الدفاعات الجوية السعودية أمام تكتيكات الحوثيين.. لماذا لا يكفي الإنفاق العسكري لمنع التفوق الحوثي

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
هناك سؤال مطروح بقوة في الأونة الأخيرة عن محدودية قدرة المملكة العربية السعودية على مواجهة وتحييد هجوم أنصار الله الحوثيين، سواءً على اليمن، أو على أهداف حيوية داخل المملكة ذاتها، رغم ما يتوفر للمملكة من إمكانيات كبيرة وقدرات تسليحية عالية تراكمت لديها على مدار السنوات الماضية.
تتراوح مخصصات الدفاع السعودية خلال العام الحالي بين 64 و96 مليار دولار، وفق بيانات “بلومبيرج إيكونوميكس”، ويتجاوز الحد الأعلى لهذا التقدير ضعف الإنفاق الإسرائيلي، ثاني أكبر إنفاق عسكري في الشرق الأوسط. وتملك المملكة بطاريات باتريوت مزودة بأحدث صواريخ الاعتراض من طراز «باك-3»، ومئات المقاتلات الأميركية من طراز إف-15 المعدلة وفق متطلبات القوات الجوية السعودية. كما أنها الدولة الخليجية الوحيدة التي تمتلك طائرات للتزود بالوقود جواً، ومع ذلك تواجه هجمات تسببت في مقتل 18 شخصاً على الأقل وإغلاق مطار الرياض الدولي الرئيسي.
تكشف تقارير نشرتها صحف “فايننشال تايمز” و”نيويورك تايمز” و “بلومبيرج” عن تحديات تواجه منظومة الدفاع الجوي السعودية في التصدي للهجمات الصاروخية وهجمات المسيّرات الحوثية، رغم الإنفاق العسكري الضخم وامتلاك المملكة ترسانة متقدمة من المقاتلات ومنظومات اعتراض الصواريخ. ولا تتعلق هذه التحديات فقط بقدرة المنظومات الدفاعية على اعتراض المقذوفات، وإنما تشمل أيضًا طبيعة انتشار الرادارات، وتوزيع وسائل الاعتراض بين المنشآت الحيوية، وتراجع مخزونات الذخائر، وتطور تكتيكات الهجوم الحوثي، وصعوبة اكتشاف منصات الإطلاق المتحركة وتدميرها.
وتكتسب هذه التقييمات أهميتها من أنها تتناول المشكلة من زوايا متكاملة؛ إذ تركز “فايننشال تايمز” على تكتيكات الحوثيين في استنزاف الدفاعات السعودية وإجبارها على إعادة توزيع مواردها، بينما توسع “نيويورك تايمز” نطاق العرض ليشمل تصميم منظومة الدفاع، والتحديات التقنية للرادارات، وطبيعة المؤسسة العسكرية السعودية، والخيارات المتاحة أمام الرياض، أما بلومبيرج فتقدم تفاصيل نوعية عن اتجاه عمل منظومات باتريوت، وتطور الصناعة الصاروخية الحوثية ومداها، واعتماد المقاتلات السعودية على المعلومات الأميركية لتحديد الأهداف، إلى جانب مفهوم «لعنة الحماية الأميركية» وتأثيره في بناء القدرات العسكرية السعودية.
وتتمثل المعضلة الأساسية في أن امتلاك منظومة دفاع جوي متقدمة لا يعني بالضرورة القدرة على توفير حماية متساوية لجميع الأهداف، في مواجهة تهديدات متعددة ومتزامنة ومن اتجاهات مختلفة.
أولًا: استراتيجية الحوثيين.. استنزاف الدفاعات وإجبارها على إعادة الانتشار
يحذر روبرت تولاست، الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن، من أن الحوثيين يستطيعون، إذا امتلكوا الوقت والتخطيط الكافي، تركيز عدد كبير من الصواريخ على هدف محدد بهدف إغراق دفاعاته، حتى إذا كان محميًا بصورة جيدة. ويضع هذا التحدي في سياق أوسع تواجهه دولًا مثل أوكرانيا وإسرائيل والولايات المتحدة، حيث تتزايد الضغوط على إنتاج الصواريخ الاعتراضية، وتصبح عملية تحديد الأهداف التي تستحق الحماية وتوزيع الذخائر المتاحة بينها أكثر تعقيدًا.
وفي هذا السياق، لا تقتصر استراتيجية الهجوم على محاولة إصابة منشأة بعينها، بل يمكن أن تستهدف استنزاف الموارد الدفاعية المخصصة لحمايتها، وإجبار المدافع على إعادة توزيع بطارياته وذخائره. وينقل تقرير «فايننشال تايمز» عن ساشا بروخمان، الباحث في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية والمقيم في البحرين، تقييمًا مفاده أن الحوثيين يعملون على استنزاف التغطية الدفاعية السعودية من خلال مهاجمة أهداف مهمة في مواقع معينة بصورة متكررة على مدى عدة أيام، بما يدفع الرياض إلى نقل منظومات اعتراض محدودة العدد نحو المناطق المهددة، ومن ثَمَّ استغلال تراجع الحماية في مواقع أخرى.
وتعني هذه المقاربة أن نجاح الهجوم لا يُقاس فقط بعدد المقذوفات التي تصل إلى أهدافها، بل أيضًا بحجم الموارد التي يضطر الخصم إلى استهلاكها، وبالتغييرات التي يفرضها على توزيع دفاعاته. فحتى إذا تمكنت السعودية من اعتراض معظم المقذوفات، قد يحقق المهاجم جزءًا من هدفه إذا اضطرها إلى استنزاف مخزوناتها أو تقليص كثافة الحماية في اتجاه آخر.
تطبيقًا لهذا المفهوم، فقد استخدم الحوثيون، وفق مصدر اطّلع على تفاصيل الهجمات، مسيّرات بعيدة المدى يُعتقد أنها من طرازي «صماد-2» أو «صماد-3» لاستكشاف نطاقات تغطية منظومات الاعتراض السعودية، قبل استخدام صواريخ كروز يُرجح أنها مشتقة من الصاروخ الإيراني «قدس-4». وتتميز هذه الفئة من الصواريخ بالطيران على ارتفاعات منخفضة وإمكانية تغيير المسار، ما يزيد صعوبة اكتشافها والتعامل معها.
ويرى بلال صعب، المدير الإداري البارز في مؤسسة «تريندز» والباحث المشارك في «تشاتام هاوس»، أن تكتيكات الحوثيين ومشكلات التنسيق بين منظومات الدفاع الصاروخي السعودية تمثلان عاملين مهمين في تفسير الاختراقات الأخيرة. ويؤكد أن أي منظومة دفاع جوي لا تستطيع ضمان اعتراض جميع المقذوفات، حتى إذا كانت متقدمة ومتعددة الطبقات، لكنه يشدد على ضرورة إعطاء المطارات المدنية أولوية مناسبة في خطط الحماية، إلى جانب منشآت الطاقة.
ثانيًا: مشكلة الانتشار الجغرافي.. الدفاعات ليست متماثلة في جميع الاتجاهات
تضيف «نيويورك تايمز» بُعدًا مهمًا إلى تفسير المشكلة، يتمثل في أن منظومة الدفاع السعودية تشكلت تاريخيًا على أساس أن التهديد الرئيسي سيأتي من إيران أو العراق، من الشرق أو الشمال الشرقي. ووفقًا للتقرير، أدى ذلك إلى تركيز جانب مهم من شبكات الرادار ومنظومات الاعتراض المتقدمة حول المنطقة الشرقية والمنشآت النفطية.
أما التهديدات الآتية من اليمن جنوبًا وجنوب غرب، فتواجهها ظروف جغرافية وتقنية مختلفة، لا تتناسب بالضرورة مع تصميم منظومة أُعطيت فيها الأولوية تاريخيًا لاتجاهات أخرى.
ويشرح كينيث بولاك، مؤلف كتاب «جيوش الرمال»، أن المسيّرات وصواريخ كروز منخفضة التحليق تستطيع الاستفادة من محدودية أفق الرادارات الأرضية، كما أن جبال اليمن تزيد صعوبة اكتشاف المقذوفات مبكرًا. وقد لا تظهر بعض الأهداف على شاشات الرادار إلا بعد اقترابها من الأراضي السعودية، وهو ما يقلص الوقت المتاح لتحديد مسارها واتخاذ قرار الاعتراض، ويمكن أن ينعكس على توقيت التحذيرات الموجهة للمدنيين.
ويشير التقرير إلى الحاجة إلى تعزيز قدرات الرصد الجوي، بما يشمل رادارات محمولة جوًا تتيح اكتشاف الأهداف المنخفضة من مسافات أبعد. وتكمن أهمية هذه القدرات في أن الإنذار المبكر لا يقتصر على منح منظومات الدفاع الصاروخي وقتًا إضافيًا للاشتباك، بل يتيح أيضًا تحديد نوع التهديد واتجاهه، وتخصيص وسيلة الاعتراض المناسبة له.
وتتكون المنظومة السعودية، وفق تقريري الفاينانشيال تايمز والنيويورك تايمز، من طبقات متعددة تشمل منظومات «باتريوت» و«ثاد»، وشبكات الرادار، ووسائل الحرب الإلكترونية، ومسيّرات اعتراضية، إلى جانب منظومة صينية لمكافحة المسيّرات، وصفها التقرير باسم «سكاي شيلد»، وتتضمن سلاح ليزر مرتبطًا بالألياف الضوئية. لكن تعدد الطبقات لا يضمن وحده حماية جميع المنشآت إذا كانت هناك فجوات في الرصد أو التنسيق، أو إذا تزامنت الهجمات من اتجاهات مختلفة بما يتجاوز كثافة التغطية المتاحة في بعض القطاعات.
ثالثًا: معادلة الكلفة واستنفاذ المخزون.. صواريخ باهظة في مواجهة أسلحة أقل تكلفة
تتمثل إحدى أبرز مشكلات الدفاع الجوي السعودي في التفاوت الكبير بين تكلفة الهجوم وتكلفة التصدي له. وينقل تقرير «نيويورك تايمز» أن الولايات المتحدة باعت للسعودية، منذ عام 2020، ما لا يقل عن 730 صاروخًا اعتراضيًا من منظومة «باتريوت»، تتجاوز تكلفة الواحد منها ثلاثة ملايين دولار، في حين تُقدّر تكلفة بعض المسيّرات الحوثية بنحو 15 ألفًا إلى 25 ألف دولار.
ولا تعني هذه المقارنة أن كل مسيّرة منخفضة التكلفة تستطيع اختراق الدفاعات، أو أن اعتراضها يتطلب بالضرورة استخدام صاروخ باهظ الثمن؛ فاختيار وسيلة الاشتباك يعتمد على طبيعة الهدف ومداه ومساره، وكذلك الوسائل المتاحة في موقع الهجوم. لكنها توضح الاختلال المحتمل في معادلة الاستنزاف عندما يضطر المدافع إلى استخدام ذخائر مرتفعة التكلفة لمواجهة عدد كبير من الأهداف المهاجمة الأرخص.
ويؤكد التقرير أن «باتريوت» صُمم لاعتراض طيف من التهديدات، بما فيها الصواريخ الباليستية، بينما يوفر «ثاد» قدرة على اعتراض الصواريخ الباليستية في مراحل وارتفاعات أعلى. غير أن التعامل مع الأهداف المنخفضة، مثل بعض المسيّرات وصواريخ كروز، يطرح تحديات مختلفة، خصوصًا عندما يتأخر اكتشافها أو تتغير مساراتها.
وتزداد هذه المشكلة في ظل الضغوط على مخزونات الصواريخ الاعتراضية في المنطقة. فبحسب «فايننشال تايمز»، استهلكت دول الخليج أعدادًا كبيرة من صواريخ «باتريوت» و«ثاد» في التصدي للهجمات الإيرانية منذ فبراير، ما فرض ضغوطًا على المخزونات المتاحة. ويشير التقرير أيضًا إلى أن السعودية أنفقت نحو 6.5% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع خلال العام السابق، وفق معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، بعدما بلغت النسبة نحو 13% عام 2015، عند إطلاق التدخل العسكري في اليمن.
وتعكس هذه الأرقام حجم الموارد التي خصصتها المملكة لبناء قدراتها العسكرية، لكنها تكشف في الوقت نفسه أن الإنفاق المرتفع لا يلغي القيود العملياتية. ففاعلية الدفاع لا تتحدد بقيمة الترسانة وحدها، بل بمدى ملاءمتها لطبيعة التهديد، وقدرة المنظومة على اكتشافه وتوزيع وسائل الاعتراض عليه، واستدامة المخزون خلال حملة طويلة.
رابعًا: استهداف منصات الإطلاق.. لماذا لا تكفي الضربات الجوية وحدها
في مواجهة هذا التحدي، يرى روبرت تولاست أن التعامل مع الهجمات الكبيرة يتطلب استهداف منصات إطلاق الصواريخ داخل المناطق الخاضعة للحوثيين، بدلًا من الاكتفاء باعتراض المقذوفات بعد إطلاقها. ويشير إلى أهمية الجمع بين المعلومات الاستخبارية الدقيقة وتوظيف أسطول المقاتلات السعودية، ولا سيما طائرات «إف-15»، في ضرب المنصات.
لكن هذا الخيار يواجه صعوبات كبيرة. إذ يشير التقرير إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل واجهتا مشكلات في تعقب منصات الصواريخ الإيرانية المتحركة وتدميرها، رغم امتلاكهما أقمارًا صناعية ومسيّرات ووسائل استطلاع متقدمة. وتزداد الصعوبة في اليمن، حيث يُعتقد أن الحوثيين يمتلكون شبكات واسعة من الكهوف والأنفاق الطبيعية والمصطنعة في المناطق الجبلية، ما يعقد اكتشاف منصات الإطلاق ومواقع التخزين.
كما أن سنوات الغارات السعودية، ثم حملات القصف الأميركية والإسرائيلية، لم تؤدِّ إلى القضاء على القدرة الهجومية الحوثية؛ حيث أنه رغم امتلاك الرياض أكثر من 200 مقاتلة إف-15، فإنها لم تتمكن من استخدامها بصورة حاسمة لإنهاء تهديد الحوثيين خلال أكثر من عقد من القصف الجوي، كما نفذت الولايات المتحدة أكثر من ألف ضربة ضد الحوثيين خلال ثلاثة أشهر، قبل انتهاء الحملة بوقف إطلاق نار.
ولا يعني ذلك أن الضربات الجوية غير فعالة، بل إن تأثيرها يتوقف على طبيعة الأهداف، وجودة المعلومات الاستخبارية، ومدى قدرة الخصم على إخفاء معداته وإعادة نشرها، فضلًا عن قدرته على تعويض الخسائر. يضاف إلى ذلك أيضًا الدفاعات الجوية المتوفرة لدى الحوثي، فعلى سبيل المثال، وطبقًا لبلومبيرج، يمتلك الحوثيون صواريخ أرض–جو إيرانية من طراز «358»، قادرة على التحليق لفترات ومهاجمة الطائرات دون سرعة الصوت، ما يهدد الطائرات المهاجمة ويعقّد تدمير منصات الإطلاق داخل اليمن.
ومن المهم هنا التمييز بين تدمير منصة إطلاق محددة، وتقليص القدرة الصاروخية للخصم على نحو مستدام. فقد يؤدي تدمير منصة إلى خفض القدرة على إطلاق الصواريخ في موقع معين ولوقت محدود، لكنه لا يعني بالضرورة تدمير المخزون أو شبكات الإمداد أو بقية المنصات. ولذلك لا يمكن تقدير أثر الحملة الجوية بعدد الأهداف التي ضُربت فقط، بل بما أحدثته من تراجع فعلي في وتيرة الهجمات وقدرة الخصم على مواصلتها.
خامسًا: الخبرة العسكرية وبنية القيادة.. أين تكمن المشكلة
لا تعزو التقارير التحديات السعودية بالضرورة إلى نقص الخبرة العسكرية. فقد نقلت «فايننشال تايمز» عن ديفيد دي روش، الأستاذ في معهد «ثاير مارشال» الذي سبق أن أشرف على برامج تعليمية لكبار قادة الدفاع الجوي السعودي، قوله إن هؤلاء القادة يتمتعون بكفاءة عالية. كما يشير تقرير «نيويورك تايمز» إلى أن القوات السعودية اكتسبت خبرة كبيرة في تشغيل منظومات «باتريوت» خلال سنوات اعتراض الصواريخ الحوثية منذ عام 2015.
لكن «نيويورك تايمز» تطرح عاملًا مؤسسيًا إضافيًا، يتمثل في وجود قوتين منفصلتين، هما القوات المسلحة النظامية والحرس الوطني، لكل منهما بنيتها وتقاليدها التنظيمية. وينقل التقرير عن محللين أن مركزية القرار والقيود على المبادرة الميدانية قد تؤثران في سرعة التكيف مع المتغيرات. كما يشير إلى الإصلاحات التي شهدتها المؤسسة العسكرية السعودية، ومنها إنشاء قيادة عمليات مشتركة في الرياض، لكنه يصف وتيرة التغيير بأنها بطيئة، ويلفت إلى استمرار الاعتماد على متعاقدين غربيين في بعض جوانب صيانة الأسلحة المتطورة.
وتظل هذه التقييمات تفسيرات منقولة عن محللين وليست دليلًا قاطعًا على أن البنية التنظيمية هي السبب المباشر لكل اختراق دفاعي. إلا أنها تفتح نقاشًا مهمًا حول العلاقة بين امتلاك المعدات المتقدمة والقدرة على تشغيلها ضمن منظومة متكاملة، تستجيب بسرعة للتهديدات المتغيرة وتنسق بين الرصد والقيادة والاعتراض.
كما يشير تقرير «نيويورك تايمز»، استنادًا إلى وثيقة لمجلس الأمن الدولي، إلى أن الحوثيين باتوا يصنعون بعض الأسلحة وينوعون مصادر الإمداد، بدلًا من الاعتماد على الحرس الثوري الإيراني وحده. وإذا استمر هذا الاتجاه، فإن تقدير القدرة الحوثية ينبغي ألا يعتمد فقط على حجم الإمدادات الخارجية، بل أيضًا على قدرة الجماعة على الحفاظ على مخزونها وتطويره وتعويض ما تفقده.
سادسًا: الخيارات السعودية.. بين الدفاع والاستنزاف والتصعيد
تواجه الرياض معادلة أكثر تعقيدًا مع اضطرارها إلى الاستعداد لهجمات من اتجاهين: إيران شرقًا والحوثيون جنوبًا. وينقل تقرير «فايننشال تايمز» عن ديفيد دي روش أن هذا الوضع يفرض تقسيم الموارد الدفاعية بين جبهتين، في وقت تتوزع فيه المنشآت النفطية والمطارات والمدن والقواعد العسكرية على مساحة جغرافية واسعة.
وفي ظل هذا الواقع، لا تبدو زيادة أعداد الصواريخ الاعتراضية وحدها حلًا كافيًا، وإن كانت قد تظل ضرورية لتجديد المخزون. فالمشكلة تشمل كذلك تحديد أولويات الحماية، وتوفير إنذار مبكر أكثر فاعلية، وتحسين التنسيق بين المنظومات، والتمييز بين التهديدات التي تتطلب اعتراضًا صاروخيًا وتلك التي يمكن التعامل معها بوسائل أقل تكلفة.
أما على المستوى الهجومي، فينقل تقرير «نيويورك تايمز» أن الرياض لا تتجه، وفق تقديرات الخبراء الذين استشهد بهم، إلى غزو بري واسع للمناطق الجبلية الخاضعة للحوثيين، بالنظر إلى الكلفة المتوقعة وانقسام القوى اليمنية المناهضة لهم. ويرى جان لوب سامان، الباحث في جامعة سنغافورة الوطنية، أن حملة جوية جديدة لن تكون كافية على الأرجح، في ظل محدودية البدائل السياسية والعسكرية المتاحة داخل اليمن.
وفي المقابل، ينقل تقرير «فايننشال تايمز» عن جون ألترمان، رئيس كرسي بريجنسكي للأمن العالمي والجيوستراتيجية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، تفسيرًا للموقف الأميركي يقوم على أن واشنطن لا تعتبر حماية السعودية من الحوثيين مسؤولية تقع عليها بالدرجة نفسها التي قد تراها في حالات أخرى. ويعكس هذا التقييم ضرورة أن تأخذ الرياض في حساباتها حدود الاعتماد على الدعم الخارجي، خصوصًا في ما يتعلق باستدامة الذخائر وتوافرها خلال فترات التصعيد.
سابعًا: قصور الدفاعات الجوية السعودية وتطور القدرات الصاروخية الحوثية يحدّان من فاعلية التفوق العسكري:
يتناول تقرير “بلومبيرج” جوانب القصور في القدرات الدفاعية السعودية رغم ضخامة الإنفاق العسكري وامتلاك المملكة منظومات متقدمة، مثل صواريخ باتريوت «PAC-3» ومقاتلات «F-15». ويركز التقرير على صعوبة توفير حماية جوية متكاملة للمملكة بسبب اتساع مساحتها وتعدد الأهداف الحيوية وتوزعها، إلى جانب أن منظومات باتريوت لا توفر تغطية دائرية بزاوية 360 درجة، ما قد يصعّب التعامل مع تهديدات قادمة من اتجاهات مختلفة، خصوصًا مع تعدد مصادر الهجمات وتنوعها.
وفي المقابل، يسلط التقرير الضوء على تطور القدرات الصاروخية للحوثيين، وقدرتهم على استخدام المسيّرات الصغيرة وصواريخ كروز المنخفضة التحليق والصواريخ الباليستية، فضلًا عن امتلاكهم صواريخ أرض–جو إيرانية من طراز «358» تهدد الطائرات المهاجمة وتزيد صعوبة استهداف منصات الإطلاق. كما تشمل ترسانة الحوثيين صواريخ كروز «قدس-1» بمدى 750 كيلومتراً، وصواريخ «بركان-1» بمدى 600 كيلومتر، و«بركان-2» بمدى 850 كيلومتراً، و«بركان-3» بمدى 1200 كيلومتر، ما يتيح استهداف معظم المواقع السعودية.
كما يشير إلى اعتماد الحوثيين على مكونات متاحة تجاريًا، وانخفاض تكلفة بعض أسلحتهم مقارنة بتكلفة الصواريخ الاعتراضية، ما يخلق معادلة استنزاف غير متكافئة؛ إذ قد يفرض التصدي لهجمات متكررة استهلاك كميات كبيرة من الذخائر الدفاعية، حتى عندما تنجح عمليات الاعتراض.
ويبرز التقرير كذلك صعوبة القضاء على منصات الإطلاق المتحركة والمخفية والمنشآت الإنتاجية المحصنة داخل التضاريس اليمنية، مستشهدًا بمحدودية قدرة الحملات الجوية، بما فيها الحملة الأميركية التي استمرت ثلاثة أشهر، على إنهاء التهديد الحوثي بالوسائل العسكرية وحدها. ويخلص طرح التقرير إلى أن التفوق في الطائرات والمنظومات الدفاعية والإنفاق العسكري لا يضمن حسم المواجهة أمام خصم يمتلك أسلحة أقل تكلفة، وقدرة على التكيف والإخفاء وتوزيع الأهداف، وأن التعامل مع التهديد الحوثي يتطلب ما يتجاوز الضربات الجوية وحدها.
ثامنًا: لعنة الحماية الأمريكية
يشير تقرير بلومبيرج إلى أن القدرات الجوية السعودية، رغم تطورها واكتساب الطيارين خبرة قتالية خلال الحرب في اليمن، لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على الولايات المتحدة في توفير بيانات تحديد الأهداف.
كما يطرح ديفيد روبرتس، الباحث في كلية كينغز لندن، ما يطلق عليه “لعنة الحماية الأميركية”، الذي يشير إلى أن الاعتماد طويل الأمد على المظلة العسكرية الأميركية قد يحدّ من تطوير قدرات مستقلة ومتكاملة، وأن امتلاك الأسلحة المتقدمة والإنفاق الضخم لا يكفيان وحدهما لتحقيق التفوق العملياتي ما لم يصاحبهما تدريب فعال وقيادة كفؤة وجاهزية مؤسسية واسعة. ويُذكِّر روبرتس بأن التدخل العسكري الأميركي في المنطقة بعد غزو العراق للكويت عام 1990 دفع دولاً شرق أوسطية إلى الاعتماد على القوة الأميركية بدلاً من تطوير جميع قدراتها العسكرية بصورة مستقلة، وأن السعودية لم تكن استثناءً من ذلك.
كما يشير إلى أن إخفاقات الولايات المتحدة في أفغانستان، وهجمات الحوثيين على منشآت بقيق النفطية عام 2019، أضعفت الاعتقاد بأن واشنطن ستكون قادرة دائماً على اكتشاف التهديدات وتوفير الحماية.
تاسعًا: التداعيات المباشرة على الممكلة العربية السعودية:
فيما يتعلق بالتداعيات المباشرة للهجمات الإيرانية والحوثية بالصوايخ والمسيرات، أشار تحقيق استقصائي لوكالة “رويترز”، استند إلى صور الأقمار الصناعية وشهادات خبراء في منطقة الخليج، إلى حجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية في المنطقة خلال الفترة الممتدة من 28 فبراير وحتى أوائل أكتوبر 2026. ووفقًا لما أورده التحقيق، رُصدت 135 إصابة مباشرة طالت 84 منشأة حيوية في دول الخليج، شملت منشآت نفطية ومرافق مرتبطة بالكهرباء والمياه، وهو ما يعكس اتساع نطاق الاستهدافات وتأثيرها في قطاعات تتجاوز الأهداف العسكرية التقليدية.
وبالنسبة إلى السعودية، قدّر التحقيق الخسائر بنحو 50 مليار دولار خلال الأشهر السبعة الماضية، في ظل تراجع إنتاج النفط من قرابة 10 ملايين برميل يوميًا قبل الحرب إلى أقل من 7 ملايين برميل يوميًا، وفق الأرقام التي أوردها التقرير. وربط التحقيق هذا التراجع بمجموعة من العوامل، من بينها اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، والاستهدافات التي طالت خط أنابيب شرق–غرب، والأضرار التي لحقت بمنشآت نفطية في ينبع ومواقع أخرى تابعة لشركة أرامكو. كما أشار إلى تضرر خمس منشآت أو مصافٍ نفطية من بين تسع منشآت رئيسية في المملكة، بما يسلط الضوء على حجم الضغط الذي تعرضت له البنية التحتية لقطاع الطاقة، وعلى انعكاسات ذلك في الإنتاج والتصدير.
وتكمن الأهمية الاستراتيجية لهذه الأرقام في أن تأثير الهجمات لا يُقاس بالأضرار المباشرة وحدها، بل يمتد إلى انخفاض الإنتاج، وتعطّل بعض العمليات، وارتفاع تكاليف الإصلاح واستعادة القدرة التشغيلية، فضلًا عن التداعيات المحتملة على الإيرادات والصادرات. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين تقدير الخسائر المرتبطة بتراجع الإنتاج وبين تكاليف إصلاح المنشآت والأضرار المادية؛ إذ لا يصح جمع هذه البنود أو نسبتها بالكامل إلى الهجمات من دون تفصيل منهجية الحساب التي اعتمدها التحقيق.
وعسكريًا، تكشف هذه المعطيات عن أن استهداف البنية التحتية للطاقة يمثل أداة ضغط استراتيجي تتجاوز ميدان العمليات المباشر؛ فإلحاق الضرر بمنشآت الإنتاج والنقل والتصدير يفرض على المملكة تخصيص موارد إضافية لحماية المنشآت الحيوية، ويزيد من أعباء الدفاع الجوي واستمرارية العمليات، في وقت تتزامن فيه التهديدات مع تحديات أمن الملاحة وتعدد مصادر الهجوم. ومن ثم، فإن تقييم فاعلية الدفاعات السعودية لا ينبغي أن يقتصر على عدد الصواريخ التي جرى اعتراضها، بل يجب أن يشمل قدرتها على حماية المنشآت ذات القيمة الاستراتيجية، والحفاظ على استمرارية الإنتاج، وتقليص الأثر الاقتصادي للهجمات.
التحليل العسكري:
تكشف التقارير الأربعة التي استعرضنا أهم ما جاء بها في هذه الورقة، إلى أن التحدي السعودي يتجاوز مسألة نجاح الصواريخ الاعتراضية أو فشلها في مواجهة هجوم بعينه. نحن أمام مواجهة بين منظومة دفاع مطالبة بحماية مساحة جغرافية واسعة وعدد كبير من المنشآت الحيوية، وخصم يعتمد على أسلحة متفاوتة التكلفة والمدى، ويستفيد من الحركة والإخفاء وتعدد اتجاهات الهجوم. وفي هذه المعادلة، لا يمكن قياس الكفاءة الدفاعية بنسبة الاعتراض وحدها، بل بقدرة المنظومة على مواصلة حماية الأهداف ذات الأولوية دون استنزاف مخزوناتها أو فتح ثغرات في قطاعات أخرى.
أولًا، المشكلة ليست في عدد المنظومات فقط، بل في كيفية توظيفها ضمن منظومة متكاملة. فامتلاك «باتريوت» و«ثاد» والمقاتلات والرادارات لا يضمن تلقائيًا تغطية متساوية لجميع الاتجاهات. وإذا كانت بعض التهديدات لا تُكتشف إلا بعد اقترابها من الهدف، فإن زمن الاستجابة يتقلص، وقد تصبح فرص اعتراضها أصعب. ومن هنا تبرز أهمية الإنذار المبكر وتكامل بيانات الاستشعار والقيادة والسيطرة، إلى جانب ملاءمة توزيع وسائل الدفاع لطبيعة التهديدات المتوقعة من كل اتجاه.
ثانيًا، يسعى المهاجم إلى التأثير في توزيع القوة الدفاعية، وليس فقط اختراقها. فعندما يكرر الهجوم على منشأة مهمة، فإنه قد يجبر المدافع على تركيز مزيد من وسائل الاعتراض حولها، بما يضعف الحماية المتاحة في أماكن أخرى؛ وهذه هي الدلالة العملياتية لاستراتيجية الاستنزاف التي يشرحها بروخمان: قد يحقق الهجوم جزءًا من غايته حتى إذا لم يُصب الهدف الأساسي، إذا أجبر الخصم على استهلاك ذخائره الدفاعية أو إعادة نشر منظوماته بصورة تقلل من كفاءة تغطيته العامة.
ثالثًا، معادلة الكلفة لا تعني أن الدفاع خاسر بالضرورة، لكنها تفرض إدارة دقيقة للذخائر. فإطلاق صاروخ اعتراضي باهظ الثمن على هدف أقل تكلفة بكثير قد يكون مبررًا إذا كان الهدف يهدد منشأة شديدة الأهمية، لكنه يصبح مشكلة إذا تحوّل إلى نمط متكرر يستنزف المخزون بسرعة. لذلك فإن التحدي الحقيقي هو بناء طبقات دفاعية تتيح اختيار وسيلة الاشتباك المناسبة لكل تهديد، بدلًا من الاعتماد على منظومات مرتفعة التكلفة في جميع الحالات. ولا بد أن تراعي هذه المعادلة خطورة الهدف، واحتمالات الاختراق، والذخائر المتاحة، والتهديدات الأخرى التي قد تظهر بالتزامن.
رابعًا، تدمير منصات الإطلاق أصعب من مجرد اكتشافها أو ضرب مواقع يُشتبه في استخدامها. فالضربات الجوية قد تدمر أهدافًا محددة، لكنها لا تقضي بالضرورة على شبكة الإطلاق أو المخزون أو القدرة على التعويض. كما أن وجود الكهوف والأنفاق والمناطق الجبلية يحد من أثر التفوق الجوي إذا لم تتوافر معلومات استخبارية دقيقة ومتجددة. ولهذا فإن تقييم نتائج أي حملة جوية يجب أن يستند إلى أثرها الفعلي في قدرة الخصم على إطلاق الهجمات واستدامتها، لا إلى عدد الطلعات أو الأهداف المعلن ضربها فقط.
خامسًا، الخبرة الفردية لا تعوّض وحدها أوجه القصور التنظيمية إن وُجدت. فالتعامل مع هجمات متعددة ومتزامنة يتطلب تنسيقًا سريعًا بين الرادارات ومراكز القيادة ومنظومات الاعتراض والقوات الجوية. وإذا كانت عملية تبادل المعلومات أو اتخاذ القرار بطيئة، فقد تتراجع فاعلية المعدات المتقدمة. ومع ذلك، لا تتيح التقارير وحدها الجزم بأن بنية القيادة السعودية هي السبب المباشر للاختراقات؛ بل تطرحها باعتبارها أحد العوامل التي تستحق التقييم إلى جانب القيود التقنية والجغرافية وتطور أساليب الهجوم.
سادسًا، تعدد الجبهات يضغط على القدرة الدفاعية حتى عندما تكون الموارد الإجمالية كبيرة. فالسعودية مطالبة بحماية منشآت موزعة على مساحة واسعة، في ظل تهديدات من إيران شرقًا والحوثيين جنوبًا. وهذا يفرض معادلة تخصيص للموارد، لا تحلها زيادة الإنفاق وحدها. كما أن الاعتماد على إمدادات خارجية من الذخائر والصيانة يضيف بُعدًا يتعلق باستدامة القدرة القتالية في حال طال أمد التصعيد أو ازدادت المنافسة على الصواريخ الاعتراضية عالميًا.
سابعًا، تكشف هذه المعطيات أن امتلاك السعودية منظومات دفاع جوي متقدمة ومقاتلات حديثة، إلى جانب ضخامة الإنفاق العسكري، لا يعني بالضرورة القدرة على توفير مظلة دفاع جوي متكاملة أو حسم المواجهة مع الحوثيين. فالمعضلة لا تتعلق فقط بكفاءة منظومات الاعتراض، بل باتساع مسرح العمليات، وتعدد الأهداف الحيوية المطلوب حمايتها، وتنوع التهديدات القادمة من اتجاهات مختلفة، بما يفرض توزيع القدرات الدفاعية على مساحة جغرافية واسعة.
وفي المقابل، يستفيد الحوثيون من انخفاض تكلفة المسيّرات والصواريخ مقارنة بتكلفة الصواريخ الاعتراضية، ومن قدرتهم على إخفاء منصات الإطلاق وتحريكها وتحصين منشآت الإنتاج، ما يجعل استهدافها وتدميرها أكثر تعقيدًا. وهنا تظهر معضلة الاستنزاف؛ إذ يمكن للهجمات المتكررة أن تستهلك مخزون الذخائر الدفاعية وتفرض أعباء مالية وعملياتية متزايدة، حتى مع نجاح الدفاعات في اعتراض نسبة كبيرة من المقذوفات.
والأهم عسكريًا أن التفوق الجوي لا يعني تلقائيًا القدرة على تحييد مصادر النيران المعادية؛ فذلك يتطلب تكاملًا بين الاستخبارات والاستطلاع وتحديد الأهداف والضربات الجوية، إلى جانب القدرة على اكتشاف منصات الإطلاق المتحركة وملاحقتها قبل تنفيذ هجماتها. وتوضح التجربة، أن الاعتماد على السلاح المتقدم والغطاء الأميركي لا يعوّض بالكامل أوجه القصور في الاستقلال الاستخباراتي والجاهزية والتكامل العملياتي، كما أن الحملات الجوية وحدها لا تضمن إنهاء تهديد يعتمد على الانتشار والإخفاء والتكيف المستمر.
وفي ضوء ذلك، فإن الدرس الأهم ليس أن منظومات الدفاع السعودية فقدت فاعليتها، ولا أن الحوثيين أصبحوا قادرين على اختراقها بلا قيود، بل أن المواجهة تطورت إلى اختبار مستمر لقدرة كل طرف على التعلم والتكيف وإدارة موارده. فالدفاع الجوي لا يُقاس بمنع كل اختراق، وهو أمر يصعب ضمانه، وإنما بقدرته على خفض الأضرار، وحماية الأهداف الأكثر أهمية، والحفاظ على استدامة مخزونه، والتكيف مع تغير تكتيكات الخصم.
أما بالنسبة للرياض، فإن معالجة المشكلة تتطلب النظر إلى الدفاع الجوي بوصفه منظومة متكاملة تبدأ بالإنذار المبكر والاستطلاع، وتمر بتبادل المعلومات والقيادة والسيطرة واختيار وسيلة الاعتراض المناسبة، وتنتهي بتقييم نتائج الاشتباك وتجديد المخزون. كما أن العمل على تقليص قدرة الحوثيين على مواصلة الهجمات لا يمكن أن يعتمد على الضربات الجوية وحدها، بل يرتبط أيضًا بطبيعة المعلومات المتاحة، ومدى قدرة الخصم على الإخفاء والتعويض، والخيارات السياسية والعسكرية الأوسع داخل اليمن.
الخلاصة العملياتية:
إن التفوق العسكري لا يُقاس بحجم الإنفاق أو قيمة الأسلحة وحدهما، وإنما بمدى القدرة على تحويل هذه الموارد إلى منظومة عملياتية متكاملة ومستدامة. وفي مواجهة خصم يعتمد على الاستنزاف وتعدد وسائل الهجوم، يصبح الاختبار الحقيقي هو قدرة الدفاع على حماية الأهداف الحيوية دون استنزاف نفسه، وقدرة القيادة على تعديل انتشارها وتكتيكاتها بما يتناسب مع طبيعة التهديد، بدلًا من الاكتفاء برد الفعل بعد إطلاق المقذوفات.
الواقع العملياتي يشير إلى أن القدرات الصاروخية لأنصار الله الحوثيين شهدت تطورًا نوعيًا ملحوظًا، بات واضحًا من خلال تكرار إصابة أهداف حيوية في العمق السعودي، بما في ذلك المطارات والمنشآت النفطية في السعودية. ويعكس ذلك تطورًا في القدرات الصاروخية من حيث المدى، والقدرة التدميرية، والدقة النيرانية، والقدرة على المناورة واختراق الدفاعات الجوية، بما يزيد من صعوبة اعتراضها ويمنح الحوثيين قدرة أكبر على تهديد الأهداف الاستراتيجية السعودية. وبهذا، لم يعد التحدي الذي تواجهه الدفاعات الجوية السعودية مقتصرًا على كثافة الهجمات وتكلفتها، بل يمتد إلى تطور نوعية الصواريخ المستخدمة وقدرتها على الوصول إلى أهداف حيوية رغم وجود منظومات دفاع جوي متقدمة.
إن تكرار استهداف مطار الرياض والإصابة المتكررة له يشير إلى وجود ثغرات واختلالات في المظلة الدفاعية الجوية المكلفة بحماية هذا المكمن الاستراتيجي. ففي العمل العسكري، لا يُنظر إلى تكرار الإصابة باعتباره مجرد حادث منفصل، بل مؤشرًا على وجود خلل جوهري في منظومة الدفاع، سواء في كفاءة التغطية الجوية، أو قدرة الرصد والتعقب، أو فاعلية الاعتراض، أو التكامل بين مكونات الدفاع الجوي. فنجاح الهجوم مرة قد يرتبط بعوامل استثنائية، أما تكرار الاختراق فيستدعي مراجعة جدية لقدرة المنظومة على أداء مهمتها الأساسية، وهي منع وصول التهديدات إلى الهدف المحمي.
وتزداد أهمية هذا المؤشر عندما يتعلق الأمر بمنشأة استراتيجية بحجم مطار الرياض، إذ لا تقتصر الحماية على نشر منظومات دفاع جوي متقدمة، وإنما تتطلب بناء مظلة متكاملة قادرة على التعامل مع أنماط مختلفة من التهديدات، والتكيف مع تغير مسارات الهجوم وكثافته. كما أن كفاءة المنظومة لا تُقاس بعدد الصواريخ الاعتراضية أو نوع المنظومات المستخدمة فحسب، بل بقدرتها على اكتشاف التهديد في الوقت المناسب، وتحديد مساره، وتوزيع مهام الاشتباك، وتحقيق الاعتراض قبل وصوله إلى الهدف.
ومن ثم، فإن تكرار إصابة المطار يفرض تساؤلات عسكرية بشأن مدى كفاءة منظومة الدفاع الجوي المحيطة به، وقدرتها على توفير حماية مستدامة ضد الهجمات المتجددة. فالمشكلة الجوهرية ليست في وقوع اختراق منفرد، وإنما في تكراره دون أن تظهر قدرة واضحة على منعه. وهذه قاعدة أساسية في تقييم الأداء العسكري: تكرار الاختراقات مؤشر على وجود خلل يستوجب تحديده ومعالجته، لأن استمرار النمط نفسه يعني أن إجراءات الحماية لم تنجح بعد في تحييد التهديد بصورة فعالة.
ويشير تكرار الاستهداف إلى أن أنصار الله الحوثيين ربما درسوا طبيعة الدفاعات الجوية المحيطة بالمطار بشكل دقيق، ويستخدمون صواريخ متقدمة وقوة نارية تمكّنهم من اختراق هذه الدفاعات وتحقيق إصابات في النقطة المستهدفة.
ومن جانب آخر، تعكس هذه الاستهدافات محاولة أنصار الله الحوثيين إظهار امتلاكهم قدرات صاروخية باليستية متقدمة تتيح لهم الوصول إلى بنك أهداف داخل المملكة، بما يوسع نطاق التهديد ويزيد كلفة استمرار العمليات العسكرية ضدهم.
يحاول الحوثيون من خلال هذه الهجمات إيصال رسالة إلى الرياض مفادها أن استمرار الحرب يفرض على المملكة كلفة عسكرية وأمنية متزايدة، وأن إطالة أمد المواجهة تعني اتساع نطاق التهديد ليشمل مزيدًا من المنشآت والأهداف الاستراتيجية داخل الأراضي السعودية. وبهذا، يسعى الحوثيون إلى توظيف قدراتهم الصاروخية للضغط على القرار السعودي، ودفع الرياض إلى إعادة تقييم كلفة مواصلة العمليات الجوية في اليمن، في ظل ما قد يترتب على استمرارها من استنزاف دفاعي وأمني، بالتوازي مع تأثيرها في مسار المعارك البرية داخل اليمن.
كما يحاول الحوثيون من خلال هذه الهجمات إقناع الرياض بأن استمرار الحرب يرفع كلفة استهداف نقاط حيوية داخل المملكة، ويفرض واقعًا أمنيًا متوترًا في عمقها، بما يجعل إطالة أمد المواجهة مصدر تهديد متزايد للأمن والاستقرار الداخلي السعودي، ويدفع الرياض إلى مراجعة قرار مواصلة الحرب على الحوثيين.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة التصعيد الحوثي باعتباره محاولة للضغط على المملكة عبر استهداف مواقع استراتيجية، لدفعها إلى وقف القصف الجوي المكثف الذي ينفذه طيرانها الحربي ضد مواقع الحوثيين في مناطق متعددة داخل اليمن. وتقوم هذه المعادلة على ربط وقف الهجمات الحوثية بوقف الغارات السعودية، بما يحدّ من قدرة الرياض على مواصلة الضغط الجوي.
وتكمن الأهمية العسكرية لهذه المعادلة في تأثيرها المحتمل على مسار المعارك البرية؛ إذ يوفر التمهيد الجوي للقوات الموالية للمجلس الرئاسي ميزة عملياتية في مواجهة الحوثيين، من خلال استهداف مواقعهم وتجمعاتهم وإضعاف قدرتهم على الصمود والمناورة. وبالتالي، فإن توقف الغارات السعودية، إذا تحقق بالتوازي مع توقف الهجمات الحوثية، قد يؤدي إلى تجريد تلك القوات من جزء مهم من هذه الميزة، لتصبح المواجهة البرية أكثر اعتمادًا على القدرات الذاتية للقوات المتحاربة، دون الإسناد الجوي الذي يؤثر في ميزان العمليات على الأرض.
إن الترويج لفكرة أن المنشآت المدنية ذات الأهمية الاستراتيجية، كالمطارات والموانئ ومراكز صنع القرار ومنشآت البنية التحتية وقطاع النفط، لا تحتاج إلى مظلات دفاعية، هو طرح خاطئ من المنظور العسكري. فكل منشأة استراتيجية تمثل مصلحة حيوية للدولة ينبغي تأمينها بما يتناسب مع أهميتها وحجم التهديدات التي تواجهها، وتعمل الجيوش، ضمن عقائدها الدفاعية، على نشر منظومات الدفاع الجوي لحماية المنشآت الحيوية والمصالح الاستراتيجية.
ومن ثم، فإن تعرض هذه المنشآت للاستهداف أو نجاح هجمات في الوصول إليها يطرح تساؤلات بشأن كفاءة منظومة الحماية، ومدى قدرتها على اكتشاف التهديدات واعتراضها، وتغطية الثغرات المحتملة في الدفاعات الجوية. ولا يعني ذلك بالضرورة وجود خلل في المنظومة بأكملها، إذ قد يرتبط الاختراق بطبيعة الهجوم أو كثافة النيران أو محدودية التغطية، لكن تكرار الاستهدافات ونجاحها يفرضان تقييمًا جادًا لقدرات الدفاع والحماية، بدلًا من التقليل من أهمية تأمين هذه المنشآت.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.



