية الاستقصائية البريطانية كارول كادوالادار “الفاشية التكنولوجية”؟ وكيف سيتم تعريف المواطنة في هذه الحالة؟

أسئلة كثيرة ستجيب عنها التطورات المستقبلية في المدى المنظور، ما يحتاج إلى رصد ومتابعة مستمرة.


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


د. عمرو درّاج

سياسي وأكاديمي مصري، رئيس المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية، وزير التخطيط والتعاون الدولي في حكومة الرئيس محمد مرسي، 2013.

صوفيا خوجاباشي

صحفية وباحثة في العلاقات الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى